أماني فوزي حبشي: الترجمة حياة جديدة للنص الأصلي في لغة أخرى

المترجمة المصرية قدمت ترجمات متنوعة من الأدب الإيطالي

المترجمة أماني فوزي حبشي
المترجمة أماني فوزي حبشي
TT

أماني فوزي حبشي: الترجمة حياة جديدة للنص الأصلي في لغة أخرى

المترجمة أماني فوزي حبشي
المترجمة أماني فوزي حبشي

تحرص المترجمة المصرية، الدكتورة أماني فوزي حبشي، على تنوع اختياراتها واتساع روافدها، في ترجمة الأدب الإيطالي إلى العربية، فلم يقتصر ذلك على كتابه المعروفين، مثل إيتالو كالفينو، وأومبرتو إيكو، وغيرهما؛ بل ترجمت لأسماء جديدة يتعرّف القارئ العربي عليها للمرة الأولى، منها دومينيكو ستارنونه، وآليتشه كابالي، وغيرهما من كُتاب معاصرين. ونالت أماني فوزي حبشي الجائزة الوطنية الإيطالية للترجمة عام 2003، لإسهاماتها في نشر الثقافة الإيطالية، وحصلت على نجمة التضامن الإيطالي، رتبة فارس، عام 2004.
هنا حوار معها حول اختياراتها في الترجمة، ورؤيتها للأدب الإيطالي المعاصر في سوق النشر العربية.

> تحرصين على تقديم أسماء أدبية إيطالية جديدة للقارئ العربي. بجوار ما قدمت لنجوم هذا الأدب، مثل أومبرتو إيكو وإيتالو كالفينو، كيف تنظرين لمسألة تقديم أسماء جديدة؟ هل ثمة مغامرة في تلك؟ أم تعتبرينها من ركائز مشروعِك؟
- أعتقد أن متابعة إنتاج الأسماء الجديدة هي أساسية للتعرف على التطور في الحركة الأدبية في لغة ما، وهي جزء أساسي من عمل المترجم.
في الحقيقة، ما يدفعني لاختيار أي رواية في البداية هو موضوعها، وأيضاً تقنيات السرد، وخصوصاً لو جديدة، بعدها لا أهتم كثيراً إذا كانت الرواية هي الأولى التي تُرجمت للمؤلف أم لا. الأمر يتعلق أيضاً بأوضاع النشر في العالم العربي، فعلى الرغم من زيادة أعداد دور النشر في الفترة الأخيرة، فإن أغلبها يميل إلى نشر الروايات القديمة، رغبة في تجنب مستحقات حقوق التأليف. ولكن في الفترة الأخيرة بدأ الاهتمام بالأدب الإيطالي المعاصر، وساعد على ذلك أيضاً المِنح الواردة من وزارة الخارجية الإيطالية، والداعمة لمشروعات الترجمة.
> في ترجمتك الجديدة لرواية «إلا أننا نسقط سعداء»، ثمة هامش يجمعك في حوار مع مؤلفها إنريكو جاليانو، نُشر في نهاية الترجمة. حدثينا عن قصة هذا الحوار.
- في الحقيقة، الحوار قامت به جهة النشر الإيطالية، وألحقته بالنص، وقمت بترجمته فقط. ربما اختلط الأمر على دار النشر فوضعت اسمي. أرجح أن ذلك حدث لأنني تحدثت بالفعل مع المؤلف، وغيّرنا عبارتين ربما لن تجيزهما الرقابة، فقررنا الوصول إلى بدائل معاً، ووضعت ما يفيد هذا المعنى في بداية النص. إلا أن فكرة إلحاق حوار مع المؤلف بالنص، أصبح «صيحة» جديدة في الروايات الإيطالية، وإن كان هذا لا ينطبق على جميع دور النشر بالتأكيد، ولكني لاحظت ذلك في أكثر من رواية ترجمتها في الفترة الأخيرة. فإذا لم يكتب المؤلف شيئاً عن ملابسات كتابة الرواية، أو خاتمة، أو تعقيباً عليها، وُضع حوار له لتوضيح الفكرة، ومد القارئ -وربما أيضاً وسائل الإعلام- بالمعلومات عن الرواية وظروف كتابتها.
> حققت ترجمتك لرواية «أربطة» لدومينيكو ستارنونه اهتماماً من جانب القارئ العربي. برأيك، هل أتاحت مساحة المشاعر الإنسانية والعائلية المعقدة في الرواية حالة من ألفة القراءة؟
- برأيي، «أربطة» رواية ذكية جداً، فتقسيمها إلى أصوات الشخصيات بالطريقة التي أبدعها ستارنونه أفسحت للقارئ مكاناً بداخلها. فهناك من تعاطف مع الزوجة، ومن رأى نفسه في الزوج، وبرر له تصرفاته، بالإضافة إلى التعاطف الكبير مع الابنين وما حل بهما. ثم إنه يكتب الرواية بمنأى عن الإدانة، فقد منح لكل شخصية صوتها الذي به تعبر عن نفسها، أولاً الزوجة، ثم الزوج، وصولاً إلى الابن والابنة في الجزء النهائي، بعد أن تابعنا طفولتهما وكيف كانا. وعلى الرغم من عدم ذكرهما كثيراً في الجزأين الأول والثاني، فإنهما كانا في آن واحد سلاح الأم، وأحد الأسباب الرئيسية لتطور القصة، وأهم شاهدين على ما حدث. ربما تلك الزوايا المختلفة من الطرح هي التي منحت لعدد كبير من القراء -على الرغم من التفاوت في الأذواق- ذلك النوع من الألفة مع النص.

> على الرغم من أن رواية «لن نقدم القهوة لسبينوزا» هي الأولى لكاتبتها آليتشه كابالي، فإنها حققت احتفاء بين الجمهور والنقاد في إيطاليا. ما انطباعك عنها خلال ترجمتك لها إلى العربية؟
- كان الكتاب بالنسبة لي مدخلاً مهماً للاطلاع على بعض المذاهب الفلسفية، بالتأكيد من خلال محاولة التعرف على الأسماء المطروحة في الرواية، ولكن أيضاً قدمتها المؤلفة بطريقة ذكية جداً، فالبروفسور في الرواية يحاول ربط الفلسفة بالحياة والتصرفات اليومية، وكيف يمكن للفلسفة والمعرفة عموماً دفعنا إلى تغيير طريقة تفكيرنا ومراجعة حياتنا وما نعيشه؛ بل أحياناً اتخاذ قرارات لم يكن من السهل علينا اتخاذها.
الأحداث ربما تبدو بسيطة، ولكن في الرواية عمق وبعد إنساني في عرض العلاقات، والأحداث تدفع إلى التأمل، وربما النظر لحياتنا العادية بطريقة مختلفة.
> يقول كثيرون إن النص الأصلي يفقد من جوهره مهما بلغت دقة الترجمة. هل تتفقين مع هذا الرأي؟ هل ثمة مواءمات لغوية وأسلوبية تقومين بها، ليصل النص بشكل سلس للقارئ العربي؟
- النص يكتسب حياة جديدة خلال الرحلة من بلده ولغته إلى لغة وبلد آخرين، ولهذا لا أظن أنه يفقد جوهره، والدليل على ذلك نجاح بعض النصوص في نسختها المترجمة أكثر من نجاحها في اللغة الأصلية.
يقول أومبرتو إيكو في كتابه عن الترجمة: «أن تقول الشيء نفسه تقريباً»: «إن الترجمة هي عملية تفاوض مستمرة، إذ يتحتم على المترجم أن يتفاوض مع الحضور المهيمن للنص المصدر، ومع الصورة التي لا تزال غير محددة للقارئ الذي يترجم له، وأحياناً عليه أن يتفاوض مع الناشر، فضلاً على فهم المترجم للسياق التاريخي والإطار الحضاري الذي أوجد النص، إلى جانب حوارات ذهنية مستفيضة يخوضها المترجم مع الثقافة التي أنتجت النص الأصلي، وكذلك مع الثقافة التي سيذهب إليها النص المترجم. هذا التفاوض المتعدد الأوجه والأطراف، هو الذي يقود، في النهاية إلى تحديد خيارات المترجم، من ناحية التأويل والحذف والإضافة والتعديل، ونقل ظلال الكلمات وحرارة العبارات في الأصل، فعملية الترجمة محمّلة بخصوصيات دلالية وجمالية، تجعل منها، لا مجرد نقل؛ بل (محاولة إبداعية) أخرى موازية للنص الأصلي».
فالتفاوض إذن عملية ضرورية. في روايتَي «لن نقدم القهوة لسبينوزا» و«في عمق البحر؛ حيث لا يُلمس الأرض»، ونظراً للجوء المؤلفين كثيراً للدعابة من خلال اللعب بالكلمات المتشابهة في النطق أحياناً، حاولت بطرق كثيرة أن أوظف اللغة والهوامش لتصل الدعابة بشكل ما للقارئ. وأكثر ما يسعد المترجم أن يعبر القارئ له عن أن نبرة النص أيضاً وصلت إليه، وليس مجرد المعنى.

ومشكلة أخرى تحتاج لنوع خاص من التفاوض، هي استخدام اللهجات في النص، أحياناً يضطر المترجم (إلى العربية أو غيرها حسبما اطلعت عليه من ترجمات لروايات إيطالية إلى الإنجليزية) إلى التخلي تماماً عن محاولة العثور على بدائل، واستخدام لغة موحدة للنص كله، وبالتالي يفقد النص إحدى الميزات وإن كان لا يفقد جوهره بالتأكيد.
> خضتِ تجربة صفحة «المقهى الثقافي الإيطالي» قبل سنوات، فما الغرض منها؟ وهل لمستِ حالة من التواصل بين القراء والمقهى وما يقدمه؟
- جاءت فكرة المقهى من محاولة عمل بيبليوغرافيا للأعمال الإيطالية المترجمة، والتعريف بالمترجمين الشباب، والتعارف بين المترجمين من مختلف الدول العربية، والتعريف بهم أيضاً.
يتواصل القراء مع الصفحة من خلال التعليق على ما ننشره، أو طلب معلومات عن كتب معينة لا يستطيعون العثور عليها، أو الاستفسار عن أماكن بيع الترجمات التي نشارك خبر صدورها. أحياناً يراسلنا بعض الناشرين للحصول على وسيلة للتواصل مع بعض المترجمين، والبعض يرسل لنا مقالاته أو ما كتبه على موقعه لنشاركه على الصفحة. وأطرف شيء هو سؤال البعض عن عنوان المقهى للذهاب إليه!
> هل يمكن أن يتخلى المترجم المحترف في اختياراته عن ذائقته الأدبية الخاصة، في مقابل الإنتاج والنشر؟
- أعتقد أن الذائقة الأدبية تتطور مع القراءات المختلفة والكثيرة. وأحياناً لا يفكر المترجم في ذائقته فقط، ولكن في ذائقة القارئ أيضاً. فأنا أعمل من مبدأ أن ذائقتي الخاصة محدودة وتخصني، ولا بد من النظر إلى ما يعجب القارئ الإيطالي أيضاً، وما نال إعجاب النقاد، والذي ربما يستحق أن يطّلع عليه القارئ العربي.
تظهر ذائقتي كقارئة فيما أختاره من أعمال، ربما لم تنل نجاحاً كبيراً في إيطاليا، ولكن أرى أنها ستحظى بقبول في العالم العربي، ربما من منطلق أنها تناسب ما يحدث فيه، تكشف وتعري وتُنطق المسكوت عنه، وتتناول موضوعات نحتاجها ولكن لا نجرؤ على تناولها أحياناً.
> في تقديرك، إلى أي مدى تستوعب الترجمة العربية حالياً اتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا؟
- الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا غزير وغني إلى درجة كبيرة، ولكن طبعاً حجم ترجمته مقارنة مثلاً بما يترجم من الإنجليزية ضئيل جداً. ولكن في الفترة الحالية الوضع أفضل بكثير مما كان عندما بدأت الترجمة في التسعينات، وبدأت دور النشر العربية تلتفت للأدب الإيطالي بصورة أفضل في الفترة الأخيرة. وكما ذكرت، يعود هذا أيضاً لدعم إيطاليا من جهتها مادياً لحركة ترجمة أعمالها.
> هل تمنحكِ الترجمة هامشاً من الاستمتاع بها وسط ما تنطوي عليه من إشكاليات، غير مشاغل الحياة اليومية؟
- بالنسبة لي الترجمة عمل ممتع في كل وقت، على الرغم من متاعبها. فكما ذكرت من قبل: مشاركة ما قرأته وأعجبني مع آخرين من خلال ترجمته لهم، بمثابة إعداد ومشاركة وجبة جيدة مع أصدقاء. لكن الترجمة تفتح لنا آفاق المعرفة، فأحياناً لترجمة كتاب واحد أجد نفسي أقرأ كثيراً من الكتب الأخرى؛ بل أحيانا أشاهد أفلاماً وأسمع أغاني اقترحها عليَّ النص. والأهم من كل هذا المترجم يتطور مع كل كتاب يترجمه، من خلال قراءة النص مع آخرين (محررين، ومدققين لغويين) فالتعلم يحدث بشكل دوري ومستمر. وبالنسبة لي، أجد في التعلم متعة كبيرة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
TT

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)
تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة (بيت الست وسيلة)، بعد أن أزاح المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، الستار عن التمثال الذي أهداه لـ«بيت الشعر» الفنان المصري أسامة السروي.

جاء إهداء التمثال ضمن فعاليات صالون أحمد عبد المعطي حجازي الذي يقام في «بيت الشعر العربي»، وسط حضور كبير من الشعراء والمبدعين ومحبي الشعر في أمسية حملت عنوان أحد رواد شعر العامية المصرية «في حضرة فؤاد حداد» حضرها نخبة من الشعراء من بينهم أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر أمين فؤاد حداد.

ويعد فؤاد حداد (1927 - 1985) من آباء شعراء العامية المصرية، ويأتي هذا التمثال تقديراً لقيمته بوصفه أحد أبرز رموز قصيدة العامية المصرية، وصاحب تجربة إنسانية ووطنية أسهمت في تشكيل ملامح الشعرية المصرية الحديثة، وتركت أثراً ممتداً في الوجدان الثقافي، وفق بيان لوزارة الثقافة، الاثنين.

احتفال في «بيت الشعر العربي» بتمثال فؤاد حداد (وزارة الثقافة)

ولد فؤاد حداد بحي الظاهر بالقاهرة لأب لبناني وأم سورية، وتعلم فى مدرسة الفرير ثم مدرسة الليسيه الفرنسيتين، واطلع على التراث الشعرى فى الكتب الموجودة بمكتبة والده، كذلك تعرف على الأدب الفرنسى، إثر دراسته للغة الفرنسية، مما أهله لبعض الترجمات الفرنسية، ويعد من رواد القصيدة العامية المصرية، وهو الجيل التالي في قصيدة العامية المصرية بعد بيرم التونسي.

كتب فؤاد حداد العديد من الدواوين الشعرية والأغاني التي قدمها عدد من المطربين، من أهم أعماله «المسحراتي» التي تغنى بها سيد مكاوى عام 1964، وكتب البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال»، كما قدم لسيد مكاوي أيضاً أغنية «الأرض بتتكلم عربي»، فيما غنى له العديد من المطربين من بينهم محمد منير «الجيرة والعشرة»، وحنان ماضي «ما فيش في الأغاني كده ومش كده»، و«يالعروسة» و«صلينا الفجر فين» لعلي الحجار. وعرف بروحه المصرية الأصيلة واستلهامه التراث في الكثير من أعماله.

وقال المعماري حمدي السطوحي، رئيس صندوق التنمية الثقافية، إن إهداء تمثال فؤاد حداد لـ«بيت الشعر العربي» يحمل دلالة ثقافية عميقة، خصوصاً في هذا المكان التراثي الذي يجمع بين الفنون المختلفة ويحتفظ بقيمة معمارية وثقافية تتجاوز حدود المكان.

الفنان أسامة السروي يهدي «بيت الشعر» تمثالاً لفؤاد حداد (وزارة الثقافة المصرية)

وعدّ السطوحي «الالتقاء في هذا الفضاء بين الشعر بوصفه أحد الفنون، وبين التمثال الذي ينتمي إلى فن النحت، وبين جدران معمار تراثي قيم، يعكس طبيعة العلاقة التكاملية بين الفنون في التعبير عن روح الثقافة».

وأعلن الدكتور أسامة السروي أن تنفيذ التمثال استغرق أربعة أشهر، مؤكداً اعتزازه به لما يمثله فؤاد حداد من قيمة إبداعية استثنائية بالنسبة له.

وقال الشاعر سامح محجوب، مدير «بيت الشعر العربي»، إن فؤاد حداد حالة استثنائية في شعر العامية المصري، وهو من الآباء الكبار لفن الشعر، وجاءت أشعاره دائماً تمس نبض الشارع والبسطاء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الاحتفاء بفؤاد حداد وإهداء تمثال له لـ«بيت الشعر العربي» يدل على القامة الكبيرة التي يمثلها هذا الشاعر في الحركة الشعرية المصرية، على كافة المستويات، سواء الفنية أو الأسلوبية، أو حتى على مستوى الوزن والقافية والصور الجديدة النابضة بالحياة.


«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
TT

«لجنة الدراما» بمصر تنتقد إقحام حياة الفنانين في مسلسلات رمضان

لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)
لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قيّمت مسلسلات رمضان (فيسبوك)

انتقدت «لجنة الدراما» بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمصر، إقحام حياة الفنانين الشخصية في مسلسلات رمضان، إذ رصدت اللجنة عدداً من سلبيات بعض الأعمال التي وقعت في فخ إقحام حياة الفنانين ضمن السياق الدرامي، واستخدام الحوار في بعض المسلسلات لتبادل رسائل مبطنة، إلى جانب وجود مشاهد عنف غير مبررة درامياً.

وجاء بيان «لجنة الدراما»، الأحد، بالتزامن مع جدل «الأكثر مشاهدة»، و«التلاسن العلني»، بين بعض نجوم مسلسلات الموسم الرمضاني خلال الأيام الماضية، الذي تسبب في أزمة كبيرة انتقدتها نقابة «الممثلين» المصرية، ووصفتها بأنها «حالة تراشق»، و«مهاترات»، و«معارك وهمية» غير لائقة، هدفها السعي وراء «الترند»، وأن مثل هذه السلوكيات لا تليق بتاريخ ومكانة الفن المصري.

من جانبها، قالت رئيسة «لجنة الدراما»، الكاتبة والناقدة الفنية المصرية ماجدة موريس، إن اللجنة رصدت وجود بعض مشاهد من مسلسلات درامية تم إقحام حياة الفنانين فيها دون مبرر، حيث تبين أنها رسائل شخصية يتم تمريرها لأطراف أخرى، وذلك لأول مرة في تاريخ الدراما التلفزيونية التي بدأت منذ ستينات القرن الماضي.

وأكدت ماجدة موريس في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الدراما يجب أن تكون بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تكون قائمة على سيناريو وكتابة جيدة، لأن المشاهد لا يشغله سوى الحكاية المحكمة التي تحتوي على رسالة توعوية أو محتوى ترفيهي».

وعدّت ما يجرى «مسؤولية فريق العمل كافة بداية من الكاتب والمخرج والمنتج، وغيرهم، ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وتجنب إقحام الحياة الشخصية، كما يجب على النجوم أنفسهم الانتباه لذلك، وتجنب الترويج لحياتهم على حساب الدراما».

جانب من اجتماع لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (فيسبوك)

وتعليقاً على أزمة «الأكثر مشاهدة»، أكدت ماجدة موريس أن الصراع الذي يجري على «السوشيال ميديا»، خلفه فرق إلكترونية تعمل على ترويج بعض المسلسلات، وأن «الأرقام التي يتم الإعلان عنها ليست دقيقة ولا تعكس الواقع، كما أن المشاهد نفسه لا يشغله هذه الصراعات، بل القصة الدرامية الجيدة»، على حد تعبيرها.

وأصدرت «لجنة الدراما» بيانها، عقب مناقشة أعمال النصف الأول من موسم رمضان، لافتة إلى وجود طفرة في عناصر الإنتاج الدرامي، مثل الديكور والتصوير والموسيقى التصويرية والإضاءة والمونتاج.

وأشادت اللجنة بتوجه عدد من المسلسلات إلى إعلاء قيمة اللجوء إلى العدالة في إطار قانوني، من بينها «عين سحرية»، و«الست موناليزا»، و«وكان يا ما كان»، و«حد أقصى»، بعد أن كانت ظاهرة «أخذ الحق باليد»، قد انتشرت في مواسم درامية سابقة، كما أشادت اللجنة بتناول الأعمال الدرامية لقضايا وطنية وقومية واجتماعية، وأبرزها القضية الفلسطينية، عبر مسلسل «صحاب الأرض».

وأشارت اللجنة في بيانها، إلى وجود ضعف في بعض السيناريوهات، خصوصاً في الأعمال التي تمتد إلى 30 حلقة، إلى جانب انتشار ظاهرة الكتابة أثناء التصوير، وضغط الوقت وسرعة وتيرة التصوير للحاق بمواعيد العرض، مما أدى إلى وقوع عدد من الأخطاء التقنية والتنفيذية.

ولفتت اللجنة إلى غياب واضح للأعمال المكتوبة عن «الروايات»، و«الأعمال الأدبية»، إلى جانب غياب الأعمال الكوميدية المتميزة.

من جهته، أكد الناقد الفني المصري سمير الجمل، أن الدراما حالياً تعاني من ظاهرة «الترند»، حيث يحاول الجميع أن يكونوا في الصدارة، وأن ما يحدث في الوقت الحالي لم يكن في السباق؛ بل كانت المسلسلات الجيدة تحظى بالاهتمام دون الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الأمور غير المبررة.

وأضاف الجمل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض الأعمال الدرامية حالياً تعاني من تخبط كبير، حيث يتم اختراع أخبار وقضايا، وتسريب فيديوهات، وصراعات لتصدر (الترند)، وغياب المؤلف الحقيقي هو السبب في هذه الحالة».


أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
TT

أنطوان غندور يترجَّل وعبارته «صبحك بالخير ستنا بيروت» باقية في الذاكرة

آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)
آخر إطلالة له خلال تكريمه على مسرح جوزيف أبو خاطر (فيسبوك)

رحل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً، نتيجة تدهور حالته الصحية. ولم يحضر جنازته سوى قلة من زملائه. فكتب المنتج إيلي معلوف، الذي كان من بينهم: «لا أعرف ماذا أكتب... عجبي أم عتبي؟ أين الوفاء لمن صنع هوية الدراما التاريخية، وصنع أبطالاً على المسرح والخشبة؟ وفي مأتمه ستة أشخاص».

ويُعدُّ غندور أول من كتب حلقة تلفزيونية لبنانية مدتها ساعة ونصف الساعة، ضمن سلسلتي «كانت أيام» و«أديب وقصة». وقد تجاوزت أعماله المائة، بين مسلسلات تلفزيونية وأعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية، فضلاً عن أعمال وثائقية عُرضت على شاشات لبنانية وعربية. وطبع الشاشة الصغيرة بأعمال درامية حفرت في ذاكرة اللبنانيين، وأسهم في صناعة نجوم الزمن الجميل للدراما، من بينهم أنطوان كرباج، ونبيه أبو الحسن، وفيليب عقيقي، وإيلي صنيفر.

كتب غندور حبكات درامية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأرض الوطن، وصبغ مؤلفاته بتاريخ لبنان، ناقلاً وقائع من ذاكرته الاجتماعية والسياسية إلى الشاشة، ومحوَّلاً أحداثاً مفصلية إلى حكايات إنسانية قريبة من الناس.

سبق وكرّمته وزارة الإعلام بجائزة «رائد الدراما التاريخية» (فيسبوك)

كما عُرف بقدرته على مزج التاريخ بالدراما، فاستعاد في نصوصه محطات من التراث اللبناني وسِيَر شخصيات تركت بصمتها في المجتمع. وكان حريصاً على تقديم أعمال تُبرز الهوية اللبنانية وتوثِّق تفاصيل الحياة اليومية للناس، فبدت نصوصه أشبه بمرآة تعكس تحوّلات المجتمع وتقلباته عبر العقود. ومن أشهر مؤلفاته «بربر آغا»، و«أخوت شاناي»، و«أربع مجانين وبس»، و«رصيف البارزيانا» وغيرها. كما قدَّم للمسرح أكثر من عمل، بينها «طانيوس شاهين»، و«المير واستير»، و«القبقاب». وكانت له تجربة سينمائية لافتة من خلال فيلم «كلنا فدائيون» عام 1969.

وفي مسلسل «دويك»، من بطولة الراحل عبد الله حمصي المعروف بـ«أسعد»، حفظ اللبنانيون تحية هذه الشخصية الريفية الشهيرة للعاصمة: «صبّحِك بالخير ستنا بيروت».

نقيب الممثلين نعمة بدوي، الذي كانت تربطه علاقة وطيدة بالراحل، أشار في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه لا يمكن توجيه العتب لمن غابوا عن جنازة غندور. وقال: «في ظل الحرب التي يشهدها لبنان لا أستطيع لوم أحد لعدم مشاركته في وداع كاتب رائد. لكنني أحمل في قلبي غُصَّة لأنه رحل في جنازة خجولة بحضور محدود وغياب رسمي. فأنطوان غندور كان سيِّد النص الدرامي التاريخي على الشاشة والخشبة، وعرف كيف ينقل تاريخ لبنان إلى أجيال متعاقبة بأسلوب سلس ومشبَّع برائحة التراب. وكان يجدر بنا تقديره بما يليق بقامته الفنية. لكن البلاد برمتها منشغلة بالحرب، كما أن رحيله جاء على عجل، حتى إن ولديه لم يتمكنا من الوصول إلى لبنان لوداعه، إذ يقيمان في دول الخليج».

رحيل الكاتب أنطوان غندور عن عمر ناهز 84 عاماً (فيسبوك)

وكان الراحل أنطوان غندور قد ابتعد في السنوات الأخيرة عن الساحة بسبب تدهور حالته الصحية. وفي آخر ظهور له، خلال تكريمه من قبل «التجمع الوطني للثقافة والبيئة والتراث» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بدا متعباً وجالساً على كرسي متحرك أثناء تلقيه درعه التكريمي على خشبة مسرح جوزيف أبو خاطر.

ويستذكر النقيب نعمة بدوي مشواره مع الكاتب الراحل قائلاً: «تربطني به علاقة وثيقة. وكان أول من كسر حاجز بيروت الشرقية والغربية عندما طلب مني أداء بطولة مسرحية (المير واستير). يومها تعرَّض لانتقادات لأنه اختار ممثلاً من غير بيئته لتجسيد دور الأمير بشير الشهابي. لكنها كانت خطوة جريئة منه، اعتبرها جسراً لإعادة التواصل بين البيروتَين (بيروت الشرقية وبيروت الغربية) في فترة الحرب».

وُلد غندور في بلدة عين علق المتنية عام 1942، ومنذ طفولته المبكرة مال إلى القراءة والكتابة. ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره عندما فقد والدته جميلة مراد. درس في مدرسة في جونية قبل أن ينتقل إلى جامعة الحكمة، حيث تابع دراسة علم النفس لعامين. تزوّج من زينب عازار ولهما ولدان، فادي وكريستيان. ومن أولى كتاباته سلسلة القصص «تحت شجرة الزيزفون».

نال جوائز عدة عن أعماله، بينها «صدفة» عام 2003 من بطولة تقلا شمعون، وبيار داغر، كذلك مسلسل «سقوط زهرة البيلسان» من بطولة إبراهيم مرعشلي، وجلنار شاهين، وفيليب عقيقي، وإخراج إيلي سعادة. وحاز عنه أيضاً جائزة التلفزيون الأولى في الكويت، وجائزة الحوار في جامعة الدول العربية، وعُرض على شاشة تلفزيون لبنان عام 1981.