«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

ما زال فيلماً منفرداً وبلا شبيه

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
TT

«المومياء» قضية اجتماعية في رداء فني لا يتكرر

لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»
لقاء ونيس مع المحقق في «المومياء»

مرّت، في هذا الشهر، الذكرى السادسة والثلاثون على رحيل المخرج المتفرد شادي عبد السلام صاحب الفيلم الروائي الطويل «المومياء: ليلة أن تُحصى السنون». سُمّي كذلك «ليلة تعداد السنين» وأحياناً «ليلة أن تمضي السنين». كلها تسميات واحدة لفيلم متفق على أنه من بين أفضل ما أطلقته السينما المصرية في تاريخها، ولو أن البعض اعتبره أفضل فيلم في التاريخ، وهو أمر يتجاوز مفهوماً واسعاً حول كيفية تقييم ذلك وسط تحف سينمائية أخرى.


أحمد مرعي في لقطة من الفيلم

الذكرى مرت ولم يتوقف عندها أحد لكن الفيلم ما زال ماثلاً وشاهداً على عدة مسائل مهمة من بينها فرادة موهبة المخرج الذي أمّ العمل بشروطه كلّها، واستقلالية قراراته التي لم تعنِ الكثير لمنتجي السينما سنة إنتاج الفيلم سنة 1975 وتعني أقل من ذلك لمنتجي السينما اليوم.
لتأمين التمويل اللازم لهذا الفيلم، توجّه عبد السلام إلى إيطاليا وحصل على دعم المخرج روبرتو روسيلليني الذي أشرف على تمويل الفيلم من أركان أوروبية لم يهتم المؤرخون للبحث فيها. الترميم قام تحت إشراف الأميركي مارتن سكورسيزي وليس بفضل جهات مصرية. طلبته مهرجانات شيكاغو ونيويورك وصندانس و«كان» (النسخة المرممة) وعرضه مهرجان أبوظبي الراحل سنة 2010 معيداً تسليط الأضواء عليه.
رغم قضيتي التمويل والترميم «المومياء» هو فيلم مصري ليس تبعاً لهوية مخرجه فقط، بل أيضاً بسبب موضوعه المرتبط بالتاريخ المصري البعيد.


نادية لطفي في دور صغير- كبير

هناك مقابر في منطقة غرب الوادي تسكنها (في أحداث تقع في القرن التاسع عشر) قبيلة تكتنف كنوزها الفرعونية وتهرّبها لتاجر يهربها للمتاحف الأجنبية. تعتاش القبيلة على نبش القبور واستخراج الحُلي المدفونة مع أصحابها، وهي تفعل ذلك بكل رضا وقبول كونها الوسيلة الوحيدة للعيش في ذلك الوادي المقفر.
هذا إلى أن يتسلم وريثا القبيلة، وهما ابن زعيمها الذي مات في مطلع الفيلم وشقيقه اللذان، وحسب التقاليد، يعرفان المدخل السري في الجبل المشرف على القرية للآثار الفرعونية المخفية (منذ 3 آلاف سنة) بعيداً عن كل عين باستثناء رئيس القبيلة وشقيقه. برحيل الرئيس يتسلم الشقيقان مسؤولية الحفاظ على الموقع السرّي من جهة وعلى استمرار عملية التهريب من جهة أخرى.
عندما يرفض أحد الأخوين المشاركة في عملية غير مشروعة كهذه، يتم قتله ورمي جثّته في النيل. شقيقه ونيس (أحمد مرعي) سيقرر ما إذا كان يريد متابعة السير في خطى أسلافه أو التمرد عليها معلناً أن ما يحدث هو «أكل أكتاف الموتى». كل هذا مع وصول مندوب الدولة المصرية (محمد مرشد) ليحقق في عمليات التهريب ووضع حد لها. ونيس الآن متهم بأنه يتعامل مع «الأفندية» (أي سكان المدن) وسيلحق الضرر بمعيشة أهل بلده وخارجاً عن كل التقاليد المتوارثة.

الشاغل الرئيسي
اختار المخرج اللغة الفصحى كحوار طوال الفيلم. هو أمر غريب بحد ذاته كون الفيلم، في نهاية المطاف، مصرياً خالصاً نسبة لشخصياته وأحداثه والتاريخ الذي يعرضه المتعامل مع ميراث الفراعنة. النطق العربي ليس جيّداً بين الجميع على نحو متساوٍ. هناك من ينطقه صحيحاً وهناك من يستعين بلكنته المصرية الحاضرة. لكن هذا لا يغيّر من الواقع شيئاً، وهو أن المخرج اختار اللغة العربية الفصحى على تضاد مع اللهجة المحلية.
الأرجح أن هذا الاختيار جاء لسببين متلازمين. الأول أنه يمنح العمل صفة تلتقي وصفاته الأخرى في غرابة الموضوع المنتخب وموقعه واهتماماته. الثاني أن المخرج، بهذا الاختيار، تجاوز معضلة أن يتحدّث كل ممثل من الطاقم الذي تم الاستعانة به بلهجته المصرية المختلفة. هناك لكنة ابن المدينة ولكنة ابن الصعيد (وربما يجد من يبحث أكثر لهجات أخرى)
الحاصل، تبعاً لذلك، انفراداً إضافياً لفيلم يحكي عن موضوع لم يلفت انتباه آخرين رغم أهميّته. يوحد الفيلم بذلك غرابة المكان وغرابة الزمان وغرابة القصّة بتوحيد الحوار (والتعليق الصوتي) وجعله أيضاً غريباً.
الشاغل الرئيسي في كل ذلك، هو إذا ما كان ونيس على حق في وضع النهاية لتقاليد متوارثة تعيش عليها القبيلة منذ عقود وقرون تتاجر بما سكن في كهوفها أو أن قبيلة «الحُربات»، هي التي على حق في محاولة إبقاء التقاليد قائمة من دون مساس بأي تغيير.
يعرض الفيلم هذه المسألة بعناية. التجارة بالآثار المهرّبة هي المورد الوحيد الذي تعتاش منه القبيلة بأسرها، لكن هذا التهريب جريمة ولا بد للجريمة أن تتوقف. سنرى لاحقاً كيف يتم نقل الأكفان وما تحمله من كنوز من تلك الكهوف المنسية إلى المتحف المصري عوض أن يتم تهريبها إلى الخارج. هذا هو الموقف الذي يؤيده الفيلم لا من خلال بطله ونيس والشاب القادم من المدينة للكشف عما يدور فقط، بل كذلك من خلال مع من يقف الفيلم في أدبياته ومشاهده.
على هذا، هناك لبنة لفيلم تشويقي لو وقع العمل بين يدي أي مخرج آخر... تهريب. قتل. تحريات. صراع على كنوز... إلخ هذا كله بعيد عن غاية الفيلم ومخرجه لكن ما يبقى منه هو قدرة العمل على أن يبقى غامضاً بفضل اختياراته المذكورة.

قِيَم ثقافية
في طيّات ذلك حقيقة أن أبناء القبيلة ورثوا تلك الكنوز الفرعونية بحكم استيطانها المكان. هي اعتبرت أنها خير وصي على تركة مدفونة منذ آلاف السنين ولو أن هذه الوصاية لا تعني الحفاظ عليها، بل بيعها للعيش بثمنها في مكان هو صحراوي ومقفر وفقير في بيئته.
بطبيعة الحال، عني هذا الفيلم للمصريين الكثير وأدرجه النقاد في رأس قائمة أفضل الأفلام المصرية وشاركهم في ذلك العديد من النقاد العرب، ولأسباب تتعلّق بالقيمتين الفكرية والفنية. لكن الفيلم بذاته يستحق قيمة إضافية حين النظر إليه اليوم.
فإلى جانب ما يطرحه، يكمن التساؤل حول القيم الثقافية والمواقف التي يواجهها فيلم كهذا في صميم العمل. ما نراه من صراع بين إشكالات اجتماعية حيث تحارب القبيلة الوافدين حفاظاً على تاريخها ودورها حيال التاريخ (والفيلم مستوحى من أحداث حقيقية)، هناك الصراع الكامن بين فيلم ينفرد عن كل ما أنتجته السينما المصرية من أعمال، وبين الافتقاد الرسمي وغير الرسمي لخطة منح المخرجين المصريين المستقلين الفرص لتحقيق ذواتهم.
هذا لا يعني أن تحقيق الذوات سيلد دوماً أفلاماً مهمّة أو جيدة، وشاهدنا كيف أن العديد من الأفلام المصرية والعربية التي وصلت إلى منابر دولية لم تتعمّق في أي مسائل اجتماعية بقدر ما اكتفت باستعراضها. هي توقفت عند حدود العين ومشارف التفكير ولم تذهب عميقاً لتقديم بحث فعلي.
بذلك، فيلم «المومياء» يختلف كذلك في أن هذا البحث الفعلي المفقود من السينما العربية ككل إلا من استثناءات من بينها أفلام التونسي الناصر خمير (مثل «الهائمون») وفيلم الكويتي خالد الصدّيق «بس يا بحر»).

خارج اللعبة
هذا الاختلاف والاستقبال الكبير الذي حظي به هذا الفيلم من قِبل من شاهده من نقاد عالميين كان إشارة مضت مثل ومضة عابرة لم يتوقف عندها أرباب السينما المصرية. نعم عم فرح شديد بأن الفيلم توجّه إلى أكثر من مهرجان دولي (كثير منها بعد رحيل المخرج سنة 1986) وتبارى معنيون ومثقفون في مدح الفيلم والإشادة بعالميّته، لكن ليس هناك شيء فعلي تبع كل ذلك الاحتفاء. ليس من مبادرات لحماية السينما المستقلة، التي ينتمي إليها «المومياء»، ولا الاهتمام حتى بمظاهرات للسينما المصرية كأسابيع تنتقل ما بين دول العالم (كما حال «مهرجان الفيلم اليهودي» الذي يُقام في أكثر من 20 عاصمة ومدينة حول العالم كل سنة).
الأكثر فداحة ودلالة هو أن المخرج ذاته لم يجد الدعم الكافي لمواصلة طريقه في السينما الروائية. استدار صوب تحقيق أفلام قصيرة (مثل «جيوش الشمس» و«آفاق» (هذه الأفلام القصيرة بدورها لم تتجاوز ثلاثة أعمال على مدى ثلاث سنوات).
قيمة الفيلم التاريخية والفكرية والثقافية لم تكن لتتم لولا أسلوب عمل خطّه المخرج بدراية. هو مهندس ديكور لأفلام عديدة وعمل مساعداً لأكثر من مخرج قبل أن يخطو الخطوة الفاصلة ليصبح مخرجاً. لا بد أنه طمح لأكثر من فيلم طويل (كان لديه مشروع مشابه في طموحاته لكنه لم يجد من يكترث له).
يتآلف «المومياء» مع هندسة المكان الطبيعية. يختار للقطاته (الثابتة غالباً) أماكن مشهودة تتماشى مع الطرح الذي يحمله كل مشهد. المكان يصبح شخصية واختياره للبوح بما يتفاعل في الذات من أفكار ومشاعر يعزز ما نسمعه من حوار أو نشاهده من فعل. بطن الجبل هو بطن التاريخ. الصحراء للتوهان. الجبل ذاته للعزلة وهكذا.
يتحاشى المخرج تحويل العنف الوارد بين الكلمات مختاراً تورية. طعن الشقيق يبدأ وينقطع بومضة مونتاجية صوب مشهد آخر. مشاهد ضرب ونيس والرجل القادم من المدينة مستترة بوقوف بعض الرجال أمام الكاميرا والاكتفاء بأصوات ألم صادرة عن الضحايا.
أما الإيقاع فيدخل في صميم تأسيس العمل والحفاظ على هويّته الفنية منها والفكرية.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز