«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

ما زال فيلماً منفرداً وبلا شبيه

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
TT

«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»

مرّت، في هذا الشهر، الذكرى السادسة والثلاثون على رحيل المخرج المتفرد شادي عبد السلام صاحب الفيلم الروائي الطويل «المومياء: ليلة أن تُحصى السنون». سُمّي كذلك «ليلة تعداد السنين» وأحياناً «ليلة أن تمضي السنين». كلها تسميات واحدة لفيلم متفق على أنه من بين أفضل ما أطلقته السينما المصرية في تاريخها، ولو أن البعض اعتبره أفضل فيلم في التاريخ، وهو أمر يتجاوز مفهوماً واسعاً حول كيفية تقييم ذلك وسط تحف سينمائية أخرى.


أحمد مرعي في لقطة من الفيلم

الذكرى مرت ولم يتوقف عندها أحد لكن الفيلم ما زال ماثلاً وشاهداً على عدة مسائل مهمة من بينها فرادة موهبة المخرج الذي أمّ العمل بشروطه كلّها، واستقلالية قراراته التي لم تعنِ الكثير لمنتجي السينما سنة إنتاج الفيلم سنة 1975 وتعني أقل من ذلك لمنتجي السينما اليوم.
لتأمين التمويل اللازم لهذا الفيلم، توجّه عبد السلام إلى إيطاليا وحصل على دعم المخرج روبرتو روسيلليني الذي أشرف على تمويل الفيلم من أركان أوروبية لم يهتم المؤرخون للبحث فيها. الترميم قام تحت إشراف الأميركي مارتن سكورسيزي وليس بفضل جهات مصرية. طلبته مهرجانات شيكاغو ونيويورك وصندانس و«كان» (النسخة المرممة) وعرضه مهرجان أبوظبي الراحل سنة 2010 معيداً تسليط الأضواء عليه.
رغم قضيتي التمويل والترميم «المومياء» هو فيلم مصري ليس تبعاً لهوية مخرجه فقط، بل أيضاً بسبب موضوعه المرتبط بالتاريخ المصري البعيد.


نادية لطفي في دور صغير- كبير

هناك مقابر في منطقة غرب الوادي تسكنها (في أحداث تقع في القرن التاسع عشر) قبيلة تكتنف كنوزها الفرعونية وتهرّبها لتاجر يهربها للمتاحف الأجنبية. تعتاش القبيلة على نبش القبور واستخراج الحُلي المدفونة مع أصحابها، وهي تفعل ذلك بكل رضا وقبول كونها الوسيلة الوحيدة للعيش في ذلك الوادي المقفر.
هذا إلى أن يتسلم وريثا القبيلة، وهما ابن زعيمها الذي مات في مطلع الفيلم وشقيقه اللذان، وحسب التقاليد، يعرفان المدخل السري في الجبل المشرف على القرية للآثار الفرعونية المخفية (منذ 3 آلاف سنة) بعيداً عن كل عين باستثناء رئيس القبيلة وشقيقه. برحيل الرئيس يتسلم الشقيقان مسؤولية الحفاظ على الموقع السرّي من جهة وعلى استمرار عملية التهريب من جهة أخرى.
عندما يرفض أحد الأخوين المشاركة في عملية غير مشروعة كهذه، يتم قتله ورمي جثّته في النيل. شقيقه ونيس (أحمد مرعي) سيقرر ما إذا كان يريد متابعة السير في خطى أسلافه أو التمرد عليها معلناً أن ما يحدث هو «أكل أكتاف الموتى». كل هذا مع وصول مندوب الدولة المصرية (محمد مرشد) ليحقق في عمليات التهريب ووضع حد لها. ونيس الآن متهم بأنه يتعامل مع «الأفندية» (أي سكان المدن) وسيلحق الضرر بمعيشة أهل بلده وخارجاً عن كل التقاليد المتوارثة.

الشاغل الرئيسي
اختار المخرج اللغة الفصحى كحوار طوال الفيلم. هو أمر غريب بحد ذاته كون الفيلم، في نهاية المطاف، مصرياً خالصاً نسبة لشخصياته وأحداثه والتاريخ الذي يعرضه المتعامل مع ميراث الفراعنة. النطق العربي ليس جيّداً بين الجميع على نحو متساوٍ. هناك من ينطقه صحيحاً وهناك من يستعين بلكنته المصرية الحاضرة. لكن هذا لا يغيّر من الواقع شيئاً، وهو أن المخرج اختار اللغة العربية الفصحى على تضاد مع اللهجة المحلية.
الأرجح أن هذا الاختيار جاء لسببين متلازمين. الأول أنه يمنح العمل صفة تلتقي وصفاته الأخرى في غرابة الموضوع المنتخب وموقعه واهتماماته. الثاني أن المخرج، بهذا الاختيار، تجاوز معضلة أن يتحدّث كل ممثل من الطاقم الذي تم الاستعانة به بلهجته المصرية المختلفة. هناك لكنة ابن المدينة ولكنة ابن الصعيد (وربما يجد من يبحث أكثر لهجات أخرى)
الحاصل، تبعاً لذلك، انفراداً إضافياً لفيلم يحكي عن موضوع لم يلفت انتباه آخرين رغم أهميّته. يوحد الفيلم بذلك غرابة المكان وغرابة الزمان وغرابة القصّة بتوحيد الحوار (والتعليق الصوتي) وجعله أيضاً غريباً.
الشاغل الرئيسي في كل ذلك، هو إذا ما كان ونيس على حق في وضع النهاية لتقاليد متوارثة تعيش عليها القبيلة منذ عقود وقرون تتاجر بما سكن في كهوفها أو أن قبيلة «الحُربات»، هي التي على حق في محاولة إبقاء التقاليد قائمة من دون مساس بأي تغيير.
يعرض الفيلم هذه المسألة بعناية. التجارة بالآثار المهرّبة هي المورد الوحيد الذي تعتاش منه القبيلة بأسرها، لكن هذا التهريب جريمة ولا بد للجريمة أن تتوقف. سنرى لاحقاً كيف يتم نقل الأكفان وما تحمله من كنوز من تلك الكهوف المنسية إلى المتحف المصري عوض أن يتم تهريبها إلى الخارج. هذا هو الموقف الذي يؤيده الفيلم لا من خلال بطله ونيس والشاب القادم من المدينة للكشف عما يدور فقط، بل كذلك من خلال مع من يقف الفيلم في أدبياته ومشاهده.
على هذا، هناك لبنة لفيلم تشويقي لو وقع العمل بين يدي أي مخرج آخر... تهريب. قتل. تحريات. صراع على كنوز... إلخ هذا كله بعيد عن غاية الفيلم ومخرجه لكن ما يبقى منه هو قدرة العمل على أن يبقى غامضاً بفضل اختياراته المذكورة.

قِيَم ثقافية
في طيّات ذلك حقيقة أن أبناء القبيلة ورثوا تلك الكنوز الفرعونية بحكم استيطانها المكان. هي اعتبرت أنها خير وصي على تركة مدفونة منذ آلاف السنين ولو أن هذه الوصاية لا تعني الحفاظ عليها، بل بيعها للعيش بثمنها في مكان هو صحراوي ومقفر وفقير في بيئته.
بطبيعة الحال، عني هذا الفيلم للمصريين الكثير وأدرجه النقاد في رأس قائمة أفضل الأفلام المصرية وشاركهم في ذلك العديد من النقاد العرب، ولأسباب تتعلّق بالقيمتين الفكرية والفنية. لكن الفيلم بذاته يستحق قيمة إضافية حين النظر إليه اليوم.
فإلى جانب ما يطرحه، يكمن التساؤل حول القيم الثقافية والمواقف التي يواجهها فيلم كهذا في صميم العمل. ما نراه من صراع بين إشكالات اجتماعية حيث تحارب القبيلة الوافدين حفاظاً على تاريخها ودورها حيال التاريخ (والفيلم مستوحى من أحداث حقيقية)، هناك الصراع الكامن بين فيلم ينفرد عن كل ما أنتجته السينما المصرية من أعمال، وبين الافتقاد الرسمي وغير الرسمي لخطة منح المخرجين المصريين المستقلين الفرص لتحقيق ذواتهم.
هذا لا يعني أن تحقيق الذوات سيلد دوماً أفلاماً مهمّة أو جيدة، وشاهدنا كيف أن العديد من الأفلام المصرية والعربية التي وصلت إلى منابر دولية لم تتعمّق في أي مسائل اجتماعية بقدر ما اكتفت باستعراضها. هي توقفت عند حدود العين ومشارف التفكير ولم تذهب عميقاً لتقديم بحث فعلي.
بذلك، فيلم «المومياء» يختلف كذلك في أن هذا البحث الفعلي المفقود من السينما العربية ككل إلا من استثناءات من بينها أفلام التونسي الناصر خمير (مثل «الهائمون») وفيلم الكويتي خالد الصدّيق «بس يا بحر»).

خارج اللعبة
هذا الاختلاف والاستقبال الكبير الذي حظي به هذا الفيلم من قِبل من شاهده من نقاد عالميين كان إشارة مضت مثل ومضة عابرة لم يتوقف عندها أرباب السينما المصرية. نعم عم فرح شديد بأن الفيلم توجّه إلى أكثر من مهرجان دولي (كثير منها بعد رحيل المخرج سنة 1986) وتبارى معنيون ومثقفون في مدح الفيلم والإشادة بعالميّته، لكن ليس هناك شيء فعلي تبع كل ذلك الاحتفاء. ليس من مبادرات لحماية السينما المستقلة، التي ينتمي إليها «المومياء»، ولا الاهتمام حتى بمظاهرات للسينما المصرية كأسابيع تنتقل ما بين دول العالم (كما حال «مهرجان الفيلم اليهودي» الذي يُقام في أكثر من 20 عاصمة ومدينة حول العالم كل سنة).
الأكثر فداحة ودلالة هو أن المخرج ذاته لم يجد الدعم الكافي لمواصلة طريقه في السينما الروائية. استدار صوب تحقيق أفلام قصيرة (مثل «جيوش الشمس» و«آفاق» (هذه الأفلام القصيرة بدورها لم تتجاوز ثلاثة أعمال على مدى ثلاث سنوات).
قيمة الفيلم التاريخية والفكرية والثقافية لم تكن لتتم لولا أسلوب عمل خطّه المخرج بدراية. هو مهندس ديكور لأفلام عديدة وعمل مساعداً لأكثر من مخرج قبل أن يخطو الخطوة الفاصلة ليصبح مخرجاً. لا بد أنه طمح لأكثر من فيلم طويل (كان لديه مشروع مشابه في طموحاته لكنه لم يجد من يكترث له).
يتآلف «المومياء» مع هندسة المكان الطبيعية. يختار للقطاته (الثابتة غالباً) أماكن مشهودة تتماشى مع الطرح الذي يحمله كل مشهد. المكان يصبح شخصية واختياره للبوح بما يتفاعل في الذات من أفكار ومشاعر يعزز ما نسمعه من حوار أو نشاهده من فعل. بطن الجبل هو بطن التاريخ. الصحراء للتوهان. الجبل ذاته للعزلة وهكذا.
يتحاشى المخرج تحويل العنف الوارد بين الكلمات مختاراً تورية. طعن الشقيق يبدأ وينقطع بومضة مونتاجية صوب مشهد آخر. مشاهد ضرب ونيس والرجل القادم من المدينة مستترة بوقوف بعض الرجال أمام الكاميرا والاكتفاء بأصوات ألم صادرة عن الضحايا.
أما الإيقاع فيدخل في صميم تأسيس العمل والحفاظ على هويّته الفنية منها والفكرية.


مقالات ذات صلة

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

يوميات الشرق سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة...

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق حقق الفيلم إيرادات كبيرة بالسينما المصرية (الشركة المنتجة)

«برشامة» ينطلق بالصالات الخليجية مراهناً على المواقف الصارخة

ينطلق الفيلم المصري «برشامة» للعرض في دور السينما الخليجية، الخميس، بعدما حقق إيرادات في مصر اقتربت من 130 مليون جنيه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من كواليس تصوير فيلم «السادة الأفاضل»

«الإغلاق المبكر» يفرض تعديلات على برنامج «جمعية الفيلم» في مصر

بينما كان يستعد مهرجان «جمعية الفيلم المصرية» لإقامة دورته الـ52 صدرت قرارات الإغلاق المبكر التي بدأ تنفيذها بهدف توفير الطاقة، إثر تداعيات الحرب على إيران.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق واجه المخرج صعوبات إنتاجية لخروج فيلمه إلى النور (الشركة المنتجة)

توم أديجيبي: «هذا ليس فيلماً فرنسياً» يحكي معاناتي سينمائياً

لم يكن يُنظر إليه بوصفه ممثلاً قادراً على تجسيد شخصيات متنوعة، بل ممثلاً غير أبيض فحسب.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور.

إيمان الخطاف (الدمام)

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً


بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز