«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

ما زال فيلماً منفرداً وبلا شبيه

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
TT

«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»

مرّت، في هذا الشهر، الذكرى السادسة والثلاثون على رحيل المخرج المتفرد شادي عبد السلام صاحب الفيلم الروائي الطويل «المومياء: ليلة أن تُحصى السنون». سُمّي كذلك «ليلة تعداد السنين» وأحياناً «ليلة أن تمضي السنين». كلها تسميات واحدة لفيلم متفق على أنه من بين أفضل ما أطلقته السينما المصرية في تاريخها، ولو أن البعض اعتبره أفضل فيلم في التاريخ، وهو أمر يتجاوز مفهوماً واسعاً حول كيفية تقييم ذلك وسط تحف سينمائية أخرى.


أحمد مرعي في لقطة من الفيلم

الذكرى مرت ولم يتوقف عندها أحد لكن الفيلم ما زال ماثلاً وشاهداً على عدة مسائل مهمة من بينها فرادة موهبة المخرج الذي أمّ العمل بشروطه كلّها، واستقلالية قراراته التي لم تعنِ الكثير لمنتجي السينما سنة إنتاج الفيلم سنة 1975 وتعني أقل من ذلك لمنتجي السينما اليوم.
لتأمين التمويل اللازم لهذا الفيلم، توجّه عبد السلام إلى إيطاليا وحصل على دعم المخرج روبرتو روسيلليني الذي أشرف على تمويل الفيلم من أركان أوروبية لم يهتم المؤرخون للبحث فيها. الترميم قام تحت إشراف الأميركي مارتن سكورسيزي وليس بفضل جهات مصرية. طلبته مهرجانات شيكاغو ونيويورك وصندانس و«كان» (النسخة المرممة) وعرضه مهرجان أبوظبي الراحل سنة 2010 معيداً تسليط الأضواء عليه.
رغم قضيتي التمويل والترميم «المومياء» هو فيلم مصري ليس تبعاً لهوية مخرجه فقط، بل أيضاً بسبب موضوعه المرتبط بالتاريخ المصري البعيد.


نادية لطفي في دور صغير- كبير

هناك مقابر في منطقة غرب الوادي تسكنها (في أحداث تقع في القرن التاسع عشر) قبيلة تكتنف كنوزها الفرعونية وتهرّبها لتاجر يهربها للمتاحف الأجنبية. تعتاش القبيلة على نبش القبور واستخراج الحُلي المدفونة مع أصحابها، وهي تفعل ذلك بكل رضا وقبول كونها الوسيلة الوحيدة للعيش في ذلك الوادي المقفر.
هذا إلى أن يتسلم وريثا القبيلة، وهما ابن زعيمها الذي مات في مطلع الفيلم وشقيقه اللذان، وحسب التقاليد، يعرفان المدخل السري في الجبل المشرف على القرية للآثار الفرعونية المخفية (منذ 3 آلاف سنة) بعيداً عن كل عين باستثناء رئيس القبيلة وشقيقه. برحيل الرئيس يتسلم الشقيقان مسؤولية الحفاظ على الموقع السرّي من جهة وعلى استمرار عملية التهريب من جهة أخرى.
عندما يرفض أحد الأخوين المشاركة في عملية غير مشروعة كهذه، يتم قتله ورمي جثّته في النيل. شقيقه ونيس (أحمد مرعي) سيقرر ما إذا كان يريد متابعة السير في خطى أسلافه أو التمرد عليها معلناً أن ما يحدث هو «أكل أكتاف الموتى». كل هذا مع وصول مندوب الدولة المصرية (محمد مرشد) ليحقق في عمليات التهريب ووضع حد لها. ونيس الآن متهم بأنه يتعامل مع «الأفندية» (أي سكان المدن) وسيلحق الضرر بمعيشة أهل بلده وخارجاً عن كل التقاليد المتوارثة.

الشاغل الرئيسي
اختار المخرج اللغة الفصحى كحوار طوال الفيلم. هو أمر غريب بحد ذاته كون الفيلم، في نهاية المطاف، مصرياً خالصاً نسبة لشخصياته وأحداثه والتاريخ الذي يعرضه المتعامل مع ميراث الفراعنة. النطق العربي ليس جيّداً بين الجميع على نحو متساوٍ. هناك من ينطقه صحيحاً وهناك من يستعين بلكنته المصرية الحاضرة. لكن هذا لا يغيّر من الواقع شيئاً، وهو أن المخرج اختار اللغة العربية الفصحى على تضاد مع اللهجة المحلية.
الأرجح أن هذا الاختيار جاء لسببين متلازمين. الأول أنه يمنح العمل صفة تلتقي وصفاته الأخرى في غرابة الموضوع المنتخب وموقعه واهتماماته. الثاني أن المخرج، بهذا الاختيار، تجاوز معضلة أن يتحدّث كل ممثل من الطاقم الذي تم الاستعانة به بلهجته المصرية المختلفة. هناك لكنة ابن المدينة ولكنة ابن الصعيد (وربما يجد من يبحث أكثر لهجات أخرى)
الحاصل، تبعاً لذلك، انفراداً إضافياً لفيلم يحكي عن موضوع لم يلفت انتباه آخرين رغم أهميّته. يوحد الفيلم بذلك غرابة المكان وغرابة الزمان وغرابة القصّة بتوحيد الحوار (والتعليق الصوتي) وجعله أيضاً غريباً.
الشاغل الرئيسي في كل ذلك، هو إذا ما كان ونيس على حق في وضع النهاية لتقاليد متوارثة تعيش عليها القبيلة منذ عقود وقرون تتاجر بما سكن في كهوفها أو أن قبيلة «الحُربات»، هي التي على حق في محاولة إبقاء التقاليد قائمة من دون مساس بأي تغيير.
يعرض الفيلم هذه المسألة بعناية. التجارة بالآثار المهرّبة هي المورد الوحيد الذي تعتاش منه القبيلة بأسرها، لكن هذا التهريب جريمة ولا بد للجريمة أن تتوقف. سنرى لاحقاً كيف يتم نقل الأكفان وما تحمله من كنوز من تلك الكهوف المنسية إلى المتحف المصري عوض أن يتم تهريبها إلى الخارج. هذا هو الموقف الذي يؤيده الفيلم لا من خلال بطله ونيس والشاب القادم من المدينة للكشف عما يدور فقط، بل كذلك من خلال مع من يقف الفيلم في أدبياته ومشاهده.
على هذا، هناك لبنة لفيلم تشويقي لو وقع العمل بين يدي أي مخرج آخر... تهريب. قتل. تحريات. صراع على كنوز... إلخ هذا كله بعيد عن غاية الفيلم ومخرجه لكن ما يبقى منه هو قدرة العمل على أن يبقى غامضاً بفضل اختياراته المذكورة.

قِيَم ثقافية
في طيّات ذلك حقيقة أن أبناء القبيلة ورثوا تلك الكنوز الفرعونية بحكم استيطانها المكان. هي اعتبرت أنها خير وصي على تركة مدفونة منذ آلاف السنين ولو أن هذه الوصاية لا تعني الحفاظ عليها، بل بيعها للعيش بثمنها في مكان هو صحراوي ومقفر وفقير في بيئته.
بطبيعة الحال، عني هذا الفيلم للمصريين الكثير وأدرجه النقاد في رأس قائمة أفضل الأفلام المصرية وشاركهم في ذلك العديد من النقاد العرب، ولأسباب تتعلّق بالقيمتين الفكرية والفنية. لكن الفيلم بذاته يستحق قيمة إضافية حين النظر إليه اليوم.
فإلى جانب ما يطرحه، يكمن التساؤل حول القيم الثقافية والمواقف التي يواجهها فيلم كهذا في صميم العمل. ما نراه من صراع بين إشكالات اجتماعية حيث تحارب القبيلة الوافدين حفاظاً على تاريخها ودورها حيال التاريخ (والفيلم مستوحى من أحداث حقيقية)، هناك الصراع الكامن بين فيلم ينفرد عن كل ما أنتجته السينما المصرية من أعمال، وبين الافتقاد الرسمي وغير الرسمي لخطة منح المخرجين المصريين المستقلين الفرص لتحقيق ذواتهم.
هذا لا يعني أن تحقيق الذوات سيلد دوماً أفلاماً مهمّة أو جيدة، وشاهدنا كيف أن العديد من الأفلام المصرية والعربية التي وصلت إلى منابر دولية لم تتعمّق في أي مسائل اجتماعية بقدر ما اكتفت باستعراضها. هي توقفت عند حدود العين ومشارف التفكير ولم تذهب عميقاً لتقديم بحث فعلي.
بذلك، فيلم «المومياء» يختلف كذلك في أن هذا البحث الفعلي المفقود من السينما العربية ككل إلا من استثناءات من بينها أفلام التونسي الناصر خمير (مثل «الهائمون») وفيلم الكويتي خالد الصدّيق «بس يا بحر»).

خارج اللعبة
هذا الاختلاف والاستقبال الكبير الذي حظي به هذا الفيلم من قِبل من شاهده من نقاد عالميين كان إشارة مضت مثل ومضة عابرة لم يتوقف عندها أرباب السينما المصرية. نعم عم فرح شديد بأن الفيلم توجّه إلى أكثر من مهرجان دولي (كثير منها بعد رحيل المخرج سنة 1986) وتبارى معنيون ومثقفون في مدح الفيلم والإشادة بعالميّته، لكن ليس هناك شيء فعلي تبع كل ذلك الاحتفاء. ليس من مبادرات لحماية السينما المستقلة، التي ينتمي إليها «المومياء»، ولا الاهتمام حتى بمظاهرات للسينما المصرية كأسابيع تنتقل ما بين دول العالم (كما حال «مهرجان الفيلم اليهودي» الذي يُقام في أكثر من 20 عاصمة ومدينة حول العالم كل سنة).
الأكثر فداحة ودلالة هو أن المخرج ذاته لم يجد الدعم الكافي لمواصلة طريقه في السينما الروائية. استدار صوب تحقيق أفلام قصيرة (مثل «جيوش الشمس» و«آفاق» (هذه الأفلام القصيرة بدورها لم تتجاوز ثلاثة أعمال على مدى ثلاث سنوات).
قيمة الفيلم التاريخية والفكرية والثقافية لم تكن لتتم لولا أسلوب عمل خطّه المخرج بدراية. هو مهندس ديكور لأفلام عديدة وعمل مساعداً لأكثر من مخرج قبل أن يخطو الخطوة الفاصلة ليصبح مخرجاً. لا بد أنه طمح لأكثر من فيلم طويل (كان لديه مشروع مشابه في طموحاته لكنه لم يجد من يكترث له).
يتآلف «المومياء» مع هندسة المكان الطبيعية. يختار للقطاته (الثابتة غالباً) أماكن مشهودة تتماشى مع الطرح الذي يحمله كل مشهد. المكان يصبح شخصية واختياره للبوح بما يتفاعل في الذات من أفكار ومشاعر يعزز ما نسمعه من حوار أو نشاهده من فعل. بطن الجبل هو بطن التاريخ. الصحراء للتوهان. الجبل ذاته للعزلة وهكذا.
يتحاشى المخرج تحويل العنف الوارد بين الكلمات مختاراً تورية. طعن الشقيق يبدأ وينقطع بومضة مونتاجية صوب مشهد آخر. مشاهد ضرب ونيس والرجل القادم من المدينة مستترة بوقوف بعض الرجال أمام الكاميرا والاكتفاء بأصوات ألم صادرة عن الضحايا.
أما الإيقاع فيدخل في صميم تأسيس العمل والحفاظ على هويّته الفنية منها والفكرية.


مقالات ذات صلة

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

سينما «مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

الرحلة ليست مغامرة طفولية، بل عبورٌ من البراءة إلى الوعي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.


شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
TT

شاشة الناقد: أبناء الذاكرة الثقيلة... وجوه إنسانية في عالمين متباعدين

«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)
«قيمة عاطفية» (rk2‪‬)

SENTIMENTAL VALUE

★★★

إخراج:‫ يواكيم تراير‬

النرويج - ألمانيا - الدنمارك (2025)

دراما عائلية مرشّحة لأكثر من جائزة «أوسكار»

قرب مطلع الفيلم، تنتفض «نورا» (رينايت راينسڤ) خائفة. تُصاب، وهي على بُعد دقائق من الظهور أمام الجمهور، بما يُعرف بـ«الخوف من الخشبة». تحاول تمزيق ردائها الذي ستظهر به قبل أن يردعها المحيطون بها. تبدو كأنها استسلمت وبدأت تستعد لصعود المسرح، لكنها فجأة تركض بشكل هستيري نحو باب الخروج هاربة. يلحق بها الجميع ويدفعونها إلى المسرح قسراً. تترصَّدها الكاميرا لتسجِّل حالتها وقد أدركت أن عليها مواجهة الجمهور المنتظر. وما إن تفعل ذلك، حتى تستعيد ثباتها وتقدّم عرضاً ناجحاً، يكتفي المخرج يواكيم تراير بعرض نموذج قصير منه، يعقبه تصفيق حادٌّ من الجمهور.

إنها بداية موفّقة للتعريف بالممثلة داخل الفيلم، وكذلك بأسلوب المخرج تراير المتمكِّن في سرد الحكاية بالحيوية المطلوبة. لكن العلاقة بين هذه المقدِّمة وما يليها تبقى في حدود التعريف؛ إذ يتحوَّل المشهد إلى تمهيد للدخول في عالم فني متكامل تتطور حكايته مباشرة بعد ذلك.

«نورا» ممثلة ناجحة، لكن حياتها الخاصة مضطربة. لديها شقيقة أصغر (إنغا إبسدوتر) متزوجة، وعلاقة الشقيقتين بوالدهما «غوستاف» (ستيلان سكارسغارد) تبدو كوترٍ مشدود يكاد ينقطع. يتضح ذلك حين يصارح الأب «نورا» برغبته في أن تؤدي الدور الرئيسي في فيلمه المقبل: «كتبت السيناريو وأنت في البال». لكنها ترفض، مذكِّرة إياه بأنه لم يتابع مسيرتها المهنية، وأنه غاب طويلاً قبل أن يعود الآن بدافع حاجته إليها فقط. يؤكد لها أن الأمر ليس كذلك، لكنها تُصرُّ على الرفض، فيلجأ إلى ممثلة أخرى؛ مما يجعل علاقته بابنته أعلى حدَّة وتوتراً.

هذه هي عتبة الفيلم نحو وضع أعلى سخونة. فالفيلم الذي يود «غوستاف» العودة به إلى السينما بعد انقطاع طويل مبني على قصة حياته منذ شبابه، لا سيما حادثة انتحار والدته. وهذا ما يزيد التوتر؛ لأن الشقيقتين تريان عودتَه بعد غياب طويل عنهما نابعةً من مصلحة شخصية.

الحكاية ليست العنصر الجاذب الأول؛ فهي حبكة جيدة لكنها محدودة التأثير في حد ذاتها. يمنح الفيلم مشاهديه موقع المتابعة وليس المشاركة؛ لأن المسائل العاطفية المطروحة ليست جديدة ولا حاسمة تماماً. ما يمنح الفيلم قيمته الفعلية هو الأداء التمثيلي الجماعي، إضافة إلى قدرة المخرج على توظيف الكاميرا والصوت لالتقاط تفاصيل المشاهد بقوة.

WOLFRAM

★★★

إخراج:‫ وورويك ثورنتون‬

أستراليا (2026)

من أفلام «مسابقة برلين» وأحد الأعمال الجديرة بالاهتمام

هو نوع من أفلام الويسترن الأسترالي؛ نظراً إلى طبيعة المكان والأجواء، لكن مع رسالة واضحة وتنفيذ جيد إلى حدٍّ مقبول. تدور أحداثه في ثلاثينات القرن الماضي فوق أرض صحراوية قاحلة، مع ما يلزم من شخصيات طيبة وأخرى شريرة. خلال تلك الفترة شهدت المناطق الأسترالية البعيدة تنافساً على استخراج حجر التنغستن (الاسم الآخر: وولفرام)، الذي يُقال إنه نافس الذهب في قيمته. شريران يسعيان إلى اكتشافه طمعاً في ثروة كبيرة، لكن أسلوبهما يبدأ خشناً وينتهي عنيفاً، فيما يكون الضحايا غالباً من السكان الأصليين لأستراليا.

«وولفرام» (دارك ماتر دستربيوشن»)

في الوقت نفسه، تبحث أمٌّ من السكان الأصليين (ديبرا مايلمن) عن ولديها اللذين اختفيا، كما اختفى غيرهما من أطفال السكان الأصليين. فقد خُطِف هؤلاء لتشغيلهم في المناجم دون أجر، حيث تصبح حياتهم رهينة الاستغلال، ويمكن التخلّص منهم بالقتل في أي وقت. نتعرَّف إلى الولدين وهما يعملان في منجم يديره رجل قاسٍ. ومع وصول الشريرين إلى المكان، ينقلب حال صاحب المنجم بعدما يدرك أنه أمام منافسة شرسة.

غاية الفيلم نبيلة؛ إذ يسلِّط الضوء على معاناة السكان الأصليين في أستراليا واستغلالهم على يد البيض بوصفهم عبيداً قبل التخلّص منهم. وكان وورويك ثورنتون قد قدَّم قبل 8 سنوات فيلماً آخر عن هذا الشعب المقهور بعنوان «سويت كنتري (Sweet Country)»، في ما يبدو أنه الجزء الأول من ثلاثية قد تكتمل مستقبلاً بالانتقال إلى أربعينات أو خمسينات القرن الماضي.

جماليات الفيلم لافتة، وملتقطة بعناية، ويلعب المكان وألوان الطبيعة دوراً مهماً في ترسيخ القسوة التي يتحدث عنها العمل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.