3 تحديات طارئة تواجه «كوب 27»

على خلفية سياق «جيوسياسي» دولي مضطرب

محطة كهرباء نيدراوسيم الألمانية عادت إلى العمل بالفحم (غيتي)
محطة كهرباء نيدراوسيم الألمانية عادت إلى العمل بالفحم (غيتي)
TT

3 تحديات طارئة تواجه «كوب 27»

محطة كهرباء نيدراوسيم الألمانية عادت إلى العمل بالفحم (غيتي)
محطة كهرباء نيدراوسيم الألمانية عادت إلى العمل بالفحم (غيتي)

أعطت قمة المناخ «كوب 26» التي استضافتها العام الماضي مدينة غلاسكو باسكتلندا، أملاً في إمكان تحقيق المزيد من النجاح في «كوب 27» التي تستضيفها مدينة شرم الشيخ المصرية بعد أيام، إذ تمكن العالم في قمة العام الماضي من تجاوز المناخ المتوتر سياسياً واقتصادياً، من أجل كتابة بعض النجاح لقمة ذات أبعاد بيئية.
وانتزعت القمة السابقة إجماعاً عالمياً على خفض تدريجي لاستهلاك الفحم، وسادت نغمة متفائلة بأن قمة شرم الشيخ ستستكمل ما تحقق من نجاح، وتستبدل الخفض بـ«التخلص»، لكن طبول الحرب الروسية الأوكرانية، بالإضافة إلى اثنين من التحديات الأخرى، أخفت تلك النغمة؛ حيث يرى محللون أن السياق الجيوسياسي الذي يشكل الدبلوماسية الدولية انتقل من التوتر الذي غلف الأجواء قبل القمة السابقة إلى وضع مضطرب يسود حالياً قبل قمة «كوب 27».
وقبل القمة السابقة، كان وباء «كوفيد - 19» قد أدى إلى تدمير الميزانيات الوطنية، وكانت الدول الفقيرة غاضبة من اكتناز اللقاحات من جانب الدول الغنية التي كان استهلاكها للوقود الأحفوري هو الأكثر تأثيراً في الاحترار العالمي، وتحولت العلاقات بين أكبر دولتين من حيث الانبعاثات، الولايات المتحدة والصين، إلى مناوشات على كل شيء من التجارة إلى أزمة تايوان.
هذا التوتر الذي سبق قمة غلاسكو وصفه تقرير لشبكة «بلومبرغ» بأنه «أجمل الأيام القديمة»، إذ استطاع البلدان تجاوزه، وفاجآ العالم في (كوب 26)، بالإعلان المفاجئ عن اتفاقية ثنائية، تتضمن العمل على التكنولوجيا النظيفة وطرق للحد من الانبعاثات، واستطاعا قيادة الإجماع العالمي على خفض استهلاك الفحم.
لكن السياق الذي يسبق «كوب 27» يبدو مختلفاً؛ حيث انتقل من «التوتر» إلى «الاضطراب وعدم الاستقرار»؛ حيث أدت الحرب في أوكرانيا إلى انقسام الدول حول ما اعتبره البعض قتالاً بين المصالح الروسية والغربية، وترتبت على الحرب أزمة في الطاقة تهدد بتمزيق الإنجاز الأكثر واقعية للقمة السابقة وهو الإجماع العالمي على خفض الفحم، وزارد الطين بلة، تحدٍّ ثالث يتمثل في انتقال العلاقات الأميركية الصينية لمستوى أكبر من الخلافات، بعد زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي، لتايوان، وهي الزيارة التي اعتبرتها بكين التي تدَّعي السيادة على تايوان، استفزازاً كبيراً من قبل واشنطن.
وانتهت القمة الماضية بالإبقاء على قيد الحياة، هدف اتفاقية باريس المتمثل في وضع سقف للاحترار عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، ولكن هذا المكسب المهم، توقف الآن في أحسن الأحوال، أو في أسوأ الأحوال، تم التراجع عنه بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية؛ حيث حول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حنفية الطاقة في أوروبا إلى سلاح اقتصادي رداً على العقوبات، وتسابقت الاقتصادات المتقدمة الكبرى التي تواجه نقصاً مفاجئاً في إمدادات الغاز الطبيعي لفتح محطات طاقة قديمة تعمل بالفحم.
وصوت الاتحاد الأوروبي في يوليو (تموز) على إعادة تصنيف الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى الطاقة النووية، كوقود صديق للمناخ، ما يحسّن آفاق الاستثمار.
ويتلمس بعض المراقبين بصيصاً من الأمل، ويرون أن تعزيز الاتجاه نحو الوقود الأحفوري قد يكون مؤقتاً، لكن هذا الرأي ترفضه الدلائل التي يسوقها آخرون، يرون أن حتمية إنهاء أوروبا اعتمادها على الغاز المستورد، لم تكن بهذا الوضوح على الإطلاق في أي وقت من الأوقات، لذلك، فليس من المسلم به أن يكون التحول الأخير نحو الوقود الأحفوري مجرد حل مؤقت.
ويرى أصحاب هذا الرأي أنه بعد أن تكثف روسيا جهودها الحربية من خلال التعبئة التي تم الإعلان عنها مؤخراً، فإن ذلك سيزيد من وتيرة السباق لاستئجار أو بناء محطات غاز طبيعي مسال جديدة في جميع أنحاء أوروبا، وإذا كانت القارة التي تتمتع بأكبر قدر من الفخر بالتزاماتها المناخية تتراجع، فإن ذلك لا يبشر بالخير لإحراز تقدم في قمة شرم الشيخ.
ووجدت شركات الطاقة التقليدية في هذه الأزمة حافزاً على مزيد من الاستثمارات، وهو ما يظهر واضحاً في تصريح برونو جان ريتشارد إيتوا، وزير الهيدروكربونات بجمهورية الكونغو، في سبتمبر (أيلول) بمؤتمر للنفط والغاز ضم موريتانيا والسنغال وغامبيا وغينيا، حيث قالت: «لا داعي لمزيد من النقاش حول الغاز... نحن بحاجة إلى البدء في الإنتاج بقدر ما نستطيع الآن».
يقول بيل هير، الرئيس التنفيذي وكبير العلماء في «كلايمت أناليتيكس»، وهي مؤسسة فكرية مقرها برلين لشبكة «بلومبرج» في 24 أكتوبر (تشرين الأول): «تقول الكثير من الدول الآن إنه من النفاق الدعوة إلى تخفيض مصادر الطاقة القذرة، بينما نرى الآن هذه الدفعة الكبيرة لتجديد مشروعات النفط والغاز التي ظلت متأخرة لسنوات في أفريقيا وأستراليا، والتي تتجاوز بكثير المستوى المطلوب لأزمة الغاز الأوروبية».
ففي مقابل كل منتج متجدد يضغط من أجل تحقيق انتقال سريع نحو الطاقة النظيفة، يرى هير أن شركة طاقة تقليدية تحث على الاستثمار في وقت هذه الأزمة، ويضيف: «نادراً ما رأيت مثل هذا الجهد المتضافر من قبل صناعة النفط والغاز، للرد على أجندة المناخ».
وكان آل غور، نائب الرئيس الأميركي السابق والناشط المناخي، قد حذر من هذا الوضع أواخر الشهر الماضي، وقال في تصريحات صحافية، إنه «من الضروري للحكومات تجنب توقيع عقود طويلة الأجل للوقود الأحفوري أثناء سعيها لسد الفجوات قصيرة الأجل التي سببتها الحرب الروسية».
ومع هذا الوضع المضطرب الذي سببته الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها في مجال الطاقة، جاءت زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، إلى تايوان، لتصب مزيداً من الزيت على النار المشتعلة؛ حيث اعتبرت بكين التي تدعي سيادتها على تايوان هذه الزيارة استفزازاً كبيراً من قبل واشنطن.
وتم على أثر هذه الزيارة تجميد بكين العلاقات مع واشنطن في كل المجالات، حتى في المحادثات التي كانت تجري بينهما في قضية المناخ، وهو وضع سيلقي بظلاله على قمة المناخ، التي توقع جون كيري، المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة بشأن المناخ، أنها لم تحقق اختراقات كبيرة في مجال المناخ، خلال مقابلة خاصة مع صحيفة «الغارديان».
وقال إنه «لا يرى أن مثل هذه الخلافات السياسية ينبغي أن تؤثر على العمل المناخي الذي تقوده أميركا والصين، باعتبارهما الأكبر مسؤولية عن الانبعاثات الكربونية»، وأضاف: «يجب أن تكون المفاوضات بين الدولتين بشأن أزمة المناخ في فقاعة منفصلة عن الاهتمامات الجيوسياسية الأخرى».
وتدرك مصر الدولة المستضيفة للقمة هذا السياق الجيوسياسي والجيواقتصادي المضطرب، وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري، في تصريحات لوكالة أنباء الإمارات (وام)، في 24 أكتوبر، إن قمة «كوب 27» تعقد وسط سياق عالمي من التوترات الجيوسياسية والجيواقتصادية القوية والاستقطاب الذي نأمل ألا يزيد من صعوبة مواجهة التحديات العالمية المشتركة، لا سيما تغير المناخ.
وأضاف: «نحن بحاجة إلى تجنيب هذه القمة المهمة الصراعات والنزاعات والخلافات الدولية المستمرة، لأن أي فشل في مواجهة تحديات تغير المناخ، أو أي تراجع عن التعهدات المتعلقة بالمناخ، سيؤدي بالعالم إلى (نقطة اللاعودة)، التي يمكن أن تصبح معها آثار تغير المناخ الخطيرة للغاية أمراً لا مفر منه».
ورغم هذا المناخ المتشائم، يتلمس مجدي علام، الأمين العام لاتحاد خبراء البيئة العرب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بصيصاً من الأمل، يتمثل في إدراك العالم لحجم التحدي المناخي الذي نواجهه حالياً، والذي ظهر بقوة في الظواهر المناخية المتطرفة التي شهدها العالم.
يقول: «هذا هو الأمل الوحيد، الذي قد يدفع العالم للاتفاق على إجراءات من شأنها ألا تدفع بالبيئة نحو مزيد من التدهور».
ويرى علام أن هناك جهداً ملموساً يبذله مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون المناخ جون كيري مع الدول الصناعية الكبرى، لتهيئة الأجواء لتحقيق نجاح ملموس في القمة، ونتمنى أن تثمر هذه الجهود، لأن في قضية المناخ سيكون الكل خاسراً، لأن الغلاف الجوي للأرض ليس له حدود.


مقالات ذات صلة

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الغبار والأتربة يحجبان الرؤية لمسافات بعيدة (رويترز)

هل ازدادت حدة العواصف الترابية في مصر خلال السنوات الأخيرة؟

شهدت مصر، الجمعة، أجواء غير مستقرة بسبب هبوب عاصفة ترابية خيَّمت على البلاد وملأت الأجواء بالأتربة، وتسببت في انخفاض الرؤية الأفقية إلى أقل من 500 متر.

أحمد حسن بلح (القاهرة )
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منزل غمرته المياه قرب نهر غواداليتي مع وصول العاصفة «ليوناردو» إلى أجزاء من إسبانيا (رويترز)

فيضانات «ليوناردو» تجتاح المغرب وإسبانيا والبرتغال... وإجلاء عشرات الآلاف (صور)

ضربت العاصفة «ليوناردو» المغرب وجنوب إسبانيا والبرتغال، ما دفع السلطات إلى إعلان حالات التأهب القصوى وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
علوم اختراقات 2026 العلمية

اختراقات 2026 العلمية

انطلاق البرمجة التوليدية وتصاميم لبطاريات مطورة وإحياء الكائنات المنقرضة

«الشرق الأوسط» (لندن)

كنوز الموتى تكشف عن أسرار الماضي... العثور على قبر عمره قرون في بنما

عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)
عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)
TT

كنوز الموتى تكشف عن أسرار الماضي... العثور على قبر عمره قرون في بنما

عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)
عالم آثار داخل قبر عمره 1200 عام في موقع إل كانو الأثري ببنما يضم رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)

عثر علماء آثار في بنما على قبر يُقدَّر عمره بنحو ألف عام، دُفنت فيه إلى جانب بقايا بشرية قطع ذهبية وفخاريات، وفق ما أعلنت المسؤولة عن فريق التنقيب.

وسُجّل هذا الاكتشاف في موقع إل كانو الأثري بمنطقة ناتا، على بُعد نحو 200 كيلومتر جنوب غربي مدينة بنما، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

موقع إل كانو الأثري يرتبط بالمجتمعات التي سكنت المناطق الوسطى من بنما بين القرنين الـ8 والـ11 (أ.ف.ب)

وكان علماء الآثار قد اكتشفوا سابقاً في الموقع بقايا تعود إلى ما قبل فترة الاستعمار الأوروبي التي بدأت في القرن الـ16.

وفي الاكتشاف الجديد، عُثر على بقايا عظمية محاطة بمقتنيات ذهبية وفخار مزخرف بنقوش، ما يشير إلى أن المدفونين في القبر كانوا من النخبة الاجتماعية، حسبما أوضحت جوليا مايو المسؤولة عن أعمال التنقيب.

وقدّرت الباحثة عمر القبر بما يتراوح بين 800 وألف عام، مشيرة إلى أن الرفات المدفون مع القطع الذهبية يعود إلى الشخص الأعلى مرتبة في المجموعة.

وضمّت اللقى المكتشفة سوارين وقرطين وقطعة صدرية مزينة بزخارف تمثل الخفافيش والتماسيح.

في القبر رفات شخصية رفيعة ومقتنيات ذهبية (أ.ف.ب)

ويرتبط موقع إل كانو الأثري بالمجتمعات التي سكنت المناطق الوسطى من بنما بين القرنين الـ8 والـ11، حيث كان يُستخدم لدفن الموتى على مدى نحو 200 عام.

وقالت وزارة الثقافة إن هذا الاكتشاف يُعد ذا أهمية كبيرة لعلم الآثار في بنما ولدراسة مجتمعات ما قبل الاستعمار الإسباني في أميركا الوسطى.

ويرى خبراء أن هذه الحفريات تعكس اعتقاد تلك المجتمعات بأن الموت لم يكن نهاية، بل انتقالاً إلى مرحلة أخرى يحافظ فيها الإنسان على مكانته الاجتماعية.


لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».