«بادينغتون في البيرو»... الدب الأشهر يحفّز البشر على مغادرة منطقة الراحة

في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)
في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)
TT

«بادينغتون في البيرو»... الدب الأشهر يحفّز البشر على مغادرة منطقة الراحة

في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)
في فيلمه السينمائي الثالث ينتقل الدب بادينغتون من لندن إلى البيرو (استوديو كانال)

ليس الدب «بادينغتون» مجرّد شخصيةٍ كرتونيّة تظهر على الشاشة بين الحين والآخر لترفيه الأطفال. لقد باتَ واحداً من رموز بريطانيا وسفرائها، إلى درجة أنه رافق الملكة إليزابيث في احتفاليّة يوبيلها البلاتينيّ عام 2022، من خلال مقطع تمثيليّ مميّز جمعهما.

في إطلالته الثالثة عبر شاشة السينما ضمن فيلم «Paddington in Peru» (بادينغتون في البيرو)، يخطو الدب المحبوب خارج المملكة المتحدة، عائداً إلى جذوره وتحديداً إلى البيرو في أميركا الجنوبية، على ما يشير العنوان. وبما أن بادينغتون بات شخصية عابرة للحدود، فإنّ الفيلم الجديد عبرَ هو الآخر إلى قاعات السينما حول العالم، فكانت للصالات العربية فرصة استقباله قبل سواها من صالات أوروبا، وآسيا، وأميركا اللاتينية، وحتى الولايات المتحدة الأميركية.

يوم اخترع مايكل بوند شخصية الدب «بادينغتون» عام 1958، جاء الأمر كردّ فعلٍ على ما كان يتعرّض له المهاجرون إلى بريطانيا من أعمال كراهية. جعل الكاتب من بطلِ سلسلته دباً يتيماً آتياً من آخر أصقاع الأرض، ليجدَ في لندن عائلةً تحتضنه وتتبنّاه.

خرجَ بادينغتون لاحقاً من الكتب إلى شاشتَي التلفزيون والسينما. وها هو في الجزء الثالث من أفلامه، يكرّس انتماءه البريطاني بحصوله على جواز سفر البلاد. يدشّن هذه اللحظة الاستثنائية برحلةٍ لم تكن في الحسبان، إذ يتلقّى رسالة من دار الدببة المسنّة في البيرو حيث عمّته «لوسي» التي تُمضي وقتاً عسيراً بسبب اشتياقها إليه.

ملصق فيلم «بادينغتون في البيرو» (استوديو كانال)

يحزم أفراد عائلة «براون» أمتعتَهم ويرافقون ابنَهم بالتبنّي إلى موطنه الأصليّ للاطمئنان على عمّته. وهنا تكمن إحدى الرسائل الأساسية التي يتضمّنها الفيلم: ضرورة الخروج من منطقة الراحة والتجرّؤ على تحدّي الذات. والد بادينغتون بالتبنّي، «هنري براون»، بحاجةٍ إلى نقلة جريئة في وظيفته. والوالدة «ماري» تتمنّى أن تلمّ شمل العائلة، بعد أن انصرف الولدان «جوناثان» و«جودي» كلٌ إلى اهتماماته وعُزلته. أما بادينغتون فلا بدّ له أن يرجع إلى تلك الأرض التي خسر فيها أبوَيه وخرج منها يتيماً.

العمّة لوسي هي في صلب رحلة بادينغتون إلى البيرو وغاباتها الخطيرة (استوديو كانال)

صحيحٌ أن الفيلم يفتقد عنصر الدهشة الذي رافق الجزء السابق عام 2017، لكن قد يكون من الظلم مقارنة أي مغامرة جديدة لبادينغتون بذلك الجزء الذي شكّل تحفةً سينمائية وسط إجماعٍ من النقّاد والجمهور. مع العلم بأنّ العمل الجديد لم يستعِن بالمخرج والكتّاب أنفسهم الذين أنجزوا الجزأين السابقَين.

يتّخذ «بادينغتون في البيرو» شكل فيلم المغامرة بامتياز، فيزخر بالحركة والألوان والمواقف التي تقطع الأنفاس. ربما تنقصه بعض الفكاهة، لكن ثمّة ما يعوّض عن ذلك.

يقدّم الفيلم عناصر المغامرة والإثارة ضمن إطار زاخر بالألوان (استوديو كانال)

فور وصولها إلى دار المسنّين، تكتشف عائلة براون مجموعة من الراهبات اللطيفات اللواتي يعتنين بالدببة العجوزة. لكن الاكتشاف الآخر ليس على القدر ذاته من الإيجابية، إذ يتبيّن أن العمّة لوسي قد اختفى أثرُها.

إلى غابات الأمازون الشاسعة والخطيرة، تنطلق العائلة بتوجيهٍ من الراهبة المديرة والتي تؤدّي دورها بتألّقٍ كبير الممثلة البريطانية أوليفيا كولمان. لكن لا طريق إلى المكان الذي قد توجد فيه العمة لوسي، سوى نهر الأمازون الهادر. ولا قبطان يقود رحلة الدبّ الصغير وعائلته، سوى الممثل أنطونيو بانديراس الذي تشكّل إطلالته صدمة إيجابية في الفيلم.

يثري الفيلم حضورُ الممثلَين أنطونيو بانديراس بدور القبطان وأوليفيا كولمان بدور الراهبة (استوديو كانال)

اعتادت سلسلة بادينغتون السينمائية أن تستعين بكبار النجوم، على غرار نيكول كيدمان وهيو غرانت في الجزأين السابقين. ورغم أنّ الابتسامات نادراً ما تتحوّل إلى ضحكات في هذا الجزء، فإنّ حضور بانديراس وكولمان، إضافةً إلى شخصية بادينغتون الذي يؤدّي صوته الممثل بن ويشا، تجعل من الفيلم رحلةً ممتعة ومليئة بالإثارة.

خلف موهبتها الموسيقية التي تعيد إلى الأذهان فيلم «The Sound of Music»، تخبّئ الراهبة (كولمان) لغزاً غير مريح. أما القبطان (بانديراس) فليس بالشهامة والاتّزان اللذَين يظهران عليه بدايةً. ففيما يقتصر هدف بادينغتون على إيجاد عمّته التائهة، تختبئ أطماع أخرى خلف سعي الراهبة والقبطان وراء الدب وعائلته؛ عيونهما شاخصة إلى الـ«إل دورادو» حيث يتوجّه بادينغتون؛ أي بلاد الذهب.

يؤدّي صوت شخصية بادينغتون الممثل البريطاني بن ويشا (استوديو كانال)

على مدى ساعة و45 دقيقة، سيكون من الصعب على المشاهد أن يحيد بطرفه عن الشاشة، فالحركة لا تتوقّف والأخطار تتوالى، كما أن الحبكات كثيرة ومتداخلة إلى درجة أنها قد تصيب المتلقّي بالتيه أحياناً. ولعلّ أكثر ما يبرع فيه فريق «بادينغتون في البيرو» هو تصميم الإنتاج، الذي يجعل من كل مشهدٍ مساحةً ملؤها الألوان والأسرار. تُضاف إلى ذلك صور الطبيعة المتوحّشة والأخّاذة في آنٍ معاً، والتي تشكّل هي الأخرى متعةً بصريّة.

يمزج الفيلم ما بين الرسوم والمتحرّكة والمشاهد الواقعية، على غرار ما يفعل مع الشخصيات إذ يتلاقى البشر الحقيقيون والدببة المتحرّكة بسلاسة. ومن اللافت أنّ فريق الإنتاج، ولإضفاء مزيدٍ من الواقعيّة، حرص على تصوير الجزء الأكبر من الفيلم في مواقع متعددة من البيرو كالعاصمة ليما وأهرامات الماتشو بيتشو. كما جرى تصوير المشاهد المتبقية في كولومبيا ولندن.

جرى تصوير أجزاء كبيرة من الفيلم في البيرو وكولومبيا (استوديو كانال)

في زمن لا تأخذ فيه غالبية الماكينات الإعلامية والترفيهية عقول الأطفال على محمل الجدّ، ما زال «بادينغتون» قادراً على تقديم محتوىً نموذجيّاً يليق بالصغار والبالغين على حدٍ سواء. إضافةً إلى الثراء البصريّ والبذخ الإنتاجيّ، تلامس الرسائل التي يحتويها الفيلم القلوب والنفوس. يبقى الدب اللطيف خيرَ سفيرٍ لقيَمٍ إنسانية مثل التسامح وتقبّل الآخر على اختلافاته.

وفي هذا الجزء، تتّسع مروحة المعاني لتشملَ تشجيعاً على خوض المخاطر والخروج من مساحة الأمان، لأنّ التعويض قد يكون اكتشاف الجذور وملاقاة الذات الحقيقية والتصالح معها.


مقالات ذات صلة

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.