«أفعى التضخم» تعتصر الأتراك

عجز التجارة قفز 430% في أكتوبر

سفينة أوكرانية محملة بالحبوب تمر في مضيق البسفور التركي إلى بحر مرمرة (أ ف ب)
سفينة أوكرانية محملة بالحبوب تمر في مضيق البسفور التركي إلى بحر مرمرة (أ ف ب)
TT

«أفعى التضخم» تعتصر الأتراك

سفينة أوكرانية محملة بالحبوب تمر في مضيق البسفور التركي إلى بحر مرمرة (أ ف ب)
سفينة أوكرانية محملة بالحبوب تمر في مضيق البسفور التركي إلى بحر مرمرة (أ ف ب)

واصل التضخم في تركيا قفزاته المتلاحقة التي لم تتوقف على مدى 19 شهراً. وسجل 85.51 في المائة على أساس سنوي في أكتوبر (تشرين الأول) المنصرم بعدما سجل 83.45 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول) الماضي. وفي الوقت ذاته، واصل عجز التجارة الخارجية في تركيا قفزاته للشهر الثاني عشر على التوالي، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 430 في المائة مدفوعاً بارتفاع فاتورة الطاقة.
وأظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي أن التضخم، الذي يحلق عند أعلى مستوى في نحو ربع قرن، واصل ارتفاعه بعدما خفض البنك المركزي سعر الفائدة 3 مرات في الأشهر الثلاثة الماضية بواقع 3.5 في المائة، لينخفض سعر الفائدة الرئيسي من 14 في المائة في يوليو (تموز) إلى 10.5 في المائة في سبتمبر، رغم الارتفاع غير المسبوق في الأسعار، وذلك استجابة لمطالبات الرئيس رجب طيب إردوغان بخفض سعر الفائدة إلى خانة الآحاد قبل نهاية العام.
وذكر بيان لمعهد الإحصاء، الخميس، أن أسعار المستهلكين ارتفعت 3.54 في المائة على أساس شهري. وارتفع مؤشر أسعار المنتجين 7.83 في المائة على أساس شهري في أكتوبر، و157.69 في المائة على أساس سنوي.
والأسبوع الماضي، عدل البنك المركزي التركي توقعاته للتضخم بنهاية العام الحالي بالزيادة بواقع 5 نقاط مئوية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والواردات. وقال رئيس البنك شهاب كاوجي أوغلو، خلال استعراضه التقرير الفصلي للتضخم، إن البنك يتوقع ارتفاع التضخم في أسعار المستهلك إلى 65.2 في المائة بنهاية العام الحالي.
وكانت توقعات «المركزي» السابقة المعلنة في يوليو أشارت إلى أن معدل التضخم في أسعار المستهلك سيصل إلى 60.4 في المائة بنهاية العام، ويتراجع إلى 22.3 في المائة في 2023. وذكر كاوجي أوغلو أن إعادة تكاليف الطاقة العالمية إلى حالتها الطبيعية من شأنها أن تساعد في تباطؤ ارتفاع الأسعار العام المقبل، رغم تأكيده أن «المركزي» التركي سيواصل تيسير سياسته النقدية لخفض سعر الفائدة إلى أقل من 10 في المائة استجابة لرغبة الرئيس إردوغان.
وقفز التضخم السنوي في سبتمبر الماضي إلى 83.45 في المائة، وهو أعلى 16 مرة من الهدف الرسمي المعلن للحكومة التركية وهو 5 في المائة.
وتعهد إردوغان، الذي يستعد لمعركة صعبة على الرئاسة، فضلاً عن معركة صعبة لحزبه (العدالة والتنمية) في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة منتصف العام المقبل، بتراجع التضخم اعتباراً من بداية عام 2023، فيما أكد وزير الخزانة والمالية نور الدين نباتي أن التضخم يبدأ بالتراجع بنهاية العام الحالي. ورغم ذلك يتمسك إردوغان باستمرار خفض سعر الفائدة الرئيسي ليصل إلى خانة الآحاد بحلول نهاية العام الحالي.
وقال كاوجي أوغلو إن التضخم هو من أهم المشكلات لكل من البنك المركزي والحكومة، وإنهما اتخذا إجراءات مهمة لخفضه، معترفاً: «لا يمكننا أن نعتبر أنفسنا ناجحين للغاية». وأضاف: «نأمل أن تجعلنا القرارات التي اتخذناها والسياسات التي نفذناها لخفض التضخم ناجحين... إذا كان هناك تضخم، فهناك مشكلة، وليس من الصواب الحديث عن النجاح... نحن أيضاً ندرك مشكلات مواطنينا ونتخذ الخطوات اللازمة».
وطبقت الحكومة التركية منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي نموذجاً جديداً للاقتصاد يقوم على خفض الفائدة من أجل حفز النمو والصادرات وجذب الاستثمارات، مع تجاهل تحذيرات وكالات التصنيف والمؤسسات الاقتصادية الدولية من الاستمرار في تيسير السياسة النقدية، في ظل استمرار التضخم في الارتفاع بمعدلات قياسية غير مسبوقة منذ نحو ربع قرن. ويعتمد صناع السياسة الاقتصادية على أن معدلات الاقتراض المرتفعة تعمل على تهدئة الاقتصاد والأسعار.
في الوقت ذاته، واصل عجز التجارة الخارجية في تركيا قفزاته في أكتوبر للشهر الثاني عشر على التوالي، مدفوعاً بارتفاع تكاليف استيراد الطاقة.
وبحسب بيانات أولية نشرتها وزارة التجارة التركية، سجلت الواردات ارتفاعاً بنسبة 31.9 في المائة على أساس سنوي في أكتوبر إلى 29.3 مليار دولار، ليقفز العجز التجاري بنسبة 430 في المائة إلى 8 مليارات دولار، بينما ارتفعت الصادرات بنسبة ضئيلة بلغت 2.8 في المائة لتصل إلى 21.3 مليار دولار في أكتوبر.
ورأى محللون اقتصاديون أن الأرقام المعلنة اختلال توازن التجارة الخارجية في تركيا تظهر أن دفعة الصادرات جراء انهيار الليرة التركية العام الماضي وفقدها 44 في المائة من قيمتها، تتلاشى وأن التضخم يضر بالمنتجين.
وتسبب الارتفاع العالمي في أسعار النفط والغاز الطبيعي، الذي بدأ بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا في تسريع الواردات على الرغم من التباطؤ الواضح في النشاط الاقتصادي في النصف الثاني من العام.
وتشير البيانات إلى أن واردات الطاقة من روسيا، التي تعد مصدراً رئيساً للنفط والغاز لتركيا، ارتفعت بنسبة 107 في المائة عن العام السابق لتصل إلى 5 مليارات دولار.


مقالات ذات صلة

«المركزي» التركي: تراجع التضخم أبطأ من المتوقع

شؤون إقليمية «المركزي» التركي: تراجع التضخم أبطأ من المتوقع

«المركزي» التركي: تراجع التضخم أبطأ من المتوقع

قال محافظ «البنك المركزي التركي»، شهاب قافجي أوغلو، أمس (الخميس)، إن المؤسسة أبقت على توقعاتها للتضخم عند 22.3 في المائة لعام 2023، وهو ما يقل عن نصف النسبة بحسب توقعات السوق، رغم انخفاض التضخم بمعدل أبطأ مما كان البنك يتوقعه. وأثارت التخفيضات غير التقليدية في أسعار الفائدة التي طبقها الرئيس رجب طيب إردوغان أزمة عملة في أواخر عام 2021، ليصل التضخم إلى أعلى مستوى له في 24 عاماً، عند 85.51 في المائة، العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

دخول تركيا «النادي النووي» مهم... وزوال مخاوف «تشيرنوبل» مسألة وقت

<div>دفع إقدام تركيا على دخول مجال الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء عبر محطة «أككويو» التي تنشئها شركة «روساتوم» الروسية في ولاية مرسين جنوب البلاد، والتي اكتسبت صفة «المنشأة النووية» بعد أن جرى تسليم الوقود النووي للمفاعل الأول من مفاعلاتها الأربعة الخميس الماضي، إلى تجديد المخاوف والتساؤلات بشأن مخاطر الطاقة النووية خصوصاً في ظل بقاء كارثة تشيرنوبل ماثلة في أذهان الأتراك على الرغم من مرور ما يقرب من 40 عاما على وقوعها. فنظراً للتقارب الجغرافي بين تركيا وأوكرانيا، التي شهدت تلك الكارثة المروعة عام 1986، ووقوعهما على البحر الأسود، قوبلت مشروعات إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية باعتراضات شديدة في البد</div>

شؤون إقليمية انخفاض معدل التضخم في تركيا للشهر السادس على التوالي

انخفاض معدل التضخم في تركيا للشهر السادس على التوالي

انخفض معدل التضخّم في تركيا مجدداً في أبريل (نيسان) للشهر السادس على التوالي ليصل الى 43,68% خلال سنة، قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة في البلاد.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية الليرة التركية في أدنى مستوياتها مع اقتراب الانتخابات

الليرة التركية في أدنى مستوياتها مع اقتراب الانتخابات

تراجعت الليرة التركيّة إلى أدنى مستوى لها، مقابل الدولار، أمس الثلاثاء، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن نتائج الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة، في منتصف مايو (أيار)، والتي قد تؤدّي إلى أوّل تغيير سياسي منذ عشرين عاماً، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وتراجعت العملة إلى 19.5996 ليرة للدولار الواحد، وهو أمر غير مسبوق، منذ اعتماد الليرة الجديدة في يناير (كانون الثاني) 2005. منذ الانخفاض المتسارع لقيمة العملة التركيّة في نهاية 2021، اتّخذت الحكومة تدابير لدعمها، على أثر تراجعها جرّاء التضخّم وخروج رؤوس الأموال. وقال مايك هاريس؛ من شركة «كريبستون ستراتيجيك ماكرو» الاستشاريّة، إنّ «ذلك قد فشل»، فع

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
العالم كليتشدار أوغلو أعلن برنامج أول 100 يوم... وإردوغان يتهم الغرب بالوقوف ضده

كليتشدار أوغلو أعلن برنامج أول 100 يوم... وإردوغان يتهم الغرب بالوقوف ضده

بينما أطلق مرشح المعارضة لرئاسة تركيا كمال كليتشدار أوغلو برنامج الـ100 يوم الأولى بعد توليه الحكم عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 14 مايو (أيار) المقبل، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان ثقته في الفوز بالرئاسة مجددا من الجولة الأولى، معتبرا أن الانتخابات ستكون رسالة للغرب «المتربص» بتركيا. وتضمن البرنامج، الذي نشره كليتشدار أوغلو في كتيب صدر اليوم (الخميس) بعنوان: «ما سنفعله في أول 100 يوم من الحكم»، أولويات مهامه التي لخصها في تلبية احتياجات منكوبي زلزالي 6 فبراير (شباط)، وتحسين أوضاع الموظفين والمزارعين وأصحاب المتاجر والشباب والنساء والمتقاعدين والأسر، متعهداً بإطلاق حرب ضد الفساد

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«القاعدة العسكرية الإسرائيلية» في «أرض الصومال»... «تسريبات» متتالية تعزز الهواجس

رئيس إسرائيل يستقبل رئيس الإقليم الانفصالي خلال زيارة رسمية (صفحة رئيس إقليم «أرض الصومال» على منصة «إكس»)
رئيس إسرائيل يستقبل رئيس الإقليم الانفصالي خلال زيارة رسمية (صفحة رئيس إقليم «أرض الصومال» على منصة «إكس»)
TT

«القاعدة العسكرية الإسرائيلية» في «أرض الصومال»... «تسريبات» متتالية تعزز الهواجس

رئيس إسرائيل يستقبل رئيس الإقليم الانفصالي خلال زيارة رسمية (صفحة رئيس إقليم «أرض الصومال» على منصة «إكس»)
رئيس إسرائيل يستقبل رئيس الإقليم الانفصالي خلال زيارة رسمية (صفحة رئيس إقليم «أرض الصومال» على منصة «إكس»)

تتواصل تسريبات بشأن احتمال إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية في إقليم «أرض الصومال»، وسط رفض عربي وإقليمي لتحركات الإقليم الانفصالي وتحذيرات من تداعيات جيوسياسية وأمنية تفاقم التوترات بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

التسريب الجديد كان بشأن وجود قوة إسرائيلية في «أرض الصومال»؛ ورغم نفي الإقليم الانفصالي وكذلك الخارجية الإسرائيلية، تنبئ المقدمات بأن هناك تموضعاً ما سيتشكل عبر قاعدة عسكرية في منطقة القرن الأفريقي، مع جس نبض لأطراف إقليمية أخرى، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

ونقلت قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية عبر موقعها الإلكتروني تقارير تتحدث عن منح «أرض الصومال» إسرائيل حق الوصول إلى منشأة عسكرية إضافية يمكن أن تُستخدم كمحطة لوجستية للطائرات العاملة في المسارات الطويلة.

وذكر موقع «ميدل إيست آي» أن إسرائيل نشرت قوة عسكرية صغيرة في «أرض الصومال» في وقت سابق من هذا العام، في إطار التعاون الأمني المتزايد بين الجانبين. ووفقاً لمسؤول تحدث للموقع فإن نحو 50 جندياً إسرائيلياً يتمركزون في الإقليم في أعقاب اتفاقيات أمنية تم التوصل إليها بعد اعتراف إسرائيل باستقلال الإقليم.

أما وزارة الخارجية الإسرائيلية، فاكتفت بتدوينة، الاثنين، على حسابها بمنصة «إكس» تقول إن الخبر «غير صحيح».

وأثار ذلك النفي جدلاً خاصة أن هناك تصريحات رسمية عبرية تتحدث عن نشاط لسنوات في الإقليم الانفصالي. فقد ذكر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان لمكتبه خلال استقباله رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن عبد الله (عرو) الأسبوع الماضي، أن إسرائيل قامت منذ أعوام بسلسلة من «الأنشطة السرية» مع «أرض الصومال»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال وجوده في إسرائيل، قال عرو في مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إنه «لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أرض الصومال في المستقبل»، مضيفاً أن ذلك «ربما يكون قريباً».

رئيس إقليم «أرض الصومال» في مؤتمر صحافي خلال زيارة إسرائيل (صفحة رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

وتزامن ذلك مع حديث لوزير دفاع «أرض الصومال»، محمد يوسف علي، لوكالة «رويترز» أكد خلاله أنه «ليس هناك أي وجود عسكري إسرائيلي في المنطقة، ولا توجد محادثات حول إقامة قاعدة إسرائيلية هناك»، وعَدَّ ذلك «شائعات».

وباعتقاد المحلل السياسي من «أرض الصومال»، عبد الكريم صالح، فإن الاتفاق الرسمي بين الإقليم وإسرائيل لإنشاء قاعدة عسكرية لا يزال غير مبرم، لكن لا يمكن استبعاد التوقيع عليه في المستقبل القريب، بحسب تصريحات عرو، لافتاً إلى أن الاتفاق الحالي ينص على التعاون في مجالات عديدة، كالتكنولوجيا والاقتصاد والصحة، فضلاً عن القضايا الأمنية.

في المقابل، يقول المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، إن التسريبات والتصريحات المتناقضة حول احتمال إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في «أرض الصومال» تزيد من الجدل الإقليمي، وإن التسريبات تعزز الهواجس بشأنها.

ويرجع بري ذلك إلى أن التصريحات تبدو غير حاسمة، حيث لم يصدر نفي مطلق من قيادة «أرض الصومال»، بل تُرك الباب مفتوحاً أمام احتمالات مستقبلية، بجانب وجود تعاون أمني متزايد مع اعتراف رسمي بوجود تدريب إسرائيلي للقوات الأمنية والعسكرية في الإقليم الانفصالي.

ويعدُّ موقع إقليم «أرض الصومال» على خليج عدن بالقرب من مضيق باب المندب موقعاً استراتيجياً لأي وجود عسكري دولي، خاصة الإسرائيلي، بحسب بري، الذي قال إن «النفي لا يمنع الأمر... وهذا النفي ليس إلا مجرد تمهيد استخباراتي ليس أكثر، وجس لنبض الأطراف المتنافسة».


هل يمكن رفع العقوبات الأميركية والدولية عن إيران؟

 وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)
TT

هل يمكن رفع العقوبات الأميركية والدولية عن إيران؟

 وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فيما يتابع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وجاريد كوشنر المشهد قبل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في منتجع بورغنستوك المطل على بحيرة لوسيرن (أ.ف.ب)

بدأت الولايات المتحدة تنفيذ أولى خطوات تخفيف العقوبات على إيران بموجب الاتفاق المؤقت الهادف إلى إنهاء الحرب، لكن تفكيك منظومة العقوبات الأميركية والدولية التي تراكمت على مدى عقود يبقى أكثر تعقيداً بكثير من إصدار إعفاءات مؤقتة أو تعليق بعض القيود.

ويقول خبراء قانونيون واقتصاديون إن أي اتفاق أوسع قد يفتح الباب أمام رفع تدريجي للعقوبات، إلا أن إزالة القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني والتعاملات التجارية والمالية قد تستغرق سنوات، كما أن عودة الاستثمارات الأجنبية لن تكون فورية حتى في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.

عقوبات الأمم المتحدة

ترتبط عقوبات الأمم المتحدة على إيران ببرنامجها النووي وما اعتبره المجتمع الدولي انتهاكاً لالتزاماتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وأصدر مجلس الأمن الدولي سلسلة قرارات عقابية في أعوام 2006 و2007 و2008 و2010، شملت حظر توريد الأسلحة وبعض المواد والتقنيات المرتبطة بالأنشطة النووية، إلى جانب تجميد أصول شركات وأفراد.

كما حظرت تلك القرارات الأنشطة المرتبطة بتطوير أو إنتاج صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية.

ورغم أن العقوبات استهدفت أصولاً مرتبطة بـ«الحرس الثوري» وشركة الشحن الحكومية الإيرانية، فإنها لم تتضمن حظراً على صادرات النفط الإيرانية.

وبعد التوصل إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة» (الاتفاق النووي) عام 2015، وضع مجلس الأمن جدولاً زمنياً لرفع العقوبات المفروضة على إيران.

لكن انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق عام 2018 دفع طهران إلى التراجع عن بعض التزاماتها، قبل أن تُعاد عقوبات الأمم المتحدة العام الماضي عبر آلية «العودة التلقائية».

العقوبات الأميركية

تعود العقوبات الأميركية على إيران إلى عام 1979، عقب أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران.

ومنذ ذلك الحين، توسعت العقوبات بصورة متدرجة لتشمل ملفات متعددة، من بينها البرنامج النووي، وبرامج الصواريخ، ودعم جماعات تصنفها واشنطن منظمات إرهابية.

ويُعد «الحرس الثوري» إحدى أبرز العقبات أمام أي رفع شامل للعقوبات، نظراً لتصنيفه منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، إضافة إلى حضوره الواسع في قطاعات اقتصادية رئيسية داخل إيران.

وتدير وزارة الخزانة الأميركية شبكة العقوبات، إلا أن تعدد القوانين والسلطات القانونية التي تستند إليها يجعل إلغاءها عملية معقدة.

ويستند جزء من هذه العقوبات إلى قوانين تعود إلى سبعينات القرن الماضي تمنح الرئيس الأميركي صلاحيات استثنائية تُجدد سنوياً، إضافة إلى قوانين أخرى أُقرت في عامي 1996 و2017 وتستهدف إيران بصورة مباشرة.

ويستطيع الرئيس الأميركي إلغاء العقوبات التي فرضها بموجب أوامر تنفيذية، وتشمل هذه الإجراءات تجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات، وحظر الأسلحة، ومنع التجارة والاستثمار الأميركيين في إيران، وحظر شراء النفط الإيراني.

لكن رفع العقوبات التي أقرها الكونغرس أكثر تعقيداً، إذ يتطلب في كثير من الحالات إجراءات تشريعية جديدة، كما أن بعضها لا يتضمن استثناءات مرتبطة بتغيير السلوك الإيراني في ملفات مثل حقوق الإنسان أو دعم الجماعات المسلحة.

ويضاف إلى ذلك وجود عدد كبير من المؤسسات والشركات والأفراد المدرجين بصورة منفصلة على لوائح العقوبات، ما يجعل إزالة هذه التصنيفات عملية طويلة ومعقدة.

العقوبات الأوروبية

فرض الاتحاد الأوروبي عام 2012 حظراً على واردات النفط الإيراني، وجمّد أصول البنك المركزي الإيراني، كما قيّد تجارة المعادن النفيسة والمنتجات البتروكيماوية.

وشملت الإجراءات الأوروبية أيضاً قيوداً على التجارة الخارجية والخدمات المالية وقطاعي الطاقة والتكنولوجيا.

وفي العام نفسه، جرى فصل عدد من المصارف الإيرانية عن نظام «سويفت» للمدفوعات الدولية، ما أدى إلى عزل أجزاء واسعة من النظام المالي الإيراني عن الاقتصاد العالمي.

ورغم رفع بعض هذه القيود بعد اتفاق 2015 النووي، فإن كثيراً منها عاد لاحقاً، إلى جانب عقوبات إضافية استهدفت أفراداً وكيانات مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على «الحرس الثوري»، وأقر هذا العام حزمة جديدة من الإجراءات العقابية بعد إغلاق إيران مضيق هرمز خلال الحرب.

عودة الاستثمارات

حتى في حال التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى رفع جزء كبير من العقوبات، فإن عودة الشركات الأجنبية إلى السوق الإيرانية قد لا تكون سريعة.

فالتعقيد القانوني للعقوبات وتعدد الجهات والأفراد المدرجين على القوائم السوداء يجعلان العديد من الشركات الدولية مترددة في العودة خشية التعرض لمخاطر قانونية أو مالية.

ويخشى المستثمرون أيضاً الوقوع في مخالفات غير مقصودة نتيجة التعامل مع شركات أو كيانات لا تزال خاضعة للعقوبات، فضلاً عن احتمال مواجهة دعاوى قضائية مرتبطة بهجمات أو أنشطة تنسبها الولايات المتحدة إلى جهات إيرانية أو حلفائها.

الأصول المجمدة

تحتفظ إيران بعشرات المليارات من الدولارات في حسابات ومصارف خارجية، معظمها ناتج عن عائدات صادرات النفط والغاز.

لكن العقوبات المفروضة على القطاعين المصرفي والنفطي تمنع طهران من الوصول إلى جزء كبير من هذه الأموال.

ومن بين الدول التي توجد فيها أصول إيرانية مجمدة أو مقيدة الحركة كوريا الجنوبية والصين واليابان والعراق ولوكسمبورغ، إضافة إلى أرصدة أخرى موزعة على مؤسسات مالية خارجية مختلفة.

ويرى مراقبون أن الإفراج عن جزء من هذه الأموال بموجب التفاهمات الحالية قد يكون أسهل من رفع منظومة العقوبات بأكملها، التي تراكمت عبر قرارات أممية وتشريعات أميركية وأوروبية متداخلة على مدى أكثر من أربعة عقود.


قراءة فرنسية في نتائج المفاوضات الأميركية - الإيرانية

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصافح الأحد في منتجع برغنستوك رئيس الأركان الباكستاني المارشال عاصم منير وظهر بينهما رئيس وزراء باكستان شهباز شريف (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصافح الأحد في منتجع برغنستوك رئيس الأركان الباكستاني المارشال عاصم منير وظهر بينهما رئيس وزراء باكستان شهباز شريف (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في نتائج المفاوضات الأميركية - الإيرانية

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصافح الأحد في منتجع برغنستوك رئيس الأركان الباكستاني المارشال عاصم منير وظهر بينهما رئيس وزراء باكستان شهباز شريف (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يصافح الأحد في منتجع برغنستوك رئيس الأركان الباكستاني المارشال عاصم منير وظهر بينهما رئيس وزراء باكستان شهباز شريف (رويترز)

تبدو باريس راغبة، أكثر من أي وقت مضى، في ألا تبقى على هامش المفاوضات الجارية بشأن الملف الإيراني، الذي تنفرد به حتى الآن الولايات المتحدة، بالتعاون مع وسيطين رئيسيين هما باكستان وقطر، والذي أنتج «مذكرة تفاهم» تلاها اجتماع رفيع المستوى في منتجع بورغنستوك السويسري المطل على بحيرة لوسيرن.

وتسعى باريس إلى أن تكون على اطلاع وثيق بما جرى ويجري بين واشنطن وطهران، وبما يُخطط له في الأيام والأسابيع المقبلة، ولا سيما خلال مهلة الستين يوماً المخصصة للتفاوض.

ولهذا الغرض، قام وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين، بزيارة إلى سويسرا للقاء رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي شارك في اجتماعات بورغنستوك، وقبلها في محادثات إسلام آباد.

أولوية فرنسا

تعتبر فرنسا نفسها معنية أكثر من غيرها بالملف الإيراني، وفق ما تؤكده مصادرها الدبلوماسية، بالنظر إلى التبعات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية المترتبة على المفاوضات ونتائجها على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

والأهم من ذلك أن باريس ترى أنها قادرة على تقديم مساهمات جدية في عدد من الملفات، وفي مقدمها الملف النووي؛ إذ انخرطت فيه منذ بداياته عام 2003، وكان لها دور فاعل في التوصل إلى اتفاق فيينا لعام 2015 مع إيران، المعروف باتفاق «5 زائد 1».

ومن بين الدول الأوروبية الثلاث، أو «الترويكا الأوروبية»، تبدو فرنسا اليوم الأكثر نشاطاً، ليس فقط لأنها ترأس مجموعة السبع للدول الصناعية الليبرالية، ولا لأنها استضافت «قمة إيفيان» التي وصفت بأنها ناجحة بكل المعايير، بل أيضاً لأن شريكتيها في «الترويكا»، بريطانيا وألمانيا، تعانيان من صعوبات سياسية داخلية.

وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا خلال اجتماع ثلاثي على هامش اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ 15 يونيو (إ.ب.أ)

فقد قدم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين، استقالته من منصبه، وكان قد سبقه إلى الاستقالة وزير دفاعه جون هيلي في 11 الحالي. أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس، فيواجه صعوبات داخل التحالف الحاكم، إلى جانب تراجع شعبيته وصعود اليمين المتطرف ممثلاً بحزب «البديل لألمانيا». من هنا، تبدو الدبلوماسية الفرنسية الأكثر دينامية والأشد اندفاعاً للعب دور في هذا الملف.

وإذا كانت باريس تتحرك بهذه الاندفاعة رغم استبعادها عن المفاوضات، فلأنها تعتبر أنها تمتلك أوراقاً «مؤثرة»، أبرزها اثنتان: رفع العقوبات الأوروبية أو الدولية عن إيران، والدور الذي يمكن أن تلعبه في نزع الألغام من مضيق هرمز، وضمان حرية الملاحة فيه.

وإلى جانب ذلك، هناك ملف لبنان، الذي تربطه بفرنسا علاقات تاريخية، وتريد باريس أن تؤدي إزاءه دور «الحارس الأمين».

ملف العقوبات

تمسك باريس بمفتاح مزدوج فيما يخص العقوبات. فمن ناحية، لا يمكن رفع العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على إيران، وهي عقوبات متنوعة تشمل انتهاكات حقوق الإنسان، وتقديم الدعم لروسيا، والبرنامجين النووي والصاروخي، ومن بينها 11 حزمة منذ عام 2022، إلا وفق قاعدة الإجماع، ما يجعل باريس قادرة على إجهاض أي مشروع قرار يقدم في هذا الاتجاه.

كذلك، وبحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وتمتعها بحق «الفيتو»، تستطيع فرنسا اللجوء إلى هذا السلاح لمنع رفع أو تعليق العقوبات الدولية المفروضة على إيران بموجب ستة قرارات دولية، إذا رأت أن الاتفاق الذي قد يبرم بين واشنطن وطهران لا يستجيب لمتطلباتها.

وتقول المصادر الفرنسية إن باريس «لن تتردد مطلقاً» في استخدام هذا الخيار إذا رأت أن الاتفاق، ورفع العقوبات جزء أساسي منه، «لا يتوافق مع مصالحها الأمنية».

وتضع فرنسا شروطاً عدة للسير في رفع العقوبات، تبدأ بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران، وهي العودة التي قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الاثنين، إن الجانب الإيراني قبل بها.

لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي رد على ذلك، الثلاثاء، قائلاً: «لم نعقد اجتماعاً مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا نخطط للسماح للوكالة بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية التي تضررت جراء العدوان العسكري الأميركي والصهيوني».

وتقول باريس إنها فهمت أن عودة مفتشي الوكالة تشمل «كل المواقع» النووية، وهو ما يتناقض مع ما جاء على لسان بقائي، الذي أفاد بأن أي اجتماع مع الوكالة لم يحصل، وأنه لا يوجد موعد لعودتها إلى إيران.

ووفق القراءة الفرنسية، فإن عودة المفتشين جزء من كل أوسع. وما تريده باريس هو «مجموعة متكاملة من التدابير والضمانات القوية» التي تثبت سلمية البرنامج النووي، وتمنع تحول طهران إلى قوة نووية.

ومن بين التدابير المطلوبة خفض نسبة التخصيب، والتحقق من ذلك، وتمديد المدة التي يمكن أن تحتاج إليها طهران لامتلاك سلاح نووي إذا قررت ذلك، فضلاً عن توفير وسائل قياس تضمن، في كل نشاط، سلمية البرنامج النووي.

وخلاصة الموقف الفرنسي أن عودة المفتشين وحدها غير كافية، وأن المسألة تتعلق أيضاً بما سيتاح لهم مراقبته، وبالجدول الزمني لعودتهم. وبحسب ما اطلعت عليه باريس، لا يوجد موعد محدد لعودة المفتشين، إلا أن هذه العودة ستكون «قريبة».

باخرتان تعبران الاثنين مضيق هرمز كما تظهران من مسندم وهو الجانب العماني المطل على المضيق (رويترز)

مضيق هرمز

تعلق فرنسا أهمية كبرى، كما غيرها من الأطراف، على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً بصورة دائمة، وترفض خطط إيران لفرض رسوم مرور أو بدل خدمات.

بيد أن لباريس هماً آخر يتمثل في إقناع إيران بقبول المبادرة الفرنسية - البريطانية، التي انضمت إليها مجموعة دول غالبيتها أوروبية، لنزع الألغام التي قد تكون وُضعت في ممرات المضيق، ومواكبة الناقلات والسفن الراغبة في ذلك.

وبعد مرحلة من الرفض والتقليل من أهمية هذه المهمة، قبل الرئيس دونالد ترمب بها من باب الحاجة إلى نزع الألغام، وهو ما يُفهم أن طهران ما زالت تعارضه.

وتربط باريس إطلاق المهمة، التي تصفها بأنها «سلمية» و«محايدة» و«دفاعية»، بموافقة ثلاثة أطراف: الولايات المتحدة وإيران وعُمان.

ويبدو أن الطرف الأصعب اليوم هو إيران، خصوصاً إذا نجحت في تغيير «طبيعة» المضيق من جهة فرض سلطتها عليه.

وحتى الآن، لا يبدو واضحاً الموقف الفرنسي من احتمال الربط بين رفع العقوبات وإطلاق المهمة البحرية التي تروج لها باريس مع لندن.