400 سنة على ولادة موليير ولا يزال مثيراً للجدل

موهوب بالترويج وصانع دعاية من الطراز الأول

بدا موليير غير عابئ بالانتقادات والعقليات المتحجرة يشقّ لنفسه أسلوبه الخاص الذي بات من الصعب تجاهله
بدا موليير غير عابئ بالانتقادات والعقليات المتحجرة يشقّ لنفسه أسلوبه الخاص الذي بات من الصعب تجاهله
TT

400 سنة على ولادة موليير ولا يزال مثيراً للجدل

بدا موليير غير عابئ بالانتقادات والعقليات المتحجرة يشقّ لنفسه أسلوبه الخاص الذي بات من الصعب تجاهله
بدا موليير غير عابئ بالانتقادات والعقليات المتحجرة يشقّ لنفسه أسلوبه الخاص الذي بات من الصعب تجاهله

ما الجديد الذي يمكن للفرنسيين أن يضيفوه على معرفتهم بواحد من أكبر أدبائهم وأكثرهم شهرة، وهم يحتفلون بمرور 400 سنة على ولادته؟ ليس الكثير ربما، لكن إعادة قراءة النصوص تفتّح العيون، وتثير الفضول. وهذه الاحتفالية الوطنية الكبرى بأنشطتها المتنوعة، والموزَّعة في فرنسا ودول عدة أخرى، فتحت شهية الباحثين على عدد من الأسئلة. لماذا مِن أصل عشرات المسرحيين الكبار في القرن السابع عشر، نال موليير دون غيره هذه الشهرة التي استمرت إلى يومنا هذا، وأصبح عالمياً بقدر ما هو فرنسي؟ هل عبقريته وحدها تكفي لتفسير انتشار امتدّ إلى أربعة قرون. ثم ما التكتيكات التي كان يتبعها ليعرّف بأعماله ويرفع من نسبة جمهور مسرحه، في زمن لم يكن فيه الترويج بديهياً؟ وهل حقاً له لغة مغايرة؟ وما خصوصية هذه اللغة، كي يقال عن اللغة الفرنسية إنها «لغة موليير»، على غرار «لغة شكسبير» للإنجليزية أو «لغة غوتة» للألمانية؟
ثمة رأي يقول إن موليير تمكَّن من جذب انتباه معاصريه بفضل مهاراته الترويجية الكبيرة، وليس فحسب بفضل عبقريته المسرحية والأدبية الفذّة؛ فهو لم يكتفِ بموهبته الأدبية، ولم يركن إلى علاقته الوثيقة بالقصر الملكي، والدعم الذي كان يتلقاه بفضل عمل والده في البلاط، بل نوّع أساليبه ليشعل الفضول حول مسرحياته، ويشعر من يسمع عنها بأنه لا بد أن يراها.
يبدو أن مهارته في الترويج لأعماله كادت تضاهي موهبته المسرحية، إن لم تفُقْها.
كان من المفترض، لو سارت الأمور بشكلها الطبيعي، أن يصبح موليير الرجل الذي يُعِدّ سرير الملك، بعد أن يرث مهنة والده مُنجِّد القصر. لكن موليير درس المحاماة ومارسها بضعة أشهر، والتقى عام 1642 بمادلين بيجار، التي أحبّها وتغيرت معها حياته، وشكّل مع أخويها وآخرين فرقة. كان في الحادية والعشرين من عمره، حين أنشأ جان باتيست بوكلان، الذي سيُعرف فيما بعد باسم موليير، مع أصدقائه هذه الفرقة المسرحية، التي لم تسجل في البداية نجاحاً يُذكر. كافحت الفرقة، وكدّ موليير الذي أصبح مديراً لها ليُبقيها على قيد الحياة. فرجال الدين يترصدون الأعمال المسرحية، ويطلقون الأحكام القاسية إلى حدّ التكفير، وثمة عروض تُمنَع وتُرمى بالتهم القاتلة. كل ذلك والمسرح الإيطالي في زهوه، ويجد محبِّين وعشاقاً له في أسبانيا وفرنسا، وصولاً إلى البلاط الملكي الفرنسي الذي كان يستقدم الفِرق الإيطالية ويستمتع النبلاء بعروضها، ومنها استوحى الفرنسيون وتعلَّم موليير.
سرعان ما أفلست الفرقة، وتراكمت عليها الديون وتسبَّب ذلك لموليير بالحبس عدة مرات. وللخروج من الأزمة أعادت الفرقة تشكيل نفسها وقررت أن تترك باريس عام 1646. بدأ موليير مع شركائه جولات في المناطق، لكنه اصطدم مرة أخرى بمضايقات رجال الدين وتحريضهم الذي لا ينقطع، في هذا الوقت كان قد بات متمكناً من معارفه المسرحية، وأخذ يكتب النصوص ويمثلها.
عاد هو وحبيبته بيجار مع فرقتهما إلى باريس عام 1655 وبعدها بثلاثة أعوام مثّلت الفرقة في البلاط مأساة كورني «نيكوميد» ولعب موليير الدور الرئيسي فيها، وتبِعها بملهاة أشعلت إعجاب الملك. وبعد تردد في الانخراط بالأعمال الكوميدية، وجد نفسه متورطاً في المزيد منها، في حين كان التقدير للأعمال الدرامية وليس للمضحكين والساخرين؛ من الممثلين والكتّاب.
أولى نجاحاته الكبرى كانت سنة 1659 بمسرحيته «المتحذلقات السخيفات»، وهي مسرحية هزلية عن أسرة فرنسية ريفية قادمة إلى المدينة، حديثة النعمة، حاملة معها العُقد والعناية بالتفاهات. ترفض الأسرة المتقدمين لابنتيْهما للزواج، بأساليب رخيصة ومُهينة، لكن هذا ينقلب على العائلة حين يرسل العرسان من ينتقم من الفتاتين.
سعد الملك وهو يتفرج على المسرحية، لكن متحذلقات المجتمع غضبن من موليير، ووُجهت له الانتقادات والاتهامات، إلا أن هذا لم يمنع نجاح العمل؛ فهو طريف وقريب من القلب، ملابس الممثلين غريبة وغير مألوفة، النص رشيق ومضحك، والممثلون يتحركون بحيوية وخفة، لم تكن معهودة على المسرح بعدُ.
بدأ موليير، غير عابئ بالانتقادات والعقليات المتحجرة، يشقّ لنفسه أسلوبه الخاص، الذي بات من الصعب تجاهله.
بالعودة إلى الترويج الذي أسهم في ذيوع صيته، فإن وجوده في القصر منذ كان عمره 15 عاماً، أسهم في تقريبه من النافذين الذين غالباً ما دعّموه وحموه، وموّلوه، ووفّروا له أماكن العرض. ولما كان من المتاح له أن يعرض في القصر، فقد تواجد في المكان الأفضل لإيصال أعماله بالسرعة القصوى، إلى الطبقة التي تُعنى بالمسرح، مدعوماً بمكانة والده، وما له من معارف وتاريخ مع هذه الطبقة الباذخة. ويُروى أن موليير كان من الدهاء بحيث يدفع لكَتَبة المقالات ليتناولوا أعماله بأقلامهم، ولا يهمُّه إن كان ما يسطّرونه ذماً أم مدحاً، ما يعنيه دائماً هو أن يبقى اسمه متداولاً، وأخباره على ألسنة الناس.
لم يمانع موليير أن يتواجد نُسّاخ في صالة العرض، يسطّرون نصوصه عن ألسنة الممثلين، يكتبونها ويبيعونها، ولو أن ذلك كان يجري دون إذن منه إو إفادة مادية تعود عليه؛ فهو بذكائه اللمّاح عرف أنها إحدى الطرق الناجعة للتعريف بأعماله وتحقيق مزيد من الانتشار.
مع مسرحيته «مدرسة الزوجات» التي قدّمها عام 1662، وانتقد تقاليد اجتماعية راسخة، وسطوة الرجل على المرأة، اكتسب المزيد من الشهرة. فقد أثار الضجيج حوله بسبب السخط والغضب الذي دائماً ما يرى فيهما فرصة لترسيخ اسمه وإبقائه متداولاً، وتلك كانت إحدى غاياته. وللإمعان في تجييش الآراء، أتبع مسرحيته بأخرى تحكي عن الآراء التي جرى تقاذفها حول «مدرسة الزوجات» سمّاها «انتقاد مدرسة الزوجات». وحين لا يكون الاعتراض على مسرحية موليير اجتماعياً، فإنها تُغضب رجال الدين الذين احتجّوا على مسرحيته «طرطوف» وتمكنوا من منعها، بعد أن مثّلها أمام الملك. لكن المسرحي المشاكس كان ينعم في هذه الأثناء بما تتداوله الأقلام عنه ذماً أو مدحاً، وبالطلب المتصاعد على نص المسرحية، في حين لم يتوقف عن تقديم «طرطوف» التي زاد الطلب عليها في الصالونات الخاصة.
تناولت «طرطوف» مشكلة النفاق والتستر بستار الدين، وأولئك الذين يتظاهرون بالتقوى والفضيلة كذباً، أما الأتقياء المخلصون فلا يراد لهم أن يفاخروا بتقواهم، ولا أن يخرجوا على حدود العقل بغيرتهم على مصلحة الدين.
يدور العمل حول شخصية «طرطوف» المُحتال الذي يختبئ بكل ما يضمره من نفاق تحت مظلة الدين وشعارات رنانة خادعة. ومن بين مَن وقعوا في شِباكه أوركون؛ وهو رب عائلة تتكون من أولاد وزوجة وأم وخادمة. يظل طرطوف يهيمن على أوركون بشعاراته حتى تكشف له الزوجة ألمير الحقيقة ويظهر طرطوف على حقيقته أمام الجميع ويلقى جزاءه بالسجن.
بالطبع كان موليير مدعوماً من لويس الرابع عشر ومن نافذين في القصر، ليتمكن من اختراق الصعوبات التي واجهها. فأعماله ابتعدت عن الكلاسيكية، ولم تكن موضع إجماع؛ لخرقها بشكل كبير قواعد الجماليات الكلاسيكية، لذلك لم يُنظر إليه وعلى مدى عقود على أنه كاتب عظيم، بقدر ما اعتُرف به ممثلاً بارعاً. كان لا بد من انتظار زمن طويل كي تجد نصوصه التي كُتبت بنكهة الشعب، وللشعب ومرحه ومشكلاته العميقة، ما تستحقه من تقدير. فخلف الهزل والضحك، تمكّن موليير من رسم كاريكاتيرات شديدة العبقرية. بفضل التضخيم والكاريكاتورية في رسم أبطال أعماله، تمكَّن من أن يظهر ويشرّح عيوب مكامن ضعف بشرية تصعب رؤيتها دون وضع الشخصية تحت مجهر التكبير.
أُنهك موليير من كثرة العمل، بين متاعبه العائلية مع زوجته، ومشكلاته مع الكنيسة، وإدارته الفرقة، والكتابة التي كانت تأكل أعصابه، وإصراره على لعب دور البطولة في مسرحياته، ووجد نفسه مستنفداً. ليست مصادفة أن تكون مسرحيته الأخيرة هي «المرض الوهمي» التي عرضها عام 1673، وكان قد أصبح ضعيف البنية، متعباً، فقد انتهى به الأمر مريضاً بداء السلّ الذي لم ينجُ منه، وتُوفي بعد أن أدى دوره في العرض الرابع من مسرحيته «المرض الوهمي»، كما انه لم ينج من غضب الكنيسة حتى بالسماح له بأن يموت بسلام، فدُفن ليلاً ودون طقوس أو صلاة على جثمانه، في مدافن للأطفال والمنتحرين، ولم يُنقل رفاته إلى مقابر «بير لاشيز» التي يُدفن فيها كبار أعلام الحياة الفنية والأدبية والسياسية في فرنسا حتى عام 1817.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
TT

معرض قاهري يحتفي بمئوية رائد النحت الروماني قسطنطين برانكوشي

بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)
بورتريه للفنان الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (الشرق الأوسط)

عبر لوحات تنتمي لفن الغرافيك، تتعدد مدارسها وأساليبها الفنية بين التجريد والتكعيبية والتعبيرية ممثلة في البورتريه بطريقة فنية مميزة، استعاد 29 فناناً رومانياً سيرة النحات الروماني الرائد قسطنطين برانكوشي (1876–1957)، أحد أبرز روّاد النحت الحديث في القرن العشرين، وصاحب التأثير العميق في مسارات الفن التجريدي المعاصر.

المعرض الذي استضافت نسخته المصرية قاعة الاتجاه بقصر الفنون في القاهرة، يحتفي بمرور 150 عاماً على ميلاد النحت الرائد تحت عنوان «برانوشكي 150»، افتتحته السفيرة الرومانية في القاهرة أوليفيا تودريان، بحضور محمد طلعت، مستشار وزير الثقافة المصري للفنون التشكيلية والبصرية، والدكتور شادي أديب سلامة، منسق وقيم المعرض بالقاهرة، ونخبة من الفنانين والمهتمين بالفن.

ويضم المعرض مجموعة من أعمال الغرافيك لـ29 فناناً رومانياً معاصراً، استُلهمت أعمالهم من فكر برانكوشي ورؤيته الجمالية التي أسست لمرحلة مفصلية في تاريخ الفن الحديث، وأسهمت في تطوير مفاهيم الاختزال والتجريد في النحت المعاصر.

تقنيات الحفر والطباعة ميزت المعرض (الشرق الأوسط)

وتُمثل نسخة القاهرة محطة مهمة ضمن سلسلة معارض متزامنة أُقيمت في 21 دولة حول العالم، تحتفي بإرث برانكوشي الفني وتأثيره المستمر حتى اليوم. وتعكس استضافة القاهرة لهذا المعرض مكانة القاهرة مركزاً ثقافياً فاعلاً للحوار الفني الدولي، وجسراً للتبادل الثقافي بين مصر ورومانيا.

وعدّ الفنان شادي أديب سلامة، منسق المعرض، أن المشروع «يجسد نموذجاً للتعاون الثقافي العابر للحدود، ويعزز من آفاق التواصل الفني بين الشعوب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المشروع يتم التحضير له منذ عامين تقريباً، بعد اختيار مجموعة فنانين من رومانيا، قدّموا أعمالاً تستعيد مسيرة وسيرة الفنان الرائد قسطنطين برانكوشي من خلال نسخ أصلية مصنوعة بتقنيات الغرافيك أو الحفر والطباعة اليدوية سواء ضغط أو زنك أو حفر على الخشب أو نقل مباشر».

السفيرة الرومانية بالقاهرة خلال افتتاح المعرض (وزارة الثقافة)

وتضم الأعمال موضوعات مختلفة، فكل فنان احتفى بجانب من حياة أو أعمال برانكوشي الذي عاش فترة طويلة في فرنسا، وصنع مجموعة من التماثيل الميدانية ذات الطابع التجريدي على وجه الخصوص، وتضمنت أعمال الفنانين المشاركين في المعرض بورتريهات له أو لمنزله أو مناظر طبيعية للمكان الذي عاش وأبدع فيه النحات الرائد، بحسب أسلوب وطريقة كل فنان.

ووفق منسق المعرض فقد تم اختيار مصر لتشارك في هذه الاحتفالية «بناءً على اختيار مؤسسة Inter-Art Foundation (مدينة أيوُد – رومانيا) وهي تختار مكاناً في كل مدينة أو قارة للمشاركة في عروض لها طابع دولي، وقبل شهور نظمت المؤسسة معرضاً عالمياً في الأمم المتحدة وشاركتُ فيه من مصر».

بوستر المعرض الذي يحتفي بالنحات الروماني (وزارة الثقافة المصرية)

وأضاف سلامة أن «المعرض يعد عاملاً مهماً في التبادل الثقافي بين مصر ورومانيا، وهناك احتفالية بمرور 120 سنة على العلاقات بين مصر ورومانيا، تم تصميم شعارها وفق مدرسة برانكوشي في الربط بين الرقم ومفردات رمزية مثل الأعمدة الخاصة بالمعابد المصرية القديمة، وأشار إلى انتقال المعرض من دار الأوبرا المصرية لإقامة أكثر من فعالية أخرى يتم التحضير لها، سواء في السفارة الرومانية بالقاهرة، أو أحد المراكز الثقافية في الإسكندرية.


السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
TT

السبحة المصرية… تاريخ طويل وحكايات تزدهر مع طقوس رمضان

خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)
خامات متنوعة وصناعة دقيقة للسبح المصرية (الشرق الأوسط)

في رمضان تكتمل الصورة الروحانية بالتفاصيل البسيطة المصاحبة لطقوس الشهر الكريم، من بينها «السبحة» التي ترافق المؤمن في لحظات الذكر على مدى ساعات اليوم. وفي هذا الشهر تحديداً تتحول «السبحة» من أداة للذكر، والعبادة إلى قطعة ثقافية وجمالية لها تاريخ طويل، وحكايات متجددة، خصوصاً في مصر التي تعد واحدة من أقدم مراكز صناعة السبح في العالمين العربي، والإسلامي.

عرفت السبحة في صورتها القريبة من الشكل الحالي منذ القرون الأولى للإسلام، مع تطور الحاجة إلى وسيلة عملية لضبط الذكر. ومع مرور الوقت، تحولت من مجرد حبات للعد إلى رمز شخصي يعكس ذوق صاحبها، ومكانته الاجتماعية، حتى أصبحت في مصر جزءاً من الموروثين الشعبي، والديني معاً.

وداخل بازار في شارع المعز «خان الخليلي» بالقاهرة الفاطمية، يقف الشاب محمد سيد فوزي صاحب علامة «مكة للسبح والفضيات»، ممسكاً بسبحته الأنيقة، معرباً في بداية حديثه عن اعتزازه بتصميم وتصنيع السبح بوصفها حرفة أصيلة ورثها من أجداده، وعمل بها الأب والأعمام لعشرات السنين؛ حيث يعد والده سيد فوزي «شيخ المهنة» في مصر.

يقول فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «السبح موجودة في مصر طوال العام، لكن تصبح أكثر ازدهاراً في رمضان، فيحرص الكثيرون على اقتنائها، وتهدى في الزيارات، وتتصدر واجهات المحال في المناطق العتيقة، حيث تختلط بأشكالها، وألوانها المختلفة مع أصوات الباعة، وحكاياتهم».

صناع السبح اليدوية يستخدمون خامات نادرة (الشرق الأوسط)

يتلاقي حديث فوزي مع عراقة صناعة السبح في مصر؛ فتاريخياً تعود هذه الصناعة إلى العصر الفاطمي، حين ازدهرت الحرف المرتبطة بالشعائر الدينية. ولاحقاً، في العصرين المملوكي والعثماني، تطورت الصناعة، وأصبحت أكثر تنوعاً من حيث الخامات والأشكال، خصوصاً مع ازدهار التجارة.

وفي القاهرة القديمة، وخصوصاً في الجمالية، ومحيط مسجد الحسين والأزهر الشريف نشأت ورش صغيرة متخصصة في خرط الحبات، وصقلها يدوياً؛ فهذه المناطق لم تكن مجرد أسواق، بل مدارس حقيقية للحرفة، يتوارثها الصناع جيلاً بعد جيل؛ ولذلك يقصدها الزائرون طلباً لسبحة «لها روح» وفق وصف فوزي.

وتنقسم السبح من حيث الخامات إلى مستويات مختلفة، منها السبح الشعبية، والمتوسطة، والفاخرة. وتتخصص عائلة فوزي في السبح اليدوية الفاخرة المصنوعة من الأحجار الكريمة، والخامات الطبيعية، في اتجاه حديث يحتفي باقتناء السبح باعتبار أنها نوع من الاستثمار.

يقول فوزي: «إن السبح الطبيعية الفاخرة تشبه في فلسفتها الساعات الثمينة التي يحرص البعض على اقتنائها بوصفها استثماراً طويل الأمد».

وأضاف: «بعض السبح يصل سعر الغرام الواحد منها إلى ما بين 150 و200 دولار، ويجب ألا ننسى أن أي حجر طبيعي ترتفع قيمته مع مرور الوقت»، ويضرب مثالاً بمن يشتري سبحة مطعمة بالفضة بعشرة آلاف جنيه، متوقعاً ارتفاع سعرها لاحقاً.

تحتاج بعض السبح إلى أسبوعين لصناعتها (الشرق الأوسط)

ويضيف: «ما أقدمه يعتمد بالكامل على خامات طبيعية لم تمسها الآلة، إذ تصنع يدوياً بالكامل؛ ما يمنحها قيمة خاصة، ويسري شعور بالراحة والهدوء النفسي لدى من يستخدمها». ويرى أن «الألفة التي يشعر بها المرء عند لمس السبحة اليدوية تختلف تماماً عن تلك المصنوعة من خامات صناعية مثل البلاستيك التي تبدو خفيفة، ورخيصة، وصناعية في مظهرها، وإحساسها».

ويشير فوزي إلى أن من أبرز الخامات التي يعمل بها اليسر والكوك والكهرمان والأبنوس، لكنه يضع اليسر في مكانة خاصة، إذ يعده من أكثر الأحجار قيمة وتنوعاً. ويوضح أن «اليسر هو نوع من المرجان، وله فصائل متعددة مثل الأسود والبني والأبيض والذهبي، ويعد اليسر البني الأندر والأغلى ثمناً؛ لأنه مكث فترات طويلة في المياه، وتأثر بقلوية البحر التي غيرت لونه من الأسود إلى البني». وأردف: «يكمن جانب كبير من قيمة اليسر في كونه خامة طبيعية تتفاعل مع الجسم، إذ تنبعث من الحبات رائحة خفيفة تشبه رائحة البحر واليود عند إزالة طبقة التلميع؛ ما يمنح إحساساً بالسكينة، والارتباط بالطبيعة» وفق فوزي.

سبحة كوك طبيعي مجدولة بمعدن باحترافية عالية من مكة (الشرق الأوسط)

وعن الكوك، يوضح أنه «ثمرة من جوز الهند، ويعد من أكثر الخامات انتشاراً في مجال السبح، وتتراوح أسعاره من 180 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيها مصرياً) إلى آلاف الجنيهات، وأحياناً تتم صباغته بلون بني داكن؛ لإعطاء انطباع بالعراقة، وكثرة التسبيح عليه».

ويؤكد فوزي أن ما يميز تاريخ صناعة السبح في مصر أنها تعتمد بشكل شبه كامل على العمل اليدوي باستخدام المخرطة؛ «حيث يقوم الحرفيون بتشكيل السبحة يدوياً دون الاعتماد على آلات صناعية؛ ما يجعل الخراط المصري من الأفضل عالمياً». ويشير إلى أن «الحرفيين المصريين مطلوبون بالاسم في العالم»، وأن بعض الخراطين المشهورين يتقاضون مبالغ تصل إلى 1000 دولار مقابل خرط سبحة واحدة، بغض النظر عن نوع الخامة.

وتتطلب الصناعة الدقيقة العمل على أجزاء من الملليمتر؛ لتقليل الهدر في الأحجار الكريمة مرتفعة الثمن، وأن الوصول إلى هذه الدرجة من الدقة يحتاج لسنوات طويلة من التدريب، والعمل المتواصل. ويصف فوزي مراحل صناعة السبحة بأنها عملية معقدة تشترك فيها أيادٍ متعددة؛ إذ تمر الخامة بمراحل التقطيع، والتشكيل، والخرط، والتخريم، والتطعيم، والصنفرة، والمراجعة، والتلميع، والتلميض، والتكتيل، وكل مرحلة لها أشخاص متخصصون.

خامات متنوعة وألوان متعددة للسبح (الشرق الأوسط)

وتستغرق صناعة بعض المسابح المطعمة بالفضة 15 يوماً، فيما تحتاج أنواع أخرى إلى خطوات إضافية، مثل التكتيل الأفريقي الذي ينفذه طلاب أفارقة من الأزهر. ويرى فوزي أن «الصناعة شهدت تطوراً كبيراً، بعدما كانت الأسواق محدودة في مصر، تشهد اليوم انفتاحاً عالمياً مع وجود مزادات للسبح في دول مثل ألمانيا، وليتوانيا».

ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إحياء هذا المجال بعد تراجعه خلال فترات سياسية، وأزمات عالمية؛ فمنصات مثل «إنستغرام» ساعدت حرفيين بلا متاجر على الوصول إلى الأسواق، كما ساهمت في تعليم الخراطة، ونشر الوعي بكيفية اختيار الأحجار الكريمة.

وتطورت التصاميم أيضاً؛ فبعد أن كانت مقتصرة على أشكال تقليدية مكررة باتت تشهد اليوم ابتكارات جديدة في التطعيم، والأشكال، ويحتفي الجيل الجديد من صناع السبح بتقديم تصاميم جديدة مستوحاة من التراث بحسب محمد فوزي الذي يختتم حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أستلهم تصاميمي من الحضارة الإسلامية، وشارع المعز».


إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
TT

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)
إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

قبل 4 أيام من إسدال الستارة على هذه الدورة من المهرجان الألماني الكبير، أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة لمقابلة المخرج التركي إلكر تشاتاك. كنت أرغب في طرح أسئلة على المخرج مستوحاة من فيلمه المثير للتفكير وما يدعو إليه. أخبرني المسؤول عن تنظيم المقابلات الصحافية أن المخرج أجرى العديد من المقابلات سابقاً، وربما كنت آخر من يحاوره قبل إعلان النتائج. أحد الأسئلة الواردة هنا يدور حول أهمية الجائزة التي كان يطمح إليها تشاتاك، والتي نالها بالفعل.

مفاجأة كبيرة

إلكر تشاتاك مع بطلَي فيلمه «رسائل صفراء» بعد الفوز في مهرجان برلين (رويترز)

* في بداية الفيلم نتعرّف إلى الزوجين «عزيز» و«دريا» في قمّة نجاحهما. بعد ذلك نراهما يفقدان ما حقّقاه بفعل حادثة. هل يمكن القول إنهما لم يدركا النتيجة التي سيصلان إليها بسبب تلك الحادثة؟ وهل يمكن أنهما لم يتوقّعاها؟

- أولاً، كانت المقدّمة التي اخترتها للفيلم ضرورية ليكون تمهيداً لما قد يحدث لأي فنان، بصرف النظر عن نجاحه، حتى لو كان نجماً. حتى في الغرب، وفي هوليوود، هناك حالات مشابهة تقع لفنانين ينتقدون أوضاعاً تخرج عن الأعراف، ولا بد أنك تعرف ذلك. ما أسرده يحدث في أماكن عدة، هنا في ألمانيا وغيرها من دول أوروبا. فيلمي إشارة إلى ذلك وتنبيه إليه. أما بالنسبة للتوقّع، فيدرك المشاهد أنهما لم يتوقَّعا النتيجة التي ذكرتها؛ لقد كانت مفاجأة كبيرة لهما، وتركت هذا التأثير العميق عليهما وعلى ابنتهما الشابة.

* لا تُخفي في الفيلم ذكر المدينتين الألمانيّتين اللتين صوّرت فيهما العمل. حدّثني عن هذا القرار.

- طبعاً، كان لا بد من ذلك. أردت أن أذكر اسمَي المدينتين اللتين لعبتا دور أنقرة وإسطنبول. لم تهمّني الاختلافات التي قد يدركها المشاهد سريعاً؛ لأنني أردت توظيف اختياري التصوير في ألمانيا؛ فموضوع فيلمي لا يمكن تصويره في تركيا. هذا الاختيار نوع من التأكيد على مضمون الفيلم.

الواقع حاضر

* موضوعك يوحي بأنك استلهمته من حادثة حقيقية، أليس كذلك؟

- رغم أن هناك أحداثاً وقعت لفنانين ومثقفين في السنوات الأخيرة، فإن الفيلم لا يستند إلى شخصية حقيقية أو حادثة معيّنة. إنه استلهام من واقع سائد في أكثر من مكان، كما ذكرت.

* لكن ألا يمكن أن يكون دافعك الأول لهذا الفيلم هو الإشارة إلى هذا الوضع؟

- هو جزء أساسي منه، وليس كله. الحكاية محلّية بالتأكيد، لكن الناتج بطبيعة الحال يعكس وضعاً منتشراً في أكثر من بلد حول العالم، وقد ازداد انتشاره مؤخراً. ومع ذلك، فالفيلم ليس فقط عن النزول من سلّم الشهرة إلى البطالة، بل أردت أيضاً الخوض في موضوع مهم آخر، هو تأثير ذلك على الحياة الزوجية.

* ما نشاهده في وضع العائلة الاجتماعي هو وصف للحال التي وصلت إليها وتأثير ذلك على حياتها الداخلية. بالنسبة إلى الزوجين، يبدو أن كلاً منهما على حق، وهذا واضح من الحوار الذي يتبادلانه، إلى جانب الأجواء التي تصاحب انتقالهما للعيش في منزل والدة «عزيز».

- تماماً، هذا مقصود. كنت أبحث عن حكاية أُبرز فيها العلاقة تحت الضغط. حاولت أن أكون منصفاً: لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام.

* لكن إذا كان هذا هو المقصود، ألا يقع الفيلم في التعميم؟

- لا أعتقد ذلك. في كل أفلامي أطرح أسئلة وأتجنّب الإجابة عنها. أفضِّل ذلك على أن أقدّم للمشاهد جواباً جاهزاً. عليه هو أن يُحلّل ويبحث. لا أرغب في توجيه المشاهد، ولا أريد أن أقول له: هذا ما يجب أن يكون.

الفائز هو الفيلم

المخرج إلكر تشاتاك والمنتج إنغو فليس (أ.ف.ب)

* فيلمك يشارك في مسابقة مهرجان برلين. وهي المرة الأولى لك في المسابقة بعد تقديم فيلمك السابق خارجها «صالة المعلّم» (Teacher’s Lounge). ماذا تعني الجائزة بالنسبة إليك، وبالنسبة لهذا الفيلم؟

- بالنسبة لهذا الفيلم، كما ذكرت، هو إشارة إلى ما يحدث حول العالم هذه الأيام. هناك تطوّرات تقنية نعيشها اليوم قد تؤدي إلى انتشار البطالة وصرف الموظفين من أعمالهم؛ لأن البديل الاصطناعي بات موجوداً. أعني أن المسألة لا تتعلّق فقط بالرقابة، أو منع العمل لأسباب فكرية، بل أيضاً بتطوّرات تمسّ اليوم الكثير من العاملين في شتّى الحقول. علينا أن نكون على وعي بما ستؤدي إليه هذه التعقيدات على المستويات الإنسانية والثقافية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية كافة. أما الجائزة بالنسبة إليّ، فهي تعني مساعدتي على نشر هذه الرسالة. إنها تمنح الفيلم حياة أخرى تتجاوز مجرد المشاركة في المسابقة. إذا فزت، فالفائز الحقيقي هو الفيلم.