برلمان لبنان «يودّع» عون بإسقاط طلبه سحب التكليف من ميقاتي

لأنه يتطلب تعديلاً دستورياً أو اعتذاراً عن التأليف

مجلس النواب اللبناني منعقداً في 24 أكتوبر الماضي (د.ب.أ)
مجلس النواب اللبناني منعقداً في 24 أكتوبر الماضي (د.ب.أ)
TT

برلمان لبنان «يودّع» عون بإسقاط طلبه سحب التكليف من ميقاتي

مجلس النواب اللبناني منعقداً في 24 أكتوبر الماضي (د.ب.أ)
مجلس النواب اللبناني منعقداً في 24 أكتوبر الماضي (د.ب.أ)

يستعد المجلس النيابي، ولو متأخراً، لوداع رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، إنما على طريقته في جلسته التي يعقدها اليوم والمخصصة لتلاوة رسالته إلى البرلمان التي بعث بها قبل يومين من انتهاء ولايته الرئاسية، طالب فيها بسحب التكليف من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة الجديدة، والتي ستنتهي حكماً إلى إسقاط مفاعيلها السياسية والدستورية؛ لأن لسحب التكليف أصولاً تستدعي أولاً تعديل الدستور بأكثرية ثلثي أعضاء البرلمان، إلا إذا بادر إلى الاعتذار وبملء إرادته عن التكليف.
فالجلسة النيابية التي ستُخصص أيضاً لتلاوة رسالة ميقاتي في ردّه على رسالة عون، ستشهد حشر «التيار الوطني الحر» في الزاوية، لأنه ليس لديه ما يقوله دفاعاً عن رسالة مؤسسه الرئيس عون، وسيجد نفسه وحيداً يغرّد في كوكب سياسي آخر في تصدّيه لردود الفعل النيابية المعترضة في الأساس على مضامين الرسالة. وهذا ما سجّله الاجتماع النيابي الموسّع الذي جاء استباقاً لموعد انعقاد الجلسة، وشارك فيه 27 نائباً بدعوة من رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميل بإعلانهم رفضهم القاطع لها، كما ورد في الوثيقة التي وقّعوا عليها والتي يُفترض تلاوتها في مستهل الجلسة أو في الباحة الرئيسة للبرلمان إذا ما تعذّر عليهم تلاوتها لدى افتتاحها.
وفي هذا السياق، يقول مصدر نيابي بارز لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس عون كان في غنى عن توجيه الرسالة لأنها أساءت إليه وإلى الفريق الاستشاري الذي نصحه بإرسالها، وأيضاً للدستور. ويؤكد أن صاحب الرسالة لم يكن مضطراً لوداعه من قبل غالبية النواب بهذه الطريقة في تعاطيهم معها وكأنها لم تكن، لأنها تشكل مخالفة مكشوفة للدستور وسترتد عليه.
ويلفت المصدر النيابي إلى أن الرسالة تستهدف الالتفاف على اتفاق الطائف وتجويفه من مضامينه، وهذا ما أملى على الأكثرية النيابية التمعّن في قراءتها التي يراد منها تعديل الدستور. ويقول إن عون لو تمعّن من خلال فريقه السياسي والاستشاري في تداعياتها السلبية عليه لما أقدم على تسطيرها وإيداعها البرلمان لتلاوتها في جلسة اليوم.
ويسأل المصدر نفسه: هل تأتي الرسالة استجابةً لما بشّرنا به رئيس «التيار الوطني» جبران باسيل بإقحام البلد في فوضى دستورية واجتماعية، كرد فعل على عدم تشكيل حكومة جديدة تأتي على قياس طموحاته وهو يستعد لخوض المعركة التي تبقيه على قيد الحياة بالمفهوم السياسي للكلمة؟ خصوصاً وأن توقيع عون لمرسوم قبول استقالة الحكومة الحالية لن يكون له من مفاعيل لأنها تُعتبر مستقيلة حكماً بانتخاب مجلس نيابي جديد.
ويضيف أن عون ووريثه السياسي باسيل يستخفّان بعقول اللبنانيين بقولهما إنهما يؤيدان اتفاق الطائف، فيما بادر عون أثناء تولّيه للحكومة العسكرية إلى إصدار مرسوم بحل البرلمان وبمنع النواب الذين شاركوا فيه من العودة إلى منازلهم الواقعة في المنطقة التي كانت خاضعة لسيطرته.
ويؤكد أن عون راهن على أن رسالته ستؤدي إلى تعبئة الشارع المسيحي وإحراج القيادات المناوئة له بذريعة أن رئيس الحكومة يضع يده على البلد ويصادر صلاحيات رئيس الجمهورية. لكنه أخطأ في التقدير بانصياعه لنصائح باسيل؛ لأن القيادات المسيحية ليست في وارد التناغم معه أو افتعال صدام لا مبرر له مع الطائفة السنية، ولأن القيادات تعطي الأولوية لانتخاب رئيس للجمهورية كممر إجباري لإعادة الانتظام إلى المؤسسات الدستورية بدلاً من افتعال اشتباكات سياسية يراد منها التحريض على المكوّن السنّي وميقاتي الذي يشغل المنصب الأول لطائفته في التركيبة السياسية.
ويرى أن النواب الذين اجتمعوا بدعوة من الجميّل وجّهوا لعون ضربة سياسية لم يكن مضطراً لإقحام نفسه في إشعال التجاذبات الطائفية؛ لأن النواب سيتعاطون مع رسالته على أنها مسمومة وما هي إلا ملهاة لصرف الأنظار عن دور باسيل في تعطيله جلسات انتخاب الرئيس من جهة، وفي إغراق النواب في خلاف حول صلاحية حكومة تصريف الأعمال في إدارة الشغور في رئاسة الجمهورية من جهة ثانية. وبالتالي، بلجوئه إلى مجموعة من المستشارين أوقعه في فخ تأزيم الوضع مع أنه لن يجد من يقف إلى جانبه.
ويؤكد المصدر أن عون لو كلّف خاطره وراجع أبرز ما دار من مداولات أثناء اجتماع النواب في الطائف حول الصلاحيات التي يجب أن تناط برئيس الحكومة لاكتشف أن الدستور الذي انبثق عن وثيقة الوفاق الوطني لا يلحظ أبداً سحب التكليف من رئيس الحكومة أو تحديد مهلة زمنية لتشكيل الحكومة فور تكليفه بتشكيلها.
ويتابع بأن معظم النواب الذين شاركوا في الطائف، وعلى رأسهم رئيس الحكومة الأسبق المرحوم صائب سلام، اعترضوا على تحديد مهلة زمنية للرئيس المكلف بتشكيل الحكومة بذريعة أن رئيس الجمهورية أياً يكن قد يلجأ في ظل عدم الانسجام معه إلى رفض التشكيلة الوزارية تلو الأخرى التي يقدّمها له لدفعه للاعتذار عن تأليفها، وبالتالي فإنه يتذرّع بتحديد مهلة زمنية له لإلغاء تكليفه برئاسة الحكومة.
كما أن مجرد تحديد مهلة زمنية للرئيس المكلف يعني الإبقاء عليه في حالة من عدم الاستقرار بخلاف رئيس الجمهورية الذي يُنتخب لولاية رئاسية مدتها 6 سنوات، ولا يمكن تقصيرها إلا في حال ثبوت ارتكابه الخيانة العظمى، وأيضاً لرئيس المجلس النيابي الذي يُنتخب لولاية نيابية مدتها 4 سنوات، ولا يمكن تقصير ولايته إلا في حال تقدم 10 نواب بعريضة يطالبون فيها بتقصير ولايته بعد انقضاء عامين على انتخابه شرط أن يوافق ثلثا أعضاء البرلمان على تقصيرها.
لذلك، فإن إلزام الرئيس المكلف بمهلة زمنية لتشكيل الحكومة يعني الإبقاء عليه في حال من عدم الاستقرار لأن رئيس الجمهورية هو من يتحكّم به استناداً إلى المهلة المحددة له.
وعليه، فإن جلسة اليوم ستؤدي إلى إلحاق ضربة سياسية بعون؛ لأنه ليس مضطراً لشراء مشكلة مجانية يعرف سلفاً بأنه وحده الذي سيدفع الثمن السياسي الذي يلاحقه مع انتقاله إلى منزله في الرابية.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن، الخميس؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وسط تأكيد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات «لا تعني التنازل والاستسلام»، مشدداً على «الحفاظ على الحقوق، وأهمية أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات».

ويتمسك لبنان بالتفاوض لإنهاء لتثبيت وقف الحرب، وضمانة انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، في مقابل تصعيد إسرائيلي، عبَّر عنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي هدّد «بمواصلة العمليات العسكرية ضدّ (حزب الله)، في حال لم يتحرّك لبنان لوقف نشاطه». وقال كاتس إنّ مصير جنوب لبنان قد يكون مشابهاً لما شهدته مدينتا رفح وبيت حانون في قطاع غزة.

كما وجّه تهديداً مباشراً إلى الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، عادَّاً أنّه قد يلقى مصيراً مشابهاً لمصير الأمين العام السابق حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل عام 2024.

ترسيخ الاستقرار

وقال عون في تصريح، الثلاثاء، إنه يتحمل مسؤولية قراراته، وإن الديبلوماسية هي حرب من دون دماء، في حين الحرب هي إهراق دماء ودمار وخراب.

وأكد أن «صمود الجنوبيين في مناطقهم وقراهم واستقبال النازحين الذين وفدوا من قرى وبلدات مجاورة، هو تجسيد لمدى وحدة اللبنانيين وتضامنهم مع بعضهم بعضاً؛ ما يشكل مصدر قوة ووعي وإيمان بهذا البلد»، لافتاً إلى أنه «يواصل السعي لدى الجهات الدولية والمؤسسات الاجتماعية والإنسانية من أجل زيادة المساعدات المخصصة للجنوبيين، النازحين منهم والمضيفين».

ولفت الرئيس عون إلى «أهمية تضافر الجهود بين الجيش والقوى الأمنية والبلديات والسكان، لترسيخ الاستقرار الأمني وإبعاد فرضية الأمن الذاتي الذي يحمل مخاطر كثيرة، في الوقت الذي تعمل فيه الدولة من أجل استتباب الأمن وإنهاء الحرب».

الحفاظ على الحقوق

وأشار الرئيس عون إلى أنه «في الوضع الحالي كان الخيار بين الاستمرار في الحرب أو الدبلوماسية لإنهائها». وأوضح أن «هذا السبب هو الذي أدى إلى قرار الانخراط في المفاوضات التي تكون بين متخاصمين، مع التشدد في الحفاظ على الحقوق.

والأهم أولاً وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى، من أجل البحث في السلام بعد عقود وسنوات طويلة من الحروب والموت والدمار. إن المفاوضات لا تعني التنازل ولا الاستسلام، بل هي لحل المشاكل، ومن المهم أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات، وهم تعبوا من الحروب».

وقال: «واجبي ومسؤوليتي أن أبذل كل ما يلزم لتحقيق الأمن والسلام للبنان، وقد نجحنا العام الماضي في تحقيق خطوة مهمة عبر بداية نمو اقتصادي، ووفر في الخزينة، ووفر في العملات الصعبة في المصرف المركزي، وكنا نتوقع المزيد من التحسن إلا أن الحرب أعادت الأوضاع إلى الوراء».

التمسك بالحلول الدبلوماسية

ويدفع لبنان باتجاه حل مستدام لأزمة الصراع مع إسرائيل، عبر التمسك بالحلول الدبلوماسية، وهو ما عبَّر عنه رئيس الحكومة نواف سلام خلال لقائه في لوكسمبورغ، رئيس وزراء لوكسمبورغ لوك فريدن، حيث تم البحث في الأوضاع في لبنان والمنطقة.

وأكد فريدن خلال اللقاء «أن لبنان، كما المنطقة بأسرها، يحتاج إلى السلام»، مشدداً على «أن المطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى حل مستدام وذي صدقية، يحفظ سيادة لبنان واستقراره».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يصل إلى لوكسمبورغ (أ.ب)

وفي كلمة له أمام مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، قال سلام: «مع دخولنا مرحلة جديدة من تاريخ لبنان المضطرب، عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، نأمل أن يكون مستداماً وأن يضع حداً للحروب بالوكالة التي أثقلت كاهله لسنوات طويلة».

وأضاف: «نجد أنفسنا اليوم في حربٍ لم نسعَ إليها ولم نخترها. حربٌ جلبت ولا تزال تجلب ألماً عميقاً لشعبنا، وتزرع الخوف في نفوس أولادنا. لقد عانت أمتنا من صراعات متكررة، سواء كانت داخلية أم مفروضة من الخارج، استنزفت مواردنا وأضعفت قدراتنا. وجاءت هذه الحرب الأخيرة لتفاقم حجم الدمار، وتعمّق أزمتنا الاقتصادية، وتهدد استقرارنا الاجتماعي».

وشدد سلام على أن «إنهاء هذه الحرب بات ضرورةً ملحّة.

والطريق إلى ذلك يمر عبر صون سيادة لبنان، بل استعادتها كاملة، وحماية سلامة أراضيه. غير أن بلوغ هذا الهدف يقتضي مواجهة صريحة مع الواقع الداخلي الذي أضعف الدولة لسنوات طويلة: فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى دائماً عُرضةً للخطر».

وقال: «لقد آن الأوان لتكريس مبدأٍ واضحٍ لا لبس فيه: لا قيام لدولةٍ مستقلة من دون مقومات سيادتها، ولا سيادة من دون سلطة شرعية واحدة تحتكر القرار الوطني».

وتابع: «إن حكومتي ملتزمة باتباع مسار واضح ومسؤول للخروج من النزاع الراهن. وفي هذا السياق، انخرط لبنان مؤخراً، وبحسن نية، في محادثات تحضيرية مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية في واشنطن».

هدف التوصل لحل دائم

وأكد أن «خيار الدبلوماسية ليس علامة ضعف، بل هو تعبير عن مسؤولية وطنية تهدف إلى عدم ترك أي مسار غير مستكشف لاستعادة سيادة بلدنا وحماية شعب»، مضيفاً: «هدفنا ليس انخراطاً رمزياً، بل على العكس، نحن مصممون على اغتنام هذه الفرصة للعمل نحو حل دائم.

وتسعى حكومتي، من خلال هذا المسار الدبلوماسي، إلى إنهاء الاحتلال، وضمان الإفراج عن أسرانا، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم وقراهم».

كما شدد على أن «إرادتنا في تكريس احتكار الدولة للسلاح، ووضع حدٍ للتدخلات الإقليمية في شؤوننا الداخلية، يجب ألا تكون موضع تساؤل بعد اليوم. وكما تعلمون، فقد اتخذنا سلسلة من الإجراءات الحاسمة في هذا الاتجاه».


إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)

تواصل إسرائيل تصعيدها في جنوب لبنان، في مسار لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتعداه إلى اعتماد سياسة تدمير ممنهج للبنى التحتية، ولا سيما في القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»؛ إذ تمعن في استهداف منظم للمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات، إلى جانب تدمير الجسور وقطع الطرق، بما يؤدي إلى تفكيك الترابط الجغرافي بين البلدات وعزلها عن بعضها.

هذا السلوك الإسرائيلي يأتي مكمّلاً لسياسة التهجير، حسبما تقول مصادر وزارية لبنانية؛ إذ يترافق مع تحذيرات متواصلة لأبناء الجنوب من العودة إلى أكثر من 80 بلدة، في سياق هدف واضح يتمثل في إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، تفتقر إلى مقومات الحياة، إلى جانب غارات تستهدف مناطق غير محتلة، بينها وادي الحجير الذي استهدف بغارة، الثلاثاء.

امرأة تسير قرب ركام ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة الزرارية في جنوب لبنان (رويترز)

ولا تقتصر التفجيرات وعمليات الهدم بالجرافات، على المنازل؛ إذ يبرز تدمير المؤسسات الصحية والتعليمية بوصفه أحد أكثر أوجه هذه السياسة قسوة، في إطار الضغط على بيئة «حزب الله»، حيث تعتبر إسرائيل أن أي بنية مدنية في تلك المناطق تشكل دعماً غير مباشر للحزب، وتوفر أرضية محتملة لاستئناف نشاطه.

تدمير المستشفيات

منذ الساعات الأولى لعودة الحرب في الثاني من مارس (آذار) الماضي، ومع انطلاق موجات النزوح الواسعة، عمد الجيش الإسرائيلي إلى استهداف المستشفيات والمراكز الصحية في الجنوب. وفي هذا السياق، كشف رئيس لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبد الله عن أن الحرب الإسرائيلية «أمعنت في تدمير المؤسسات الصحية والجهاز الطبي في قرى الجنوب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المعطيات «تشير إلى تدمير جزئي لـ8 مستشفيات جنوبية وخروجها عن الخدمة كلياً، وهي: تبنين، راغب حرب، صلاح غندور، حيرام، جبل عامل، حاصبيا وبنت جبيل».

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثث شخصين قُتلا في غارة استهدفت جسر القاسمية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

كما لفت إلى أن «الضرر الأكبر طال المراكز الصحية، حيث تم تدمير أكثر من 100 سيارة إسعاف، واستشهاد 121 طبيباً ومسعفاً في المستشفيات والمراكز الطبية المذكورة»، مشيراً إلى أن وزارة الصحة «اضطرت إلى توزيع العدد الأكبر من الكوادر الطبية على مستشفيات أخرى في الجنوب وجبل لبنان».

ضرب قطاع التعليم

ولا تتوقف الرسائل الإسرائيلية عند هذا الحد؛ إذ يشكل تدمير البنى التحتية على نطاق واسع وسيلة لإحباط أي تفكير لدى المدنيين بالعودة إلى قراهم لسنوات طويلة. ويبرز قطاع التعليم كأحد أكثر القطاعات تضرراً، حيث يرى مصدر في وزارة التربية اللبنانية أن استهداف المدارس والمعاهد «يهدف إلى تقويض مقومات صمود السكان في بلداتهم». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل تعتبر ضرب قطاع التعليم الوسيلة الأكثر فاعلية لتفريغ القرى من سكانها، ودفع العائلات إلى النزوح بحثاً عن بدائل تعليمية لأبنائهم.

راهبة تتفقد موقعاً دينياً مسيحياً تعرض لقصف إسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأكد المصدر أن الحرب «أسفرت عن تدمير كلي للمدارس الرسمية في بلدات الظهيرة، البستان، يارين، طيرحرفا، إضافة إلى تدمير جزئي لمتوسطة الناقورة. أما في قطاع التعليم المهني والتقني، فقد تم تدمير معهدي الخيام والقنطرة بشكل كامل، فيما لحقت أضرار جزئية بمعاهد بنت جبيل، عيتا الشعب، تبنين، تول، النبطية، الزرارية، جباع، معركة، العباسية، جويا، قانا وأنصار». وأشار إلى أن «حجم التصدعات التي أصابت هذه المؤسسات يجعل بعضها غير قابل للترميم أو التدعيم، ما يستدعي إجراء تقييمات هندسية دقيقة بعد توقف الحرب».

ووفق إحصاءات وزارة التربية والتعليم العالي، نالت مدارس مدينة النبطية وقضائها الحصة الأكبر من الأضرار؛ إذ تم تسجيل مدرسة واحدة مدمرة كلياً، و18 مدرسة متضررة بشكل كبير، مقابل 7 مدارس غير متضررة، فيما لا تتوافر معلومات حالياً عن أوضاع 61 مدرسة أخرى.

الكهرباء والمياه

ولا تقل الأضرار التي لحقت بقطاعي الكهرباء والمياه خطورة عن باقي المنشآت الخدماتية؛ إذ تعرضت شبكاتهما لاستهداف واسع. وأفاد مصدر في وزارة الطاقة والمياه بأن الوزارة «غير قادرة حتى الآن على إجراء إحصاء دقيق لحجم الخسائر، إلا أن الأضرار تشمل عدداً من محولات الكهرباء ومحطات المياه».

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن المشكلة الأكبر تكمن في شبكات المياه، مذكّراً بأن «خسائر قطاع المياه في حرب 2024 تجاوزت 100 مليون دولار، أما الأضرار في هذه الحرب فتفوق هذا الرقم، نتيجة تدمير أو تعطيل محطات ضخ المياه ومحطات التنقية والخزانات وشبكات الإمداد».

وتبدو إسرائيل ماضية في تحويل عشرات القرى الجنوبية إلى أرضٍ محروقة، وتسعى عبر ذلك إلى انتزاع تنازلات سياسية أو أمنية، باعتبار أنه كلما ارتفعت كلفة الدمار، ازدادت الضغوط على الدولة اللبنانية، للبحث عن تسويات لوقف هذه الحرب والتقليل من خسائرها.


نواف سلام يأمل وضع حدّ نهائي «للحروب بالوكالة» على أرض لبنان

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

نواف سلام يأمل وضع حدّ نهائي «للحروب بالوكالة» على أرض لبنان

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

أعرب رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الثلاثاء، في كلمة ألقاها أمام مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، بأن يكون وقف إطلاق النار الساري منذ الأربعاء «مستداماً»، وأن يوقف «الحروب بالوكالة» على أرض لبنان، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال سلام عن وقف إطلاق النار الساري بين إسرائيل و«حزب الله» بعد محادثات أميركية لبنانية، «نأمل أن يكون مستداماً وأن يضع حدّا للحروب بالوكالة التي أثقلت كاهل لبنان لسنوات طويلة».

وكرّر وصف الحرب التي اندلعت في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، القول إن لبنان «في حرب لم نسعَ إليها ولم نخترها»، معتبرًا أن إنهاءها «بات ضرورةً ملحّة».

وشدّد على أن الطريق إلى ذلك يمرّ بأن «تحتكر الدولة» قرار الحرب والسلم، مؤكدًا التزام حكومته بتنفيذ قرارها نزع سلاح «حزب الله» المدعوم من إيران، واتباع «المسار الدبلوماسي» مع إسرائيل، للوصول إلى «حلّ دائم».

وشكر الاتحاد الأوروبي على دعم لبنان، مؤكدًا أن بلاده تحتاج إلى شركائها الأوروبيين «لمواجهة الأزمة الإنسانية غير المسبوقة» التي بدأت منذ سنوات وتفاقمت بعد حربين متتاليتين في أقل من ثلاث سنوات، ولـ«دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي»، و«دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار».