النفط السوري... تعاون بين «أثرياء الحرب» وصراع أميركي ـ روسي

إنتاج حوالي 90 ألف برميل يومياً شرق الفرات للاستهلاك المحلي والتهريب إلى مناطق الحكومة والدول المجاورة

قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

النفط السوري... تعاون بين «أثرياء الحرب» وصراع أميركي ـ روسي

قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

مع دخول الحرب في سوريا عامها الثاني عشر، ومع استمرار الصراع الأميركي - الروسي للسيطرة على قطاع النفط وإمكانياته، وجد المسلحون المحليون و«أثرياء الحرب» والخصوم الإقليميون في النفط نقطة إجماع نادرة على التعاون والاستحواذ على ما تبقى من الثروات وعائداتها.
بلغ إنتاج النفط من الحقول والمنشآت الواقعة بشكل رئيسي في شمال شرقي سوريا حوالي 400 ألف برميل يومياً قبل بدء الصراع. وبعد اندلاعه عام 2011، سيطرت قوى متناحرة مختلفة، بما في ذلك فصائل من المعارضة و«تنظيم داعش»، على جزء كبير من هذه الثروة النفطية. وأدت العقوبات الغربية المفروضة على قطاع النفط السوري إلى مغادرة شركات النفط الأجنبية البلاد.
حالياً، تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وهي عبارة عن ائتلاف مدعوم من الولايات المتحدة، على ربع الأراضي السورية، بما في ذلك منطقة شرق الفرات، الغنية بالثروات النفطية والغازية والزراعية والمائية. ويعني هذا أن «قوات سوريا الديمقراطية» تسيطر الآن على 90 في المائة من النفط، وأكثر من 50 في المائة من حقول الغاز الطبيعي، فضلاً عن البنية التحتية المملوكة لشركات أجنبية، تبعاً لعقود موقعة مع حكومة دمشق، بما في ذلك «غلف ساندز بتروليوم» و«توتال» و«شل». وجرى تطويق آبار ومنشآت النفط و«حمايتها» من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» بقيادة أميركا.
من جهة أخرى، أعلنت دمشق أن خسائر قطاع النفط، منذ بداية الأزمة، بلغت 91.5 مليار دولار. وكشف وزير النفط بسام طعمة أن إنتاج النفط اليومي يبلغ 89 ألف برميل، معظمها في المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد». ويصف طعمة هذا النفط بأنه «مسروق» من الشعب السوري.

- صراع دولي
بعد التدخل الروسي العسكري أواخر عام 2015، وقعت دمشق عقوداً مع شركات روسية للاستثمار في قطاعي النفط والغاز في سوريا والمياه الإقليمية التابعة لها. كما تعاقدت دمشق مع شركة «إفرو بوليس»، المرتبطة برجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، الذي يتولى تمويل مرتزقة «فاغنر»، لحماية منشآت النفط والغاز الطبيعي وتحريرها من قبضة «داعش»، مقابل 25 في المائة من العائدات. وتضمن ذلك سيطرة «إفرو بوليس» على موقع إيبلا الضخم لإنتاج الغاز الطبيعي التابع لشركة «سنكور» قرب تدمر، في عملية أدت لوقوع الكثير من الضحايا.
كان هذا الاتفاق الغطاء الذي تعمل تحته مجموعة «فاغنر» العسكرية. وتشير التقديرات إلى أن «فاغنر» كان لديها ما يصل إلى 2500 مقاتل داخل سوريا عام 2018، وقد شاركوا في القتال في سوريا أو في معسكرات التدريب والإعداد في روسيا، وجرى نقل بعضهم إلى ليبيا، والآن إلى أوكرانيا.
في الواقع، غطى الاتفاق بين «إفرو بوليس» ودمشق المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة فقط. وفي مطلع عام 2018 شن مرتزقة «فاغنر» هجوماً على منشأة إنتاج للغاز تتبع شركة «كونوكو» شرق الفرات، وهو موقع يخضع لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، لكنهم تعرضوا لقصف شديد بالمدفعية الأميركية وغارات جوية أميركية أسفرت عن مقتل نحو 200 من المرتزقة.
وفي عام 2019 أصدر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إعلاناً صادماً عن انسحاب القوات الأميركية من المنطقة المحيطة بالحدود السورية مع تركيا، الواقعة شرق الفرات، ما يمنح تركيا الضوء الأخضر للتوغل في شمال سوريا ووضع «قوات سوريا الديمقراطية»، حلفاء واشنطن، تحت ضغوط جديدة.
وفي 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أقنع السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، مع بعض المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، الرئيس ترمب بالاحتفاظ بـ900 من أفراد الجيش الأميركي شرق سوريا، لحماية النفط. وقال ترمب في وقت لاحق إن «عدداً صغيراً من الجنود سيبقون في المناطق التي تحتوي على النفط»، مؤكداً «حرصنا على تأمين وحماية النفط».
وفي يوليو (تموز) 2020 أعلنت واشنطن أن قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، أبلغ إدارة ترمب بتوقيع اتفاق مع شركة «دلتا كريسنت إنرجي» الأميركية للاستثمار في النفط بعد الحصول على إعفاء من وزارة الخزانة من العقوبات المفروضة على سوريا. وصرح وزير الخارجية آنذاك، مايك بومبيو، أن الهدف من الصفقة «تحديث صناعة النفط».
وتسبب الموقف في إحراج وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التي أصدرت بيانات متضاربة بهذا الشأن. بادئ الأمر، أعلن البنتاغون أن «النفط السوري للشعب السوري، وسنظل ملتزمين بوحدة وسلامة أراضي سوريا». لكن وزير الدفاع الأميركي السابق، مارك إسبر، أعلن لاحقاً: «نتخذ الآن إجراءات لتعزيز موقعنا في دير الزور لمنع (داعش) من الوصول إلى حقول النفط». وأكد البنتاغون إرسال قوات ومدرعات لحماية حقول النفط.
اليوم، لا يزال الصراع الأميركي - الروسي للسيطرة على النفط والغاز مستمراً. وقال قيادي في المعارضة إن ضباطاً روسيين رفيعي المستوى طالبوا مراراً قادة «قوات سوريا الديمقراطية» بالسماح لشركات روسية وقعت عقوداً مع دمشق بالعمل في حقول النفط الواقعة شرق الفرات، لكن المسؤولين الأكراد ردوا بأن الأمر يتطلب موافقة حلفاء الولايات المتحدة المشاركين في السيطرة على حقول النفط.

- «أثرياء الحرب»
تفاقم الصراع الروسي - الأميركي المستمر جراء الحرب في أوكرانيا، وتجمد الوضع العسكري في سوريا، خاصة في ظل غياب احتمال التوصل لحل سياسي مع تصاعد الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية للشعب السوري. ويعني هذا أن النفط برز كعامل من عوامل التعاون الضمني بين المسلحين غير الشرعيين من السوريين والأجانب لتقاسم عائدات حوالي 89 ألف برميل يومياً. وتستغل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (الجناح الإداري لقوات سوريا الديمقراطية) جزءاً من الإنتاج محلياً، بينما ينقل الوسطاء والمتربحون من الحرب جزءاً آخر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة (وتشكل ثلثي الأراضي السورية) من أجل التكرير أو الاحتفاظ به. وتنقل الصهاريج النفط من شرق الفرات إلى مصافي النفط في مناطق تخضع لسيطرة الحكومة السورية، علماً بأن الحكومة السورية تتهم القوى المهيمنة في شرق البلاد بأنهم «خونة» و«عملاء للاحتلال الأميركي».
ووفقاً لتقديرات بعض الخبراء، تتلقى الإدارة الذاتية في الشمال والشرق حوالي 16 دولاراً أميركياً للبرميل، فيما يذهب 15 دولاراً أميركياً أخرى للحكومة السورية. أما المبلغ المتبقي، والذي قد يصل إلى 50 دولاراً أميركياً للبرميل، فإنه «يُفقد» وينتهي به المطاف في أيدي هؤلاء المتربحين من الحرب.
وفي السياق ذاته، قال مصدر مطلع إن مسؤولين في «حزب العمال الكردستاني» نصحوا قادة «قوات سوريا الديمقراطية» بالتنسيق مع دمشق فيما يتعلق ببيع النفط على الصعيدين الداخلي والإقليمي.
كما تحدث مسؤولون عن شبكات تعمل في الظل لتهريب النفط ومشتقاته بين منطقة شرق الفرات الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية العماد الرئيسي لها، ومناطق «درع الفرات» أو جيوب أخرى تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية والجيش التركي. يذكر أن القوات العسكرية في هاتين المنطقتين تخوض يومياً قتالاً وغارات وضربات، وتتبادل الاتهامات بـ«الخيانة» و«الإرهاب».
واللافت أن التعاون بين المتناحرين يمتد إلى ما وراء الحدود. وتشير تقارير إلى تهريب النفط إلى كردستان العراق وبعض المناطق التركية، بمشاركة وسطاء وأفراد مقربين من أصحاب القرار هناك، رغم استمرار الخلافات السياسية والعسكرية بين أصحاب القرار في القامشلي وأربيل. كذلك أفادت تقارير بأن النفط يجري تهريبه إلى داخل كردستان العراق، إما من أجل الاستخدام المحلي أو التهريب إلى تركيا. ويجري بيع النفط بأسعار ضئيلة للغاية، في الوقت الذي تعاني فيه حقول النفط والبيئة المحيطة بها حالياً من ظروف شديدة.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول غربي مطلع: «على الأرجح أن صناع القرار في هذه المناطق ليسوا في عجلة من أمرهم للوصول إلى حل سياسي يعيق تدفق الأموال إلى جيوبهم. والأرجح أن المتربحين من الحرب داخل مناطق النفوذ المحلية والدول المجاورة لا يريدون للحرب أن تنتهي».

- اقتراح بديل
عندما تولى الرئيس جو بايدن منصبه، أعلنت إدارته إعفاءات من العقوبات سمحت ببعض الاستثمارات الهادفة، (رغم أن هذا استثنى صناعة النفط)، في شرق الفرات. إلا أنها قررت عدم تمديد الإعفاء من العقوبات الممنوح لشركة «دلتا كريسنت إنرجي» لأسباب عدة، أهمها اعتراض شركات أجنبية تملك حقوق السيادة في الحقول النفطية. على سبيل المثال، وقعت شركة «غلف ساندز بتروليوم» (غلف ساندز) عقداً مع دمشق عام 2003 للاستثمار في البلوك 26 شرق الفرات وتطويره. وطبقاً لما ورد في تقريرها السنوي لعام 2021 وصل الإنتاج غير المصرح به من البلوك 26 منذ أوائل عام 2017 قرابة 20 ألف برميل يومياً، ما يعني أنه جرى إنتاج حوالي 35 مليون برميل منذ ذلك الحين.
وفي غضون ذلك، تدعو شركة «غلف ساندز»، ومقرها لندن، إلى مبادرة إنسانية «رابحة للجانبين» من شأنها أن تمكنها وشركات النفط العالمية الأخرى من استعادة السيطرة على أصولها. وبدلاً من أن يتدفق النفط إلى الكيانات الخاضعة للعقوبات وغيرها من الوسطاء غير المصرح لهم، ستسهم مبادرة «غلف ساندز» في تحويل عائدات مبيعات النفط إلى صندوق تسيطر عليه الأمم المتحدة. من جهته، قال جون بيل، العضو المنتدب لشركة «غلف ساندز»، إن ثمة حاجة إلى توجه جديد للتخفيف من المعاناة الهائلة في سوريا. وأضاف «سوريا بحاجة إلى مليارات الدولارات التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال النفط والغاز»، ووصف الخطط بأنها «مكسب للأكراد ودمشق والشعب السوري». واقترح توجيه نصيب من عوائد النفط إلى حساب مخصص للأغراض الإنسانية يخضع لسيطرة الأمم المتحدة، بحيث تتوافق مدفوعاته بالكامل مع العقوبات المفروضة على سوريا. وقد يبدو هذا الأمر بسيطاً، لكنّ محللين ربطوا المبادرة ببرنامج «النفط مقابل الغذاء» الذي جرى تطبيقه في العراق قبل الغزو الأميركي عام 2003، ويقر بيل بضرورة تعلم الدروس من هذا البرنامج المشؤوم، بينما يقترح المبادرة على أصحاب المصلحة الدوليين. وتأتي هذه المبادرة في الوقت المناسب، مع استمرار المناقشات حول توسيع نطاق تقديم المساعدات الدولية عبر الحدود، بما في ذلك شموله تمويل مشروعات التعافي المبكر وشؤون إنسانية وصحية أخرى.


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتحرك النازحون من ضاحية بيروت الجنوبية، بحذر وقلق، باتجاه منازلهم. يتفقدون ما حل بها، وعلى عجل، يحاولون سحب جزء من الملابس أو الحاجيات اليومية، ويعودون أدراجهم إلى حيث نزحوا، مستغلين تهدئة هشّة، لا يعرفون ما إذا كانت وهماً، أو حقيقة.

ومنذ التصعيد الكبير يوم الأربعاء في الاسبوع الماضي، لم تتعرض ضاحية بيروت الجنوبية لأي غارة إسرائيلية، رغم أن المسيَّرات لا تفارق أجواءها. نقلت وسائل إعلام عن مسؤول في «حزب الله» أن هناك «ما يبدو أنه تحييد للعاصمة وضاحيتها الجنوبية»، من غير أن يجزم بذلك... لكن الدولة اللبنانية، لم تعلن شيئاً من هذا القبيل، كما لم تعلنه إسرائيل أو الولايات المتحدة، مما أبقى السكان في دائرة القلق.

لكن بين التهدئة غير المعلنة، وغياب الغارات، يتحرك الناس على قاعدة الفرصة المؤقتة، يختبرونها سريعاً، ثم ينسحبون، لأنهم لا يعرفون متى تُقفل مجدداً.

بحث عن عام دراسي

في منطقة المريجة، تختصر زينب هذه المفارقة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «ما يُقال عن تحييد بيروت، لم يمنحها شعوراً حقيقياً بالأمان، لكنه أتاح لها نافذةً صغيرة لاتخاذ قرارٍ ظلّ مؤجلاً». نزلت إلى منزلها، مترددة، محكومةً بحسابٍ دقيق بين الخوف والحاجة، فقط لتجلب الكتب المدرسية لابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً.

تقول: «لم يكن النزول قراراً سهلاً، لكنني شعرت بأن عليّ استغلال أي هامش يُقال إنه متاح، مهما كان هشّاً». بالنسبة إليها، لم تكن الخطوة مجرّد إجراء عملي، بل محاولة لحماية ما تبقّى من انتظام حياة ابنتها. وتفصح: «يكفي ما نخسره يومياً من أمان واستقرار، لا أريد أن تخسر عامها الدراسي أيضاً».

داخل المنزل، بدت اللحظة مشحونة بالتناقض. الشوارع هادئة أكثر من اللازم، والحيّ مألوف وغريب في آنٍ معاً. تحرّكت بسرعة، كأنها تختصر الزمن، جمعت الكتب والدفاتر وبعض الحاجيات، وغادرت من دون أن تطيل البقاء. «كان فعلاً من أفعال الأمومة في وجه القلق»، تقول إن التعليم في مثل هذه الظروف يتحول إلى «محاولة للتمسّك بالحياة».

لكن هذا الهامش لا يبدّل في القاعدة العامة، فالأمان لا يزال غائباً. تتعامل زينب مع عناوين التهدئة بحذر، مشيرةً إلى أنها لا تبني عليها «قرارات طويلة الأمد»، بل تتحرك «وفق فرص صغيرة». في نظرها، الهدوء الحالي «ليس طمأنينة، بل صمت ثقيل يسبق المجهول».

مبنى متضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في بيروت (د.ب.أ)

نزول خاطف

في بئر العبد، يصف حسن ما جرى خلال الأيام الماضية بأنه «نزول خاطف» لا أكثر. لم تكن عودةً فعلية إلى الحياة، بل لحظات قصيرة اقتنصها الأهالي لاستعادة بعض ما تركوه خلفهم. يؤكد أنّ «الذي كان ينتظر الفرصة، كان ينزل لعشر دقائق أو ربع ساعة بالكاد، يلتقط ما يستطيع، ثم يغادر فوراً».

هذا السلوك، برأيه، يعكس تبدّل حسابات الناس مع امتداد الحرب. «كثيرون نزلوا لجلب ملابس صيفية وربيعية، بعدما ظنّوا في البداية أن النزوح سيكون قصيراً. الآن صار واضحاً أن الأمور قد تطول».

يضيف: «لكن الحاجة ليست وحدها ما يدفع الناس إلى النزول. أحياناً الحنين هو الدافع الأول». يستعيد حسن تجربته الشخصية حين توجّه إلى برج البراجنة، حيث غيّر زيت سيارته. يكشف عن أنّه «لم يكن الأمر مجرد تصليح سيارة، بل محاولة للتمسّك بتفصيل صغير من حياتي الطبيعية». في تلك اللحظة، بدت بعض المحال مفتوحة بشكل متقطّع، في مشهد يعكس إصراراً خجولاً على الاستمرار.

المشهد في الضاحية، كما يصفه، متقلّب ومربك: «في لحظة تشعر بشيء من الأمان، ترى الناس في الشارع أو محالاً مفتوحة، فتقول إن الحياة عادت. لكن هذا الإحساس هشّ. بعض الطرق تشهد حركة محدودة، فيما تبدو أخرى شبه مشلولة، كأنها تعيش بين حالتين: الحياة والتوقف».

بين من ينزل ليتفقد بيته من داخل السيارة فقط، ومن يرفض المخاطرة تماماً، تتباين ردود الفعل. إذ يشدّد على أنّ «الحنين يدفعك إلى النزول، لكن الخوف يوقفك عند أول زاوية».

صدمة في «اللسان تيريز»

في منطقة السان تيريز، تأخذ هذه التجربة منحى أكثر قسوة. يقول أحد أبناء المنطقة إنّه استند إلى ما تردّد عن تحييد بيروت لينزل إلى منزله، مدفوعاً بهامش من الأمان قيل إنه متاح. كان المنزل قد تعرّض لدمار جزئي، لكنه بقي قائماً، ما عزّز لديه الأمل بأن يجد ما تركه كما هو.

تصاعد الدخان عقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن مطمئناً بالكامل، لكنّني شعرت بأن الفرصة قد لا تتكرّر»، مضيفاً أنّه أراد «أن يرى البيت بعينيه بعد أسابيع من الغياب».

لكن اللحظة التي توقّع أن تحمل شيئاً من الطمأنينة تحوّلت إلى صدمة. «فوجئت بأنّ المنزل تعرّض للسرقة، والأغراض لم تعد موجودة». لم تكن الخسارة مادية فقط، بل نفسية أيضاً: «شعرت بأنّ الأمان الذي استندت إليه لم يكن موجوداً أصلاً».

يصف إحساسه عند الوصول بأنه «ثقيل لا يُوصف»، مضيفاً: «ما يُقال شيء، وما نعيشه شيء آخر». بالنسبة إليه، كشفت التجربة عن هشاشة كلّ ما يُبنى على عناوين التهدئة، وطرحت سؤالاً أكبر عن معنى الأمان نفسه في ظل واقع متقلّب.

الضاحية في المنطقة الرمادية

في حارة حريك، يبدو المشهد أكثر ميلاً إلى الحذر. يقول مروان إن الحركة لا تزال «محدودة ومتقطعة، مع غياب أي مؤشر إلى عودة واسعة للسكان. بعض الأحياء شبه خالية، وأخرى تشهد حركة خجولة لا تعكس اطمئناناً فعلياً».

هذا التفاوت، برأيه، يرتبط بتقدير كلّ مجموعة لمستوى المخاطر. «الناس يتصرفون بحذر شديد، هناك من يفضّل التريث، وآخرون يحاولون تدبير أمورهم بالحد الأدنى». لكن العامل الحاسم يبقى القلق، حتى لدى من يخرجون لقضاء حاجاتهم.

في تجربته الشخصية، اضطر مروان إلى النزول لتأمين احتياجات أسرته، خصوصاً الملابس. لم يكن الأمر مجرد تدبير موسمي، بل «استعداداً لمرحلة قد تطول». يقول: «جلبت ملابس صيفية وربيعية لأنني أشعر بأن الحرب لن تنتهي قريباً».

أما عن الإحساس بالأمان، فيصفه بأنه «ارتياح مؤقت سرعان ما يتلاشى». ويرى أنّ «الحديث عن التهدئة يمنح الناس لحظة نفسية أفضل، لكن في داخلهم لا يزالون يتوقعون الأسوأ. لذلك، لا يتصرفون كأن الأمور حُسمت نحو التهدئة».


سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
TT

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

في صالة مكتظة داخل ملعب في مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا، ينتظر فراس أحمد، مع عشرات الأكراد الذين يحملون مستندات وصوراً شخصية، أن يحين دوره ليتقدّم بطلب الحصول على الجنسية السورية، وهو الحق الذي حرم منه عشرات الآلاف لعقود.

ويقول أحمد (49 عاماً): «الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى، تخيّلوا أنني لا أستطيع أن أسجل أولادي، أو البيوت بأسمائنا». ويشرح: «لم يملك جدي الجنسية، وكنا نعيش حتى الآن من دون وثائق» رسمية.

مركز لتلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

على طاولات اصطف أمامها طابور طويل، تناثرت استمارات التسجيل المختومة بشعار الدولة السورية، إلى جانب صور شخصية، ووثائق قديمة، بينما انهمك موظفون حكوميون في تسجيل البيانات، قبل أن تظهر على إحدى الشاشات عبارة «تمت بنجاح»، على ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الخميس.

ومنذ الأسبوع الماضي، يتوافد سوريون أكراد من «مكتومي القيد»، وممن لا يملكون أوراقاً ثبوتية رسمية إلى مراكز مخصصة للتسجيل، وتقديم الطلبات في مدن عدة في شمال شرقي سوريا، بينها القامشلي، والحسكة، والمالكية، إضافة إلى أخرى في محافظات حلب، ودير الزور، والرقة، ودمشق، بناء على إيعاز من وزارة الداخلية.

ويأتي ذلك تطبيقاً لمرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير، ونصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، بعد عقود من حرمان عشرات الآلاف منهم من الجنسية.

كما أقر حقوقاً ثقافية ولغوية للأكراد، بينها اعتبار لغتهم «لغة وطنية».

وصدر المرسوم في خضم مناوشات استمرت لأسابيع بين المقاتلين الأكراد الذين كانوا يسيطرون على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا والقوات الحكومية، وانتهت بتوقيع اتفاق أواخر يناير نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية وقواتها تباعاً في إطار مؤسسات الدولة.

مسنة كردية تقدم طلبها للتجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

وتبعت ذلك خطوات عدة، بينها دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة، والقامشلي، ثم تسلم الدولة إدارة مطار القامشلي في فبراير (شباط)، وتعيين القيادي العسكري الكردي البارز سيبان حمو في مارس (آذار) معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، في إطار تطبيق بنود الاتفاق.

«عانينا كثيراً»

وتقول غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، باللغة الكردية: «عانينا كثيراً من الصعوبات، لم يستطع أولادي الخمسة استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورنا السفر نهائياً».

وتتابع: «حتى الآن منزلنا ليس مسجلاً باسمنا».

وانعكس الحرمان من الجنسية على تفاصيل الحياة اليومية برمّتها، من تعذُّر تسجيل الولادات، وتثبيت الملكيات، إلى صعوبات الدراسة، والتنقل، والعمل، والسفر، ما أبقى كثيرين على هامش الدولة من دون اعتراف قانوني كامل بوجودهم.

ويعود حرمان الأكراد من الجنسية إلى تدابير استثنائية نجمت عن إحصاء مثير للجدل أجري عام 1962 في محافظة الحسكة (شمال شرق)، وتمّ بموجبه سحب الجنسية من عشرين في المائة من المكون الكردي حينها.

وإثر ذلك، عانى الأكراد، الذين يشكلون أساساً نحو مليونين من أصل 20 مليون سوري، من التهميش من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، فحرموا طيلة عقود من تعليم لغتهم، والاحتفال بأعيادهم، وممارسة تقاليدهم.

وبحسب تقديرات «شبكة ضحايا انعدام الجنسية» الكردية المحلية في الحسكة، يبلغ عدد مكتومي القيد في سوريا حالياً نحو 150 ألف شخص، وفق ما يشرح عضو الشبكة علي موسى.

ملفات التجنيس... (أ.ف.ب)

ويطالب موسى السلطات بإبداء «مرونة في تطبيق القرار، وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا»، والذين لم يشملهم مرسوم الشرع، مع توفير بدائل، لا سيما أن كثيراً منهم يعانون «صعوبة السفر إلى سوريا بسبب القيود المتعلقة بكونهم طالبي لجوء في بلدان أوروبية، أو تخوفهم على إقامتهم في ظل ظروف الحرب الإيرانية التي أغلقت معظم المطارات بسببها».

ومن المقرر أن تبقي السلطات السورية مراكز التسجيل مفتوحة لمدة شهر.

ويوضح مسؤول شؤون الأحوال المدنية في الحكومة السورية عبد الله العبد الله، أن «المدة المفترضة للتسجيل هي شهر واحد قابل للتمديد». ويضيف: «أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان استمر سنوات».

من أحد مراكز تلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

داخل مركز التسجيل، يروي محمّد أيو (56 عاماً) كيف لازمه الإحساس بالعجز باعتباره «مكتوم القيد». ويشرح: «تدرس سنوات طويلة، وفي النهاية يقولون لا شهادة لك»، مشيراً إلى أنه لم يتمكن بعد إنهاء المرحلة الثانوية من الحصول على وثيقة تتيح له متابعة دراسته الجامعية.

ويضيف أيو، الذي يعمل في التجارة العامة، أنّ الحرمان طال أيضاً حقوقاً مدنية أساسية، إذ «لم يكن لدينا الحق في الترشح، أو الانتخاب». ويوضح كيف تعذّر عليه الحصول على شهادة لقيادة السيارة، وحتى الإقامة في فندق في دمشق، كون ذلك تطلب الحصول على «ورقة أمنية» مسبقة.


الجيش السوري يتسلّم قاعدة عسكرية شمال شرقي البلاد انسحبت منها قوات التحالف

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
TT

الجيش السوري يتسلّم قاعدة عسكرية شمال شرقي البلاد انسحبت منها قوات التحالف

صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)
صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

أعلنت وزارة الدفاع السورية، الخميس، أن قواتها تسلّمت قاعدة عسكرية شمال شرقي البلاد، بعد خروج قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة منها.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن الوزارة قولها في بيان، إن قوات الجيش السوري «تتسلم قاعدة (قسرك) الجوية بريف الحسكة، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي». وسبق للتحالف أن انسحب من قواعد عدة في سوريا خلال الأسابيع الأخيرة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».