أناييس نن وهنري ميلر... الكتابة والحب والشغف بالحياة

رسائلهما المتبادلة هي إحدى أعمق الوثائق العاطفية والمعرفية في القرن العشرين

أناييس نن وهنري ميلر
أناييس نن وهنري ميلر
TT

أناييس نن وهنري ميلر... الكتابة والحب والشغف بالحياة

أناييس نن وهنري ميلر
أناييس نن وهنري ميلر

«أنا أغنّي، أنا أغنّي! ليس في سرّي بل بصوت مرتفع. قابلتُ هنري ميلر. رأيت رجلاً أعجبني، رجلاً يثير الإعجاب، ليس مستبداً ولكنه قوي. يعي كل شيء بحساسية. إنه رجل سكران بالحياة. إنه يشبهني».
بهذه الكلمات المفعمة بالفرح والافتتان، احتفلت الكاتبة الإسبانية أناييس نن بالصدفة المبهجة التي جمعتها بالكاتب الأميركي هنري ميلر في باريس عام 1932. ولم يكن احتفال أناييس بميلر عائداً إلى شهرة هذا الأخير فحسب، بل لأنها أدركت منذ لحظة اللقاء الأولى أن في هذا الشاب الأميركي النزق والممتلئ حيوية وشغفاً بالحياة، ما يمكن أن يُخرجها من تعاسة مقيمة لازمتها منذ زمن الطفولة، وأن يكون في الوقت نفسه ظهيرها الصلب على طريق الكتابة الشاق.
قد يكون التخلي المفاجئ لوالد أناييس عن عائلته وتركها إلى المجهول، هو الجرح المؤسس لتعاسة الطفلة التي عبّرت فيما بعد عن مأساتها المبكرة بالقول إنها كانت ممسوسة بحالة مرعبة من الوعي الذاتي، بقدر ما كانت منفصلة تماماً عن الواقع، قبل أن تجد في كتابة اليوميات الملاذ الوحيد الذي وفَّر لها سبل التوازن والخروج من حالة التصدع. وحين التقت الكاتبة الشابة مع الشاعر الاسكوتلندي إيان هيوغو، لم تتردد في الزواج منه عام 1923، ليس فقط بسبب وسامته الظاهرة التي تجذب النساء، بل لأنه تعهد لها بدعم مشاريعها الأدبية، بحكم عمله كمصرفي ناجح. ومع أن أناييس التي نشأت في بيئة كاثوليكية محافظة، والتي انتقلت مع زوجها للإقامة في باريس عام 1925، بدت مصدومة تماماً إزاء الأفعال والممارسات المنافية للحشمة التي يقوم بها الكثيرون في الشوارع والأماكن العامة، إلا أنها سرعان ما تأقلمت مع الجاذبية الآسرة للعاصمة الفرنسية، مرهفة سمعها لنداء الحرية، ومطلقة العنان لرغباتها المكبوتة الباحثة عن التحقق.
ولم تكد تمر أشهر قليلة على إعلان أناييس الجريء «هناك طريقان للوصول إليّ، القُبَل واستخدام الخيال»، حتى وقعت في غرام صديق زوجها الكاتب الأميركي جون إرسكين، الذي توسمت فيه فحولة ذكورية لم تثبت نجاعتها على أرض الواقع، الأمر الذي دفعها إلى إنهاء العلاقة، خصوصاً أن إرسكين كان متزوجاً وأباً لطفلين. وفي ظل الصراع الذي اعتمل داخل الكاتبة الشابة بين حاجتها الملحة إلى المزيد من المغامرات وبين شعورها بالذنب إزاء زوجها الداعم لها والمتفهم لجموحها الجسدي والعاطفي، وإذ بدأت نن في التفكير بالانتحار كملاذ أخير من انشطارها المأزقي، شاءت الصدفة المجردة أن تمنحها ملاذاً آخر أقل كلفة من الموت، تمثل في لقائها هنري ميلر، الكاتب الأميركي من أصل ألماني، الذي رسمت له في القسم الأول من مذكراتها بورتريهاً تفصيلياً تقول فيه «كان دافئاً، مرحاً وطبيعياً، وكان يمكن أن يمر خلال حشد من الناس دون أن يتعرف عليه أحد. وكان نحيلاً، لدناً، طويل القامة، وشبيهاً براهب بوذي برأسه الأصلع وفمه الحسي الممتلئ وعينيه الزرقاوين الهادئتين. كانت ضحكته معْدية، وصوته مداعِباً كصوت زنجي. وكان شديد الاختلاف عن كتابته الوحشية العنيفة».
والواقع أن ميلر المولود في بروكلين عام 1891 لم يكن قد أصبح بعد كاتباً شهيراً حين قرر أن ينتقل إلى باريس عام 1930، إلا أنه بدا منذ نعومة تجربته شخصاً قلقاً ومتهوراً ومحتقناً بالعواصف، الأمر الذي جعل علاقته بمحيطه الاجتماعي وبالمؤسسة الدينية محكومة بالتوجس وسوء الفهم. وبعد زواجه الأول من بياتريس ويكنز عام 1917 والتي أنجب منها طفلتهما الوحيدة باربارا، قبل أن ينفصلا عام 1923، لم يتأخر ميلر في الزواج من الراقصة جون مانسفيلد إثر علاقة حب قصيرة جمعت بين الطرفين، ليُصدر بمؤازرة مادية منها روايته «الصليب الوردي»، التي وصف فيها بلغة مكشوفة وبجرأة قلّ نظيرها في زمنه، مغامراته العاطفية والجنسية مع نساء شبابه الغض.
ولم يكن لزواج ميلر الجديد أن يقوده إلى الاستقرار. فهو منذ أن اكتشف ميول زوجته المثلية من خلال علاقتها الحميمة بصديقتها جين كرونسكي، حتى شعر فجأة بأنه بات شبيهاً بحيوان محاصر في قفص، وكتب من وحي واقعه المأزوم روايته «ديك مجنون»، التي لم تُنشَر إلا عام 1992، أي بعد وفاته باثني عشر عاماً. وبعد مغادرته وحيداً إلى باريس، ليقضي بمفرده أشد لحظات حياته وحدة وتشرداً وفقراً، التقى صديقه الحميم ريتشارد أوزبورن، الذي قام بتقديمه إلى إيان هيوغو وزوجته الكاتبة أناييس نن، ليدخل مع هذه الأخيرة في علاقة عاطفية مشبوبة، هي الأوثق والأعمق والأكثر جموحاً على امتداد حياته بأسرها. ومع أن لغة هنري البذيئة والمفرطة في تهتكها، لم تَرُقْ في البداية للكاتبة المفرطة في حساسيتها، والتي علَّقت على مخطوطاته السردية بالقول: «إنه لا يكتب الحب، بل يكتب ليرسم كاريكاتوراً، وليسخر ويتمرد ويدمر»، إلا أن الأمور سرعان ما تبدلت، لتصبح أناييس المرأة الأكثر افتتاناً بأدب بميلر والتصاقاً بقلبه، ومؤازرة له في منازلاته الضارية مع المؤسسة الدينية، ومع غلاة المحافظين من القراء والنقاد.
وبعد انكشاف العلاقة العاطفية الوليدة التي قامت بين الطرفين، لم تأبه أناييس للأقاويل والثرثرات التي طالتها، بحيث راح رواد مقاهي باريس وصالوناتها الأدبية يتحدثون عن رعايتها غير المبررة للكاتب الفضائحي الشغوف بالمتع الجسدية، إلى حد القول: «إنني لا أفكر في الناس عبر الأفكار، بل عبر ساقٍ أو فم». لكنَّ أناييس التي قدّرت لهنري دعمه لها في نقدها الجريء لآراء د.ه.لورنس المحافظة حول قضايا المرأة والجسد والحرية، راحت تدافع بقوة عن سلوكيات الكاتب المغامر والشهواني، معتبرة أن تلك السلوكيات، ليست سوى الطبقة الظاهرة من موهبته المتوقدة وروحه الموّارة بالإبداع. لا بل إنها لم تتردد في إرجاء طبع منشوراتها الشخصية، لكي تهَب ميلر التكاليف اللازمة لطباعة عمله السردي المميز «مدار السرطان».
وككل علاقة حب وليدة ومضفورة بدهشة الاكتشاف بدت العلاقة بين نن وميلر في سنتها الأولى حميمة وملتهبة ومكتنفة بالافتتان الجسدي والفكري. والأدلّ على ذلك هي الرسائل المكثفة التي راح يتبادلها الكاتبان العاشقان بشكل شبه يومي خلال العام 1932، على أن الرسائل التي جمعها الكاتب الألماني غونتر شتولمن ونقلها إلى العربية أسامة منزلجي، تُظهر بوضوح وقوع ميلر السريع في غرام نن، التي هتف بها قائلاً: «إنني أغوص، لقد فتحتِ الهوة تحتي ولا مجال للتراجع». كما أن حبه لها يدفعه إلى تفضيل كتابتها على كتابته: «لغتك لا تزال تغمرني أكثر من لغتي. إنني مقارنةً بكِ مجرد طفل». وفي رسالة أخرى يلعب ميلر على وتر حساس يتعلق بطفولة حبيبته التعيسة، فيكتب لها: «أحلم أن أذهب إلى بروكسل لأشاهد الأخوات الطيبات وهن يشفين أناييس الصغيرة، وأتذوق دموعها الداخلية، دموع الحزن في طفولتها. أناييس أحبكِ وأنتِ في عمر الحادية عشرة، والتاسعة والعشرين، وسوف أحبك وأنت في عمر المائة».
ورغم أن أناييس قد واجهت مشاعر ميلر في البداية بشيء من الحذر والتحفظ، الناجمين عن شخصيته المتهورة من جهة، وعن تخوفها من إيذاء زوجها من جهة أخرى، فإنها ما لبثت أن تخلَّت عن كل ذلك، لتعترف صراحةً بحبها له، وبأنها تُخفي يومياتها في الدرج المخصص للرماد في مدفأة المنزل، معلنةً تبرمها من حشرية هيوغو الذي بدأ في الوقوف بينها وبين الورقة البيضاء ليسألها: «ماذا تكتبين يا صفصافتي؟»، كما إنه لا يكفّ عن قطع خلواتها الإبداعية ليسألها من جديد: «هل تحبينني؟». لكنّ الملاحظ في هذا الصدد هو إلحاح صاحب «مدار الجدي» على إعلاء الجانب الغرائزي في علاقته بمعشوقته، بحيث لن يتردد لاحقاً، وبخاصة في حالات سُكْره الشديد، في الكشف الصريح عن اشتهائه المفرط لأناييس، مشيراً إلى تفاصيله المغوية بأشدّ الألفاظ سوقية وفحشاً.
والأرجح أن ميلر الذي أسهم إلى حد بعيد في إيقاظ جسد أناييس من سباته، ما لبث أن دفع الثمن مضاعفاً بعد ذلك، ليس فقط لأن جذوة الرغبات الحسية التي اشتعلت بين الطرفين قد أخذت طريقها رويداً رويداً إلى الانطفاء، بل لأن نن التي تأخرت في إطلاق رغباتها الجسدية من عقالها، راحت تبحث عن ضالتها في العلاقات الجنسية المثلية. ومن سخرية الأقدار أن تكون زوجة ميلر بالذات، هي المرأة التي اختارتها عشيقته لتقيم معها مثل تلك العلاقة. ولم يكن ميلر الذي هتف بنن: «أنقذيني من جون»، ليتخيل مطلقاً أن إنقاذها له سيأخذ هذا الشكل الصادم والغرائبي، خصوصاً أنها كانت لأسابيع خلت تتهمه بالأنانية في علاقاته العاطفية، وأنه يبحث عن جون من خلالها، لتعترف بما يشبه الانتقام من نفسها ومنه «لقد اكتشفت متعة قيادتي الذكورية لحياتي، بمغازلتي لزوجتك جون، لكنّ جسدي سوف يموت، لأنه حسّي يضج بالحياة، ولا توجد حياة في الحب بين النساء». إلا أن العلاقة بين الزوجة والعشيقة سرعان ما تدهورت، بعد أن شرعت الأولى بتنغيص حياة ميلر والعمل بشكل حثيث على تدميره، فيما انبرت الثانية لحمايته من الأذى، ومؤازرته على المستويين النفسي والمادي.
لكن المغامرة العاطفية والجسدية بين أناييس وميلر ما لبثت بدورها أن بدأت بالتقهقر، وبخاصة بعد أن شعرت نن بأن الاشتهاء الجسدي لم يعد يكفي وحده للاستمرار في المغامرة، فضلاً عن اتهامها الصريح لهنري بالإفراط في الأنانية والتعبد النرجسي لذاته. وإذا كان من الصعب على صاحب «ربيع أسود» أن يتجرع كأس الحقيقة المر في البداية، إلا أنه ما لبث أن تقبّل الواقع الجديد، لتتحول العلاقة بين الطرفين إلى نوع من الصداقة الفكرية والأدبية الوثيقة، ومع تباعد المسافة بين رسائل الكاتبين، يبدأ كل منهما بتنظيم حياته الشخصية بمعزل عن الآخر، فتختار أناييس الانفصال عن هيوغو وتغادر إلى نيويورك، منخرطةً في مجال التمثيل لفترة من الزمن. وإذ تصرح الكاتبة بأن ميلر هو الوالد الحقيقي للجنين الذي أجهضته عام 1934، تلتقي فيما بعد الممثل روبرت بول الذي تزوجت منه عام 1955، رغم أنه كان يصغرها بستة عشر عاماً، والذي قاسمته بقية حياتها حتى إصابتها بالسرطان ووفاتها عام 1977. أما كتاب مذكراتها الضخم، والذي لم تنشر منه في حياتها سوى الأجزاء «المعتدلة» وغير المتنافية مع الأخلاقيات الاجتماعية السائدة، فلم يتم نشر أجزائه الجريئة و«الفضائحية»، إلا بُعيد رحيلها عن هذا العالم بسنوات عدة.
ورغم تدهور العلاقة الكارثية بين ميلر وزوجته، من جهة ثانية، فهو لم يمتلك الجرأة على الانفصال عنها، إلى أن اتخذت هي بنفسها قرار الانفصال عام 1934، لكن تجربتَي الزواج الفاشلتين مع بياتريس وجون، لم تمنعا ميلر من تكرار المحاولة مرة بعد أخرى، مع كلٍّ من جانينا ليبسكا وإيف ماكلور وهيروكو توكودا، قبل أن يرحل وحيداً، إثر اضطرابات مزمنة في دورته الدموية عام 1980. وبعد سنوات ثلاث من رحيل أناييس.
«إن الحلم الذي أريد أن أدركه، هو الحياة والأدب مجتمعيْن، وهو الحب والحيوية المفرطة»، كان ميلر قد كتب لأناييس، في فترة تعارفهما الأولى. كما أنها كاشفته من جهتها بأنها تودّ لو يؤلفان معاً كتاباً مشتركاً يكون وليمة لشخصين مترعة بالحياة ومشبعة بالجنس، لتضيف قائلة: «في كتاباتنا نحن مضطربان، طنّانان، شبحان محمومان وشنيعان، منقوعان بالشهوات الجسدية. إن أسلوبي المصقول وأسلوبك العضلي يتصارعان، يجتذب كلٌّ منهما الشرر من الآخر». ورغم أن الجانب الحسيّ النزويّ من علاقتهما العاطفية لم يستمر طويلاً، فإن الرسائل التي تبادلاها على امتداد عقدين من الزمن، بدت لما تضمنته من مسارات شخصية وحوارات فكرية معمقة، واحدة من أكثر وثائق القرن العشرين ثراءً وعمقاً واكتنازاً بالمعرفة وشغفاً بالحياة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».


«قرآن المغرب»... طقس رمضاني يحتفي بالتلاوات النادرة لكبار القراء المصريين

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
TT

«قرآن المغرب»... طقس رمضاني يحتفي بالتلاوات النادرة لكبار القراء المصريين

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)
مسجد أحمد بن طولون في القاهرة (الهيئة المصرية لتنشيط السياحة)

إنها الـ45 دقيقة الأخيرة قبل أذان مغرب رمضان في مصر، ففي حين يجهز الملايين موائد إفطارهم لسد جوعهم، تبحث ملايين أخرى في التوقيت نفسه عن «غذاء الروح»، ممثلاً في آيات الذكر الحكيم أو ما يعرف بـ«قرآن المغرب»، تلك التلاوة القرآنية التي تبثها إذاعة القرآن الكريم المصرية يومياً، خلال أيام شهر رمضان، إعلاناً عن اقتراب موعد الإفطار.

وعلى مدار عقود طويلة، تحول «قرآن المغرب» من مجرد فقرة إذاعية إلى طقس روحاني وتقليد رمضاني، يرتبط بوجدان المصريين، فأصوات كبار القراء تنساب في وقت واحد من أجهزة الراديو في كل بيت، ومقهى، ومتجر، ووسيلة مواصلات، كما أن جلّ المساجد في مختلف المحافظات تقوم بتشغيل تلك التلاوة عبر مكبرات الصوت.

ويزيد من الارتباط بذلك الطقس الروحاني، أنه يُسمع من خلاله مشاهير القراء من دولة التلاوة المصرية، لا سيما الرعيل الأول منهم، الذين ارتبطت جموع المسلمين بحناجرهم، أمثال محمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمود خليل الحصري، ومحمود علي البنا، ومصطفى إسماعيل وغيرهم، إلى جانب أنه يتم اختيار التلاوات النادرة من تراث الإذاعة المصرية خصيصاً لـ«قرآن المغرب»، ما يزيد من متابعتها والإنصات إليها.

مصريون يتلون القرآن الكريم في رحاب الجامع الأزهر (الأزهر)

ووفقاً لتصريحات صحافية لرئيس إذاعة القرآن الكريم المصرية، إسماعيل دويدار، فإنه للمرة الأولى هذا العام، تتم إذاعة تسجيلات نادرة جداً لكبار القراء، مضيفاً أن «هذه الكنوز حصلنا عليها بعد جهد كبير من أسر القراء والمحبين، وقمنا بترميمها تقنياً لتليق بآذان المستمعين».

واعتادت إذاعة القرآن الكريم خلال السنوات الماضية أن تعلن عن جدول القراء طوال شهر رمضان، وهو ما يجد تفاعلاً كبيراً بين المستمعين، حيث يبحث مُحبو كل قارئ عن يومه المحدد، منتظرين أن يُحلّق صوته بهم إلى عنان السماء، كما يطالب آخرون بإدراج أصواتهم المفضلة في الأعوام المقبلة وعدم تغافلها، ما يعكس مكانة «قرآن المغرب» في نفوس المصريين.

كما أن تلك التلاوات يتم تداولها بشكل كبير بين رواد منصات التواصل الاجتماعي في الأيام التالية لبثها، كدلالة أخرى على تمسك أجيال المصريين بتقليدهم الرمضاني الذي ترسخ عبر الإذاعة المصرية، رغم انتشار التطبيقات الحديثة للقرآن الكريم.

طقس سنوي

وعن ارتباط الكثير من المصريين بـ«قرآن المغرب»، يقول رئيس إذاعة القرآن الكريم السابق، رضا عبد السلام، لـ«الشرق الأوسط»: «الشعب المصري لديه ارتباط وجداني بأصوات قراء القرآن، فهي في ذاكرتهم السمعية ليست مجرد أصوات تلاوة، بل هي انعكاس حي للروح المصرية، خصوصاً أن الله حبا مصر بمدرسة تلاوة متفردة لا مثيل لها، فأسماء مثل رفعت وعبد الباسط والمنشاوي، صاغوا وجدان المصريين، ولا تزال أصواتهم خالدة، وبالتالي تلاوات المغرب تُعيد إلى الأذهان أصوات كبار القراء الذين ارتبطت أصواتهم بذاكرة رمضان لعقود طويلة».

إذاعة القرآن الكريم تواظب على بث «قرآن المغرب» منذ تأسيسها (الشرق الأوسط)

ويبيّن أن «قرآن المغرب» يعد بمنزلة «عرس سنوي للقرآن»، لذا عملية اختيار قرائه تخضع لخطة، حيث يتم اعتماد خريطة تلاوات تضم 33 قارئاً من عمالقة دولة التلاوة المصرية، يتم توزيعهم على مدار 33 يوماً، تبدأ من غرة شهر رمضان المبارك، وتمتد حتى نهاية اليوم الثالث من عيد الفطر.

ويوضح قائلاً: «عندما كنت رئيساً لإذاعة القرآن الكريم، كنت أخصص أكثر من شهرين للإعداد لتلاوات المغرب، نبحث عن الجديد والنادر، فالمستمع يكون في ترقب للصوت الذي سيصحبه لحظة الإفطار، كما أنه يعلم أن ما سيبثه أثير الإذاعة في هذه الفقرة ليس مكرراً، بل سيكون جديداً ومميزاً، وهو ما يفسر الارتباط بـ(قرآن المغرب)، الذي يبقى دائماً حاضراً في وجدان المستمعين».

مصريون ووافدون في انتظار أذان المغرب بصحن الجامع الأزهر (الأزهر)

بدوره، يرى الدكتور فايز الخولي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن «(قرآن المغرب) يتجاوز كونه مجرد طقس يومي رمضاني، فهو جزء من العادات الراسخة لدى المصريين، فالقرآن الكريم يحتل مكانة في الثقافة المصرية، ويزداد الاهتمام به بشكل خاص في الشهر الفضيل، لذلك فإن تلاوة المغرب تعد رمزاً للارتباط المتين بالقرآن».

ويوضح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «رمضان هو مناسبة تعيد إحياء المشاعر الروحية والعادات الراسخة في المجتمع المصري، ولأن ارتباط المصريين بقرآن المغرب وُجد منذ تأسيس إذاعة القرآن الكريم في منتصف ستينات القرن الماضي، لذا فاستمرار هذا التقليد حتى اليوم، يعد رمزاً للتمسك بالهوية الثقافية والدينية خلال شهر الصيام».

ويلفت «الخولي» إلى أن عادة تشغيل «قرآن المغرب» عبر مكبرات الصوت في المساجد «تخلق حالة روحانية جماعية قبل الإفطار، وتجسد روح الجماعة التي يعيشها المصريون في رمضان؛ فالتلاوة لا تُسمع فردياً فقط، بل تصبح جزءاً من المشهد العام، فتخلق حالة من الطمأنينة والهدوء وسط التوتر الذي يسبق الإفطار».

ويشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» وتصدره اهتمام الرأي العام، كان له تأثير واضح هذا العام في خلق حالة جماعية من الالتفاف حول القرآن الكريم في شهر رمضان بشكل عام، والتفاعل مع تلاوات المغرب بشكل خاص.


مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف 13 ألف أوستراكا أثرية بسوهاج

أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)
أوستراكا أثرية عليها نقوش قديمة في سوهاج (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأربعاء، الكشف عن 13 ألف أوستراكا بموقع «أتريبس» الأثري بمحافظة سوهاج (صعيد مصر)، من بينها إيصالات ضريبية تعود للقرن الثالث الميلادي.

يذكر أن الأوستراكا عبارة عن قطع من كسر الفخار استخدمها المصري القديم في تدوين معاملاته اليومية من إيصالات ومراسلات وأنشطة دينية.

جاء الكشف خلال أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية-الألمانية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار وجامعة توبنجن الألمانية بموقع «أتريبس». وأوضح رئيس البعثة من الجانب الألماني الدكتور كريستيان ليتز، في بيان صحافي، أن «الأوستراكات المكتشفة تحمل نصوصاً مكتوبة بعدة لغات وخطوط مختلفة تمتد عبر فترة زمنية تزيد على ألف عام».

من جانبه، أشار مدير الموقع الأثري الدكتور ماركوس مولر، في البيان، إلى أن «معظم النصوص المكتوبة على أوستراكات أتريبس تتضمن كتابات توثيقية متعددة اللغات والخطوط، مثل الحسابات والقوائم وإيصالات الضرائب وأوامر التسليم، بالإضافة إلى تمارين كتابية للتلاميذ». كما «تتضمن بعض النصوص أيضاً كتابات مرتبطة بالأنشطة الكهنوتية، مثل الترانيم والصلوات الدينية ونصوص التكريس وبيانات سلامة الأضاحي»، وفق مولر.

وتُعد أقدم النصوص المكتشفة إيصالات ضريبية مكتوبة بالخط الديموطيقي من القرن الثالث قبل الميلاد، بينما تعود أحدثها إلى بطاقات أوانٍ مكتوبة باللغة العربية ترجع إلى القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين، بحسب البيان.

أوستراكا أثرية اكتشفت بموقع «أتريبس» بسوهاج (وزارة السياحة والآثار)

ويرى عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير أن «الكشف يعد خطوة علمية بالغة الأهمية في فهم جوانب الحياة اليومية في مصر القديمة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأوستراكا تُعد من أهم المصادر التي يعتمد عليها علماء المصريات في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، لأنها تعكس تفاصيل الحياة العادية للناس أكثر مما تعكسه النصوص الرسمية المنقوشة على المعابد والآثار الكبرى».

وأضاف أن «قيمة هذه الأوستراكات تكمن في أنها تُسجل معاملات يومية مثل إيصالات الضرائب، وقوائم الحسابات، ومن خلال هذه النصوص يمكن للباحثين تتبع أنماط الإدارة والاقتصاد والتعليم والدين، وكذلك فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية والبيروقراطية في المجتمع المصري عبر فترات زمنية مختلفة».

ومنذ موسم حفائر 2018-2019، تتولى مجموعة البحث العلمي متعددة التخصصات «Ostraca d’Athribis»، التي تنظمها البروفسور ساندرا ليبرت بباريس، دراسة وتحليل هذه المواد المتنوعة. وتضم المجموعة حالياً أكثر من اثني عشر متخصصاً في مختلف الكتابات واللغات وأنواع النصوص، بالإضافة إلى متخصص في الفخار. ومن المتوقع أن «تسهم نتائج دراسة هذه الأوستراكات في كتابة تاريخ اجتماعي واقتصادي وديني أكثر تفصيلاً لموقع أتريبس»، بحسب البيان.

بعض قطع الآثار المكتشفة في سوهاج عليها رسوم (وزارة السياحة والآثار)

ووفق ليتز، فإن ما بين 60 في المائة إلى 75 في المائة من الأوستراكات المكتشفة تحمل كتابات بالخط الديموطيقي، في حين أن 15 في المائة إلى 30 في المائة منها مكتوبة باليونانية، بينما تتراوح نسبة الأوستراكات التي تحمل رسومات تصويرية وهندسية بين 4 و5 في المائة، كما أن نحو 1.5 في المائة منها يحمل كتابات بالخط الهيراطيقي، و0.25 في المائة بالخط الهيروغليفي، في حين تحمل 0.2 في المائة كتابات باللغة القبطية، ونحو 0.1 في المائة كتابات باللغة العربية.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي إلى أن «إجمالي ما تم العثور عليه من أوستراكات بموقع أتريبس منذ بدء أعمال الحفائر به عام 2005 بلغ نحو 43 ألف أوستراكا». وقال: «هذا رقم قياسي عالمي لعدد الأوستراكات المكتشفة في موقع أثري واحد»، مضيفاً أن «هذا العدد يفوق ما تم العثور عليه في قرية العمال والفنانين بدير المدينة بغرب الأقصر، كما يتجاوز ما تم اكتشافه في أي موقع آخر في مصر على مدار أكثر من 200 عام من أعمال الحفائر الأثرية».

وقال رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار محمد عبد البديع إن «البعثة الأثرية العاملة بالموقع نجحت خلال السنوات الثماني الماضية، منذ عام 2018، في الكشف عن أكثر من 42 ألف قطعة أوستراكا»، وقال عبد البديع إن «أتريبس تُعد أغنى موقع في مصر بالأوستراكات المرتبطة بالأبراج الفلكية، حيث تم العثور على أكثر من 130 أوستراكا تتناول هذا الموضوع، كُتب معظمها بالخطين الديموطيقي والهيراطيقي».

القطع المكتشفة تضمنت تدوينات بلغات متنوعة (وزارة السياحة والآثار)

وتقع منطقة أتريبس في نجع الشيخ حمد على بُعد نحو 7 كيلومترات غرب مدينة سوهاج، وكانت في العصور القديمة مدينة تابعة للإقليم التاسع من أقاليم مصر العليا، وعاصمته أخميم الواقعة على بُعد نحو 10 كيلومترات شرق النيل. وكانت المدينة مركزاً لعبادة المعبودة «ربيت»، التي كانت تُصوَّر في هيئة أنثى الأسد وتُعرف بعين إله الشمس، وشكّلت ثالوثاً محلياً مع المعبود «مين» رب أخميم، والمعبود الطفل «كولنثيس».

وعد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي الكشف «إضافةً علميةً مهمةً لفهم تاريخ مصر الاجتماعي والاقتصادي عبر العصور»، مشيراً إلى أن «ما تشهده المواقع الأثرية المصرية من اكتشافات متتابعة يعكس ثراء التراث الحضاري المصري ويعزز مكانة مصر كمركز عالمي للدراسات الأثرية».

ولفت عبد البصير إلى أن «تنوع اللغات والخطوط في أوستراكات أتريبس يعكس الاستمرارية الحضارية لمصر عبر أكثر من ألف عام، ويكشف عن التحولات الثقافية والإدارية التي مرت بها البلاد من العصر البطلمي مروراً بالعصرين الروماني والبيزنطي وصولاً إلى العصور الإسلامية المبكرة».

وقال إن «هذا الكشف لا يضيف فقط عدداً كبيراً من النصوص الأثرية، بل يفتح آفاقاً جديدة لكتابة تاريخ أكثر دقة وتفصيلاً للحياة اليومية في صعيد مصر، ويؤكد مرة أخرى أن المواقع الأثرية المصرية لا تزال تحمل في باطنها مادة علمية هائلة قادرة على إعادة إحياء تفاصيل الماضي المصري بكل ثرائه وتعقيده».