مصر تحشد عربياً وأفريقياً قبل الملء الرابع لـ«سد النهضة»

السيسي وروتو أكدا ضرورة التوصل إلى «اتفاق قانوني مُلزم»

سد النهضة الإثيوبي ( وزارة المياه والطاقة الإثيوبية)
سد النهضة الإثيوبي ( وزارة المياه والطاقة الإثيوبية)
TT

مصر تحشد عربياً وأفريقياً قبل الملء الرابع لـ«سد النهضة»

سد النهضة الإثيوبي ( وزارة المياه والطاقة الإثيوبية)
سد النهضة الإثيوبي ( وزارة المياه والطاقة الإثيوبية)

مع اقتراب موعد الملء الرابع لخزان «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل، كثفت مصر جهودها للحصول على دعم عربي وأفريقي لموقفها إزاء السد، وأعلنت رئاسة الجمهورية المصرية عن «توافق مصري كيني بشأن السد»، في الوقت الذي تستعدّ فيه القمة العربية، المقرر عقدها في الأول والثاني من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لمناقشة مشروع قرار مصري سوداني حول السد الإثيوبي.
وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مساء السبت، اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الكيني ويليام روتو. وقال السفير بسام راضي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، في بيان صحافي، إن «الاتصال تناول التباحث بشأن تطورات أبرز الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، لا سيما قضية سد النهضة»، مشيراً إلى أنه «تم التوافق حول أهمية تكثيف الجهود للتوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم لملء وتشغيل السد، بما يحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف، ويساعد على الحفاظ على الاستقرار في منطقة حوض النيل».
وتتنازع مصر والسودان (دولتا المصب) مع إثيوبيا حول السد الذي شرعت أديس أبابا في بنائه عام 2011 على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وتخشى القاهرة أن «يؤثر السد على حقوقها المائية في النهر»، فيما تتخوف السودان من «تأثيراته البيئية والاقتصادية» على البلاد.
الاتصال مع الرئيس الكيني جاء بهدف «تهنئته بالفوز بالانتخابات الرئاسية التي عُقدت في كينيا مؤخراً». وقال راضي إن «السيسي أكد، خلال الاتصال، العلاقات الثنائية المتميزة التي تربط البلدين، وأهمية التنسيق والتشاور بشأن القضايا الأفريقية لما يتمتع به البلدان من دور إقليمي هام في صون السلم والأمن على مستوى القارة».
بدوره أشار روتو إلى «وجود آفاق واسعة لتطوير العلاقات ودفع أطر التعاون المشترك بين البلدين، وكذلك على صعيد تعزيز أطر العمل الأفريقي المشترك على النحو الذي يسهم في تحقيق التنمية المستدامة المرجوّة لدول وشعوب القارة، وتحفيز المساعي الرامية نحو تحقيق الاندماج والتكامل القارّي على جميع المستويات»، وفق بيان الرئاسة.
ومن المقرر أن تناقش القمة العربية، المقرَّر عقدها يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، مشروع قرار قدّمته مصر والسودان بشأن السد، حيث تؤكد القاهرة والخرطوم ضرورة التوافق مسبقاً مع إثيوبيا على القواعد التنظيمية لتشغيل وملء «سد النهضة» بما يحدّ من الأضرار المتوقعة.
في هذا السياق أكد خبير الموارد المائية الدكتور عباس شراقي «ضرورة استئناف المفاوضات مع إثيوبيا للوصول إلى اتفاق قبل بدء الملء الرابع للسد»، وقال، في منشور عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، السبت، إنه «موسم الأمطار لهذا العام 2022، سجل إيراداً أعلى من المتوسط بحوالي 20%، بزيادة حوالى 9 مليارات متر مكعب، وهى كمية المياه نفسها التي جرى تخزينها في أغسطس (آب) الماضي عند منسوب 600 متر فوق سطح البحر، حيث وصل إجمالي التخزين، في 11 أغسطس (آب)، إلى 17 مليار متر مكعب»، مشيراً إلى أنه «مع زيادة الفيضان لم يستطع الممر الأوسط إمرار كامل الفيضان فازداد التخزين إلى 19.5 مليار متر مكعب عند منسوب 604 أمتار».
وأوضح شراقي أنه «مع انخفاض معدل الأمطار في نهاية الموسم تراجع المستوى إلى 602 متر، وتدفق حوالي 1.5 مليار متر مكعب من الزيادة المؤقتة مع باقي الفيضان الذي يصل الآن إلى حوالي 300 مليون متر مكعب يومياً، من أعلى الممر الأوسط».
ولفت إلى أنه «مع استمرار توقف توربيني السد منذ منتصف أغسطس (آب) الماضي، واستمرار غلق بوابتي التصريف منذ أول سبتمبر (أيلول) الماضي، سوف ينخفض المخزون حتى يصل إلى مستوى 600 متر، خلال الأيام المقبلة، ليستقر إجمالي المخزون عند 17 مليار متر مكعب».
وقال خبير الموارد المائية إنه «بعد انخفاض المخزون يمكن البدء في إجراءات الاستعداد للتخزين الرابع عن طريق فتح بوابة أو بوابتي التصريف لتجفيف الممر الأوسط، ثم رمي الخرسانة لتعلية جسم السد بالكامل».
وتجمدت المفاوضات، التي يرعاها الاتحاد الأفريقي، بين مصر وإثيوبيا والسودان، منذ أبريل (نيسان) 2021، ما دعا مصر إلى اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي؛ احتجاجاً على ما وصفته بـ«الإجراءات الأحادية»، من جانب أديس أبابا.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
TT

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)

دفعت الحرب الإيرانية إلى طرح عدة تساؤلات حول مدى تأثيرها في الوافدين بمصر في ظل أزمة غلاء متصاعدة، وسط «شكاوى» من وافدين بـ«صعوبات معيشية وضعف فُرص العمل».

العشريني السوداني، راسول عبد المسيح قال لـ«الشرق الأوسط» إن «معضلة بعض اللاجئين والوافدين تأتي مع ارتفاع الأسعار في مصر».

يعمل الشاب السوداني 10 ساعات يومياً في مخزن لنقل البضائع بمدينة العاشر من رمضان (شرق القاهرة) مقابل 8 آلاف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) شهرياً. يدفع منها 3 آلاف ونصف الألف إيجاراً لشقته، والباقي نفقات للطعام،

وشهدت مصر موجات متتالية من التضخم، سجل معدله على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل تسجيله 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي، مرتفعاً من نسبة 0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورغم صعوبة الظروف المعيشية لعبد المسيح وأسرته، التي زاد أفرادها بطفلة جديدة وُلدت في مصر، فإنهم تكيفوا على هذه الظروف، واضطر هو وأسرته إلى التسجيل أخيراً في رحلات «العودة الطوعية المجانية» إلى السودان، ليس هرباً من الأسعار في مصر؛ لكن من «حملة تدقيق الإقامات وترحيل المخالفين»، على حد قوله.

وفاقمت الحرب الإيرانية من ارتفاع الأسعار في مصر، بعد قرار حكومي برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت من 14 إلى 30 في المائة، بعد 10 أيام فقط من الحرب؛ وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات التي تأثرت برفع سعر المحروقات.

سوريون يعودون طواعية من مصر إلى بلادهم (أرشيفية)

وبينما لجأت كثير من الأسر المصرية إلى جدولة ميزانيتها، وترتيب أولوياتها للتكيف مع الموجة الجديدة من زيادة الأسعار، فإن «مئات من الأسر الوافدة ليس لديها هذه الرفاهية، في ظل ميزانية هشة تعيش على المساعدات»، بحسب مراقبين.

وتُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة نهاية ديسمبر الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً، ولا يتضمن ذلك الرقم الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى مصر خلال «حرب غزة» للعلاج، والدين قدرتهم الحكومة بـ110 ألف فلسطيني.

الخمسينية الفلسطينية سمر الشيخ جاءت إلى مصر في مارس (آذار) 2024 خلال الحرب على قطاع غزة، ووجدت صعوبة في إيجاد عمل تنفق منه على ابنتها وابنة اختها، وبعد بحث طويل عملت في حضانة أطفال مقابل «راتب زهيد»، وكلما ارتفعت الأسعار في مصر زادت معاناة الشيخ في تدبير مصاريفهن.

تقول سمر لـ«الشرق الأوسط» تعليقاً على الزيادة الأخيرة في المحروقات: «سمعت من صديقة أن سعر اسطوانة الغاز ارتفع إلى لـ350 جنيهاً، وآخر مرة اشتريتها من شهر كانت بـ225 جنيهاً».

جاءت الفلسطينية إلى مصر مرافقة لابنة أختها التي خرجت لتلقي العلاج خلال «حرب غزة»، واستقرت في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بعدما وفرت لها متبرعة هذه الشقة، ولا تنوي الفلسطينية العودة قريباً في ظل وضع القطاع المدمر، وظروف الحياة في خيمة؛ لذا ترى أن «التكيف على الأسعار في مصر أفضل».

الناشط السوري بين أبناء الجالية السورية في مصر، سليم سبع الليل، يشير من جهته إلى «صعوبة أوضاع الوافدين الاقتصادية في ظل غلاء الأسعار»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنهم يعانون مثلما يعاني الجميع؛ لكن الأسوأ بالنسبة لهم هو حرمان كثير منهم من المساعدات الأممية، بعد تخفيض دعم منظمات المجتمع المدني لهم، وصعوبة حصولهم على عمل.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ويوضح سبع الليل أن «غالبية السوريين من أصحاب الدخول الأقل عادوا إلى سوريا، خصوصاً مع حملات الترحيل، ولن يبقى سوى أصحاب المشروعات، ممن لن يجدوا صعوبة في العيش بمصر اقتصادياً».

الخبير الاقتصادي المصري، عاطف ويليام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غلاء الأسعار يؤثر في الوافدين مثل تأثيره في المصريين». مبرزاً أن «تأثير الغلاء يظل أكبر على الفئات المهمشة من الوافدين، ليس فقط بسبب الأعباء المعيشية وغلاء الأسعار، بل أيضاً بسبب أوضاعهم في الأعمال التي يقومون بها، وشكاوى البعض من عدم توفر فرص عمل مناسبة».

ومنذ شهور، بدأت مصر حملات لتدقيق إقامات الوافدين وترحيل المُخالفين، ما نتج عنه ترحيل عشرات الآلاف وفق المراقبين. وكانت حملات «سوشيالية» سبقت حملات الترحيل، هاجمت الوافدين، بوصفهم السبب في زيادة الأسعار بالبلاد.

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى نهاية مارس الحالي.


بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
TT

بسبب تداعيات حرب إيران... مصريون يلجأون إلى الترشيد

عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)
عادات عيد الفطر الشرائية في مصر تأثرت بتداعيات الحرب الإيرانية (رويترز)

لم يفكر علي إبراهيم، الموظف في إحدى شركات القطاع الخاص، كثيراً بعد قرار زيادة أسعار المحروقات قبل أقل من أسبوعين، في تخفيض نفقات شراء «الكعك» هذا العام ضمن مراجعة لمصاريف عائلته خلال عيد الفطر، مع عدم تقاضيه راتب الشهر الجديد قبل إجازة العيد وحاجة أبنائه لمصاريف الدروس خلال الشهر المقبل.

إبراهيم، الذي يعول أسرة مكونة من 3 أبناء في مراحل التعليم المختلفة ويقيم في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، يعمل مشرف وردية لمدة 12 ساعة يومياً في أحد المصانع، لكن راتبه الذي يتقاضاه لا يبدو أنه سيزيد قريباً، بحسب حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بعد الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات التي جعلته يدفع أموالاً أكثر في شراء بعض مستلزمات العيد لأبنائه الثلاثة، بالإضافة إلى الاكتفاء بخروج ليوم واحد فقط بإحدى الحدائق، بعدما كانت الأسرة تفكر في السفر لـ«العين السخنة» لقضاء يوم على البحر.

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة لمريم إيهاب، الموظفة بإحدى الشركات العقارية في القاهرة، بعدما قررت إعادة النظر في كميات الكعك التي اشترتها لأسرتها، مكتفية بعلبة صغيرة تضم الكعك والبسكويت بعدما زادت الأسعار أخيراً، في وقت تأمل فيه أن توافق الشركة على عملها عن بُعد ليوم أو يومين، لتوفر مصاريف انتقالها اليومي من حي المرج (شرق القاهرة) إلى الدقي بمحافظة الجيزة، حيث مقر عملها.

تقول مريم إيهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن الشركة التي تعمل بها تقوم بأعمال محدودة، وتتقاضي فيها راتباً أقل من 6 آلاف جنيه، تنفق من خلاله على طفلين بالتعليم الابتدائي بعد رحيل زوجها، مشيرة إلى أنها ستكتفي بالتنزه مع أطفالها بالقرب من المنزل وشراء بعض الهدايا البسيطة، بعدما كانت تأمل في اصطحابهما لقضاء يوم في الإسماعيلية.

ودفعت تداعيات حرب إيران كثيراً من المصريين إلى إعادة النظر في طرق إنفاق أموالهم والعادات التي يقومون بها كل عيد، بعدما رفعت الحكومة أسعار المحروقات (البنزين والسولار وأسطوانات الغاز) أخيراً، وهي الزيادات التي انعكست سريعاً على الأسواق في مختلف القطاعات.

مواطنون تحدثوا عن تراجع في شراء كميات كعك العيد بمصر (وزارة التموين)

أستاذ علم الاجتماع بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية»، وليد رشاد، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن كثيراً من العادات المرتبطة بالعيد والتي تتطلب تكاليف مالية جرى ترشيدها بفعل الظروف الاقتصادية، وهو ما انعكس بشكل يمكن لمسه في الشارع بكميات الكعك المباعة وتغير أوزان العلب الأكثر إقبالاً مع الاتجاه لشراء كميات أقل بتنوع أكبر، مشيراً إلى أن «التسويق التجاري نفسه لبعض مستلزمات العيد بات يعتمد على تقليل الكميات والأوزان في مقابل الإتاحة بسعر أقل».

وأضاف أن هذا الأمر يعدّ طبيعياً في ظل الظروف الاقتصادية العالمية، وتعديل أوجه إنفاق الأموال لدى كثير من الأسر، وإن كان الأمر يختلف من منطقة إلى أخرى ومن طبقة اجتماعية لأخرى، موضحاً أن العادات والتقاليد المعنوية المرتبطة بزيارات الأهل وغيرها من اللقاءات الأسرية، لا تزال موجودة وإن كانت أكثر صموداً في القرى عنها في المدن.

وكان معدل التضخم عاود مساره الصعودي في فبراير (شباط) الماضي، مسجلاً 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وسط مخاوف من تطبيق الحكومة المصرية زيادات جديدة في أسعار الكهرباء والاتصالات والقطارات على خلفية زيادة تكاليف التشغيل بعد ارتفاع أسعار المحروقات.

ويرى مراقبون أن «التغير في العادات الاستهلاكية للمواطنين في العيد، يعدّ أمراً طبيعياً ويزداد بشكل واضح في الأزمات»، وأكدوا أن «الضغوط الاقتصادية والتخوف مما سيحدث مستقبلاً، يدفع من لديه فائض مالي للادخار ومحاولة الاستغناء أو الحد من النفقات غير الأساسية، ويجعل من لديه عجز مالي يتجه نحو الاستغناء الكامل عما يصنف باعتباره أموراً ترفيهية».

وبحسب المراقبين، فإن هذا الأمر يجعل بعض عادات العيد، بالإضافة إلى النفقات على الأمور الترفيهية غير الضرورية، على غرار شراء «الكعك» أو التوجه للسينمات والمسارح، أو حتى التنزه في بعض الأماكن مرتفعة التكلفة، أمراً في أولويات القدرة على الاستغناء.


حملات ضبط الأسعار في مصر... «ضجيج بلا تأثير»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

حملات ضبط الأسعار في مصر... «ضجيج بلا تأثير»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وسط تأكيدات حكومية متكررة عن «تحركات المسؤولين» لضبط الأسواق، لا يرى مصريون «تأثيرات واضحة للحملات الرسمية على الأسعار»، بل «مجرد ضجيج فقط بلا أي نتائج يوقف الغلاء المتصاعد».

وقالت الحكومة المصرية، الجمعة، إنها «رفعت درجة الاستعداد القصوى للرقابة الميدانية على الأسواق والأنشطة التموينية خلال فترة إجازة عيد الفطر». وشددت على «أهمية تكثيف الحملات الرقابية اليومية على المخابز البلدية المدعمة».

ويرى الخمسيني محمد عبد الحميد، الدي يعمل في شركة خاصة، ويقطن في منطقة غمرة بوسط القاهرة، أن «الأسعار ترتفع بشكل مُبالغ فيه، وتأثير الحملات الرقابية محدود على الأسواق والمتاجر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحكومة تؤكد ضبط الأسعار؛ لكن الواقع الفعلي غير ذلك، لأن هناك غلاءً متواصلاً»، ويرى أن «إظهار الدور الرسمي للرقابة على الأسواق مجرد تصريحات إعلامية موجهة للمواطنين فقط؛ لكنها بعيدة عن الأسواق والتجار».

بدورها، اشتكت الأربعينية أمنية قاسم، وهي ربة منزل تقطن في منطقة المطرية (شرق القاهرة) من «غلاء الأسعار اليومي»، وأوضحت أن «الكل يتعلل بزيادة أسعار المحروقات؛ لذا يزيد على حسب ما يرى»، مبرزة أنها مثلاً «اشترت رغيف الخبز السياحي بجنيهين من أحد المخابز في أول الشارع الذي تسكن فيه، لكن في نهاية الشارع يوجد مخبز آخر يبيعه بجنيهين ونصف الجنيه، ومعنى ذلك أنه لا توجد رقابة على هذه المخابز»، ودعت إلى «رقابة أكثر على التجار والأسواق خصوصاً الأيام المقبلة في ظل تداعيات الحرب الإيرانية المتصاعدة».

جولات وزراء في الحكومة مستمرة على المتاجر لضبط الأسعار (وزارة التموين)

رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أكد خلال اجتماع الحكومة، الأربعاء، «ضرورة إحكام الرقابة على مختلف الأسواق للتأكد من توافر جميع أنواع السلع الاستراتيجية، والتصدي لحدوث أي تلاعب في الأسعار، أو إخفاء سلعة معينة بهدف تحقيق أرباح غير مشروعة».

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي، كريم العمدة، أن «يد الحكومة المصرية ليست قوية لضبط الأسواق»، قائلاً: «هذه مشكلة مزمنة سوف تستمر وتعود إلى (التضخم وارتفاع الأسعار والأجور المنخفضة)».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الجهات الرسمية تحاول إظهار جهودها للمواطن بأنها قامت بعملها عبر الحملات على الأسواق؛ لكن الحديث الحكومي يكون ضعيفاً لمجموعة من الأسباب، التي من بينها تكاليف الإنتاج والممارسات الاحتكارية».

ويفسر ذلك بقوله: «عند قيام بعض التجار برفع أسعار السكر لإحداث أزمة وتعطيش السوق بهدف تحقيق مكاسب كبيرة، ويكون السعر العالمي للسكر كما هو من دون ارتفاع، وقتها تستطيع الحكومة التدخل والرقابة، وفي هذه الحالة تأتي جهودها بنتائج، لكن عندما ترتفع تكاليف الإنتاج مثل ما يحدث الآن، سيحدث ارتفاع في الأسعار، وعندما يرتفع سعر السولار والبنزين والغاز سوف يؤثر ذلك في أسعار جميع السلع، وأيضاً ارتفاع الدولار من 47 إلى 53 جنيهاً سوف يرفع السلع، وهنا تكون الرقابة على الأسواق (غير مؤثرة)».

منشور على صفحة وزارة التموين بـ«فيسبوك» لضبط الأسعار في عيد الفطر

ورفعت الحكومة المصرية عقب «حرب إيران» أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي نتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

ووجّه وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، الجمعة، بـ«ضرورة توافر السلع التموينية والحرة ومستلزمات العيد بجميع المنافذ والمجمعات الاستهلاكية، والتأكد من جودتها وصلاحيتها وطرحها بالأسعار المقررة». وأكد أن الأجهزة الرقابية «لن تتهاون مع أي مخالفات، وسيتم اتخاذ جميع الإجراءات القانونية حيال أي تجاوزات، بما يضمن حماية حقوق المواطنين واستقرار الأسواق».

سيارات تابعة لوزارة التموين تبيع السلع (وزارة التموين)

الخبير الاقتصادي، وليد جاب الله أرجع «شعور المواطن بعدم جدوى حملات ضبط الأسعار إلى وجود تضخم»، بقوله إن «هذه الحملات لن تمنع التضخم، لكنها مع الإجراءات الحكومية تحد من الممارسات غير المشروعة التي فوق مستوى التضخم».

ويضيف جاب الله موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الحكومية المجمعة لا تبيع السلع المدعمة، بل تبيعها بأسعارها العادلة، والسعر العادل ارتفع؛ لكن لولا هذه الحملات الرسمية على الأسواق لكان الوضع أصعب».

وتشير الإحصاءات الرسمية في مصر إلى أن الغذاء يمثل 21 في المائة من الواردات، وبلغت قيمته نحو 78 مليار دولار في عام 2024.

وبحسب جاب الله، فإن «الحملات التي تقوم بها الدولة على الأسواق ناجحة، والمعارض أيضاً ناجحة، في ظل زيادات الأسعار». ويوضح أن «الإجراءات التي تقوم بها الدولة تركز بالأساس على السلع والمنتجات الأساسية، لكن توجد أمور أخرى مثل شراء السيارات والهواتف المحمولة وأجهزة الرفاهية، وجميعها منتجات تخرج نسبياً من نطاق حملات التموين، وتحتاج لمزيد من الجهود للأجهزة الرقابية».

وبخصوص عدم رضا المواطن عن حملات الرقابة على الأسواق، يرى جاب الله أن «المواطن يشعر بزيادة الأسعار؛ لكن لا يشعر بما كان سيحدث لو لم تكن هذه الإجراءات الحكومية، حيث سيكون الواقع أصعب من الآن»، لافتاً إلى أن «التضخم يضرب الاقتصاد في كل دول العالم، وما تقوم به الدولة المصرية يحد من أضرار الغلاء، لكنه لا يقضي عليه».