كوريا الجنوبية نقطة ارتكاز جديدة للمقاربة الأميركية في آسيا

تسعى واشنطن لإقامة تحالف استراتيجي يعزز قدرات سيول في صناعة أشباه الموصلات

السفير الأميركي فيليب غولدبرغ يلقي كلمة في مؤتمر تحالف السلام الأميركي - الكوري في سيول أول من أمس (إ.ب.أ)
السفير الأميركي فيليب غولدبرغ يلقي كلمة في مؤتمر تحالف السلام الأميركي - الكوري في سيول أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

كوريا الجنوبية نقطة ارتكاز جديدة للمقاربة الأميركية في آسيا

السفير الأميركي فيليب غولدبرغ يلقي كلمة في مؤتمر تحالف السلام الأميركي - الكوري في سيول أول من أمس (إ.ب.أ)
السفير الأميركي فيليب غولدبرغ يلقي كلمة في مؤتمر تحالف السلام الأميركي - الكوري في سيول أول من أمس (إ.ب.أ)

جرت العادة أن يبدأ الرؤساء الأميركيون جولاتهم الآسيوية بزيارة اليابان، الحليف الرئيسي، ونقطة ارتكاز المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية للولايات المتحدة ومنصتها العسكرية الأساسية في المنطقة؛ لكن الجولة الأخيرة التي قام بها جو بايدن إلى آسيا، في ذروة احتدام الحرب الدائرة في أوكرانيا، كانت كوريا الجنوبية محطتها الأولى؛ حيث حملت دلالات واضحة على أنّ البعد التجاري والاقتصادي بات يوازي البعد العسكري في سياسة الأمن الاستراتيجي الأميركي، وفي سعي واشنطن للحفاظ على موقع الزعامة الدولية المهدد بصعود العملاق الصيني.
منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، ومع رسوخ اليقين بأن «العملية العسكرية الخاصة» للقوات الروسية لن تكون تلك النزهة التي خططت لها موسكو؛ بل هي بداية مواجهة طويلة ومفتوحة تعيد تشكيل المعادلات الأمنية الإقليمية والدولية، انصبّ كل الاهتمام الأمني والدفاعي على القارة الأوروبية.
وعلى الرغم من دخول الولايات المتحدة طرفاً أساسياً في هذه المواجهة، بالإنابة والضغط المباشر على حلفائها الغربيين، واصلت واشنطن تكثيف جهودها الاقتصادية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في وقت بقيت فيه تلك المنطقة تتصدر اهتماماتها العسكرية والأمنية الاستراتيجية.
ويبدو واضحاً أنّ التوازن -أو التوفيق- بين الرافعتين الاقتصادية والأمنية، هو هاجس الإدارة الأميركية في مقاربة علاقاتها مع هذه المنطقة التي تزخر بطاقات اقتصادية وتجارية هائلة، والتي تتقاطع فيها مصالح جيوستراتيجية يتعارض بعضها مع الأهداف التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها.
ويلاحظ منذ فترة أن التماسك بين مواقف الدول الآسيوية في الدفع باتجاه مزيد من التكامل الاقتصادي الإقليمي، لا يتطابق بالضرورة مع الرؤى الأمنية والدفاعية لهذه الدول. ويتبدّى بوضوح أن التصدّي للعملاق الآسيوي في بحر جنوب الصين يخضع لمعادلة جيوستراتيجية تختلف عن المقاصد الاقتصادية لمعظم دول المنطقة، ما يحتّم على واشنطن موازنة البعدين الاقتصادي والأمني في مقاربة علاقاتها الآسيوية.
ومع إطلاق مبادرة «الإطار الاقتصادي» لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ التي كان بايدن قد أعلنها في جولته الآسيوية الأولى، تسعـى واشنطن لاستعادة الحضور التجاري الذي خسرته منذ قرار الإدارة السابقة الانسحاب من اتفاقية التعاون الاقتصادي لمنطقة المحيط الهادئ التي كانت ترمي إلى خفض الرسوم الجمركية بين البلدان الموقعة حتى إلغائها نهائياً. لكن هذا «الإطار الاقتصادي» ليس اتفاقاً تجارياً، ولا يلحظ خفض الرسوم الجمركية، ولا يفتح أبواب السوق الأميركية أمام البلدان الموقعة عليه، الأمر الذي أثار شكوكاً لدى عدد من الدول الآسيوية، مثل الهند وفيتنام وإندونيسيا وتايلاند والفلبين، قبل أن تنضمّ إليه بجانب أستراليا وكوريا الجنوبية واليابان وماليزيا ونيوزيلندا وسنغافورة.
ويقوم هذا الإطار على ركائز أربع: التجارة الرقمية، والطاقة النظيفة، وتعزيز قدرة سلاسل الإمدادات على الصمود في وجه الصدمات، ومكافحة الفساد.
لكن يبقى الهاجس الأول في استراتيجية واشنطن الآسيوية المنافسة التكنولوجية مع الصين، لمواجهة التحديات الكبرى، مثل شبكات «5G» والجيل الجديد من أشباه الموصلات.
من هنا، جاء الرهان الأميركي على كوريا الجنوبية كنقطة ارتكاز في مقاربتها الجديدة للعلاقات الآسيوية؛ حيث تسعى لإقامة تحالف استراتيجي يعزز القدرات الكورية على صناعة أشباه الموصلات، انطلاقاً من الريادة الأميركية في التصميم التكنولوجي. ومن المقرر أن تستثمر شركة «سامسونغ» الكورية 17 مليار دولار لبناء مصنع جديد في تكساس، يهدف إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الموقع الذي كانت قد تخلـّت عنه منذ عقود في الصناعات التكنولوجية المتطورة، ويخفّف من اعتمادها على الصين، ويحول دون انقطاع الإمدادات الصناعية الحيوية الذي تسببت فيه جائحة «كوفيد»، ويتفاقم الآن مع الحرب الدائرة في أوكرانيا. يضاف إلى ذلك استثمار آخر مماثل لشركة «هيونداي» في ولاية جورجيا بقيمة عشرة مليارات دولار.
لكن هذا الإطار الاقتصادي الذي تسعى واشنطن ليكون قاعدة الارتكاز لسياستها الأمنية والدفاعية في المنطقة، يقابله أكبر اتفاق للتجارة الحرة في العالم وقَّعته 15 دولة آسيوية، بزعامة الصين، من شأنه أن يزيد حجم المبادلات التجارية بينها عن مجموع المبادلات مع الولايات المتحدة وأوروبا. ولا شك في أن هذا ما دفع بكوريا الجنوبية إلى عدم التخلّي عن رهان توطيد علاقاتها الاقتصادية مع الصين، على الرغم من ضغوط واشنطن، والاعتماد على القدرات العسكرية الأميركية في مواجهة تهديدات الجار الشمالي، وهو خيار الدول الآسيوية الأخرى التي لم تكن متحمسة للانضمام إلى الإطار الاقتصادي الذي ترعاه الولايات المتحدة، والتي تفضّل الانضواء تحت مظلة اقتصادية أوسع على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
ومع التحركات الأخيرة للصين في المحيطين الهندي والهادئ، فقدت معادلة النفوذ في المنطقة بعضاً من توازنها. وبعد الاتفاق الأمني الذي وقعته بكين مع جزر سليمان، اتجهت الولايات المتحدة لتفعيل الحوار الأمني الرباعي (كواد) الذي يضمّ إليها أستراليا واليابان والهند، والذي تعوّل عليه الإدارة الأميركية كمنتدى استراتيجي له بُعد اقتصادي واسع في العصر الرقمي. وتعتمد واشنطن في هذا الرهان على الاحتياطي الأسترالي الكبير من المعادن الاستراتيجية، والقدرات التكنولوجية اليابانية، والبنى التحتية الصناعية الهندية للإنتاج الإلكتروني، لتكملة الطاقات الأميركية في السباق الذي تخوضه الولايات المتحدة ضد الصين على الزعامة التكنولوجية، ضمن إطار للتعاون الاستراتيجي.
ويتوقف المراقبون الدبلوماسيون في سيول طويلاً عند الطابع التكنولوجي للرهان الأميركي الجديد في العلاقات مع المنطقة، سعياً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتوجات التكنولوجية المتطورة التي تشكّل عماد التطور الاقتصادي في المرحلة المقبلة، في وقت تسعى فيه إلى اجتذاب القدرات الآسيوية إلى الداخل الأميركي.
كل ذلك يحدث بينما تدخل الحرب في أوكرانيا شهرها التاسع مفتوحة على كل الاحتمالات، بينما يشهد السباق التكنولوجي بداية مرحلة حاسمة تعيد خلط أوراق القدرات التنافسية، وترجّح كفّة القطب الآسيوي في المعادلة الرقمية العالمية التي باتت الركيزة الأساس للتطور الاقتصادي، وللسياسات الأمنية والدفاعية.


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ترمب: إيران تسعى للتفاوض وأميركا أعادت رسم موازين القوة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

ترمب: إيران تسعى للتفاوض وأميركا أعادت رسم موازين القوة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

أكَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة أنهت «التهديد الذي شكَّله النظام الإيراني»، مشيراً إلى أن بلاده دمَّرت جزءاً كبيراً من قدرات طهران العسكرية والنووية، ولن تسمح لها بامتلاك سلاح نووي.

وقال إن إيران «لم تعد المتنمر في الشرق الأوسط»، وإنها فقدت جانباً كبيراً من قوتها العسكرية بعد سلسلة عمليات أميركية وصفها بأنها «غير مسبوقة»، مضيفاً أن طهران «باتت تسعى وتتوسل إلى التفاوض» بعد هذه الضربات، وأن واشنطن تتعامل معها «من موقع قوة».

وجاء حديث ترمب خلال كلمته في ختام مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في مدينة ميامي الأميركية، حيث ألقى خطاباً مطولاً جمع بين الرسائل الجيوسياسية والاقتصادية، مؤكداً أن العمليات العسكرية الأميركية الأخيرة «غيَّرت قواعد اللعبة» في الشرق الأوسط، وأدَّت إلى «تفكيك قدرات عسكرية رئيسية» لدى إيران، بما في ذلك منشآت حساسة وبنية صناعية دفاعية.

الجيش الأقوى في العالم

وأشار إلى أن الولايات المتحدة استخدمت «أحدث ما لديها من تكنولوجيا عسكرية» في هذه العمليات، مؤكِّداً أن الجيش الأميركي «الأقوى في العالم»، وأنه قادر على «تنفيذ عمليات دقيقة وفعَّالة في أي مكان»، لافتاً إلى أن الضربات الأخيرة استهدفت منشآت استراتيجية «بدقة عالية»، وأسفرت عن «شلّ قدرات رئيسية» لدى طهران، خصوصاً في مجالات الصواريخ والطائرات المسيَّرة.

كما استعاد ترمب قرارات اتخذها خلال ولايته الأولى، من بينها الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، معتبراً أن ذلك القرار «منع طهران من امتلاك السلاح النووي مبكراً»، وهاجم السياسات السابقة التي، بحسب قوله، «منحت إيران موارد مالية دون ضمانات كافية»، مشدداً على أن استراتيجيته تقوم على «الضغط والقوة لفرض التوازن».

تحدَّث الرئيس الأميركي عن الحرب على إيران وعن القضايا الاقتصادية والسياسية (الشرق الأوسط)

الأمير محمد بن سلمان

وتوسع ترمب في الحديث عن دعم حلفاء الولايات المتحدة، مؤكِّداً أن دول الخليج لعبت دوراً مهماً في هذه المرحلة، لافتاً إلى أن السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت «وقفت بثبات إلى جانب واشنطن»، وأسهمت في تعزيز الاستقرار الإقليمي، سواء عبر التنسيق الأمني أو الشراكات الاستراتيجية.

وفي معرض حديثه عن حلفاء واشنطن في المنطقة، خصَّ ترمب الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، بإشادة لافتة، وقال إنه «رجل رائع» و«صديق عظيم»، وإن السعودية تستطيع أن تفخر بقيادته.

وأضاف أن ولي العهد أظهر شجاعة وثباتاً في ظرف دقيق، ولم يُظهر تردداً رغم حساسية التطورات، معتبراً أنه «يستحق» مكانته لأنه «رجل ناجح»، في إشارة إلى دوره في تعزيز استقرار المنطقة وتطوير الشراكات مع الولايات المتحدة.

مجالات المستقبل

وفي الجانب الاقتصادي، قال ترمب إن الولايات المتحدة شهدت «تحولاً كبيراً خلال فترة قصيرة»، مضيفاً أنها أصبحت «الوجهة الأولى للاستثمار عالمياً»، مدفوعة بحزمة سياسات تضمنت خفض الضرائب، وتسهيل بيئة الأعمال، وتحفيز القطاع الصناعي. وأشار إلى أن بلاده جذبت استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والطاقة، مما أسهم في خلق ملايين الوظائف وتحقيق نمو اقتصادي قوي.

وأكَّد أن إدارته تركز على قيادة الاقتصاد العالمي في مجالات المستقبل، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، وقال إن الولايات المتحدة «لن تسمح لأي منافس بتجاوزها في هذا المجال»، كما أشار إلى توجه بلاده لتعزيز موقعها في سوق العملات الرقمية، معتبراً أن ذلك جزء من استراتيجية أوسع لجعل أميركا «مركزاً عالمياً للابتكار المالي».

شركاء الولايات المتحدة

كما تطرق إلى العلاقات الاقتصادية مع شركاء الولايات المتحدة، خصوصاً في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الشراكة مع السعودية تمثل «نموذجاً للتعاون الاستراتيجي»، سواء في مجالات الاستثمار أو الطاقة أو التكنولوجيا. ولفت إلى أن هذه الشراكات أسهمت في إطلاق مشروعات كبرى، وتعزيز تدفقات رؤوس الأموال بين الجانبين.

وفي سياق متصل، شدَّد ترمب على أن الأمن والاقتصاد «وجهان لعملة واحدة»، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، وعلى حركة الاستثمار والتجارة الدولية. وقال إن ما قامت به الولايات المتحدة «فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والنمو».

كانت كلمة الرئيس الأميركي في ختام انعقاد قمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

خصومه السياسيون

ولم يخلُ الخطاب من رسائل داخلية، إذ انتقد خصومه السياسيين، واتهمهم بإضعاف الاقتصاد والأمن الداخلي خلال الفترة السابقة، مؤكداً أن إدارته أعادت «الزخم» إلى الاقتصاد الأميركي، وخفضت معدلات التضخم، ورفعت مستويات التوظيف، مما عزَّز ثقة المستثمرين.

وشدَّد ترمب في كلمته على أن الولايات المتحدة «ستواصل الدفاع عن مصالحها وحلفائها»، وأنها ماضية في «تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية»، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستشهد «مزيداً من النمو والازدهار»، ليس فقط لأميركا، بل أيضاً لشركائها حول العالم، في ظل ما وصفه بـ«تحالفات أقوى ورؤية اقتصادية أكثر وضوحاً».

الناتو

ووجَّه ترمب انتقادات لاذعة إلى حلف شمال الأطلسي، في سياق انتقاداته لحلفائه الغربيين، معتبراً أن الحلف «لم يكن على مستوى التوقعات» خلال المواجهة الأخيرة. وقال إن بعض دوله لم تُظهر الدعم الكافي للولايات المتحدة رغم ما تقدمه واشنطن من حماية وتمويل.

وأضاف أن بلاده تتحمل أعباءً كبيرة في الدفاع عن الحلف، في حين أن بعض أعضائه «لم يكونوا حاضرين عندما دعت الحاجة»، مشدداً على أن الولايات المتحدة ستعيد تقييم علاقاتها الدفاعية لضمان تقاسم الأعباء بشكل أكثر عدالة، ومؤكداً أن واشنطن «لن تستمر في تقديم الدعم دون مقابل واضح».


ترمب: الولايات المتحدة ربما لن تدعم دول «الناتو» إذا دعت الحاجة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)
TT

ترمب: الولايات المتحدة ربما لن تدعم دول «الناتو» إذا دعت الحاجة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (ا.ف.ب)

أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مجدداً عن استيائه من الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لرفضهم إرسال دعم عسكري لتأمين مضيق هرمز، قائلاً إن واشنطن ربما لن تساعدهم إذا طُلب منها ذلك.

وقال خلال فعالية اقتصادية في ميامي «لم يكونوا موجودين ببساطة. ننفق مئات المليارات من الدولارات سنويا على الناتو، مئات المليارات، لحمايتهم، وكنا سنبقى دائما إلى جانبهم، ولكن الآن، بناءً على أفعالهم، أعتقد أننا لسنا ملزمين بذلك، أليس كذلك؟».

وأضاف «لماذا نكون موجودين من أجلهم إن لم يكونوا موجودين من أجلنا؟».


ويتكوف: إيران أمام فرصة دبلوماسية وواشنطن توازن بين الضغط والحل السياسي

ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال قمة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال قمة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

ويتكوف: إيران أمام فرصة دبلوماسية وواشنطن توازن بين الضغط والحل السياسي

ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال قمة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال قمة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

قال ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن بلاده تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية تجمع بين «الضغط والقوة من جهة، والانفتاح على الحلول الدبلوماسية من جهة أخرى»، مشيراً إلى أن واشنطن «لا تسعى إلى التصعيد، بل إلى تسوية تضمن استقرار المنطقة والعالم».

وأوضح ويتكوف أن الإدارة الأميركية «منفتحة على تمديد مسار التفاوض مع الإيرانيين»، لافتاً إلى أن «الاتصالات قائمة بشكل أو بآخر، حتى إن اختلفت التعريفات حول طبيعة هذه المفاوضات». وأضاف: «نحن نعلم أن هناك تواصلاً، ونتوقع عقد اجتماعات خلال هذا الأسبوع، وهو ما نراه مؤشراً إيجابياً».

وأشار، خلال مشاركته في قمة مبادرة مستقبل الاستثمار المنعقدة في ميامي، إلى أن الرئيس ترمب «يؤمن بمبدأ السلام عبر القوة»، موضحاً أن «الضغط ضروري لدفع الأطراف إلى طاولة المفاوضات»، ومضيفاً أن الولايات المتحدة «تمتلك حضوراً عسكرياً قوياً في المنطقة، لكنها في الوقت ذاته مستعدة للوصول إلى حل دبلوماسي يخدم مصالح الجميع».

وشدّد ويتكوف على أن التحدي الرئيسي يتمثل في البرنامج النووي الإيراني، وقال إن بلاده «لا يمكن أن تقبل بوجود نسخة أخرى من كوريا الشمالية في الشرق الأوسط»، في إشارة إلى مخاوف من امتلاك طهران قدرات نووية عسكرية. وأضاف أن لدى إيران «كميات كبيرة من المواد المخصبة يجب معالجتها ضمن أي اتفاق».

وفي هذا السياق، كشف أن واشنطن «طرحت اتفاقاً يتضمن 15 نقطة على طاولة الإيرانيين»، معبراً عن أمله في الحصول على ردّ قريب، ومشيراً إلى أن «أي تسوية يجب أن تشمل الرقابة الصارمة ومعالجة مخزون المواد المخصبة».

وأكّد ويتكوف أن الولايات المتحدة «لا تستهدف الشعب الإيراني»، بل «تسعى لأن تكون إيران دولة مزدهرة ومندمجة في المجتمع الدولي»، لكنه شدد في المقابل على ضرورة «وقف دعم الجماعات المسلحة غير الحكومية التي تسهم في زعزعة الاستقرار».

ولفت إلى أن التوصل إلى اتفاق قد يفتح الباب أمام «مكاسب أوسع في المنطقة، بما في ذلك فرص للتطبيع وتعزيز الاستقرار»، معتبراً أن «الشرق الأوسط يقف أمام لحظة مفصلية يمكن أن تعيد رسم ملامح العلاقات الإقليمية».

وتطرق ستيف ويتكوف للحديث عن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وقال: «إنه يقود رؤية طموحة تقوم على تحسين جودة الحياة لشعبه وفتح آفاق أوسع للمستقبل».

وأضاف أن ولي العهد السعودي «يمثل نموذجاً لقيادة شابة تسعى إلى تحقيق التحول والتنمية، ما يعكس توجهاً أوسع لدى عدد من قادة العالم نحو بناء اقتصادات أكثر ازدهاراً واستقراراً».

وفي حديثه عن الدور الدولي، قال ويتكوف إن «العالم بات مترابطاً بشكل غير مسبوق، ورؤوس الأموال الذكية تلعب دوراً مهماً في تشكيل القرارات»، مشيراً إلى أن «القيادات السياسية والاقتصادية، خصوصاً في المنطقة، تمثل عنصراً حاسماً في توجيه هذه التحولات».

وتطرق إلى علاقات واشنطن مع حلفائها، مشيداً بقيادات «تتبنى رؤى تنموية وطموحة»، مؤكداً أن ترمب «يركز على سياسات داعمة للنمو والأعمال، ليس داخل الولايات المتحدة فقط، بل في إطار التحالفات الدولية».

وشدّد ويتكوف على ثقته في نهج الرئيس الأميركي، وقال إن ترمب «قائد يتخذ قرارات حاسمة، ويوازن بين الحسابات الاقتصادية والاعتبارات السياسية»، مضيفاً: «لدينا إيمان كبير بإمكانية تحقيق نتائج إيجابية، لأن الهدف في النهاية هو الوصول إلى عالم أكثر استقراراً وازدهاراً».