«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

ما زال فيلماً منفرداً وبلا شبيه

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
TT

«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»

مرّت، في هذا الشهر، الذكرى السادسة والثلاثون على رحيل المخرج المتفرد شادي عبد السلام صاحب الفيلم الروائي الطويل «المومياء: ليلة أن تُحصى السنون». سُمّي كذلك «ليلة تعداد السنين» وأحياناً «ليلة أن تمضي السنين». كلها تسميات واحدة لفيلم متفق على أنه من بين أفضل ما أطلقته السينما المصرية في تاريخها، ولو أن البعض اعتبره أفضل فيلم في التاريخ، وهو أمر يتجاوز مفهوماً واسعاً حول كيفية تقييم ذلك وسط تحف سينمائية أخرى.


أحمد مرعي في لقطة من الفيلم

الذكرى مرت ولم يتوقف عندها أحد لكن الفيلم ما زال ماثلاً وشاهداً على عدة مسائل مهمة من بينها فرادة موهبة المخرج الذي أمّ العمل بشروطه كلّها، واستقلالية قراراته التي لم تعنِ الكثير لمنتجي السينما سنة إنتاج الفيلم سنة 1975 وتعني أقل من ذلك لمنتجي السينما اليوم.
لتأمين التمويل اللازم لهذا الفيلم، توجّه عبد السلام إلى إيطاليا وحصل على دعم المخرج روبرتو روسيلليني الذي أشرف على تمويل الفيلم من أركان أوروبية لم يهتم المؤرخون للبحث فيها. الترميم قام تحت إشراف الأميركي مارتن سكورسيزي وليس بفضل جهات مصرية. طلبته مهرجانات شيكاغو ونيويورك وصندانس و«كان» (النسخة المرممة) وعرضه مهرجان أبوظبي الراحل سنة 2010 معيداً تسليط الأضواء عليه.
رغم قضيتي التمويل والترميم «المومياء» هو فيلم مصري ليس تبعاً لهوية مخرجه فقط، بل أيضاً بسبب موضوعه المرتبط بالتاريخ المصري البعيد.


نادية لطفي في دور صغير- كبير

هناك مقابر في منطقة غرب الوادي تسكنها (في أحداث تقع في القرن التاسع عشر) قبيلة تكتنف كنوزها الفرعونية وتهرّبها لتاجر يهربها للمتاحف الأجنبية. تعتاش القبيلة على نبش القبور واستخراج الحُلي المدفونة مع أصحابها، وهي تفعل ذلك بكل رضا وقبول كونها الوسيلة الوحيدة للعيش في ذلك الوادي المقفر.
هذا إلى أن يتسلم وريثا القبيلة، وهما ابن زعيمها الذي مات في مطلع الفيلم وشقيقه اللذان، وحسب التقاليد، يعرفان المدخل السري في الجبل المشرف على القرية للآثار الفرعونية المخفية (منذ 3 آلاف سنة) بعيداً عن كل عين باستثناء رئيس القبيلة وشقيقه. برحيل الرئيس يتسلم الشقيقان مسؤولية الحفاظ على الموقع السرّي من جهة وعلى استمرار عملية التهريب من جهة أخرى.
عندما يرفض أحد الأخوين المشاركة في عملية غير مشروعة كهذه، يتم قتله ورمي جثّته في النيل. شقيقه ونيس (أحمد مرعي) سيقرر ما إذا كان يريد متابعة السير في خطى أسلافه أو التمرد عليها معلناً أن ما يحدث هو «أكل أكتاف الموتى». كل هذا مع وصول مندوب الدولة المصرية (محمد مرشد) ليحقق في عمليات التهريب ووضع حد لها. ونيس الآن متهم بأنه يتعامل مع «الأفندية» (أي سكان المدن) وسيلحق الضرر بمعيشة أهل بلده وخارجاً عن كل التقاليد المتوارثة.

الشاغل الرئيسي
اختار المخرج اللغة الفصحى كحوار طوال الفيلم. هو أمر غريب بحد ذاته كون الفيلم، في نهاية المطاف، مصرياً خالصاً نسبة لشخصياته وأحداثه والتاريخ الذي يعرضه المتعامل مع ميراث الفراعنة. النطق العربي ليس جيّداً بين الجميع على نحو متساوٍ. هناك من ينطقه صحيحاً وهناك من يستعين بلكنته المصرية الحاضرة. لكن هذا لا يغيّر من الواقع شيئاً، وهو أن المخرج اختار اللغة العربية الفصحى على تضاد مع اللهجة المحلية.
الأرجح أن هذا الاختيار جاء لسببين متلازمين. الأول أنه يمنح العمل صفة تلتقي وصفاته الأخرى في غرابة الموضوع المنتخب وموقعه واهتماماته. الثاني أن المخرج، بهذا الاختيار، تجاوز معضلة أن يتحدّث كل ممثل من الطاقم الذي تم الاستعانة به بلهجته المصرية المختلفة. هناك لكنة ابن المدينة ولكنة ابن الصعيد (وربما يجد من يبحث أكثر لهجات أخرى)
الحاصل، تبعاً لذلك، انفراداً إضافياً لفيلم يحكي عن موضوع لم يلفت انتباه آخرين رغم أهميّته. يوحد الفيلم بذلك غرابة المكان وغرابة الزمان وغرابة القصّة بتوحيد الحوار (والتعليق الصوتي) وجعله أيضاً غريباً.
الشاغل الرئيسي في كل ذلك، هو إذا ما كان ونيس على حق في وضع النهاية لتقاليد متوارثة تعيش عليها القبيلة منذ عقود وقرون تتاجر بما سكن في كهوفها أو أن قبيلة «الحُربات»، هي التي على حق في محاولة إبقاء التقاليد قائمة من دون مساس بأي تغيير.
يعرض الفيلم هذه المسألة بعناية. التجارة بالآثار المهرّبة هي المورد الوحيد الذي تعتاش منه القبيلة بأسرها، لكن هذا التهريب جريمة ولا بد للجريمة أن تتوقف. سنرى لاحقاً كيف يتم نقل الأكفان وما تحمله من كنوز من تلك الكهوف المنسية إلى المتحف المصري عوض أن يتم تهريبها إلى الخارج. هذا هو الموقف الذي يؤيده الفيلم لا من خلال بطله ونيس والشاب القادم من المدينة للكشف عما يدور فقط، بل كذلك من خلال مع من يقف الفيلم في أدبياته ومشاهده.
على هذا، هناك لبنة لفيلم تشويقي لو وقع العمل بين يدي أي مخرج آخر... تهريب. قتل. تحريات. صراع على كنوز... إلخ هذا كله بعيد عن غاية الفيلم ومخرجه لكن ما يبقى منه هو قدرة العمل على أن يبقى غامضاً بفضل اختياراته المذكورة.

قِيَم ثقافية
في طيّات ذلك حقيقة أن أبناء القبيلة ورثوا تلك الكنوز الفرعونية بحكم استيطانها المكان. هي اعتبرت أنها خير وصي على تركة مدفونة منذ آلاف السنين ولو أن هذه الوصاية لا تعني الحفاظ عليها، بل بيعها للعيش بثمنها في مكان هو صحراوي ومقفر وفقير في بيئته.
بطبيعة الحال، عني هذا الفيلم للمصريين الكثير وأدرجه النقاد في رأس قائمة أفضل الأفلام المصرية وشاركهم في ذلك العديد من النقاد العرب، ولأسباب تتعلّق بالقيمتين الفكرية والفنية. لكن الفيلم بذاته يستحق قيمة إضافية حين النظر إليه اليوم.
فإلى جانب ما يطرحه، يكمن التساؤل حول القيم الثقافية والمواقف التي يواجهها فيلم كهذا في صميم العمل. ما نراه من صراع بين إشكالات اجتماعية حيث تحارب القبيلة الوافدين حفاظاً على تاريخها ودورها حيال التاريخ (والفيلم مستوحى من أحداث حقيقية)، هناك الصراع الكامن بين فيلم ينفرد عن كل ما أنتجته السينما المصرية من أعمال، وبين الافتقاد الرسمي وغير الرسمي لخطة منح المخرجين المصريين المستقلين الفرص لتحقيق ذواتهم.
هذا لا يعني أن تحقيق الذوات سيلد دوماً أفلاماً مهمّة أو جيدة، وشاهدنا كيف أن العديد من الأفلام المصرية والعربية التي وصلت إلى منابر دولية لم تتعمّق في أي مسائل اجتماعية بقدر ما اكتفت باستعراضها. هي توقفت عند حدود العين ومشارف التفكير ولم تذهب عميقاً لتقديم بحث فعلي.
بذلك، فيلم «المومياء» يختلف كذلك في أن هذا البحث الفعلي المفقود من السينما العربية ككل إلا من استثناءات من بينها أفلام التونسي الناصر خمير (مثل «الهائمون») وفيلم الكويتي خالد الصدّيق «بس يا بحر»).

خارج اللعبة
هذا الاختلاف والاستقبال الكبير الذي حظي به هذا الفيلم من قِبل من شاهده من نقاد عالميين كان إشارة مضت مثل ومضة عابرة لم يتوقف عندها أرباب السينما المصرية. نعم عم فرح شديد بأن الفيلم توجّه إلى أكثر من مهرجان دولي (كثير منها بعد رحيل المخرج سنة 1986) وتبارى معنيون ومثقفون في مدح الفيلم والإشادة بعالميّته، لكن ليس هناك شيء فعلي تبع كل ذلك الاحتفاء. ليس من مبادرات لحماية السينما المستقلة، التي ينتمي إليها «المومياء»، ولا الاهتمام حتى بمظاهرات للسينما المصرية كأسابيع تنتقل ما بين دول العالم (كما حال «مهرجان الفيلم اليهودي» الذي يُقام في أكثر من 20 عاصمة ومدينة حول العالم كل سنة).
الأكثر فداحة ودلالة هو أن المخرج ذاته لم يجد الدعم الكافي لمواصلة طريقه في السينما الروائية. استدار صوب تحقيق أفلام قصيرة (مثل «جيوش الشمس» و«آفاق» (هذه الأفلام القصيرة بدورها لم تتجاوز ثلاثة أعمال على مدى ثلاث سنوات).
قيمة الفيلم التاريخية والفكرية والثقافية لم تكن لتتم لولا أسلوب عمل خطّه المخرج بدراية. هو مهندس ديكور لأفلام عديدة وعمل مساعداً لأكثر من مخرج قبل أن يخطو الخطوة الفاصلة ليصبح مخرجاً. لا بد أنه طمح لأكثر من فيلم طويل (كان لديه مشروع مشابه في طموحاته لكنه لم يجد من يكترث له).
يتآلف «المومياء» مع هندسة المكان الطبيعية. يختار للقطاته (الثابتة غالباً) أماكن مشهودة تتماشى مع الطرح الذي يحمله كل مشهد. المكان يصبح شخصية واختياره للبوح بما يتفاعل في الذات من أفكار ومشاعر يعزز ما نسمعه من حوار أو نشاهده من فعل. بطن الجبل هو بطن التاريخ. الصحراء للتوهان. الجبل ذاته للعزلة وهكذا.
يتحاشى المخرج تحويل العنف الوارد بين الكلمات مختاراً تورية. طعن الشقيق يبدأ وينقطع بومضة مونتاجية صوب مشهد آخر. مشاهد ضرب ونيس والرجل القادم من المدينة مستترة بوقوف بعض الرجال أمام الكاميرا والاكتفاء بأصوات ألم صادرة عن الضحايا.
أما الإيقاع فيدخل في صميم تأسيس العمل والحفاظ على هويّته الفنية منها والفكرية.


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق أحمد فتحي ومي كساب في العرض الخاص للفيلم (حساب فتحي على «فيسبوك»)

«مؤلف ومخرج وحرامي»... كوميديا مصرية تراهن على ثنائية أحمد فتحي ومي كساب

صعوبة السيناريو تمثّلت في اعتماده على التصوير داخل موقع واحد، ممّا فرض تحدّياً...

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
TT

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ. المسلسل كان من النوع القائم على المباريات والألعاب التلفزيونية الكوميدية. في مطلع كل موسم، تُقدّم مجموعة من المشتركين (بعضهم معروف) في مسابقات ومواقف مثيرة، ومن ينجح في الإجابات ينتقل إلى الأسبوع التالي، ومن يخسر لا يعود.

الهدف النهائي هو بقاء رابح واحد يؤول إليه المال والشهرة، وضيافة الرجل الذي بات لاحقاً رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

دونالد ترمب في حلقة من «المتدرب» (إم جي إم تليفزيون)

بين ترمب وريغان

خلفية ترمب في «الشو بزنس» سبقت هذا المسلسل واستمرت بعده. في الواقع، ظهر ممثلاً في «وحيد في البيت 2» (Home Alone 2) سنة 1992. ثم شُوهد في دور صغير في آخر فيلم أخرجه وودي آلن بعنوان «مشهور» (Celebrity). لم يظهر ممثلاً يؤدي شخصية أخرى، بل بشخصيته هو، كما فعل في فيلم كوميدي آخر بعنوان «أسبوعا إنذار» (Two Weeks Notice) سنة 2002.

حقيقة أنه مثّل بشخصيته نفسها توحي بأنه اعتبر باكراً أن الكاميرات الوحيدة التي يريد الوقوف أمامها هي كاميرات وسائل الإعلام. لم يرغب في شق طريقه ممثلاً محترفاً، كما كان حال الرئيس الأسبق رونالد ريغان، بل في توظيف شخصه إعلامياً بمنهج سياسي محدد. هذه نقطة الاختلاف الأهم بينه وبين رونالد ريغان، الممثل الذي انتقل من أدوار ثانوية في السينما ابتداءً من عام 1937، ثم اعتزل التمثيل ليصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1967، تمهيداً لتوليه رئاسة الجمهورية الأميركية عام 1981 (خلفاً لجيمي كارتر) حتى عام 1989 (حين تلاه جورج بوش الأب).

كلاهما، ترمب وريغان، انتميا إلى الحزب الجمهوري، ولو أن ريغان بدأ توجهه السياسي عضواً في الحزب الديمقراطي قبل أن يستقيل منه وينتمي إلى الحزب المناوئ.

بعد سنوات من الأدوار الصغيرة، بدأ ريغان يُعزِّز حضوره على الشاشة بأدوار مساندة، كما في «سرب دولي» (International Squadron، للويس سايتر،1941)، ومن ثم تقدّم نحو أول بطولة له مشاركاً روبرت كامينغز في «صف الملوك» (Kings Row، لسام وود، 1941).

كان ريغان جاداً في رغبته بالنجاح في مهنة التمثيل، لكن مسيرته تعرَّضت للتراجع بسبب انضمامه إلى جهود الحرب العالمية الثانية، حيث خدم في وحدة الأفلام العسكرية منتجاً موادَّ تدريبية ودعائية، مما أبعده عن الشاشة لسنوات. وعندما عاد إلى الحياة المدنية، كان عليه أن يبدأ من جديد. وجد نفسه في منتصف الخمسينات في سلسلة من الأدوار المساندة، وأدرك أنه لن يستطيع تعويض ما فاته.

في المقابل، أدرك ترمب أن آماله ليست في الأفلام، على عكس ريغان الذي كان يرغب في أن يتبوأ النجومية لأطول فترة ممكنة.

جورج كلوني مبتسماً (نتفليكس)

استعادة الحلم الأميركي

يعود بعض الفوارق بين الرئيسين إلى اختلاف الظروف والمشكلات التي واجهها كل منهما خلال فترة حكمه. تبدو المرحلة الريغانية أكثر انسجاماً مع رغبات ذلك الرئيس في تحقيق هدف أساسي هو استعادة المبادئ الأخلاقية لأميركا. فقد تعرَّضت هذه المبادئ لهزّة كبيرة بسبب حرب ڤيتنام، التي كانت موضوعاً لأفلام عدّة مناوئة لها، إلى جانب الحراك الشعبي والإعلامي. ما هدف إليه ريغان كان استعادة إيمان الأميركيين بأميركا، وقد أنجز هذا الهدف بنجاح.

كذلك سعى إلى الحد من هيمنة الحكومة على الاقتصاد المحلي من ناحية، ومواجهة الاتحاد السوفييتي من ناحية ثانية، في إطار الحرب الباردة التي شهدها العالم بين القوتين العظميين.

ومثل كثير من الممثلين والمخرجين وأصحاب المهن السينمائية الأخرى في هوليوود، من بينهم جون واين، والمخرج سام وود، والممثل روبرت تايلور، وآخرون عديدون، كان ريغان عدواً لدوداً للشيوعية. أيَّد موقف اللجنة المكارثية التي حقّقت في انتماءات سينمائيي هوليوود ومسرحيي وكتّاب نيويورك، وما إذا كانوا يمهّدون لهوليوود «حمراء» أم لا.

أفلام كثيرة لريغان في تلك الفترة حملت مضامين إعلامية يمينية التوجه، وبدأ ذلك مع «جهاز الجو السري» (Secret Service of the Air) عام 1938، و«سرب دولي» (1941)، و«هذا هو الجيش» (This Is the Army) سنة 1943. كما تولى التعليق الصوتي لفيلم تسجيلي بعنوان «القتال لكسب السماء» (The Fight for the Sky)، إلى جانب أعمال أخرى.

صفر تسامح

يختلف منهج ريغان عن منهج ترمب في نوعية ممارسة السياسة الداخلية والخارجية. فعند الرئيس الحالي، هناك «صفر تسامح» مع كل نقد يوجَّه إليه، والأمثلة خلال الفترة القصيرة منذ توليه الحكم كثيرة: من مقاضاة مؤسسة «بي بي سي» البريطانية، إلى تقييد حرية تناول حياته الشخصية في الإعلام الأميركي، وصولاً إلى هجومه على إعلاميين تلفزيونيين انتقدوه، والتسبب في إحالتهم المبكرة إلى التقاعد.

إحدى أبرز هذه المحطات تمثّلت في خلافه الشديد مع الممثل جورج كلوني، الذي بدأ بوصف الرئيس له بأنه ممثل «رديء من الصنف الثاني».

وفي حفل «غولدن غلوبز» الأخير، سنحت الفرصة لكلوني لنقل خلافه مع الرئيس إلى مستوى آخر، حين تحدّث بالفرنسية أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم درامي، نكاية بتعليق سابق لترمب سخر فيه من كلوني وزوجته، اللذين نالا الجنسية الفرنسية.

وكان كلوني قد علّق سابقاً على سياسة ترمب قائلاً: «نعم، سنبني أميركا أولاً في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل»، وهو الموعد المحدد للانتخابات الثانية.

حتى اليوم، ومنذ توليه السلطة، عمد ترمب إلى تحديد أولوياته سريعاً وبحزم، ومن بينها محاولته إصدار تشريع يفرض ضريبة ثقيلة على كل فيلم أميركي المنشأ يُصوَّر خارج الولايات المتحدة. عدم منطقية هذا القرار لا تعني أنه لن يعود إليه في المستقبل.


شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
TT

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

SINNERS

خاطئون ★★★★ إخراج: ‪ ريان كوغلر ‬

الولايات المتحدة | فاز بـ«غولدن غلوبز» بوصفه أفضل إنجاز سينمائي

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية، بينما اختلف Black Panther «بلاك بانثر» (في جزئيه 2018 و2022) عن أفلام الكوميكس بدفعه برسائل سياسية. الفيلم الحالي، «خاطئون»، هو فيلم رعب متميز عن معظم ما يُقدّم في هذا النوع. مثل أعماله السابقة، يصيغ كوغلر هذا الفيلم كمعلّق اجتماعي/سياسي حول أحداث تكشف عن أبعادها من دون الانزلاق نحو السهولة أو المجانية.

تدور أحداث الفيلم خلال يوم وليلة في خريف 1932، في بلدة صغيرة بولاية مسيسيبي، وهي الحقبة التي كانت فيها العنصرية نشطة في الجنوب الأميركي. تبدأ القصة بوصول سامي (مايلز كاتون)، مغنّي بلوز أسود، إلى الكنيسة حيث يقيم والده شعائرها، ثم نعود إلى اليوم السابق مباشرة لمتابعة ما حدث خلال 24 ساعة.

الأخوان التوأمان سموك وستاك (يؤديهما مايكل ب. جوردان) يشتريان مكاناً لتحويله إلى نادٍ لغناء البلوز. خلال ذلك اليوم وحتى صبيحة اليوم التالي، تقع أحداث كثيرة بين سعي الأخوين لافتتاح النادي وجلب عازف الهرمونيكا (دلروي ليندو) والعمل مع سامي بوصفه مغنياً وعازفَ غيتار، وبين اكتشافهم لهجوم ڤامبايرز (مصاصي الدماء).

الجانب الأول من الفيلم يسرد تاريخ البلوز الأميركي الذي انطلق مع بداية القرن الماضي وبلغ أوجه في الخمسينات وما بعد، في حين الجانب الثاني هو رمز مشغول بعناية للوضع الماثل على صعيد العلاقات التي استخدم فيها البيض السود للشعور بالتفوق العرقي. في صلب هذا الجانب الشيفرة التي تترجم وقوع السود بوصفهم ضحايا ثم تحوّل بعضهم إلى ڤامبايرز لا تعترف بلون البشرة.

تدخل وتخرج في هذه الفترة شخصيات كثيرة لتُكمل رسم البيئة الواقعية والرمزية معاً. يتحدث الفيلم عن تلك الفترة الصعبة في حياة الجنوب الأميركي، ويختار المشاهد المناسبة التي ترمز إلى الوضعين الاجتماعي والفردي في آن واحد.

يمنح كوغلر التفاصيل الضرورية لشخصياته، لتقرأ من خلالها التاريخ الشخصي والعام. وهناك مزيج من الأعراق: سود وبيض وصينيون، وحتى أفراد من مواطني أميركا الأصليين، ولكل منهم دور يتجاوز مجرد الحضور الديكوراتي. يمنحنا المخرج عملاً يبدأ غامضاً وينتقل بعد ذلك، تحت غلاف الغموض نفسه، بنجاح ومن دون ثقل أو جهد.

بهذا، يأتي «الخاطئون» بوصفه عملاً لغزياً في صياغته وتاريخياً في سياقه عن فن «البلوز» الأميركي، وأكثر من مجرد فيلم رعب، مقارنة بما هو منتشر حالياً.

يقترح «الخاطئون» أكثر مما يُظهر، وما يُظهره ضروري رغم ضراوته.

Hamnet

هامنت ★★ إخراج: ‪ كلوي زاو‬

الولايات المتحدة | فاز بـ«غولدن غلوبز» بوصفه أفضل فيلم درامي

استوحت مخرجة «نوماندلاند» فيلمها من رواية وضعتها ماغي أو فارل، مستوحاة من حياة ويليام شكسبير وزوجته أغنس، اللذين فُجعَا بوفاة ابنهما هامنت في الحادية عشرة من العمر سنة 1596. هذا ملخص ما هو واقعي في حياة ويليام شكسبير، الذي وضع بعد 4 سنوات من وفاة ابنه روايته الشامخة «هاملت». ما عدا هذه الأرضية، لا يوجد سوى خيال يلد خيالات أخرى عن شكسبير وأغنس، وكيف تعرَّفا ومن ثَم تزوَّجا وأنجبا توأماً، وصولاً إلى تلك الفاجعة.

جسي بكلي وبول مسكال في «هامنت» (فوكس فيتشرز)

بما أن القليل معروف عن هذه السيرة، كان من الطبيعي الاستعاضة عن شحِّ الحقائق بمواقف خيالية بالكامل. الرواية نوع من تلك الكتابات الكلاسيكية النسائية الناجحة (في البال «مرتفعات وذرينغ» لإميلي برونتي و«نساء صغيرات» للويزا ماي ألكوت)، لكن هذه المؤلفات بُنيت على أحداث خيالية بالكامل. «هامنت» يحاول توظيف تلك المعطيات المبتسرة لبناء الحكاية الكاملة بأحداث مفترضة بالكامل، مع ما تحتاج إليه من عناصر عاطفية مثل نظرات الهيام، والقبلات الساخنة، والدموع، والمشاعر الطافحة على الوجوه، وقد فعل ذلك على نحو مستفيض.

عندما يصل الفيلم إلى التراجيديا المتمثلة في موت هامنت، ليس عند المخرجة سوى الغرق في العواطف وآهات المعاناة كبديل لغياب الوقائع. معظم المشاهد التي تجمع بين جسي بكلي (في دور أغنس) وبول مسكال (شكسبير) تفتقد الكيمياء؛ أحدهما لا يبدو مناسباً، وهذا الواحد هو مسكال. ربما ليس خطأه، إذ السبيل الوحيد لتصوير شعوره بمأساة فقدانه ولده هو الاعتماد على المشاهد الجاهزة المناسبة لمثل هذه الحالة. المشكلة أن الفيلم ينتهي في خانة الادعاء بأن ما نشاهده هو الحدث المناسب والبديل عن الحدث الغائب.

الأمر الأكثر فداحة هو الادعاء بأن شكسبير تصرَّف هكذا بالفعل، بينما ليست القصة في مجال اقتراح أن ما يُعرض هو الواقع فعلاً. وبينما لا تدّعي الرواية أن ما نقرأه حدث بالفعل (وحسب قراءة سريعة للرواية، ليس هناك ذكر لاسم شكسبير)، تزج زاو اسمه كفرصة كبيرة للوثوب على ظهر الجوائز والشهرة، وتحبيذ النقاد (وهذا ما تم بالفعل)، كما تستخدم مقاطع من بعض أعماله. المحاولة لاعتماد افتراضات، تذهب بها زاو إلى شيء من قراءة الغيب، وما يرتسم على الشاشة يبقى شحيحاً في العمق ورخيصاً في المعالجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تنافس قوي على جوائز «غولدن غلوبز»



 من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
TT

تنافس قوي على جوائز «غولدن غلوبز»



 من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).
من «المهمّة: مستحيلية- الحساب الأخير (باراماونت).

تُقام حفلة توزيع جوائز «غولدن غلوبز» يوم الأحد المقبل (الحادي عشر من هذا الشهر). إنها المناسبة الثالثة والثمانون لجائزة سنوية تطوّرت منذ عامها الأول، سنة 1944، لتصبح ما هي عليه اليوم من نجاح.

البعض يراها تمهيداً لمن سيفوز في سباق الأوسكار المقبل. حقيقة أن إعلان جوائز الأفلام والسينمائيين يتم قبل موعد إقفال التصويت على مسابقات الأوسكار يعزز مثل هذا الاعتقاد، علماً بأن ذلك كان أكثر احتمالاً في السنوات الماضية (ما قبل 2010 أو نحو ذلك العام) عندما كان التنافس بين موزّعي الجوائز في هذا الموسم أقل شأناً وحجماً مما أصبح عليه اليوم. بالتالي، هناك أكثر من مناسبة سنوية تطلق جوائزها من الأفلام والشخصيات الفنية، ولا يمكن القول إن أحدها يؤثر حتماً على ترشيحات أو نتائج الأوسكار على نحو فعلي.

على ذلك، وبعد كبوة كادت تصيب هذه الجوائز في مقتل، عادت «غولدن غلوبز» لتتبوأ مكانتها كثاني أهم جوائز سنوية في الولايات المتحدة بعد الأوسكار.

ما يلي ترشيحات «غولدن غلوبز» الخاصة بالأفلام والإنتاجات الأكثر احتمالاً لنيل الجائزة الثمينة في الأقسام المختلفة.

«قمر أزرق» ينافس كوميدياً (صوني)

الأفلام الدرامية

> تشترك الأفلام الستة في هذه المسابقة بخيط واحد، هو تساوي حظوظها من النجاح. إنها «فرنكنشتين» لغييلرمو دل تورو (الولايات المتحدة) و«مجرد حادثة» (It was Just an Accident) لجعفر بناهي (إيران) و«قيمة عاطفية» (A Sentimanetal Value) ليواكيم تراير (نرويج، ألمانيا، دنمارك) و«العميل السري» (The Secret Agent) لكلايبر مندوزا فيلو (برايل) و«خاطئون» (Sinners) لرايان كوغلر (الولايات المتحدة) و«هامنت» (Hamnet) لكلووي زاو (الولايات المتحدة).

> الاحتمال الأول: ما بين ضخامة الإنتاج في «فرنكنشتين» واستقلاليته في «هامنت» سيميل الناخبون إلى الفيلم الثاني. لكن ماذا عن «قيمة عاطفية» و«مجرد حادثة» و«عميل سري»؟ هذه الأفلام ترِدُ في قسم الأفلام الأجنبية ما يخفف احتمالات فوزها هنا. «خاطئون» سيفقد بوصلته.

> اختيار الناقد: «فرنكنشتين» لأنه 100 في المائة سينما.

من فيلم كلووي زاو «هامنت». (فوكاس فيتشرز)

الأفلام الكوميدية أو الموسيقية

> عانت جوائز «غولدن غلوبز» طويلاً من غياب القرار فيما يتعلق بما إذا كان هذا الفيلم أو ذاك كوميدياً بالفعل أم درامياً، والنتيجة أن العديد من الأفلام غير الكوميدية تدخل هذه المسابقة لأسباب واهية. يتكرر الحال هذا العام. هل يمكن تخيّل أن «قمر أزرق» (Blue Moon) لرتشارد لينكلاتر كوميدي، أو «بوغونيا» (Bogunia) ليورغوس لانتيموس، أو «معركة بعد أخرى» (One Battle After Another) أفلام كوميدية؟ رغم ذلك هي من بين 6 أفلام متنافسة في هذا السباق. الثلاثة الأخرى: «مارتي سوبريم» (Marty Supreme) لجوش صفدي و«موجة جديدة» Nouvelle Vague لرتشارد لينكلاتر (أيضاً) والفيلم الكوري «لا خِيار آخر» (No Other Choice).

> سيفوز: «معركة بعد أخرى»... لا فيلم آخر يقترب منه.

> قد يفوز: «مارتي سوبريم» في ضربة حظ.

> اختيار الناقد: «معركة بعد أخرى»

الأفلام الأجنبية

> الأفلام المتسابقة هنا هي: «مجرد حادثة» (إيران) و«لا خِيار آخر» (كوريا الجنوبية) و«قيمة عاطفية» (نرويج)، «صوت هند رجب» (تونس، فرنسا) «صِراط» لأوليفييه لاكس (إسبانيا) و«العميل السرّي» (البرازيل). حسب مصدر من داخل المؤسسة، الاتجاه العام يحبّذ الفيلم النرويجي، لكن أي فيلم آخر سيكون مفاجأة مثيرة للجدل.

> سيفوز: «قيمة عاطفية».

> قد يفوز: «صوت هند رجب».

> اختيار الناقد: «صِراط». مثل «فرنكنشتين» هو أيضاً 100 في المائة سينما.

مسابقة إنجازات سينمائية

‫8 أفلام في هذه المسابقة التي تختار بعض أكثر الأفلام نجاحاً في الإيرادات. لا يعني ذلك أنها جميعاً بلا قيمة. هذه الأفلام هي...

(Avatar: Fire and Ash) «أفاتار: النار والرماد» لجيمس كاميرون و«F1 » لجوزيف كوزينسكي و(KPop Demaon Hunters) «كي بوب: صائدو الشياطين» لكريس أبلهانز و(Mission: Impossible- The Final Reckoning) «مهمة مستحيلة - الحساب الأخير» لكريستوفر ماكوايري و(Sinners) «خاطئون» لريان كوغلر و(Weapons) «أسلحة» لزاك غريغر و(Wicked for Good) «شرير للأبد» لجون م تشوي، ثم (Zootopia II) «زوتوبيا 2» لجارد بوش.‬ كل من «زوتوبيا 2» و«صائدو الشياطين» في مسابقة أفلام الأنيماشن.

> سيفوز: «أفاتار: نار ورماد»

> قد يفوز: «خاطئون»

> اختيار الناقد: «خاطئون»

المخرجون

> المخرجون المتنافسون هم... غييلرمو دل تورو (عن «فرنكنشتين») وبول توماس أندرسن («معركة بعد أخرى») ويواكيم تاير («قيمة عاطفية») وجعفر بناهي («مجرد حادثة»)، ريان كوغلر («خاطئون»)، «كليو زاو» («هامنت»). 6 أساليب عمل واختيارات بالغة التباعد. لكن هذا ما يجعل المسابقة مثيرة وصعبة التوقعات.

> سيفوز: بول توماس أندرسن هو جوكر هذا العام بعد فوزه وفيلمه حتى الآن بـ168 جائزة صغيرة وكبيرة.

> قد يفوز: جعفر بناهي كونه حصد إعجاباً عابراً للقارات.

> اختيار الناقد: بول توماس أندرسن.