«نوبل الأدب» التي ترى ما لا نرى

الرصانة الأدبية صارت ملاعبة خفيفة للأفكار في عالم ما بعد الحقيقة

آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي -  موراكامي
آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي - موراكامي
TT

«نوبل الأدب» التي ترى ما لا نرى

آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي -  موراكامي
آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي - موراكامي

لم تكن آني إرنو Annie Ernaux، مُتوّجة نوبل الأدبية لعام 2022. غريبة عني مُذْ كانت شابة أو بعدما تجاوزَتْ عتبة الشباب بقليل. سمعتُ باسمها كاتبة في الفضاء النسوي وإن كانت كتاباتها ذات خصوصية موغلة في التجارب النسوية الشخصية التي لا أراها تصلحُ لأن تكون كتابة نسوية معيارية في حقل الأدب أو في حقل صناعة السياسات الثقافية. ارتأت «نوبل الأدب» أن تتوّجها عام 2022 بإكليل الكتابة الروائية الممهورة بتوقيع اللجنة النوبلية. ربما سيُحسَبُ في عداد الفضائل المستحقة للقيمين على شؤون نوبل الأدب أنهم اختاروا اسماً كان مطروحاً على قوائم الأسماء المرشّحة لنيل الجائزة منذ سنوات عديدة؛ ولم يأتونا باسم غريب أو دخيل على الصنعة الأدبية.
كنتُ قرأتُ لإرنو قبل تتويجها بالجائزة النوبلية كتابين أو ربما ثلاثة؛ لذا لم يكن من سبيل أمامي سوى قراءة أعمالها المترجمة إلى العربية. أجّلتُ كلّ انشغالاتي الكتابية والترجمية وانكببتُ على أعمال إرنو بجدّ وانضباط مثلما يفعلُ أي تلميذ مجتهد ومن غير انطباعات مسبقة أو أحكام متحيزة. كُتُبُ إرنو صغيرة محدودة الثيمات الروائية، وهي مما يمكنُ قراءة الواحد منها في جلسة ممتدة واحدة. ليس ثمة من تعقيدات أسلوبية أو نزوع نحو المثابات الفكرية العالية لديها؛ بل حتى عناوينُ أعمالها قصيرة مختزلة، وهذا ليس مثلبة؛ إذ يمكنُ أن يكون علامة إجادة واحتراف. قرأتُ لإرنو في الأيام اللاحقة لفوزها بنوبل الأدب أعمالها التالية: الاحتلال، المكان، شغف بسيط، امرأة، الحدث، مذكرات فتاة.
لم تعُدْ نوبل الأدب التي عرفناها من قبلُ كما كانت. صارت نوبل أخرى هجينة وغريبة على ذائقتنا الأدبية وهواجسنا الفلسفية ومثاباتنا الفكرية العالية. الدنيا صارت غير الدنيا التي نعرف: هذا صحيح بالطبع وهو أحد طبائع التطوّر البشري؛ لكن ليس كلّ تغيّر ارتقاءً نحو الأعالي المتقدمة نوعياً عمّا سبقها. ذهب جيلُ المعلّمين الكبار الذين تشرّفتْ نوبل بأن حفرت أسماءهم على لوائحها، كانوا أساطين أدب على شاكلة هرمان هسّة وغابرييل غارسيا ماركيز ودوريس ليسنغ، انقلبت الرصانة الأدبية ملاعبة خفيفة للأفكار من بعيد تحت قناع أدب ما بعد الحداثة أو ما بعد الحقيقة، واستحالت الدسامة الفلسفية حفراً في تراكمات السيرة الشخصية التي قد لا تعدو أكثر من حفنة وقائع عادية يمكنُ أن تحصل لكثيرين منّا. أليس هذا توصيفاً دقيقاً لأعمال آني إرنو المتوّجة على عرش نوبل الأدبية لهذا العام (2022)؟ أنا أحسبه كذلك.
دعونا ننطلق في رحلة فكرية متخيلة. هل كان يمكن لآني إرنو أن تقطف جائزة نوبل الأدبية قبل خمسين أو أربعين أو حتى عشرين عاماً؟ هل تكفي شجاعتها وجرأتها في الكشف عن مناطق شديدة الغور من حياتها الشخصية لأن تحوز نوبل الأدب؟ متغيراتٌ كثيرة لحقت بنوبل وجعلتنا نفقدُ حماستنا السابقة في التطلّع إلى من سيفوز بها كلّ سنة كما كنا نفعلُ في سنوات سابقات. صار أمرُ الجائزة والفائز بها يمرُّ بنا وكأنه إعلانٌ يومي عابر من الإعلانات التسويقية التي صارت تنهمرُ علينا مثل شلال لا يتوقف.
ربما الخصيصة الوحيدة التي لا تكاد نوبل الأدبية تفارقها هي دورانها في مدارات الثقافة الغربية. قلتُ: الثقافة الغربية ولم أقل الأدب الغربي ؛ لأنّ أباطرة نوبل شاءوا توسيع تخوم مملكة الأدب فضمّوا لها أقاليم من ألوان ثقافية شتى كانت كتابة أغاني البوب واحدة منها. إنه بعضُ سمات التجديد الذي أرادته نوبل الأدب.
يؤكّد أباطرة نوبل الأدبية أنّ المعيار الأساسي في الجائزة هو الجدارة الأدبية Literary Merit. لن أقتنع يوماً - وأحسبُ كثيرين يشاركونني قناعتي هذه - أنّ آني إرنو أعلى قيمة أدبية من مارغريت آتوود أو ميلان كونديرا أو هاروكي موراكامي أو إيزابيل ألليندي. المقارنة غير واردة بأي مقياس من المقاييس. ربما سيقول هؤلاء الأباطرة أنهم يرون غير ما نرى، ولو فعلوا فأحسبهم سيتّكئون على قاعدة الذائقة الذاتية للأدب، وتلك مخاتلة بيّنة لأنّ الميزة الذاتية لا تنفي التميّز الحِرَفي والصنعة المجوّدة في الكتابة.
لنحاول المقارنة بين أني إرنو وروائي وروائية من مجايليها المعاصرين. لنقارن بين إرنو وإيزابيل ألليندي أولاً رغم أنني أرى أنّ المقارنة ستذهبُ بعيداً في تسجيل نقاط مستحقة لصالح ألليندي. بدأت ألليندي صنعتها الروائية المتميزة من ثلاثيتها الروائية المبهرة «بيت الأرواح - صورة عتيقة - ابنة الحظ»، ثمّ واظبت في الارتقاء بتلك الصنعة في كتابها الدراماتيكي «باولا» عن روايتها «الحب والظلال» وروايتها التي لا تنسى «أناييس حبيبة روحي» التي أرّخت لاحتلال الإسبان للقارة الأميركية الجنوبية. لم تتوقف ألليندي عن إدهاشنا برواياتها ومذكّراتها، وأشيرُ بخاصة إلى كتابيها الأثيرين «بلدي المخترع» وكتاب مذكراتها «حصيلة الأيام».
لم تتخلّ ألليندي يوماً عن خريطة مشروعها الكبير في تقديم صورة بانورامية عن مجتمعات أميركا اللاتينية وأوضاعها السياسية والنزعة الذكورية التي تسم السلطة السياسية بجميع أطيافها حتى أفقر مزارع في مزرعة على تخوم حدودها الثلجية؛ لكنها حرصت بوعيها الاجتماعي ورؤيتها النسوية المتبصرة أن تقدّم مجتمع المواطنين الأصليين من القبائل الهندية بكل تقاليده وطقوسه وأساطيره وموروثه الثري، الذي حرسته النساء وحفظنه بما يمارسنه من أعمال وأساليب علاج ونسيج وغناء.
يمكنني القول أنّ إيزابيل ألليندي هي روائية عالمية باستحقاق كامل؛ فهي - إضافة لسحر لغتها وجموح خوضها في تفاصيل شخصياتها النسوية والذكورية برؤية أنثوية قل نظيرها في المشهد الروائي العالمي - تواصل تدوين تاريخ القارة اللاتينية في معظم رواياتها؛ ولكنها تكتبه كمن يدير قطعة كريستال ذات ألف وجه مضيء، وكلُّ وجه يكشف عن وقائع ساخنة ممتعة وجامحة حد السحر.
لنحاول الآن مقارنة إرنو مع روائي، وسأختارُ هاروكي موراكامي. ربما كان سبب اختياري لموراكامي أنني شرعتُ في قراءة كتاب منشور حديثاً له بعنوان الروائي كمهنة Novelist as a Vocation، وهو في الأصل كتاب نُشِر باليابانية عام 2015، ويضمُ مقالات تخصُّ الفن الروائي والرؤى التأسيسية لموراكامي بشأن الصنعة الروائية. أتساءلُ: هل ثمة من مقارنة بين روايات موراكامي البديعة (أذكر بالتحديد كافكا على الشاطئ – الغابة النرويجية) وبين أعمال إرنو البسيطة المستمدّة من تجارب يومية لها؟
تتمظهر السطوة الغربية على الأدب العالمي في سطوة الموضوعات المحببة للمؤسسة الأدبية الغربية؛ إذ منذ اللحظة الأولى التي يدركُ فيها الكاتب أنه يخطط لكي يخاطب جمهوراً عالمياً بدل الجمهور المحلي الذي اعتاده فإنّ طبيعة كتابته ستكون عرضة لتغيير جوهري، ويلحظ المرء بخاصة ميلاً طاغياً للكتّاب لإزاحة كلّ العوائق المحلية المفترضة التي تقف عائقاً أمام الفهم العالمي، ولطالما تردّدت هذه التهمة الأدبية غالباً وأشهِرَتْ بوجه أعمال الكاتب هاروكي موراكامي الذي صار يعتمد لغة تبسيطية موغلة في الاستسهال الأدبي على حدّ زعم مجايليه من الكتّاب اليابانيين الآخرين. ماذا سيقولُ اليابانيون إذن بشأن أعمال إرنو؟
يمكنُ اختصار أمر جائزة نوبل الأدبية بالمعادلة الشرطية التالية: إذا سعيتَ لجائزة نوبل الأدبية يجب عليك أن تتناول موضوعات تبدو عالمية الطابع لكنها تدور في الفضاء الغربي (على شاكلة: الأقليات، التجارب الجنسية الذاتية، التحولات الجندرية، إشكاليات الهوية الذاتية والمجتمعية... إلخ)، وأن تحظى هذه الكتابات بمباركة وتسويق مؤسسات النشر العملاقة. أما إذا فكّرت خارج هذا الصندوق فإنسَ أمر نوبل. لا أحد سيهتمّ لأمرك.
غالت نوبل الأدبية كثيراً في الانحياز لفضاء الأدب الغربي والدوران في أفلاكه. قد تكون بعضُ مسوّغات هذا الانحياز مفهومة؛ لكنها تظلُّ غير مقبولة وتشكّلُ ثُلْمة في نزاهة الضمير النوبلي. هل من مخرجٍ لهذه الإشكالية؟ أقترحُ حلاً لهذه الإشكالية أن تعتمد نوبل الأدب استراتيجية المحاصصة النوبلية الثلاثية إيفاءً بمتطلبات العدالة الجندرية والجغرافية؛ بمعنى أن تتوزّع الجائزة كلّ سنة على ثلاثة أسماء أدبية، واحدة لكاتب، وثانية لكاتبة، وثالثة لكاتب أو كاتبة من الجغرافية الموصوفة بغير الانتماء لعالم الغرب ممثلاً في حواضره الكوسموبوليتانية، ويمكنُ حصرُ هذه الجغرافية في (آسيا وأفريقيا والبحر الكاريبي وأميركا الجنوبية) حصرياً. التسويغ لهذا المقترح واضحٌ: لماذا ينفرد اسم واحد كل سنة بهذه الجائزة بدلاً من اسمين أو ثلاثة مثلما يحصل مع نوبل الأدب أو الفيزياء أو الكيمياء أو حتى (أحياناً) السلام والاقتصاد ؟
نعرفُ العبارة التي تترددُ في أدبيات التنمية المستدامة: تصرّف محلياً، فكّرْ عالمياًAct Locally، Think Globally. يمكن للمخيال الأدبي البشري توظيف هذه العبارة في تناول معضلات قد تبدو غارقة في محليتها لكنها قد توفرُ حلولاً ناجعة لمعضلات ينوء بها الغرب. المؤسسة الأدبية الغربية لا تقبلُ هذا الأمر. قانونها الحاكم هو: تصرّفْ محلياً كما تشاء أنت؛ فكّرْ عالمياً كما نشاء نحنُ!!
هذه هي الجدارة الأدبية التي يريدها القيّمون على نوبل الأدب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.