«نوبل الأدب» التي ترى ما لا نرى

الرصانة الأدبية صارت ملاعبة خفيفة للأفكار في عالم ما بعد الحقيقة

آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي -  موراكامي
آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي - موراكامي
TT

«نوبل الأدب» التي ترى ما لا نرى

آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي -  موراكامي
آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي - موراكامي

لم تكن آني إرنو Annie Ernaux، مُتوّجة نوبل الأدبية لعام 2022. غريبة عني مُذْ كانت شابة أو بعدما تجاوزَتْ عتبة الشباب بقليل. سمعتُ باسمها كاتبة في الفضاء النسوي وإن كانت كتاباتها ذات خصوصية موغلة في التجارب النسوية الشخصية التي لا أراها تصلحُ لأن تكون كتابة نسوية معيارية في حقل الأدب أو في حقل صناعة السياسات الثقافية. ارتأت «نوبل الأدب» أن تتوّجها عام 2022 بإكليل الكتابة الروائية الممهورة بتوقيع اللجنة النوبلية. ربما سيُحسَبُ في عداد الفضائل المستحقة للقيمين على شؤون نوبل الأدب أنهم اختاروا اسماً كان مطروحاً على قوائم الأسماء المرشّحة لنيل الجائزة منذ سنوات عديدة؛ ولم يأتونا باسم غريب أو دخيل على الصنعة الأدبية.
كنتُ قرأتُ لإرنو قبل تتويجها بالجائزة النوبلية كتابين أو ربما ثلاثة؛ لذا لم يكن من سبيل أمامي سوى قراءة أعمالها المترجمة إلى العربية. أجّلتُ كلّ انشغالاتي الكتابية والترجمية وانكببتُ على أعمال إرنو بجدّ وانضباط مثلما يفعلُ أي تلميذ مجتهد ومن غير انطباعات مسبقة أو أحكام متحيزة. كُتُبُ إرنو صغيرة محدودة الثيمات الروائية، وهي مما يمكنُ قراءة الواحد منها في جلسة ممتدة واحدة. ليس ثمة من تعقيدات أسلوبية أو نزوع نحو المثابات الفكرية العالية لديها؛ بل حتى عناوينُ أعمالها قصيرة مختزلة، وهذا ليس مثلبة؛ إذ يمكنُ أن يكون علامة إجادة واحتراف. قرأتُ لإرنو في الأيام اللاحقة لفوزها بنوبل الأدب أعمالها التالية: الاحتلال، المكان، شغف بسيط، امرأة، الحدث، مذكرات فتاة.
لم تعُدْ نوبل الأدب التي عرفناها من قبلُ كما كانت. صارت نوبل أخرى هجينة وغريبة على ذائقتنا الأدبية وهواجسنا الفلسفية ومثاباتنا الفكرية العالية. الدنيا صارت غير الدنيا التي نعرف: هذا صحيح بالطبع وهو أحد طبائع التطوّر البشري؛ لكن ليس كلّ تغيّر ارتقاءً نحو الأعالي المتقدمة نوعياً عمّا سبقها. ذهب جيلُ المعلّمين الكبار الذين تشرّفتْ نوبل بأن حفرت أسماءهم على لوائحها، كانوا أساطين أدب على شاكلة هرمان هسّة وغابرييل غارسيا ماركيز ودوريس ليسنغ، انقلبت الرصانة الأدبية ملاعبة خفيفة للأفكار من بعيد تحت قناع أدب ما بعد الحداثة أو ما بعد الحقيقة، واستحالت الدسامة الفلسفية حفراً في تراكمات السيرة الشخصية التي قد لا تعدو أكثر من حفنة وقائع عادية يمكنُ أن تحصل لكثيرين منّا. أليس هذا توصيفاً دقيقاً لأعمال آني إرنو المتوّجة على عرش نوبل الأدبية لهذا العام (2022)؟ أنا أحسبه كذلك.
دعونا ننطلق في رحلة فكرية متخيلة. هل كان يمكن لآني إرنو أن تقطف جائزة نوبل الأدبية قبل خمسين أو أربعين أو حتى عشرين عاماً؟ هل تكفي شجاعتها وجرأتها في الكشف عن مناطق شديدة الغور من حياتها الشخصية لأن تحوز نوبل الأدب؟ متغيراتٌ كثيرة لحقت بنوبل وجعلتنا نفقدُ حماستنا السابقة في التطلّع إلى من سيفوز بها كلّ سنة كما كنا نفعلُ في سنوات سابقات. صار أمرُ الجائزة والفائز بها يمرُّ بنا وكأنه إعلانٌ يومي عابر من الإعلانات التسويقية التي صارت تنهمرُ علينا مثل شلال لا يتوقف.
ربما الخصيصة الوحيدة التي لا تكاد نوبل الأدبية تفارقها هي دورانها في مدارات الثقافة الغربية. قلتُ: الثقافة الغربية ولم أقل الأدب الغربي ؛ لأنّ أباطرة نوبل شاءوا توسيع تخوم مملكة الأدب فضمّوا لها أقاليم من ألوان ثقافية شتى كانت كتابة أغاني البوب واحدة منها. إنه بعضُ سمات التجديد الذي أرادته نوبل الأدب.
يؤكّد أباطرة نوبل الأدبية أنّ المعيار الأساسي في الجائزة هو الجدارة الأدبية Literary Merit. لن أقتنع يوماً - وأحسبُ كثيرين يشاركونني قناعتي هذه - أنّ آني إرنو أعلى قيمة أدبية من مارغريت آتوود أو ميلان كونديرا أو هاروكي موراكامي أو إيزابيل ألليندي. المقارنة غير واردة بأي مقياس من المقاييس. ربما سيقول هؤلاء الأباطرة أنهم يرون غير ما نرى، ولو فعلوا فأحسبهم سيتّكئون على قاعدة الذائقة الذاتية للأدب، وتلك مخاتلة بيّنة لأنّ الميزة الذاتية لا تنفي التميّز الحِرَفي والصنعة المجوّدة في الكتابة.
لنحاول المقارنة بين أني إرنو وروائي وروائية من مجايليها المعاصرين. لنقارن بين إرنو وإيزابيل ألليندي أولاً رغم أنني أرى أنّ المقارنة ستذهبُ بعيداً في تسجيل نقاط مستحقة لصالح ألليندي. بدأت ألليندي صنعتها الروائية المتميزة من ثلاثيتها الروائية المبهرة «بيت الأرواح - صورة عتيقة - ابنة الحظ»، ثمّ واظبت في الارتقاء بتلك الصنعة في كتابها الدراماتيكي «باولا» عن روايتها «الحب والظلال» وروايتها التي لا تنسى «أناييس حبيبة روحي» التي أرّخت لاحتلال الإسبان للقارة الأميركية الجنوبية. لم تتوقف ألليندي عن إدهاشنا برواياتها ومذكّراتها، وأشيرُ بخاصة إلى كتابيها الأثيرين «بلدي المخترع» وكتاب مذكراتها «حصيلة الأيام».
لم تتخلّ ألليندي يوماً عن خريطة مشروعها الكبير في تقديم صورة بانورامية عن مجتمعات أميركا اللاتينية وأوضاعها السياسية والنزعة الذكورية التي تسم السلطة السياسية بجميع أطيافها حتى أفقر مزارع في مزرعة على تخوم حدودها الثلجية؛ لكنها حرصت بوعيها الاجتماعي ورؤيتها النسوية المتبصرة أن تقدّم مجتمع المواطنين الأصليين من القبائل الهندية بكل تقاليده وطقوسه وأساطيره وموروثه الثري، الذي حرسته النساء وحفظنه بما يمارسنه من أعمال وأساليب علاج ونسيج وغناء.
يمكنني القول أنّ إيزابيل ألليندي هي روائية عالمية باستحقاق كامل؛ فهي - إضافة لسحر لغتها وجموح خوضها في تفاصيل شخصياتها النسوية والذكورية برؤية أنثوية قل نظيرها في المشهد الروائي العالمي - تواصل تدوين تاريخ القارة اللاتينية في معظم رواياتها؛ ولكنها تكتبه كمن يدير قطعة كريستال ذات ألف وجه مضيء، وكلُّ وجه يكشف عن وقائع ساخنة ممتعة وجامحة حد السحر.
لنحاول الآن مقارنة إرنو مع روائي، وسأختارُ هاروكي موراكامي. ربما كان سبب اختياري لموراكامي أنني شرعتُ في قراءة كتاب منشور حديثاً له بعنوان الروائي كمهنة Novelist as a Vocation، وهو في الأصل كتاب نُشِر باليابانية عام 2015، ويضمُ مقالات تخصُّ الفن الروائي والرؤى التأسيسية لموراكامي بشأن الصنعة الروائية. أتساءلُ: هل ثمة من مقارنة بين روايات موراكامي البديعة (أذكر بالتحديد كافكا على الشاطئ – الغابة النرويجية) وبين أعمال إرنو البسيطة المستمدّة من تجارب يومية لها؟
تتمظهر السطوة الغربية على الأدب العالمي في سطوة الموضوعات المحببة للمؤسسة الأدبية الغربية؛ إذ منذ اللحظة الأولى التي يدركُ فيها الكاتب أنه يخطط لكي يخاطب جمهوراً عالمياً بدل الجمهور المحلي الذي اعتاده فإنّ طبيعة كتابته ستكون عرضة لتغيير جوهري، ويلحظ المرء بخاصة ميلاً طاغياً للكتّاب لإزاحة كلّ العوائق المحلية المفترضة التي تقف عائقاً أمام الفهم العالمي، ولطالما تردّدت هذه التهمة الأدبية غالباً وأشهِرَتْ بوجه أعمال الكاتب هاروكي موراكامي الذي صار يعتمد لغة تبسيطية موغلة في الاستسهال الأدبي على حدّ زعم مجايليه من الكتّاب اليابانيين الآخرين. ماذا سيقولُ اليابانيون إذن بشأن أعمال إرنو؟
يمكنُ اختصار أمر جائزة نوبل الأدبية بالمعادلة الشرطية التالية: إذا سعيتَ لجائزة نوبل الأدبية يجب عليك أن تتناول موضوعات تبدو عالمية الطابع لكنها تدور في الفضاء الغربي (على شاكلة: الأقليات، التجارب الجنسية الذاتية، التحولات الجندرية، إشكاليات الهوية الذاتية والمجتمعية... إلخ)، وأن تحظى هذه الكتابات بمباركة وتسويق مؤسسات النشر العملاقة. أما إذا فكّرت خارج هذا الصندوق فإنسَ أمر نوبل. لا أحد سيهتمّ لأمرك.
غالت نوبل الأدبية كثيراً في الانحياز لفضاء الأدب الغربي والدوران في أفلاكه. قد تكون بعضُ مسوّغات هذا الانحياز مفهومة؛ لكنها تظلُّ غير مقبولة وتشكّلُ ثُلْمة في نزاهة الضمير النوبلي. هل من مخرجٍ لهذه الإشكالية؟ أقترحُ حلاً لهذه الإشكالية أن تعتمد نوبل الأدب استراتيجية المحاصصة النوبلية الثلاثية إيفاءً بمتطلبات العدالة الجندرية والجغرافية؛ بمعنى أن تتوزّع الجائزة كلّ سنة على ثلاثة أسماء أدبية، واحدة لكاتب، وثانية لكاتبة، وثالثة لكاتب أو كاتبة من الجغرافية الموصوفة بغير الانتماء لعالم الغرب ممثلاً في حواضره الكوسموبوليتانية، ويمكنُ حصرُ هذه الجغرافية في (آسيا وأفريقيا والبحر الكاريبي وأميركا الجنوبية) حصرياً. التسويغ لهذا المقترح واضحٌ: لماذا ينفرد اسم واحد كل سنة بهذه الجائزة بدلاً من اسمين أو ثلاثة مثلما يحصل مع نوبل الأدب أو الفيزياء أو الكيمياء أو حتى (أحياناً) السلام والاقتصاد ؟
نعرفُ العبارة التي تترددُ في أدبيات التنمية المستدامة: تصرّف محلياً، فكّرْ عالمياًAct Locally، Think Globally. يمكن للمخيال الأدبي البشري توظيف هذه العبارة في تناول معضلات قد تبدو غارقة في محليتها لكنها قد توفرُ حلولاً ناجعة لمعضلات ينوء بها الغرب. المؤسسة الأدبية الغربية لا تقبلُ هذا الأمر. قانونها الحاكم هو: تصرّفْ محلياً كما تشاء أنت؛ فكّرْ عالمياً كما نشاء نحنُ!!
هذه هي الجدارة الأدبية التي يريدها القيّمون على نوبل الأدب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
TT

هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)
عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)

اعتمدت الحكومة المصرية أخيراً خطة لتخضير القاهرة، بعد انتقادات حادة طالتها بسبب قطع أشجار عتيقة بشارع «جامعة الدول»، الشهير بالجيزة، وأعلنت محافظتا القاهرة والجيزة عن إعادة تشجير الشوارع بآلاف الأشجار الجديدة، مما أثار انتقادات وتساؤلات عن جدوى زراعة الأشجار الجديدة وقدرتها على تعويض الأخرى المقطوعة.

وأعلنت محافظة الجيزة بدء تنفيذ أعمال تشجير جديدة ضمن مبادرة «100 مليون شجرة»، مؤكدةً أن التوسع في الزراعة سيجري وفق أسس علمية تراعي اختيار الأنواع الملائمة للظروف المناخية، إلى جانب وضع آليات لصيانة الأشجار وريها لضمان استدامتها.

وتتزامن التحركات في الجيزة مع توسع مماثل في القاهرة؛ إذ قال محافظ القاهرة إبراهيم صابر، خلال جولة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الأحد، إن المحافظة تستهدف زراعة مليون نبتة خلال عام، بينها 60 ألف شجرة، بواقع لا يقل عن 1500 شجرة في كل حي وفق مساحته والأماكن المتاحة للزراعة، إلى جانب 800 ألف من النباتات والشجيرات.

وأضاف صابر أن المحافظة زرعت بالفعل أكثر من «3 آلاف شجرة ونحو 700 ألف من الشجيرات والنباتات»، مشيراً إلى الاستعانة بمكتب استشاري متخصص لوضع خطة التشجير واختيار الأنواع الملائمة.

رئيس الوزراء المصري يتفقد عدداً من مشروعات الزراعة والتشجير في محافظة القاهرة (رئاسة الوزراء)

لكن الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، يرى أن تعويض الأشجار القديمة «لا يمكن قياسه بأعداد الأشجار الجديدة وحدها»، وأن المسألة ترتبط بنوع الأشجار المختارة وعمرها والوظيفة البيئية التي تؤديها داخل المدينة، منتقداً أن «بعض الأشجار الجديدة التي بدأت زراعتها لتعويض الأشجار القديمة لم تُراعَ في اختيارها الوظائف البيئية التي كانت تؤديها الأشجار المقطوعة، من بينها توفير الظل وخفض درجات الحرارة»، مستشهداً بزراعة «النخيل في بعض المواقع بدلاً من الأشجار ذات التيجان الواسعة».

ويقول نور الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن النخيل لا يعطي ظلاً ولا يخفف الحرارة بالشكل الذي تؤديه أشجار الظل، موضحاً أن التشجير في المدن يفترض أن يراعي توفير الظل خلال الصيف، وتجديد الهواء والتخفيف من تأثير عوادم السيارات، إلى جانب البعد الجمالي، عبر اختيار أنواع مزهرة تتلاءم مع الشوارع.

ولا تتوقف صعوبة التعويض، وفق نور الدين، عند اختيار نوع الأشجار، وإنما تمتد إلى الفارق الزمني الكبير بين الأشجار المقتلعة والشتلات التي تحل محلها، ويستشهد بما شهدته منطقة المهندسين (غرب القاهرة)، قائلاً إن «أصغر شجرة اقتُلعت في المهندسين كان عمرها نحو 70 عاماً»، وإن الأشجار القديمة في المنطقة كوّنت على مدى عقود مجموعاً جذرياً مستقراً، بينما تبدأ الأشجار الجديدة بجذور محدودة وتحتاج إلى سنوات حتى تصل إلى حالة مماثلة.

جانب من عمليات قطع أشجار شارع جامعة الدول في المهندسين (الشرق الأوسط)

ويضيف أن الأشجار الجديدة تحتاج إلى رعاية وري منتظمين «لمدة لا تقل عن عشر سنوات»، حتى تتمكن جذورها من الامتداد وتستقر في التربة، وهو ما يجعل، وفق رأيه، «المقارنة العددية بين ما أزيل من أشجار وما تتم زراعته من شتلات جديدة غير متكافئة»، فلا تعوّض الشتلة بمجرد زراعتها ما كانت توفره شجرة عمرها عشرات السنين من ظل وكتلة خضراء وتخفيف للحرارة وعوادم السيارات.

ويرى نور الدين أن المشكلة تمتد إلى غياب جهة واحدة تدير ملف الأشجار وفق خطة متكاملة، مشيراً إلى أن المسؤولية ما زالت موزعة بين المحليات ووزارة الزراعة، رغم أن التعامل مع الأشجار المعمرة يحتاج، وفق رأيه، إلى إشراف زراعي متخصص يحدد ما يمكن الحفاظ عليه أو نقله وما تستدعي الضرورة إزالته.

وكانت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، قد وجهت، مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، بحصر الأشجار التي قُطعت في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، وتحديد أسباب إزالتها بدلاً من نقلها، وتعويضها بأعداد مضاعفة مع اختيار أنواع ملائمة لطبيعة المكان وأعمال التطوير.

وتتجه محافظة القاهرة في خطتها الأحدث إلى تبني معايير أكثر تحديداً في التعامل مع التشجير؛ إذ أعلنت خلال الشهر الجاري الاستعانة بخبراء ومتخصصين، ثم بمكتب استشاري، لاختيار الأنواع المناسبة للبيئة المصرية، مع التركيز على الأشجار قليلة استهلاك المياه، إلى جانب الحفاظ على الأشجار القائمة وعدم تقليمها إلا للضرورة ووفق المعايير الفنية.

شجرة عتيقة مقطوعة (الشرق الأوسط)

ومن جانبه، يقول المهندس الزراعي أحمد هلال: «يستحيل أن تحل الأشجار الجديدة محل الأشجار التي سبقتها بعشرات السنين»، موضحاً أن «الشجرة المعمرة تكون قد احتاجت سنوات طويلة لتكوين مجموع جذري مستقر في التربة، بالتوازي مع نمو الجذع والتاج والمساحة الورقية، بينما تبدأ الشتلات الجديدة دورة نمو تحتاج إلى سنوات قبل تكوين كتلة خضراء مماثلة».

ويضيف هلال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تمتلك رصيداً من الأشجار المعمرة، وإزالة الأشجار لا ينبغي التعامل معها باعتبارها نتيجة حتمية لمشروعات التطوير»، مشيراً إلى أن «الاستعانة بخبرات التخطيط والزراعة قبل تنفيذ المشروعات كان من شأنها تقليص حجم الخسائر، في ظل وجود أساليب علمية للتعامل مع الأشجار القديمة والحفاظ عليها».

ويرى أن الفارق لا يتعلق بعمر الشجرة فقط، وإنما بما أصبحت «تؤديه بعد سنوات من النمو؛ فحجم المجموع الخضري واتساع التاج وامتداد الجذور عوامل تجعل الأثر البيئي للشجرة الناضجة مختلفاً عن أثر الشتلة الجديدة، حتى إذا زُرعت أعداد كبيرة منها، وهو ما يجعل عملية التعويض مرتبطة بالزمن وليس بارتباطها بعدد الأشجار المزروعة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
TT

هشام عاشور: «الهدف» يناقش سقوط صدام حسين من زوايا متعددة

هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)
هشام عاشور (حسابه على «إنستغرام»)

قال الممثل المصري هشام عاشور إن شخصية «غالب» التي يجسدها في مسلسل «الهدف» (High Value Target) تمثل نقطة تحول مهمة في مسيرته الفنية؛ لأنها دفعته إلى اكتشاف جانب جديد في تجربته كممثل، موضحاً أنه اكتشف خلال التحضير للدور أنه لا يكتفي بحب الشخصيات المركبة، وإنما يجد نفسه شغوفاً بتفاصيلها وطريقة بنائها، خصوصاً عندما تحتاج الشخصية إلى دراسة تقنيات مختلفة للوصول إلى دوافعها الداخلية.

وأضاف هشام عاشور في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن صعوبة شخصية «غالب» جاءت من كونها لا تتحرك في اتجاه واحد، فهو ضابط عراقي يحتاج إلى حضور صارم وقوي، لكنه في الوقت نفسه يحمل خلفية دينية وموقفاً خاصاً من الأحداث التي عاشها العراق خلال تلك المرحلة، لافتاً إلى أن بناء الشخصية تطلب منه البحث عن المساحة الإنسانية الموجودة خلف صورة الضابط، حتى لا يتحول إلى مجرد أداة داخل الأحداث أو نموذج نمطي لشخصية عسكرية.

وأكد أن بناء دور «غالب» لم يعتمد على مشاهدة نماذج لضباط عراقيين في أفلام هوليوودية أو أعمال سابقة، لكونه تعمد ألا يربط الشخصية بصورة جاهزة سبق أن شاهدها، وإنما استند إلى خبراته التي اكتسبها من الحياة والسفر والاحتكاك بثقافات مختلفة، إلى جانب قراءته الدقيقة للمشاهد، مشيراً إلى أنه حاول أن يفسر «غالب» من داخله، وأن يصل إلى نواياه ودوافعه من خلال النص نفسه.

مسلسل «الهدف» دراما تشويقية من 8 حلقات، تتناول التحقيقات التي أعقبت القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في ديسمبر 2003، وتستند إلى مذكرات جون نيكسون، محلل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الذي قاد جلسات استجوابه، لتعيد بناء واحدة من أكثر مراحل الغزو الأميركي للعراق تعقيداً من خلال المواجهات والتحقيقات التي جرت بعد القبض عليه.

ورأى أن التحدي الحقيقي لم يكن في تقديم «غالب» كضابط عراقي فحسب، وإنما في إظهار إنسانيته، وتعقيد علاقته ببلده وبالأطراف الموجودة حوله، موضحاً أن الشخصية لديها موقف من نظام صدام حسين، لكنها في الوقت نفسه شخصية عراقية، وتحمل مشاعر تجاه وطنها، وهذا التناقض كان مهماً بالنسبة له؛ لأنه يثبت أن الموقف السياسي أو الطائفي لا يمكن أن يختصر الإنسان بالكامل.

اختبارات أداء

وأوضح أن اختياره لشخصية «غالب» جاء بعد رحلة طويلة من اختبارات الأداء، بعدما علم لاحقاً أن أكثر من 30 ممثلاً من جنسيات مختلفة كانوا يتنافسون على الدور، بينهم أميركيون وعراقيون ولبنانيون وغيرهم، لافتاً إلى أن مراحل الاختبار بدأت بتسجيل ذاتي، ثم اختبار أمام المخرج، قبل أن يصل إلى الاختبار الثالث أمام المخرج ليزلي جريف.

وأرجع صعوبة الاختبار الأخير إلى مطالبته بأداء مشاهد طويلة أمام مجموعة كبيرة من العاملين، ثم إعادة المشهد مرة أخرى بطريقة مختلفة موضحاً أن الممثل قد يشعر بعد المرة الأولى بأنه قدم كل ما لديه، لكن إعادة المشهد تضعه أمام اختبار جديد، لكنه خرج من التجربة بشعور قوي بأنه قدم ما يستطيع، قبل أن ينتظر شهرين أو ثلاثة دون أن يعرف النتيجة.

هشام عاشور في تحضيرات التصوير (الشرق الأوسط)

وقال هشام عاشور إن وصول خبر اختياره للدور كان لحظة شديدة السعادة بالنسبة له، خصوصاً أن الطريق إلى هذه التجربة العالمية بدأ بالنسبة إليه منذ سنوات، وأن الوقوف داخل لوكيشن أميركي جعله يستعيد حلماً قديماً ظل يعمل من أجله منذ عام 2012 مع التأكيد على أن اختلاف اللغة والمكان وطبيعة العمل نفسها جعل التجربة تحمل له إحساساً خاصاً، يتجاوز مجرد المشاركة في مسلسل جديد.

وقال إن العمل إلى جانب الممثل السويدي الأميركي جويل كينمان أضاف إليه كثيراً على مستوى الأداء، موضحاً أن كينمان لم يكن حاضراً كممثل فقط، وإنما كان أيضاً منتجاً للعمل، ويمتلك معرفة دقيقة بحركة الكاميرا وطريقة إدارة المشهد.

وأشار إلى أن بعض ملاحظاته البسيطة في أثناء التصوير كانت تفتح أمامه مساحات جديدة في الأداء، مؤكداً أن التعامل مع ممثل محترف بهذا المستوى يجعلك تتعلم حتى في اللحظات التي لا يكون فيها التعلم مباشراً.

ورأى أن التعامل مع قصة العراق داخل إنتاج درامي عالمي يفرض بطبيعته تعدداً في وجهات النظر، موضحاً أن العمل لا يستطيع، من وجهة نظره، أن يقدم العراق أو الولايات المتحدة باعتبار أي منهما على صواب كامل طوال الوقت، وأن المشاهد يعرف جزءاً من السياق التاريخي، لكن هناك جوانب كثيرة من قصة الغزو والتحقيقات وما جرى في تلك الفترة لا تزال غير معروفة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور، وهو ما يجعل تقديم أكثر من زاوية أمراً أساسياً.

وشدد على أن الممثل في النهاية يظل ملتزماً بالنص الذي يقدمه العمل، حتى عندما تكون لديه رؤيته الخاصة تجاه بعض التفاصيل، موضحاً أن وجوده داخل منظومة إنتاج عالمية يعني احترام رؤية المخرج والسيناريو.

وقال إن أحد أصعب تحديات التجربة لم يكن مرتبطاً بالأداء وحده، وإنما بما تعرض له جسدياً في أثناء تصوير المشهد الطويل، موضحاً أنه سقط بعد تصوير الجزء الأول من المشهد، وأصيب إصابات بالغة، وأول ما فكر فيه لحظة سقوطه هو أن الحلم الذي ظل يعمل من أجله منذ عام 2012 قد انتهى، قبل أن يكتشف أن عليه استكمال بقية المشهد رغم الإصابة.


«خيط أحمر» يسأل: ما الذي فعله «سيتي كومبلكس» بأهل طرابلس؟

«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)
«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)
TT

«خيط أحمر» يسأل: ما الذي فعله «سيتي كومبلكس» بأهل طرابلس؟

«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)
«مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)

فيلم قصير مدّته 25 دقيقة، عُرض خلال تظاهرة «شاشات الواقع»، التي نظّمتها سينما «ميتروبوليس» في بيروت مؤخراً، يعيد إلى الأذهان تاريخ مركز تجاري افتُتح في طرابلس نهاية القرن الماضي، وكان بمثابة ثورة معمارية واجتماعية. لكن قبل أن يمرّ ربع قرن على «سيتي كومبلكس»، ببنيانه البديع، فقد حيويته ودوره الموعود، وبات شاهداً على مرحلة مفصلية في تاريخ المدينة، حدث خلالها ما لم يلحظه كثيرون.

فالطرابلسيون يمرّون اليوم أمام هذا «المول» الوحيد في مدينتهم، بمصاعده الزجاجية وسقفه الشفاف وطوابقه الأنيقة، ولا ينتبهون إلى أنه فقد وهجه في مدّة قياسية، وأنّ الآمال التي ارتبطت بتشييده، بعد توقف الحرب الأهلية عام 1990 والولادة الجديدة للبنان، أُجهضت. وربما كان خمود حركة هذا المركز ولا مبالاة السكان جزءاً من تعثُّر المسار العام.

علاقة قصيرة انتهت بحادث غيَّر المستقبل (خيط أحمر)

مخرج فيلم «خيط أحمر» وكاتب نصه أحمد نابلسي، يرى فيما حدث في هذا «المول» رمزية لما عاشته المدينة، وربما مدن عدّة أخرى، ويحاول قراءة التحوّلات من خلال قصص شابين وفتاة ارتادوا جميعهم هذا المكان الحديث بعد افتتاحه عام 1996. يعود المخرج بهم ثلاثتهم إلى «سيتي كومبلكس» بعد ربع قرن، وقد هجرته غالبية مطاعمه الشهيرة التي كانت تعجّ بالرواد، ومحلاته التجارية الكبيرة، وبات هادئاً وشبه مهجور. نراهم يدخلون بوابة المركز التجاري الحديدية الحمراء. ينزل أحدهم الدرج الذي يؤدي إلى طابق تحت الأرض، حيث كانت «فن لاند» أو أرض اللهو لأطفال المدينة، بينما يكمل اثنان منهما طريقهما إلى الطابق الأرضي. الثلاثة بملابس بيضاء ووجوه بلا تعابير.

ثلاث حكايات خرجت من «سيتي كومبلكس» ولم تخرج منها الصدمة (خيط أحمر)

تجول بنا الكاميرا قليلاً في «المول». نرى المصعد الزجاجي، وقهوة العشاق الصغيرة، وهي من بين الأماكن القليلة التي صمدت، ولم يعد فيها غير صاحبها. أناس يغادرون سينما «بلانيت» التي صارت شبه مهجورة، ثم «مانيكان» محطماً، كأن أحد المحلات التجارية رمى به وتخلّى عنه. إلى جانب أجزاء هذه الدمية المكسّرة، يستلقي أحد الأشخاص الثلاثة، الذي سيواجه الكاميرا ويحكي قصته، بعد زفرة عميقة، بوجه جامد، كأنّ الزمن أفقده الإحساس بالصدمة.

«كان عمري 14 سنة، تلميذاً بمدرسة للصبيان، حين كنا نرى جارة تنشر الغسيل نتأثر، فكيف إذا حكينا مع فتاة عبر (إم إس إن)».

حبّ لم يصمد أمام نظرة المجتمع (خيط أحمر)

هكذا تعيدنا القصة أيضاً إلى بدايات الإنترنت وزمن الدردشة على «إم إس إن». يروي أن رفيقه أمدّه برقم فتاة، وسرعان ما يكشف حواره معها عن فجوة اجتماعية. اسم المدرسة، والحيّ الذي تسكن فيه، والموسيقى التي تسمعها، والطعام الذي تتناوله، كلّها إشارات طبقية صارخة يفهم منها أن المسافة مع «صبا» كبيرة. بعد علاقة قصيرة ومقارنات مرهقة، يرمي بنفسه من طابق علوي في «المول»، ويطلب أن تتصل «صبا» بالإسعاف، وحوله أجزاء «المانيكان» المحطم. بعد هذه الحادثة، فقد الشاب كلّ أمل في الفوز بمنافسة في «الكيك بوكسينغ» كان يحلم بأن تغيّر مستقبله. كل شيء انتهى بالفعل، وقد أصيب إثر سقطته بإعاقة دائمة في ساقه.

يأتي دور الفتاة. تجلس أمام الكاميرا بوجه حيادي غائم. تتحدّث عن حجابها. تشكو من أنه يمكن أن يغيّر كل شيء؛ يمنع لاعبة من المشاركة في الأولمبياد، ويحرم تلميذة من الالتحاق بجامعة أو صفّ معين، ويمنع النساء من السباحة على شواطئ لبنان. أما هي فقد منعها الحجاب من الحبّ.

شاب غيّرت حادثة في «سيتي كومبلكس» مسار حياته (خيط أحمر)

تروي: «كان عمري 14 سنة، تحجّبت أو حجّبوني، وخسرت بسبب الحجاب مَن أحب». الظالمون هم الناس الذين يحاكمون المختلف. «كنا نلتقي في السينما، نسرق نظرات بالعتمة». والإشارة لا بدّ أن تكون إلى سينما في «سيتي كومبلكس». صار اللقاء يتكرّر والحبّ يتوثق، إلى أن جاء يوم وتحجّبت. حين رآها حبيبها، أدار رأسه عنها كأنه لا يعرفها. «لأن بنات (السيتي) كول وأنا لم أعد كذلك». نراها في السينما والمقاعد فارغة. هي وحدها بالحجاب الأبيض وسط الكراسي الحمراء، وفيلم أجنبي تدور أحداثه على الشاشة أمامها.

قصة حبّ انتهت قبل أن تبدأ، في مركز تجاري أصبح نقطة التقاء لمَن كان يصعب التقاؤهم. الصدمة كانت قاسية، دفع ثمنها أفراد كثر، في صمت استمر أكثر من 20 سنة. صارت العاشقة بعد هجران حبيبها تعيش «وحيدة، كأنما صارت تعيش جهنم على الأرض».

الشاب الأخير قصته هي الأكثر عنفاً. جاء إلى هذا المركز التجاري بمحض الصدفة وبسبب الغواية. بوجه جامد أيضاً، يروي الثالث حكايته. ذات يوم من عام 1999، وبعد صلاة الجمعة، رافق الطفل والده إلى سوق الذهب، حيث يذهب الأب باستمرار للقاء أصدقائه واحتساء كأس من الشاي. لمح الصبي قطة وجرى وراءها، وقطع مسافة وهو يلاعبها. اختفى سوق الذهب من أمامه، وسمع امرأة بقربه تقول لأولادها إنها ستأخذهم إلى مكان فيه أحصنة بلاستيكية، وسيارات مضيئة، وفليبر، وسنايبر. تحمّس الصبي الصغير، فلحق بهم ومشى طويلاً. وصل إلى باب أحمر كبير، ودلف معهم إلى الطابق السفلي من «سيتي كومبلكس». رأى شيئاً مثل الخيال. سألوه هناك عن نقوده، ولم يكن معه سوى فتات، فطردته الموظفة. اكتشفت أنه تبوّل في ملابسه. طلبت منه أن يذهب إلى الحمام، وهي تقول: «شو هالقرف!». في الحمام، نسي أن يغلق الباب، فدهمه أحدهم واعتدى عليه.

الباب الأحمر نفسه... وثلاثة عائدين بعد ربع قرن (خيط أحمر)

صراخ الطفل يمزّق القلب. الفيلم قاسٍ، مكثّف، مكتوب بشغاف القلب، ومصوّر بقسوة توازي تلك التي عاشها الأهالي في مواجهة جديد أتاهم بغتة، بعد انغلاق الحرب.

بالطبع، لم يكن «سيتي كومبلكس» سبب كلّ الصدمات والموبقات، لكن اختياره رمزاً يحمل دلالات عالية ومؤثرة، يفهمها جيداً أهالي طرابلس، وأهالي كلّ مدينة شهدت ولادة مبنى مركزي جديد يُغيّر نمط الحياة فيها.