ما فرص «الجبهات المتصارعة» لتولي قيادة «إخوان مصر»؟

خلافات «مجموعة لندن» جددت طموحات «جبهة تركيا» و«تيار التغيير»

«تيار التغيير» خلال مؤتمره الأول في إسطنبول الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
«تيار التغيير» خلال مؤتمره الأول في إسطنبول الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

ما فرص «الجبهات المتصارعة» لتولي قيادة «إخوان مصر»؟

«تيار التغيير» خلال مؤتمره الأول في إسطنبول الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
«تيار التغيير» خلال مؤتمره الأول في إسطنبول الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

ما فرص «الجبهات الثلاث المتصارعة» لتولي قيادة تنظيم «الإخوان» الذي تصنفه السلطات المصرية «إرهابياً»؟ تساؤل يشغل بعض خبراء الحركات الأصولية خاصة بعد رحيل إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد «الإخوان». فالمشهد داخل «الإخوان» الآن يرسم طموحات جديدة لـ«جبهة تركيا أو إسطنبول»، و«تيار التغيير أو الكماليين» خاصة بعدما تردد «وجود خلافات داخل (جبهة لندن) على من يخلف منير في المنصب».
صراع «الإخوان» قد تعمق خلال الأشهر الماضية، خاصة بين جبهتي «لندن» و«إسطنبول» بعد قيام إبراهيم منير بحل المكتب الإداري لشؤون التنظيم في تركيا، وشكل «هيئة عليا» بديلة عن مكتب «إرشاد الإخوان»، كما صعد بتشكيل «مجلس شورى لندن» وإقالة أعضاء «مجلس شورى إسطنبول» من مناصبهم.
وتولى محيي الدين الزايط، مهام القائم بأعمال مرشد «الإخوان» بشكل «مؤقت»، بعد رحيل إبراهيم منير عن عمر ناهز الـ85 عاماً. وقالت الجبهة في وقت سابق إنها «مستمرة في اجتماعاتها لترتيب الأوضاع، وسوف تبقى منعقدة لحين الإعلان عن القائم بأعمال المرشد الجديد».
الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي بمصر، منير أديب، شرح أوجه التنافس بين «الجبهات المتصارعة» على منصب القائم بأعمال المرشد، مرجحاً أن «يستمر الزايط في قيادة (جبهة لندن) بشكل رسمي، رغم أنه يواجه منافسة قوية مع محمد البحيري؛ لكن البحيري قد تعوقه حالته الصحية، فضلاً عن أن حلمي الجزار فرصته ضعيفة في المنافسة».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك (خلافات) داخل (جبهة لندن)؛ لكن ليست بالصورة الكبيرة، وقد يكون الأمر محسوماً لصالح الزايط، وفي حال تقلده المنصب بشكل رسمي قد يختار البحيري نائباً له، لكن لن يختار الجزار».
أما «جبهة إسطنبول» فأكد أديب أنها «تحاول الاستفادة من الوضع (المتصاعد) داخل (مجموعة لندن)، حيث إن هناك (مخالفة لائحية) في اختيار الزايط كقائم بأعمال مرشد (الإخوان)، والشروط التي انطبقت في السابق على إبراهيم منير لا تنطبق الآن على الزايط، لذا فـ(مجموعة إسطنبول) تحاول استغلال هذه (الثغرة)».
ولفت إلى أنه «رغم تشكيل مجموعة محمود حسين في السابق (لجنة للقيام بأعمال المرشد) بقيادة مصطفى طُلبة، فإن المؤشرات ترجح استغلال محمود حسين الفرصة لإعلان نفسه قائماً بأعمال المرشد بشكل صريح، لأن حسين يرى أنه العضو الوحيد لـ(مكتب الإرشاد) خارج السجون، واللائحة التنظيمية تمنحه الحق في أن يتولى منصب القائم بالأعمال، كما يستند حسين أيضاً إلى أنه في حال غياب أو وفاة المرشد، وعدم تمكن نائبه من إدارة شؤون التنظيم، يتولى الأكبر سناً وهو ما ينطبق عليه أيضاً».
وفي وقت سابق قام «مجلس شورى إسطنبول» بتشكيل «لجنة» باسم «اللجنة القائمة بأعمال المرشد»، لتقوم بمهام مرشد «الإخوان» بقيادة طُلبة، وتم عزل إبراهيم منير حينها من منصبه، إلا أن «جبهة لندن» ردت بعزل طُلبة، معلنة في بيان لها «عدم اعترافها بقرارات (جبهة إسطنبول) أو ما يسمى (مجلس الشورى العام)»، مؤكدة أن «(شرعية التنظيم) يمثلها منير فقط».
ويقبع معظم قيادات «الإخوان» داخل السجون المصرية في اتهامات بالتورط في «أعمال عنف وقتل» اندلعت عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن الحكم في 3 يوليو (تموز) عام 2013 عقب احتجاجات شعبية، وصدرت بحق مرشد التنظيم محمد بديع، وقيادات «الإخوان» أحكام بـالإعدام والسجن المؤبد والمشدد.
حول موقف «جبهة لندن» حين يُعلن محمود حسين توليه منصب القائم بأعمال المرشد، قال أديب إن «(مجموعة لندن) سوف تختار أيضاً قائماً بأعمال المرشد، وحينها سوف يصبح لدينا اثنان كقائمين بالأعمال».
وبحسب أديب فإن «(تيار التغيير) يُركز الآن في الدعوة إلى العنف، فهو غير مُنشغل بمن سيشغل منصب القائم بأعمال المرشد، لكن وارد في مرحلة متقدمة من (التشظي التنظيمي للإخوان) أن يعلن (تيار التغيير) اختيار نائب لمرشد (الإخوان)، وهذا الطرح فقط عندما يزيد عدد أعضائه، ويحقق المزيد من المساحات داخل التنظيم».
وأكد «تيار التغيير» في وثيقته التي أطلقها نهاية الشهر الماضي «تمسكه بالعمل السياسي عكس (جبهة لندن)». وقال التيار خلال مؤتمره الأول في إسطنبول، إن «السياسة هي إحدى أدواته، وسوف يعمل على السماح لأعضاء التنظيم بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار في الأحزاب».
ووفق مراقبين فإن «(تيار التغيير) واصل خلال الفترة الماضية دعوته عبر قناته (الحرية 11 - 11) للتظاهر في مصر».
عودة إلى الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي بمصر الذي أكد على أنه «سوف تظل هناك 3 جبهات تتصارع على قيادة التنظيم، لكل جبهة لوائحها وقوانينها ونظام العمل داخلها، ليظل تنظيم (الإخوان) بثلاث رؤوس».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الجزائر وفرنسا لتفكيك «مسلسل تبادل طرد الدبلوماسيين»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
TT

الجزائر وفرنسا لتفكيك «مسلسل تبادل طرد الدبلوماسيين»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

أنهت باريس شهوراً طويلة من «الجمود الإداري» في تعاملها مع الجزائر، بعد موافقتها على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين، وقنصلين عامين لكل من العاصمة باريس ومرسيليا بجنوب البلاد، حيث تقيم جالية جزائرية كبيرة.

وتحمل هذه الخطوة في نظر مراقبين دلالات سياسية لافتة، حيث تتيح حسبهم، تفكيك «عقدة تبادل طرد الدبلوماسيين»، التي نشأت بعد أن بلغ التوتر ذروته بين البلدين، وتحديداً بين أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2025.

علماً بأن الأزمة اندلعت في أواخر يوليو (تموز) 2024 على خلفية إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء، حيث سحبت الجزائر سفيرها سعيد موسي، احتجاجاً على تبدل الموقف الفرنسي حيال النزاع، ولم يعد إلى منصبه إلى اليوم.

وزير الداخلية الفرنسي خلال زيارته الجزائر في فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وتضمن آخر عدد من «الجريدة الرسمية» في الجزائر مراسيم وقعها الرئيس عبد المجيد تبون تخص تعيين قناصل عامين جدد في كل من باريس ومرسيليا وستراسبورغ التي تقع في أقصى شمال شرقي فرنسا.

وبحسب منصة «توالى» الإخبارية، فقد منحت فرنسا الاعتماد لشاغلي منصب باريس شعبان برجة، ومرسيليا عثمان ثابتي، بينما لا يعرف إن كانت المعينة في قنصلية ستراسبورغ عواطف بوزيد، حصلت على الموافقة لمباشرة مهامها. كما شملت التعيينات، اختيار الدبلوماسي محمد الحبيب زهانة قنصلاً عاماً في مدينة جدة بالسعودية.

أزمة قديمة ومعقدة

يأتي هذا التطور اللافت في الخلافات بين الجزائر وباريس، إثر الزيارة التي قادت وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر منتصف فبراير (شباط) الماضي، حيث بحث مع نظيره الجزائري سعيد سعيود قضايا الأمن في منطقتي الساحل وحوض المتوسط، والخلاف حول رفض الجزائر استرجاع العشرات من مهاجريها غير النظاميين، محل أوامر إدارية بالطرد من التراب الفرنسي. كما كان لنونيز محادثات مع الرئيس تبون حول العلاقات الثنائية.

ومن الواضح، حسب متتبعي الأزمة الدبلوماسية، أن هذه الزيارة مهدت لاعتماد الدبلوماسيين الجزائريين الجدد في فرنسا.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وكانت السلطات الفرنسية قد وضعت استئناف التعاون الميداني في هذه القضايا بمرتبة الأولوية القصوى، متأثرة بتنامي الضغوط السياسية الداخلية المتعلقة بملف تدفقات المهاجرين.

لكن لم تكن «أزمة الاعتمادات القنصلية» سوى حلقة في سلسلة ممتدة من التجاذبات بين البلدين؛ فمنذ عام 2023، دخلت العلاقات الجزائرية -الفرنسية نفقاً من الأزمات الدبلوماسية المتلاحقة، تراوحت بين تعقيدات «ملف الذاكرة»، وتقليص حصص التأشيرات، وصولاً إلى التباينات الأمنية والاحتقان السياسي، الذي خيّم على دوائر صنع القرار في العاصمتين.

وشهدت هذه الأزمة ارتداداً عنيفاً في مايو 2025، حينما عبّرت الجزائر عن استيائها «الشديد» من تأخر فرنسا في اعتماد تعيينات في جهازها الدبلوماسي، منهم رؤساء البعثات والقناصل لفترة تجاوزت 5 أشهر «دون أي تفسير رسمي»، وفق بيان صادر عن وزارتها للخارجية. وهذا التأخير اعتُبر في الجزائر «تجاهلاً» للمعايير الدبلوماسية الاعتيادية، و«انتهاكاً للأعراف الدولية»، ورأت الجزائر أن هذا الأمر يعوق قدرتها على ممارسة مهامها القنصلية والدبلوماسية في فرنسا.

وشددت وزارة الخارجية الجزائرية أيضاً على أن باريس «لم تقدّم تبريراً مناسباً رغم المطالب المتكررة بالحصول على الاعتمادات». وقد زاد هذا الوضع من الاحتقان بين البلدين، إذ جاء ضمن سلسلة خلافات تشمل قيوداً على تأشيرات الدبلوماسيين الجزائريين، وهو ما اعتُبر خطوة تمييزية وغير مبررة من وجهة نظر الجزائر، إضافة إلى نزاعات سابقة حول دخول العاملين الدبلوماسيين إلى مناطق خاصة في المطارات الفرنسية، ونقل البريد الدبلوماسي، مما عزز شعور الجزائريين بوجود تراجع في مستوى التعاون، والاحترام المتبادل في العلاقات الثنائية.

حادث فاقم التوترات

غير أن الواقعة التي كانت المحرك الرئيسي لحالة «الجمود الإداري»، من جانب فرنسا وامتناعها لأشهر طويلة عن منح الاعتمادات للقناصل الجزائريين الجدد، كنوع من الضغط السياسي، تتمثل في توقيف موظف قنصلي جزائري في باريس مطلع أبريل (نيسان) 2025، وتوجيه تهمة «الإرهاب» له من طرف الادعاء الفرنسي.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وتتمحور القضية حول محاولة اختطاف واحتجاز الناشط أمير بوخرص بفرنسا، وتعود الوقائع إلى عام 2024؛ واللافت فيها أنها لم تبلغ أهدافها النهائية المتمثلة في تصفيته، حسبما رشح عن التحقيقات. ومن المنتظر أن تكشف المحاكمة عن خفايا هذا الملف الذي لا يزال يكتنفه الغموض.

وفجر سجن الموظف القنصلي غضباً عارماً في الجزائر، التي عدت سلطاتها الخطوة «انتهاكاً صارخاً للحصانة القنصلية المنصوص عليها في الأعراف الدولية». ووصفت توقيفه، مع رعيتين جزائريين آخرين من خارج الشبكة الدبلوماسية، بأنه «عمل استعراضي ومهين».

وسرعان ما تحول هذا الانزلاق الأمني والقضائي إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة؛ حيث بادرت الجزائر بطرد 12 موظفاً من السفارة الفرنسية، لترد باريس فوراً بتطبيق «مبدأ المعاملة بالمثل»، وطرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الجزائريين، مع استدعاء سفيرها للتشاور. وقد أدت هذه التطورات إلى شلل شبه كامل في القنوات الرسمية، وتجميد واسع لملفات التعاون الثنائي.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وعلى الرغم من أهمية اعتماد الدبلوماسيين، فإن المراقبين لا يرون أنها تمهد بالضرورة لعودة كاملة إلى حالتها الطبيعية، بقدر ما يعكس، حسبهم، إدراك الدولتين لحقيقة أن علاقتهما باتت شديدة التشابك والارتباط، إلى الحد الذي لا يسمح ببقائها في حالة شلل مطول. فالمصالح المتشابكة فرضت على العاصمتين تجاوز منطق القطيعة الإدارية نحو رؤية أكثر واقعية، وفق المراقبين أنفسهم.


مصر: مخاوف من عودة «تخفيف الأحمال» ضمن خطة ترشيد استهلاك الطاقة

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
TT

مصر: مخاوف من عودة «تخفيف الأحمال» ضمن خطة ترشيد استهلاك الطاقة

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)

في حين قررت الحكومة المصرية اتخاذ حزمة من الإجراءات لترشيد استهلاك الطاقة على ضوء التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة وما صاحبها من ارتفاعات حادة في أسعار الوقود، عادت الهواجس المرتبطة بانقطاعات التيار الكهربائي، حيث أبدى مواطنون تخوفهم من احتمالية العودة لتطبيق خطة «تخفيف الأحمال».

وأعلن مجلس الوزراء المصري، في بيان، الثلاثاء، أنه تقرر البدء في تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين، وضبط إيقاع العمل بها بما يحقق خفضاً ملموساً في الاستهلاك، دون الإخلال بانتظام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

وأشار البيان إلى أنه تم توجيه المحافظين بالمتابعة الميدانية اليومية لملف ترشيد استهلاك الكهرباء، بما يشمل مراجعة أوضاع أعمدة الإنارة في الشوارع والميادين العامة وضبط توقيتات تشغيلها، ومتابعة إضاءة اللوحات الإعلانية واللافتات التجارية للتأكد من الالتزام بضوابط ترشيد الاستهلاك، مع اتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة لضبط أي مخالفات في هذا الشأن.

وتأتي هذه الخطوات ضمن استراتيجية حكومية تحوي حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على اقتصاد البلاد ومصالح مواطنيها، وإدارة تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وضمان استقرار الأسواق المحلية.

وتعهد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بعدم «العودة إلى تخفيف أحمال الكهرباء»، رغم التحدي الكبير والتأثر في نقل الطاقة، وفق قوله، بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولجأت الحكومة المصرية في السنوات الماضية إلى تطبيق خطة لـ«تخفيف أحمال الكهرباء»، حيث كان يتم قطع الكهرباء بالتناوب، وذلك على وقع أزمة في الوقود والغاز اللازمين لتشغيل محطات الكهرباء، نظراً لزيادة الاستهلاك نتيجة موجات الحر خلال أشهر الصيف.

وأكد وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، يوم الاثنين، وجود تنسيق وتعاون بين الجهات المعنية بهما لتأمين التغذية الكهربائية وضمان الاستدامة والاستقرار للتيار الكهربائي، مع تأمين وتلبية الاحتياجات من المنتجات البترولية اللازمة لمحطات توليد الكهرباء.

ورغم هذه التأكيدات، أبدت منصات التواصل الاجتماعي تخوفها من أن تتضمن إجراءات الترشيد عودة «تخفيف الأحمال» مجدداً إلى المنازل، وعدم اقتصارها على الجهات الحكومية.

وطرح متابعون تساؤلات حول احتمالية أن تطولهم ضوابط ترشيد الاستهلاك، لما في ذلك من تأثير عكسي على حياتهم اليومية، خصوصاً مع اقتراب أشهر الصيف، وقرب الامتحانات بالمدارس والجامعات.

كما عبَّر قطاع آخر، لا سيما من أصحاب المحال التجارية، عن مخاوف من تأثرهم سلباً بترشيد استهلاك الكهرباء، الذي يخفّض الإنارة في الشوارع والميادين العامة ويضبط توقيتات تشغيلها.

وانتقد متابعون في تهكم توالي الأزمات على المواطن بتنفيذ عدد من إجراءات الترشيد، بالتزامن مع رفع أسعار الوقود.

منطقة المقطم في القاهرة خلال انقطاع الكهرباء في وقت سابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورفعت وزارة البترول المصرية، الثلاثاء، أسعار مجموعة واسعة من المنتجات البترولية، في ظل استمرار معاناة المنطقة من ارتفاع أسعار النفط ​والغاز العالمية وتوقف الإنتاج في الشرق الأوسط نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وقال عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، عوض أبو النجا، إنه بصدد التقدم بسؤال برلماني بشأن إعلان الحكومة عن إجراءاتها الأخيرة وتداعيات ذلك على المواطن.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «المعلومات المؤكدة التي وصلت للمسؤولين التنفيذيين في المحافظات تشير إلى تبني استراتيجية الترشيد»، وتابع: «المطلوب حالياً هو الترشيد المسؤول في كافة القطاعات، بدءاً من إضاءة الشوارع والميادين، وصولاً إلى ضبط مواعيد عمل المحال التجارية؛ فهو توجه في جوهره يهدف إلى تقليص استهلاك الوقود والكهرباء، وهو إجراء ضروري في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي نعيشها».

إلا أنه انتقد غياب التنسيق بين الحكومة والبرلمان بشأن إعلان هذه الإجراءات، قائلاً: «نحن أمام مرحلة تقتضي تكاتف الجميع، والشفافية هي السبيل الوحيد لإقناع الشارع»، معتبراً أن تغييب البرلمان عن تفاصيل إدارة الأزمة يضع النواب في موقف حرج أمام دوائرهم الانتخابية.

وأضاف: «طالبنا الحكومة مراراً، وتحديداً في الجلسات الأخيرة، بتقديم مذكرة تفصيلية توضح رؤيتها لإدارة الأزمة وسيناريوهات التعامل معها. كنا نحتاج إلى خطة واضحة لنشرحها للمواطنين، لنكون شركاء في اتخاذ القرار، وتجنب حالة القلق العام؛ لكن للأسف لم تستجب الحكومة لدعواتنا المتكررة للحضور والمناقشة».

Your Premium trial has ended


غضب وارتباك في مصر بعد زيادة «استثنائية» في أسعار الوقود

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
TT

غضب وارتباك في مصر بعد زيادة «استثنائية» في أسعار الوقود

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

استقبل محمد ربيع (38 عاماً) خبر زيادة أسعار المحروقات في مصر بمزيج من الحزن والغضب والقلق، خاصة أنه يستعد لاستقبال مولودته الثانية خلال أيام، لتضاف أعباء مالية جديدة إلى أعباء ما زال يجد صعوبة في تدبيرها.

ويقول ربيع، الذي يعمل موظفاً في شركة خاصة: «الزيادة ليست في ميزانية السيارة فقط، بل يتبعها رفع لأسعار كل شيء»، مضيفاً أنه قرر الاعتماد على المواصلات العامة في الفترة المقبلة، لحين عثوره على عمل إضافي لتحسين دخله.

وكانت الحكومة المصرية قد رفعت، في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

محافظ القاهرة يتفقد أحد مواقف النقل الجماعي لمتابعة التزام السائقين بالتعريفة الجديدة (محافظة القاهرة)

وتأتي الزيادة الأخيرة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة.

وشملت الزيادة الأحدث جميع أنواع البنزين والسولار، ليرتفع بعدها سعر «بنزين 95» من 21 جنيهاً للتر إلى 24 جنيهاً، بنسبة 14 في المائة، و«بنزين 92» بنسبة 15.5 في المائة. كما ارتفع السولار، الذي تعتمد عليه سيارات نقل البضائع بنسبة 17 في المائة، بينما قفز سعر غاز تموين السيارات من 10 جنيهات إلى 13 جنيهاً، بزيادة نسبتها 30 في المائة.

واستيقظ الشارع المصري على حالة ارتباك واضحة إثر الزيادات «المُفاجئة»، وفق وصف كثيرين، مع الاختلاف على أجرة المواصلات بين الركاب والسائقين، والمصاريف الجديدة لم تكن تضعها الأسر في حسبانها.

وعادة ما تشهد مواقف سيارات النقل الجماعي (الميكروباص) مشاجرات عقب زيادات أسعار المحروقات، مع رفع السائقين الأجرة بصورة يراها البعض مبالغاً فيها.

وشهدت الطالبة الجامعية أمل محمد (21 عاماً) إحدى هذه المشاجرات داخل ميكروباص استقلته من منزل جدتها في الجيزة إلى مترو الأنفاق، وهي مسافة بسيطة، ورغم ذلك ارتفعت الأجرة جنيهين من 6 إلى 8 جنيهات، ما أثار استياء الركاب (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً).

وتفقد محافظ القاهرة إبراهيم صابر، صباحاً، عدداً من مواقف النقل الجماعي «للاطمئنان على حركة نقل الركاب والالتزام بالتعريفة الجديدة لركوب السيارات بعد زيادة أسعار المواد البترولية»، وفق بيان للمحافظة أشار إلى «تكثيف الحملات الرقابية بمختلف المواقف والميادين لمتابعة التزام جميع السائقين بالتعريفة الجديدة».

وتخشى أمل ألا تتمكن من العودة لمنزلها في منطقة المعادي من جامعتها في حلوان بآخر 20 جنيهاً بحوزتها، خصوصاً أنها لم تكن تعلم أن الأسعار ستزيد لتطلب مقدار الزيادة من والدها، الذي يعتمد على معاش حكومي في تدبير نفقات الأسرة.

ومما زاد الغضب من القرار الحكومي أنه جاء بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية، التي أكدت الحكومة في بدايتها وجود احتياطات من السلع والطاقة تكفي لشهور.

وتساءل مدونون على وسائل التواصل الاجتماعي عن أسباب الزيادة في مصر، وهي ليست طرفاً في الحرب، في حين أن دولاً أخرى متأثرة بها بشكل مباشر لم ترفع الأسعار.

مواطن يشكو لمحافظ الإسكندرية من الزيادات الجديدة في الأسعار (محافظة الإسكندرية)

واستنكر آخرون التوجه الحكومي السريع في زيادة أسعار البنزين، ما ستترتب عليه زيادة في أسعار كل شيء، دون وضع دخول المواطنين الثابتة في الاعتبار، ولا الزيادات التي تشهدها الأسعار بالفعل.

وكتب عضو مجلس نقابة الصحافيين، محمد الجارحي، على صفحته على «فيسبوك»، إن الزيادة ليست مجرد 3 جنيهات في اللتر، بل 3 آلاف جنيه في الميزانية.

وانتقد الحزب «المصري الديمقراطي» الزيادة قائلاً، في بيان، إنه «لا يمكن تفسيرها في إطار تأثير التطورات الجيوسياسية فقط على أسواق الطاقة العالمية، بقدر ما تعكس محاولة لتحميل المواطنين تكلفة اختلالات مالية وهيكلية في الموازنة العامة».

وحاولت الحكومة امتصاص حالة الاستياء بمؤتمر صحافي لشرح الأسباب التي دفعتها لاتخاذ القرار «الاستباقي»، حسب وصف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي قال إن الحكومة قررت رفع أسعار المحروقات لحماية إمدادات الغاز والطاقة في المنازل والمصانع، وتحسباً لزيادة أسعار التوريدات المقبلة، مؤكداً أنها قرارات «مؤقتة» لحين انتهاء الحرب وتداعياتها.

ولم تخفف توضيحات مدبولي حالة الاستياء التي ظهرت في التعليقات على البثّ الحي للمؤتمر على «فيسبوك»، إذ طالب أحدهم رئيس الوزراء بالاستقالة، وقال آخر إن «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مرة أخرى»، وطالب ثالث بإيصال كل التعليقات «غير الراضية عن الوضع والزيادات» إلى رئيس الحكومة، مضيفاً أن المواطنين «لم يعودوا حِمل زيادات جديدة».

وتوقع الخبير الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، ارتفاع معدلات التضخم بنسب كبيرة نتيجة الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، التي تزامنت مع موسم استهلاكي في شهر رمضان يشهد ارتفاعات في الأسعار بالفعل، واصفاً قرارات الحكومة بأنها «استغلال سلبي للأزمات الخارجية».

وقفز معدل التضخم الشهري في فبراير (شباط) الماضي إلى 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، و0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعد أيام من الحرب، ومع زيادة أسعار إمدادات الطاقة عالمياً، اضطرت الحكومة إلى خفض قيمة الجنيه أمام الدولار بنسبة 11 في المائة، وإلى زيادة أسعار المحروقات، وهي خطوات سريعة كان يمكن إبطاؤها»، متوقعاً أن تكون الحكومة تحاول بذلك أن تعوض خروج الأموال الساخنة من السوق، «وإن كان الأمر لا يستدعي السرعة في القرارات بهذا الشكل».