«بادينغتون في البيرو»... الدب الأشهر يحفّز البشر على مغادرة منطقة الراحة

في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)
في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)
TT

«بادينغتون في البيرو»... الدب الأشهر يحفّز البشر على مغادرة منطقة الراحة

في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)
في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)

ليس الدب «بادينغتون» مجرّد شخصيةٍ كرتونيّة تظهر على الشاشة بين الحين والآخر لترفيه الأطفال. لقد باتَ واحداً من رموز بريطانيا وسفرائها، إلى درجة أنه رافق الملكة إليزابيث في احتفاليّة يوبيلها البلاتينيّ عام 2022، من خلال مقطع تمثيليّ مميّز جمعهما.

في إطلالته الثالثة عبر شاشة السينما ضمن فيلم «Paddington in Peru» (بادينغتون في البيرو)، يخطو الدب المحبوب خارج المملكة المتحدة، عائداً إلى جذوره وتحديداً إلى البيرو في أميركا الجنوبية، على ما يشير العنوان. وبما أن بادينغتون بات شخصية عابرة للحدود، فإنّ الفيلم الجديد عبرَ هو الآخر إلى قاعات السينما حول العالم، فكانت للصالات العربية فرصة استقباله قبل سواها من صالات أوروبا، وآسيا، وأميركا اللاتينية، وحتى الولايات المتحدة الأميركية.

يوم اخترع مايكل بوند شخصية الدب «بادينغتون» عام 1958، جاء الأمر كردّ فعلٍ على ما كان يتعرّض له المهاجرون إلى بريطانيا من أعمال كراهية. جعل الكاتب من بطلِ سلسلته دباً يتيماً آتياً من آخر أصقاع الأرض، ليجدَ في لندن عائلةً تحتضنه وتتبنّاه.

خرجَ بادينغتون لاحقاً من الكتب إلى شاشتَي التلفزيون والسينما. وها هو في الجزء الثالث من أفلامه، يكرّس انتماءه البريطاني بحصوله على جواز سفر البلاد. يدشّن هذه اللحظة الاستثنائية برحلةٍ لم تكن في الحسبان، إذ يتلقّى رسالة من دار الدببة المسنّة في البيرو حيث عمّته «لوسي» التي تُمضي وقتاً عسيراً بسبب اشتياقها إليه.

ملصق فيلم «بادينغتون في البيرو» (استوديو كانال)

يحزم أفراد عائلة «براون» أمتعتَهم ويرافقون ابنَهم بالتبنّي إلى موطنه الأصليّ للاطمئنان على عمّته. وهنا تكمن إحدى الرسائل الأساسية التي يتضمّنها الفيلم: ضرورة الخروج من منطقة الراحة والتجرّؤ على تحدّي الذات. والد بادينغتون بالتبنّي، «هنري براون»، بحاجةٍ إلى نقلة جريئة في وظيفته. والوالدة «ماري» تتمنّى أن تلمّ شمل العائلة، بعد أن انصرف الولدان «جوناثان» و«جودي» كلٌ إلى اهتماماته وعُزلته. أما بادينغتون فلا بدّ له أن يرجع إلى تلك الأرض التي خسر فيها أبوَيه وخرج منها يتيماً.

العمّة لوسي هي في صلب رحلة بادينغتون إلى البيرو وغاباتها الخطيرة (استوديو كانال)

صحيحٌ أن الفيلم يفتقد عنصر الدهشة الذي رافق الجزء السابق عام 2017، لكن قد يكون من الظلم مقارنة أي مغامرة جديدة لبادينغتون بذلك الجزء الذي شكّل تحفةً سينمائية وسط إجماعٍ من النقّاد والجمهور. مع العلم بأنّ العمل الجديد لم يستعِن بالمخرج والكتّاب أنفسهم الذين أنجزوا الجزأين السابقَين.

يتّخذ «بادينغتون في البيرو» شكل فيلم المغامرة بامتياز، فيزخر بالحركة والألوان والمواقف التي تقطع الأنفاس. ربما تنقصه بعض الفكاهة، لكن ثمّة ما يعوّض عن ذلك.

يقدّم الفيلم عناصر المغامرة والإثارة ضمن إطار زاخر بالألوان (استوديو كانال)

فور وصولها إلى دار المسنّين، تكتشف عائلة براون مجموعة من الراهبات اللطيفات اللواتي يعتنين بالدببة العجوزة. لكن الاكتشاف الآخر ليس على القدر ذاته من الإيجابية، إذ يتبيّن أن العمّة لوسي قد اختفى أثرُها.

إلى غابات الأمازون الشاسعة والخطيرة، تنطلق العائلة بتوجيهٍ من الراهبة المديرة والتي تؤدّي دورها بتألّقٍ كبير الممثلة البريطانية أوليفيا كولمان. لكن لا طريق إلى المكان الذي قد توجد فيه العمة لوسي، سوى نهر الأمازون الهادر. ولا قبطان يقود رحلة الدبّ الصغير وعائلته، سوى الممثل أنطونيو بانديراس الذي تشكّل إطلالته صدمة إيجابية في الفيلم.

يثري الفيلم حضورُ الممثلَين أنطونيو بانديراس بدور القبطان وأوليفيا كولمان بدور الراهبة (استوديو كانال)

اعتادت سلسلة بادينغتون السينمائية أن تستعين بكبار النجوم، على غرار نيكول كيدمان وهيو غرانت في الجزأين السابقين. ورغم أنّ الابتسامات نادراً ما تتحوّل إلى ضحكات في هذا الجزء، فإنّ حضور بانديراس وكولمان، إضافةً إلى شخصية بادينغتون الذي يؤدّي صوته الممثل بن ويشا، تجعل من الفيلم رحلةً ممتعة ومليئة بالإثارة.

خلف موهبتها الموسيقية التي تعيد إلى الأذهان فيلم «The Sound of Music»، تخبّئ الراهبة (كولمان) لغزاً غير مريح. أما القبطان (بانديراس) فليس بالشهامة والاتّزان اللذَين يظهران عليه بدايةً. ففيما يقتصر هدف بادينغتون على إيجاد عمّته التائهة، تختبئ أطماع أخرى خلف سعي الراهبة والقبطان وراء الدب وعائلته؛ عيونهما شاخصة إلى الـ«إل دورادو» حيث يتوجّه بادينغتون؛ أي بلاد الذهب.

يؤدّي صوت شخصية بادينغتون الممثل البريطاني بن ويشا (استوديو كانال)

على مدى ساعة و45 دقيقة، سيكون من الصعب على المشاهد أن يحيد بطرفه عن الشاشة، فالحركة لا تتوقّف والأخطار تتوالى، كما أن الحبكات كثيرة ومتداخلة إلى درجة أنها قد تصيب المتلقّي بالتيه أحياناً. ولعلّ أكثر ما يبرع فيه فريق «بادينغتون في البيرو» هو تصميم الإنتاج، الذي يجعل من كل مشهدٍ مساحةً ملؤها الألوان والأسرار. تُضاف إلى ذلك صور الطبيعة المتوحّشة والأخّاذة في آنٍ معاً، والتي تشكّل هي الأخرى متعةً بصريّة.

يمزج الفيلم ما بين الرسوم والمتحرّكة والمشاهد الواقعية، على غرار ما يفعل مع الشخصيات إذ يتلاقى البشر الحقيقيون والدببة المتحرّكة بسلاسة. ومن اللافت أنّ فريق الإنتاج، ولإضفاء مزيدٍ من الواقعيّة، حرص على تصوير الجزء الأكبر من الفيلم في مواقع متعددة من البيرو كالعاصمة ليما وأهرامات الماتشو بيتشو. كما جرى تصوير المشاهد المتبقية في كولومبيا ولندن.

جرى تصوير أجزاء كبيرة من الفيلم في البيرو وكولومبيا (استوديو كانال)

في زمن لا تأخذ فيه غالبية الماكينات الإعلامية والترفيهية عقول الأطفال على محمل الجدّ، ما زال «بادينغتون» قادراً على تقديم محتوىً نموذجيّاً يليق بالصغار والبالغين على حدٍ سواء. إضافةً إلى الثراء البصريّ والبذخ الإنتاجيّ، تلامس الرسائل التي يحتويها الفيلم القلوب والنفوس. يبقى الدب اللطيف خيرَ سفيرٍ لقيَمٍ إنسانية مثل التسامح وتقبّل الآخر على اختلافاته.

وفي هذا الجزء، تتّسع مروحة المعاني لتشملَ تشجيعاً على خوض المخاطر والخروج من مساحة الأمان، لأنّ التعويض قد يكون اكتشاف الجذور وملاقاة الذات الحقيقية والتصالح معها.


مقالات ذات صلة

أشجان الهمص: فيلم «البرانية» أعادني إلى حياة افتقدتها في أوروبا

يوميات الشرق عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان فينسيا للمرة الأولى (الشركة المنتجة)

أشجان الهمص: فيلم «البرانية» أعادني إلى حياة افتقدتها في أوروبا

قالت المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص إن فكرة فيلم «البرانية» بدأت معها قبل نحو أربعة أعوام.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنانون السعوديون المشاركون في أداء أصوات شخصيات فيلم «حكاية لعبة 5» خلال حفل «ديزني+» في الرياض (الشرق الأوسط) p-circle 01:54

«ديزني+» تقدم أول فيلم مدبلج باللهجة السعودية وتطلق تطبيقاً جديداً في المنطقة

أعلنت منصة «ديزني+» تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «والت ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، من خلال فيلم «حكاية لعبة 5»، وإطلاق تطبيق جديد.

مساعد الزياني (الرياض)
يوميات الشرق الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

هو أحد أكثر نجوم هوليوود تطرُّفاً في التمثيل. لا يتوانى أدريان برودي عن وضع نفسه في مواقف وتجارب خارجة عن المألوف، كي يجهِّز نفسه لدورٍ ما.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق «مقهى العشاق»... من آخر المقاهي التي صمدت في مركز خفتت حركته (خيط أحمر)

«خيط أحمر» يسأل: ما الذي فعله «سيتي كومبلكس» بأهل طرابلس؟

مخرج فيلم «خيط أحمر» وكاتب نصه أحمد نابلسي، يرى فيما حدث في هذا «المول» رمزية لما عاشته المدينة...

سوسن الأبطح (بيروت)

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
TT

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)
منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز الخميس، إلزام جميع وسائل الإعلام الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018 بمنع ظهور كل من ريهام سعيد وياسمين الخطيب لمدة شهرين، وذلك بعد التحقيق في الشكاوى المتبادلة المقدمة منهما، حسب توصيات لجنة الشكاوى برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس.

وأكد بيان الأعلى للإعلام أن الإدارة العامة للرصد بالمجلس رصدت التراشق الذي حدث بينهما عبر حساباتهما بـ«السوشيال ميديا»، وذلك بما لا يتوافق مع القيم والضوابط المجتمعية، والأصول المهنية المنظمة للعمل الإعلامي.

وشدد المجلس في بيانه على أن المسؤولية المهنية لا تقتصر على ما يقدمه الإعلامي عبر الوسائل الإعلامية المختلفة، وإنما تمتد إلى ما ينشره، أو يتداوله عبر حساباته بـ«السوشيال ميديا»، باعتبارها جزءاً من المجال العام الذي يتطلب الالتزام بالقواعد المهنية، واحترام طبيعة العمل، وما تفرضه من ضوابط في الخطاب، والسلوك، بما يحافظ على مكانة المهنة، واحترام الجمهور.

وبدوره أوضح الدكتور محمود خليل أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن «حرية التعبير مكفولة للجميع طالما أنها في حدود الإطار المهني، والأخلاقي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في حال عدم الالتزام فمن حق الجهة المشرفة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي عبث من الظهور على المنصات».

منع ياسمين الخطيب من الظهور بالإعلام شهرين (فيسبوك)

وأكد خليل أن «قواعد المهنة لها ضوابط وأكواد لمخاطبة الجمهور، سواء على الحسابات الشخصية، أو المنصات الإعلامية»، موضحاً أن الإعلامي ليس من المفترض أن يستخدم منصاته لتصفية خصومات مع الغير، وتحويل الشاشة لصالحه، وأن الاشتباك مع قضايا المواطنين، ومعالجتها طبقاً للقواعد المهنية المتعارف عليها أهم أولويات العمل الإعلامي.

وحسب بيان نقابة الإعلاميين قبل أسبوعين، فقد تلقت النقابة شكويين مقدمتين من الإعلامية ريهام سعيد، ضد كل من الإعلامي محمد الدسوقي رشدي، والإعلامية ياسمين الخطيب، موضحة في شكواها أنها تعرضت للسب، والتشهير، والخوض في حياتها الشخصية، إلى جانب انتقاص من مهنيتها الإعلامية، وذلك من خلال المنبر الإعلامي الذي يقدمه المشكو في حقهما، بينما أكدت النقابة في بيان آخر أنها حسمت الشكويين المقدمتين عقب الاستماع إلى وجهة نظرهما في التناول.

وتعليقاً على قرار «الأعلى للإعلام»، كتبت المذيعة ريهام سعيد عبر حسابها على موقع «فيسبوك» الخميس، وتساءلت: «ما هذا الظلم... هل أخطأت في عملي؟»، موضحة أنها تعرضت للإيقاف مرات عدة من قبل، وأن برنامجها يلتزم بالأكواد الإعلامية.

ونوهت ريهام سعيد في منشورها إلى أن عملها الإعلامي هو مصدر دخلها المادي الذي تعول عليه في الإنفاق على أولادها.

من جانبها أكدت الدكتورة سارة فوزي أستاذة الإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي بإعلام القاهرة لـ«الشرق الأوسط» أن «ما حدث بينهما لا يليق بصورة الإعلام المصري»، ووصفته بأنه «انحدار بالمستوى الإعلامي، خصوصاً أن حسابات الشخصيات العامة لا بد أن تكون موثقة، وتعبر عن أخلاقيتهم، مع الحرص على عدم تحويلها لساحة حرب وتصيد للآخر، لأنها للعامة، وليست حسابات شخصية مغلقة».

وأضافت أن «ما حدث كان من الأولى حله وإنهاؤه بشكل خاص وودي بعيداً عن التراشق عبر (السوشيال ميديا)، فما تم رصده حسب بيان الأعلى للإعلام يتنافى مع الكود الإعلامي، والأخلاقي».


هل يحل «معلمو الحصة» أزمة «نقص المدرسين» في مصر؟

محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
TT

هل يحل «معلمو الحصة» أزمة «نقص المدرسين» في مصر؟

محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)
محاولات لسد أزمة نقص المعلمين في مصر (وزارة التربية والتعليم)

أعلنت وزارة التربية والتعليم المصرية الاستعانة بـ«معلمي الحصة» ضمن آليات مواجهة العجز في أعداد المعلمين بالمدارس، وبدأت أخيراً تقنين أوضاعهم عبر إبرام عقود موسمية في مختلف المديريات التعليمية، في وقت تؤكد فيه الوزارة أن الاستعانة بهم تسهم في سد فجوة كبيرة في أعداد المدرسين.

ويرى خبراء تربويون أن النظام يمكن أن يمثل حلاً مؤقتاً، لكنه لا يغني عن التعيينات الدائمة. وبحسب تفاصيل العقود التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم، الأحد، تبلغ قيمة الحصة الواحدة 50 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 51.9 جنيهاً)، بحد أقصى 96 حصة شهرياً، ليصل إجمالي المكافأة إلى 4800 جنيه شهرياً، شاملة الاستقطاعات القانونية، ويمتد التعاقد من أول سبتمبر (أيلول) حتى نهاية يونيو (حزيران)، خلال فترة العام الدراسي. ووفق الوزارة، تستهدف الخطوة «توفيق الأوضاع المالية لمعلمي الحصة والعمل على انتظام صرف مستحقاتهم، إلى جانب تنظيم العلاقة التعاقدية خلال العام الدراسي».

وتقول عزة نصر، الموجهة التعليمية بوزارة التربية والتعليم سابقاً، إن «الاستعانة بمعلمي الحصة قد تسهم في التعامل مع الاحتياجات العاجلة داخل المدارس، خصوصاً في التخصصات التي تعاني نقصاً في أعداد المدرسين، وإن كانت تظل نتيجة مترتبة على مشكلة نقص المعلمين التي تمتد لسنوات».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «تنظيم أوضاع معلمي الحصة بعقود موسمية يمكن أن يمنح المدارس مرونة أكبر في سد النقص، ويساعد على ضمان وجود معلم أمام الفصل»، لكنها شددت على أن هذه الآلية «تظل حلاً مؤقتاً لا يمكن التعويل عليه بصورة دائمة لمعالجة عجز متراكم منذ سنوات».

وترى نصر أن معالجة المشكلة على المدى الطويل تتطلب استمرار تعيين معلمين جدد وفق الاحتياجات الفعلية للتخصصات والمناطق التعليمية، إلى جانب حسن توزيع المعلمين الموجودين بالفعل، لافتة إلى أن «استقرار المعلم مهنياً ينعكس بدوره على استقرار العملية التعليمية».

وكان وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف قال خلال لقاء مع رؤساء تحرير الصحف والإعلاميين في سبتمبر الحالي، إن العجز في أعداد المعلمين بلغ في وقت سابق نحو 469 ألف معلم، مشيراً إلى صعوبة تعيين هذا العدد دفعة واحدة.

وزير التربية والتعليم المصري خلال أحد الاجتماعات (وزارة التربية والتعليم)

وأعلن الوزير خلال مؤتمر صحافي في أغسطس (آب) الماضي، أن الوزارة استعانت خلال العام الدراسي الماضي بنحو 160 ألف معلم بنظام الحصة، لافتاً إلى أن أعدادهم تتغير وفق احتياجات المدارس، مع استمرار التعيينات الجديدة لتقليل الاعتماد عليهم. وتكشف الأرقام حجم الاعتماد على هذا المسار بالتوازي مع خطط التعيين الدائم؛ إذ وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في يناير (كانون الثاني) 2022، بتعيين 30 ألف معلم سنوياً لمدة 5 سنوات، بإجمالي 150 ألف معلم، لتلبية احتياجات قطاع التعليم، قبل أن تنطلق أولى مسابقات التعيين في العام نفسه.

ويربط خبير التعليم وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس، الدكتور حسن شحاتة، بين استمرار الحاجة إلى معلمين جدد وعدة عوامل، من بينها «خروج عشرات الآلاف من المعلمين إلى التقاعد، والتوسع في بناء المدارس لاستيعاب أعداد الطلاب المتزايدة، والعمل على خفض كثافات الفصول»، وهي عوامل يقول إنها «تتطلب زيادة مطردة في أعداد المعلمين كل عام دراسي».

وقال شحاتة لـ«الشرق الأوسط» إن «إعداد المعلم وتدريبه هو أساس نجاح العملية التعليمية»، معتبراً أن مواجهة العجز لا ينبغي أن تعتمد على مسار واحد، سواء عبر معلمي الحصة أو مسابقات التعيين، وإنما تستلزم «تنويع الحلول في سد العجز في المعلمين»، الذي وصفه بأنه «قضية ترتبط بالأمن القومي».

وتتزامن العقود الجديدة مع مطالب مستمرة بتحسين أوضاع معلمي الحصة وضمان انتظام حصولهم على مستحقاتهم. ويقترح شحاتة، إلى جانب الاستعانة بمعلمي الحصة، «التوسع في الاستفادة من خريجي كليات التربية، ومدّ سن التقاعد للمعلمين، وإعادة الاستفادة من بعض العاملين في الوظائف الإشرافية في التدريس، فضلاً عن الاستعانة بخريجي الجامعات المكلفين بالخدمة العامة بعد تأهيلهم للعمل داخل المدارس».

كما دعا إلى «إنشاء صندوق لتمويل تعيين خريجي كليات التربية بمساهمات من المجتمع المدني ورجال الأعمال والأوقاف الخيرية»، مشيراً إلى أن «الدولة أنفقت على إعداد هؤلاء الخريجين وتدريبهم لسنوات، والاستفادة منهم يمكن أن تشكل أحد المسارات لسد العجز».


«ملتقى جبل الطير» يعزز حضور المنيا على خريطة السياحة المصرية

أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)
أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)
TT

«ملتقى جبل الطير» يعزز حضور المنيا على خريطة السياحة المصرية

أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)
أعمال المعرض استلهمت الفن المصري القديم (الشرق الأوسط)

قام أكثر من 40 فناناً من 25 دولة برحلة شيقة داخل مساحات واسعة من محافظة المنيا (جنوب مصر) ضمن ملتقى جبل الطير للفنون، حيث رصدوا أبعاداً حضارية وتاريخية وطبيعية متنوعة للمكان الذي يضم ديراً أثرياً يعد من المحطات المميزة في مسار رحلة العائلة المقدسة في مصر.

هذه الرحلة التي خاضها فنانون أقاموا في المكان لعدة أيام في أبريل (نيسان) الماضي، يعرض إنتاجها في معرض فني بغاليري «بيكاسو إيست» في التجمع الخامس (شرق القاهرة)، ويضم أعمال فنانين عرباً وأجانب، بالإضافة للفنانين المصريين الذين شاركوا في الملتقى.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

ويعد هذا الملتقى وفق الفنان إبراهيم غزالة، قومسير المعرض، خطوة لتعزيز السياحة في محافظة المنيا برصد أحد المواقع التاريخية المهمة التي شهدت زيارة ومرور وإقامة العائلة المقدسة بها، وهي منطقة «جبل الطير»، و«دير جبل الطير» الشهير. وهو ما استلهمه الفنانون في أعمالهم ليقدموا لوحات متنوعة الأساليب لكنها تحمل هذا الطابع التراثي والروحاني للمكان الموجود بمدينة سملوط بمحافظة المنيا.

ويضيف غزالة لـ«الشرق الأوسط» أن الفترة التي قضاها الفنانون في المكان جعلتهم يتفاعلون مع العديد من المشاهد مثل التي رأوها من مناظر طبيعية ومناطق أثرية ومزارات لها طابع روحاني، ومن هنا عبّر كل فنان بأسلوبه الخاص عن المكان وقيمته التاريخية والروحية.

الطبيعة ورمزية المرأة ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

إلى ذلك، أكد الفنان محمد بغدادي أحد المشاركين، أن الملتقى يكتسب أهميته من أكثر من جانب، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الأول يتمثل في خروج قاعات العرض عن المألوف وقرار (غاليري مثل بيكاسو إيست)، يجعل الفنانين وهم أكثر من 40 فناناً من 25 دولة يعايشون الطبيعة والمواقع الأثرية ويرصدون أثرها في وجدانهم»، وأكد أن الفنانين زاروا أماكن عدة مثل الدير الأثري الذي أقيم في القرن السادس الميلادي و«مقابر بني حسن وتونة الجبل وتل العمارنة مدينة أخناتون ونفرتيتي» وتأثروا بالطبيعة الثرية في محافظة المنيا، وقدم كل فنان أعمالاً غير متوقعة وغير مألوفة بالنسبة لأسلوبه وطريقته.

وأشار إلى أهمية مثل هذه الملتقيات في دعم السياحة بمصر، وأن هناك خطة لإقامة ملتقيات أخرى في الإسكندرية وغيرها من المدن لتناول ما تتضمنه من أبعاد تاريخية وروحية ومعاصرة بطريقة فنية حديثة.

المساحات الخضراء تحيط بالدير الأثري (الشرق الأوسط)

وتتحدث الفنانة مي حشمت عن تجربتها في الملتقى قائلة إنها اكتشفت أن هناك أماكن في مصر لا يتم تسليط الضوء عليها بما يكفي. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المنيا محافظة جميلة جداً تجمع بين جمال الطبيعة الخلابة والتاريخ المصري القديم (الفرعوني) والقبطي، فوجدت بها الأصالة والتراث والفن المتوارث عبر الأجيال، وهو ما تأثرت به في اللوحات التي نفذتها».

وتتابع: «كما تأثرت بروح المكان، حيث وصلنا في فترة أعياد كانت لها طقوس خاصة جداً، مثل لعب الأطفال بالزعف في كل مكان، وسمعت قصصاً وحكايات عن العائلة المقدسة، وكيف كانت مصر ملاذاً آمناً لها، وعاشت فيها في سلام وأمان».

وأكدت مي أنها تأثرت باللون والزخارف في الكنيسة الأثرية ومقابر بني حسن والتضاد ما بين لونهم واللون الأخضر بكل درجاته في الطبيعة، والنيل وصفاء لون السماء، الذي يتغير في كل أوقات اليوم.

بعض الأعمال استدعت أيقونات قبطية (الشرق الأوسط)

ويعد تجمع الفنانين من مختلف الجنسيات وتبادل الخبرات والثقافات والأحاديث في الفن والحياة وسيلة لتبادل الخبرات وإعادة النظر في الأساليب والتقنيات الفنية والخامات.

ويتضمن المعرض العديد من لوحات لفن البورتريه، الذي يركز على الوجوه ذات الطابع المصري القديم، بألوان متباينة وإن كانت تقترب من الألوان الأساسية لتعطي انطباعاً بالألفة والبعد التراثي الأصيل الذي يزخر به المكان وينعكس على الوجوه، كما تضم اللوحات مناظر طبيعية للمساحات الخضراء الممتدة حول الدير الأثري، بالإضافة إلى لوحات تحمل طابعاً روحياً أقرب للأيقونات الشهيرة في الفن القبطي.

ويعد الملتقى والمعرض المنبثق عنه خطوة فنية للترويج السياحي وتعزيز حضور محافظة المنيا على الخريطة السياحية، وفق ما يؤكده قومسير المعرض، لافتاً إلى أن المحافظة تزخر بالعديد من المناطق التي تحمل أبعاداً روحية وتاريخية ساهمت في إثارة خيال الفنانين.