إجراءات أمنية مشددة في طهران تحسباً لتوسع الاحتجاجات

250 قتيلاً واعتقال 13 ألفاً وسط تجدد صدامات الجامعات... ورئيسي تحدث عن رسائل تحذيرية لواشنطن

طلاب يرددون شعارات في جامعة بهشتي الثلاثاء (تويتر)
طلاب يرددون شعارات في جامعة بهشتي الثلاثاء (تويتر)
TT

إجراءات أمنية مشددة في طهران تحسباً لتوسع الاحتجاجات

طلاب يرددون شعارات في جامعة بهشتي الثلاثاء (تويتر)
طلاب يرددون شعارات في جامعة بهشتي الثلاثاء (تويتر)

شددت السلطات الإيرانية إجراءاتها الأمنية، وسط دعوات للتجمهر بمناسبة مضي 40 يوماً على اندلاع الاحتجاجات. وفيما شهدت بعض مناطق طهران احتجاجات، الثلاثاء، تجاهل طلاب الجامعات ولليوم الثاني على التوالي، دعوات التهدئة الحكومية، ونظموا تجمعات جديدة، الثلاثاء، في منتصف الأسبوع السادس على اندلاع أحدث موجة احتجاجات عامة. وقال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إن طهران وجهت تحذيرات إلى واشنطن.
وتجددت دعوات التجمهر بمناسبة مرور 40 يوماً على وفاة الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق. وحض ناشطون عبر شبكات التواصل الاجتماعي على الإضراب عن العمل والمشاركة في احتجاجات الشوارع. وقالوا في مناشدتهم لعموم الإيرانيين: «هذا ليس وقت الحداد، ولكن وقت الغضب».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1585316576768643072
وتفقد قائد القوات الخاصة في الشرطة الإيرانية العميد حسين كرمي قواته المتمركزة في شوارع وميادين طهران، حسب مقطع فيديو نشرته وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».
وذكرت الوكالة أن كرمي «اطلع على آخر الأوضاع الميدانية»، وأضاف: «هؤلاء الضباط الذين يقفون في الشوارع والممرات والساحات هذه الأيام لمنع مثيري الشغب القلائل من القيام بمخططات وعمليات تركيبية بهدف زعزعة النظام والأمن في البلاد».
ورغم حملة قمع تشنها القوات الأمنية، نزلت شابات وشبان مجدداً في مسيرات مناهضة للنظام في وسط العاصمة طهران، كما ظهر في تسجيلات فيديو نشرت على الإنترنت الثلاثاء. وتظهر شابات وهن يصعدن سلالم كهربائية في محطات مترو في طهران ويهتفن «الموت للديكتاتور»، و«الموت للحرس الثوري»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. ويسمع من التسجيلات هتاف «الموت لخامنئي».
- توتر في الجامعات
ووقعت صدامات في جامعة «تربيت مدرس» بين الطلاب وأمن الجامعة، على وقع شعارات حادة مناهضة للنظام. وردد طلاب جامعة بهشتي في شمال طهران شعارات ضد قوانين الفصل بين الجنسين. رددت طالبات جامعة الزهراء في طهران شعار «خافوا... خافوا... كلنا مع بعض»، وشعار «نحن لا نريد متفرجين التحقوا بنا».

طلاب في جامعة بابُل بمحافظة مازنداران الثلاثاء (تويتر)

وجلس بعض أساتذة جامعة شريف وسط الطلاب لتناول وجبة الغداء في باحة الجامعة، في ثاني أيام إغلاق قاعات الطعام أمام الطلاب بسبب رفضهم قوانين فصل الجنسين في الصالات العامة. وخطف معلق مباريات كرة القدم البارز عادل فردوسي بور، والممنوع من دخول التلفزيون الرسمي منذ أكثر من عامين، الأضواء عندما جلس بين طلابه في جامعة شريف لتناول الغداء.
وتوجه المتحدث باسم الحكومة علي بهادري جهرمي إلى قم، غداة منعه من إنهاء كلمته في جامعة خواجه نصير في طهران. وردد طلبة جامعة قم شعار «لا نريد ضيفاً قاتلاً... لا نريد نظاماً فاسداً»، بحسب فيديو نشره حساب «1500 تصوير» على «تويتر». وفي جامعة آزاد (الحرة) فرع جنوب طهران، ردد الطلاب شعار «لا نريد... لا نريد الجمهورية الإسلامية». أما في جامعة أصفهان فقال طلاب في شعاراتهم الغاضبة: «أربعون مهسا أميني... انحنى ظهر النظام». وأظهرت تسجيلات فيديو نشرتها اللجنة التنسيقية للنقابات الطلابية، تجمعات في جامعة «علم وصنعت» وعلامة وخوارزمي وجامعة آزاد فرع شمال طهران وفي جامعة شيراز في كلية الطب بجامعة مشهد، وجارتها سبزوار. بالإضافة إلى جامعات بابُل ويزد وكرمان وسنندج، وجامعة «جندي سابور» في الأحواز. وأسقط طلاب جامعة كرمان لافتة تحمل صورة المرشد الإيراني علي خامئني.
وبحسب قائمة شعارات نشرتها اللجنة التنسيقية للنقابات الطلابية، ردد الطلاب أكثر من 20 شعاراً في تجمعات الثلاثاء، وكان لافتاً إصرار الطلاب على شعارات تطالب بإطلاق سراح زملائهم المعتقلين.
في غضون ذلك، نشرت نقابة الطلبة في جامعة طهران بياناً تدين فيه إجراءات رجال أمن الجامعة، معتبرين خضوع الطلاب لتفتيش جسدي وفحص أجهزة الجوال، في تباين مع «مبدأ عدم التجسس وانتهاكاً للخصوصية».
جاءت احتجاجات الثلاثاء غداة اتهامات لقوات الأمن بضرب تلميذات وسط حملة أمنية على الاحتجاجات التي أشعلتها وفاة الشابة مهسا أميني.

عادل فردوسي مع طلابه في جامعة شريف الثلاثاء (تويتر)

ويظهر عناصر من قوات الأمن وهم يطلقون الغاز المسيل للدموع بعد تجمعهم أمام مدرسة «صدر» المهنية للبنات في طهران الاثنين، بحسب التسجيلات التي تشاركها نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي.
وتبرز الشابات والتلميذات في واجهة الاحتجاجات. وقالت قناة «1500 تصوير» إن «طالبات من ثانوية الصدر في طهران هوجمن وجردن من ملابسهن لتفتيشهن وضربن».
ونقلت تلميذة واحدة على الأقل، هي سنا سليماني البالغة 16 عاماً إلى المستشفى بحسب «1500 تصوير» التي ترصد انتهاكات قوات الأمن الإيرانية. وأضافت: «احتج الأهالي فيما بعد أمام المدرسة. هاجمت القوات الأمنية الحي وأطلقت الأعيرة على منازل أشخاص»، طبقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
- 250 قتيلاً
ذكرت «وكالة ناشطي حقوق الإنسان» في إيران أن عدد قتلى الاحتجاجات التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني ارتفع إلى 252 محتجاً. وسقط من قوات الأمن 28 شخصاً. وأشارت الوكالة إلى سقوط 35 طفلاً خلال حملة القمع التي أطلقتها السلطات في مسعى للحد من الحراك الاحتجاجي. وقالت إنها تأكدت من هوية 1002 معتقل، لكنها لفتت إلى تقديرات عن 13309 معتقلين في المسيرات المناهضة للنظام.
وذكرت «هرانا» أن 214 طالباً بين المعتقلين، مشيرة إلى رصد 552 تجمعاً في 115 مدينة و98 مدينة في أنحاء البلاد حتى ثالث أيام الأسبوع السادس من الاحتجاجات.
بدورها، ذكرت منظمة حقوق الإنسان في إيران، ومقرها النرويج، أن عدد القتلى وصل إلى 234 شخصاً، ومن بينهم 29 طفلاً. وجاء في بيان المنظمة أن السلطات ترفض تسليم جثث الموتى حتى تحصل على تعهد من أهالي القتلى بالتزام الصمت أو تأكيد شهادات الوفاة المزورة المنسوبة إلى الطب الشرعي. وقالت أيضاً: «في بعض الحالات يجري دفن الجثة دون علم الأهالي وفي مكان بعيد عن محل إقامتهم».
وبحسب المنظمة، فإن محافظة بلوشستان سجلت أكبر عدد من الضحايا بواقع 93 قتيلاً وتليها محافظة مازنداران الشمالية بـ28 قتيلاً، وطهران بـ23.
وفي محافظة بلوشستان، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني أمس، مقتل اثنين من قواته بنيران مسلحين مجهولين في زاهدان أحدهما برتبة عقيد.
ونقلت وكالة «أرنا» الرسمية عن قائد حرس الحدود الإيراني في محافظة كردستان غرب البلاد، أن أحد المجندين توفي بعد إصابته بجروح بالغة خلال مواجهات مع مسلحين.
قال المتحدث باسم القضاء الإيراني مسعود ستايشي، خلال مؤتمر صحافي، إن السلطات بدأت محاكمة الموقوفين خلال الاحتجاجات الأخيرة في أربع محافظات هي: طهران وألبرز وأصفهان وكردستان.
ونقلت وكالات رسمية عن ستايشي قوله إن «من ارتكبوا جرائم قتل وانتهاك حقوق الناس يجب أن يعلموا أن مواجهة القضاء ستكون عبرة ورادعة لهم»، مشدداً على أنهم «سينالون عقاباً شديداً».
ورداً على أسئلة تتعلق بتوقيف أجانب في الاحتجاجات، قال ستايشي إن المواطنين الفرنسيين «يواجهون تهمة التجمهر والتآمر ضد الأمن الإيراني والتجسس». وقال: «سلسلة المعلومات والتحقيقات على وشك الانتهاء».
بدوره، قال رئيس القضاء في محافظة كردستان، حسين حسيني لوكالة «تسنيم» إن التحقيقات بشأن 110 من الموقوفين في الاحتجاجات «انتهت»، لافتاً إلى توجيه لائحة اتهامات ضدهم ونقل ملفاتهم إلى المحكمة.
وأوضح المسؤول القضائي أن الموقوفين يواجهون تهم «الإخلال بالنظام العام» و«التجمهر والتآمر ضد أمن البلاد»، و«النشاط الدعائي ضد النظام» و«تحريب وحرق الأموال العامة» و«مهاجمة قوات الأمن»، وأشار إلى إمكانية طرح اتهامات مثل «المحاربة» و«العمل ضد الأمن عبر الانتماء لجماعات معادية»، وهي اتهامات تصل عقوبتها للإعدام.
- الموساد وشبكات التواصل
سياسياً، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، إنه وجّه عدة رسائل عبر رؤساء بعض الدول إلى المسؤولين الأميركيين فيما يتعلق بالاحتجاجات. وأوضح رئيسي في كلمة ألقاها أمام «الجمعية العامة لوكالات أنباء آسيا والمحيط الهادي»، أنه قال في الرسائل إن «المسؤولين الأميركيين ارتكبوا خطأ في الحسابات».
وقال رئيسي: «ارتكب الأميركيون عدة مرات خطأ في اتخاذ القرارات وأخطاؤهم تسببت في خسارات كثيرة»، وأضاف: «انطباعاتهم خاطئة والبعض يظلهم ويعلنون عن مواقف مكلفة».
وقال الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري» حسين طائب، إن «أحدث مثل وفاة مهسا أميني مخطط لها»، وادعى أن «التخطيط كان على عاتق جهاز الموساد». وأضاف: «حاول الأميركيون إثارة الاضطرابات في انتخابات الرئاسة 2013، عبر اغتيال أحد الأشخاص الذين يحملون جنسية مزدوجة ويلقون بالمسؤولية على عاتق الحكومة»، وأضاف: «أحبطنا تلك العملية واعتقلنا المتورطين»، حسبما نقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».
من جهتها، نقلت صحيفة «إيران» الحكومية عن طائب قوله: «كانت خطة الإسرائيليين لإثارة الاضطرابات في إيران البدء بقضيتي الحجاب والقضايا المعيشية منذ أكتوبر (تشرين الأول)». وأضاف: «حددوا وحدات من اليساريين في الجامعات لمتابعة قضايا الحجاب وتيارات الفتنة لمتابعة القضايا المعيشية، على أن يبدأوا من الجامعات وتنتقل إلى المعلمين، ومن ثم إلى الفئات الأخرى»، كما اتهم إسرائيل بالتخطيط لتحويل الاحتجاجات من قضية «فئات» إلى قضايا «عرقية» و«طائفية».
ومن جانبه، ألقى رئيس منظمة «الدفاع السلبي» الإيراني، غلام رضا جلالي باللوم على شبكات التواصل الاجتماعي. واعتبرها مسؤولة عن اندلاع الاحتجاجات والإضرابات التي شهدتها إيران.
وقال جلالي: «من فرشوا السجادة الحمراء أمام واتساب وتليغرام وإنستغرام مسؤولون عن تهديد الأمن الاقتصادي والقضايا الاجتماعية». وبدورها، طالبت صحيفة «جوان» الناطقة باسم «الحرس الثوري» بـ«إرسال فاتورة الخسائر الأخيرة إلى إنستغرام وتويتر»، وقالت إنها «تشجع على إثارة الشغب من صناعة المولوتوف إلى التحريض على أعمال إرهابية»، علماً بأن السلطات الإيرانية تحجب «تويتر» منذ احتجاجات الخضراء في 2009.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
TT

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)

عجل الأوروبيون في قطع الطريق على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحثهم على إرسال قطعهم العسكرية البحرية إلى مياه الخليج من أجل مواكبة ناقلات النفط والغاز والسفن الأخرى لعبور مضيق هرمز الاستراتيجي المغلق فعلياً إلا بوجه عدد محدود من الدول التي توصلت إلى تفاهمات مع إيران كالصين والهند للسماح لناقلاتها أو تلك المتجهة إليها بالعبور الآمن.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي في قصر الإليزيه مخصصاً للوضع في الخليج والشرق الأوسط (أ.ب)

كذلك لجأت عدة دول أوروبية أعضاء في الحلف الأطلسي إلى تذكير ترمب بأن مهام الحلف الأطلسي لا تشمل مضيق هرمز. وما لا يريده الأوروبيون، بأي شكل من الأشكال، أن يكونوا جزءاً من الحرب الدائرة منذ 18 فبراير (شباط) الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وجاء إلحاح ترمب، الذي وجهه إلى الحلف الأطلسي والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ليضع الأوروبيين في وضع بالغ الدقة، حيث إنهم ليسوا مستعدين للحاق بترمب، ولا هم قادرون على تجاهله، والأكثر من ذلك مواجهته.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وبان التردد الأوروبي في عجز وزراء خارجية دول الاتحاد في اجتماعهم الاثنين في بروكسل للتوصل إلى مخرج يتخطى رفضهم الاستجابة لما يريده الرئيس الأميركي.

بيد أن الخط العام الذي يسير عليه الأوروبيون، بشكل عام، لخصته كايا كالاس، في مقابلة مع وكالة «رويترز» الثلاثاء، وجاء في حرفيته أن «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في ‌مضيق هرمز، ولذا علينا إيجاد سبل ⁠دبلوماسية ⁠لإبقاء هذا المضيق مفتوحاً، حتى لا نواجه أزمة غذاء أو أزمة أسمدة أو أزمة طاقة أيضاً».

ويعني كلام المسؤولة الأوروبية الاستبعاد الكلي للجوء إلى القوة العسكرية للمحافظة على حرية الإبحار في المضيق الاستراتيجي. غير أن هذا الموقف الذي يحظى، كما بينت مناقشات وزراء خارجية الاتحاد، بدعم غالبية أعضائه، لا يكفي لإخراج الأوروبيين من ورطتهم؛ الأمر الذي برز من خلال عدم تبنيهم لأي قرار في اجتماع الاثنين.

«مهمة أسبيدس»

بوسع الاتحاد الأوروبي، نظرياً، أن يختار واحداً من الحلول الثلاثة الممكنة، في حال وضع الخيار الأميركي جانباً، وأولها توسيع إطار ما يسمى «مهمة أسبيدس» التي تعني باليونانية «الدروع». وهذه «المهمة» الأوروبية أطلقت في عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من الهجمات الحوثية التي كانت تستهدف السفن العابرة فيه. والفارق الرئيسي بين هذه «المهمة» وما قام به الطرف الأميركي أنها «محض دفاعية»؛ بمعنى أن القطع الأوروبية المشاركة فيها (وليست كثيرة وهي تعد ثلاث فرقاطات) كانت تمتنع عن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والأراضي اليمنية.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيس بمضيق كلارنس (رويترز)

والفكرة التي راجت أوروبياً أن بالإمكان تعزيز «أسبيدس» ومد انتدابها لتشمل مياه الخليج ومضيق هرمز. وهذا الخيار يحظى بدعم فرنسا وعدد آخر من الدول التي ترى فيه مخرجاً للهروب من الضغوط الأميركية. لكن المناقشات الوزارية لم تفض إلى نتيجة إيجابية أقله في الوقت الحاضر. وما يهم الأوروبيين راهناً هو كسب الوقت وعدم الانجرار وراء الأميركيين وترقب مسار التطورات العسكرية رغم الأزمة التي ضربت سريعاً قطاع الطاقة. بيد أن كالاس أسفت مع نهاية الاجتماع الوزاري أن «الدول الأعضاء لا ترغب بالوقت الراهن في تغيير انتداب (مهمة أسبيدس) وأن لا أحد يرغب في المشاركة النشطة في الحرب».

Leaders of the "European Troika" with the Ukrainian President at the entrance to the British Prime Minister's headquarters in London on Monday (AFP)

هل سيرى التحالف الدولي النور؟

ثمة خيار آخر متاح للأوروبيين عنوانه إقامة «تحالف دولي» من الجهات الراغبة بالمشاركة بعيداً عن الأميركيين، وتنحصر مهمته بتوفير الإبحار الآمن في الخليج ومضيق هرمز، من خلال مواكبة الناقلات بقطع عسكرية أوروبية وغير أوروبية.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من طرح المشروع الذي لا يمكن السير به في ظل الحرب القائمة. ووفق تصوره، فإن مهمة التحالف المشار إليه «محض دفاعية».

ورغم مرور عشرة أيام على مقترحه، فإن الأمور ما زالت ضبابية. واستبعد ماكرون، بعد ظهر الثلاثاء، وبمناسبة اجتماع جديد لمجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه، مشاركة بلاده في أي عمليات مواكبة في ظل الحرب المشتعلة، مكذباً بذلك تأكيدات ترمب الذي أشار نهاية الأسبوع إلى أن باريس تدعم جهود بلاده. وقال ما حرفيته: «لسنا طرفاً ‌في ‌النزاع، وبالتالي لن تشارك فرنسا أبداً في ‌عمليات فتح أو تحرير ‌مضيق هرمز في السياق الراهن».

سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

بيد أنه أردف قائلاً: «نحن مقتنعون بأنه بمجرد أن تهدأ الأوضاع - وأنا أستخدم هذا المصطلح على نحو فضفاض عن قصد - أي بمجرد توقف القصف الرئيسي، سنكون مستعدين، إلى جانب الدول الأخرى، لتحمل مسؤولية نظام المرافقة».

ما يفهم من المصادر الفرنسية أن الغرض إنشاء قوة بحرية - جوية يكون حضورها رادعاً. ورغم سلمية المهمة والميل للتفاهم بشأنها مع إيران، فإن القوة ستكون مؤهلة للرد على الاعتداءات التي تستهدف السفن العابرة. وحتى اليوم، فإن دولاً أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأخرى غير أوروبية مثل الهند وكندا وأخرى خليجية أبدت انفتاحاً على المقترح المذكور الذي يحتاج للكثير من البحث والتأطير، والوقت.

وأفاد مصدر عسكري قبل يومين بأن باريس تقوم بمجموعة من الاتصالات مع دول يرجح أن تكون مهتمة بالمقترح ولن يكون ممكن التحقيق إلا بعد أن تتوقف الحرب عملياً. ويمكن تلخيص المبادرة الفرنسية بأنها أقرب إلى الدبلوماسية، ويراد لها أن تكون دفاعية ودولية وألا يتم الخلط بينها وبين النشاط الأميركي - الإسرائيلي في المنطقة في الخليج والمضيق.

الاحتذاء بالنموذج الأوكراني

خلال اجتماع الاثنين، وبعد أن أكدت كالاس أن الحرب الدائرة حالياً «ليست حرب أوروبا، ولكن المصالح الأوروبية معنية بها بشكل مباشر»، اقترحت حلاً شبيهاً بما يسمّى «مبادرة البحر الأسود»، التي تم التوصل إليها في يوليو (تموز) من عام 2022؛ أي بعد الأشهر الأولى من الحرب الروسية - الأوكرانية.

وهدف المبادرة وقتها، إتاحة الإبحار الآمن في البحر الأسود للبواخر المحملة بالحبوب والأسمدة إن من أوكرانيا أو من روسيا. والدول التي كانت ضالعة في الاتفاق، إلى جانب الأمم المتحدة، هي روسيا وأوكرانيا وتركيا. وتقوم «المبادرة» على إيجاد ممرات بحرية آمنة مع مركز للتنسيق قائم في إسطنبول. وقد سمحت المبادرة بإخراج آلاف الأطنان من الحبوب والمساهمة في استقرار الأسواق. وبالنظر إلى ما قامت به الأمم المتحدة، فإن كالاس اتصلت بأمينها العام غوتيريش للتنسيق معه. وسيكون الأخير في أوروبا هذا الأسبوع بمناسبة القمة التي ينوي قادة الاتحاد عقدها، والتي ستدور غالبية أعمالها عن الحرب في الخليج والشرق الأوسط.

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في عام 2020، أطلق الأوروبيون «مهمة دولية» للمحافظة على الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشار إليها بـEMASOH. لكن هذه «المهمة» تراجع دورها بعد أن انسحبت منها عدة دول وتقلص القطع العسكرية المخصصة لها، إما بسحبها أو بتحويلها إلى مهمة «أسبيدس». وكان لهذه المهمة جناح عسكري يسمى «AGENOR» ومركز قيادة في أبوظبي. وبسبب هذه التطورات فرغت هذه «المهمة» التي كانت تجمع ما بين الدبلوماسية وإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية من أي محتوى. ولذا، ليس من المستبعد أن الدول التي كانت ناشطة فيها وغير الراغبة بالاستجابة لنداء ترمب أن تكون مستعدة، عندما تتوافر الظروف، في الانخراط بـ«التحالف الدولي» الذي يستعيد «فلسفتها»، والذي يريده الأوروبيون بالدرجة الأولى.


«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
TT

«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)

لا ينظر إلى «الباسيج» في إيران، بوصفه مجرد تشكيل ميليشياوي تابع لـ«الحرس الثوري»، بل هو أحد أكثر أدوات «الجمهورية الإسلامية» تشعباً داخل المجتمع الإيراني، وأقربها إلى وظيفة الربط بين الأمن والعقيدة والسياسة.

فمنذ تأسيسه عقب ثورة 1979، تطور من قوة تعبئة شعبية استدعيت أولاً لحماية النظام الوليد والمشاركة في الحرب العراقية - الإيرانية، إلى جهاز واسع الحضور يؤدي أدواراً متداخلة في الضبط الداخلي، والمراقبة الاجتماعية، والتعبئة الآيديولوجية، ودعم نفوذ «الحرس الثوري» داخل الدولة والمجتمع.

من «تعبوي» إلى جهاز أمن داخلي

تأسس «الباسيج» بأمر من المرشد الأول (الخميني) في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في إطار فكرة إنشاء «جيش العشرين مليوناً» للدفاع عن الثورة والنظام الجديد.

وفي بداياته، اضطلع بأدوار أمنية وخدمية محدودة، قبل أن يتحول سريعاً خلال الحرب مع العراق إلى خزّان بشري للتعبئة. وهناك ارتبط اسمه بما عُرف بـ«الموجات البشرية»، حين زُجّ بمتطوعين، كثير منهم من صغار السن أو قليلي التدريب، في جبهات القتال والحقول الملغومة.

لكن نهاية الحرب لم تعنِ تراجع دوره. على العكس، أعيد توجيه «الباسيج» تدريجياً نحو الداخل، ليتحول إلى أحد الضامنين الأساسيين للأمن الداخلي. ومنذ تسعينات القرن الماضي، ومع اتساع الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية، صار الباسيج أداة رئيسية في مواجهة الاضطرابات، وخصوصاً في احتجاجات 1999 ثم الحركة الخضراء عام 2009، وصولاً إلى موجات الاحتجاج اللاحقة.

موقعه داخل القوات المسلحة

من الناحية الهيكلية، لا يعمل «الباسيج» كقوة مستقلة بالكامل، بل يخضع لـ«الحرس الثوري»، الذي يتولى قيادته وإعادة تنظيمه وتحديد وظائفه. وقد مرّ بعدة مراحل تنظيمية، قبل أن يُدمج بصورة أوثق داخل بنية الحرس، ويصبح جزءاً من منظومة الأمن الموازي التي يقودها الأخير.

أعضاء الباسيج الطلابي يستقبلون المرشد السابق علي خامنئي بترديد هتافات (أرشيفية - موقع خامنئي)

وبذلك، لا يُقاس وزن «الباسيج» بعدد أفراده فقط، وهو رقم محل جدل كبير بين التقديرات الرسمية وغير الرسمية، بل أيضاً بموقعه كامتداد اجتماعي لـ«الحرس الثوري» داخل المدن والجامعات والمدارس والنقابات والأحياء.

وعلى هذا الأساس، يشكل «الباسيج» طبقة وسيطة بين المؤسسة العسكرية الصلبة والمجتمع. فهو ليس جيشاً نظامياً بالمعنى التقليدي، ولا مجرد ميليشيا شوارع، بل شبكة تعبئة تتغلغل في البنية المدنية، وتتيح لـ«الحرس الثوري» الوصول إلى المجتمع، ومراقبته، والتأثير فيه، واستدعاء عناصره عند الحاجة.

بنية متشعبة تتجاوز الأمن المباشر

تكشف المواد الواردة عن بنية واسعة ومعقدة لـ«الباسيج»، تشمل وحدات قتالية وأخرى اجتماعية وثقافية ومهنية. فإلى جانب كتائب مثل «عاشوراء» و«الزهراء» و«بيت المقدس» و«الإمام علي» و«الإمام الحسين» و«كوثر»، التي تضطلع بأدوار تتراوح بين مكافحة الشغب، والدعم اللوجستي، والحماية، والتدريب العسكري، توجد أيضاً فروع موجهة إلى شرائح المجتمع المختلفة: الطلاب، والتلاميذ، والجامعيون، والموظفون، والعمال، والقبائل، والمهندسون، والأطباء، والفنانون، والإعلاميون، والرياضيون، حتى رجال الدين والمنشدون الدينيون.

ولا تعد هذه البنية مجرد اتساع تنظيمي، بل فلسفة عمل تقوم على تحويل «الباسيج» إلى «مجتمع موازٍ» داخل المجتمع الإيراني. فوجوده في المدارس والجامعات والمساجد والأحياء والدوائر الرسمية يجعله جهازاً للفرز والتعبئة والرقابة، لا مجرد قوة تُستدعى عند اندلاع الاضطرابات.

العمود الفقري للأمن الداخلي

تكمن الأهمية العملية لـ«الباسيج» في كونه أحد أول خطوط الاستجابة عند وقوع الاحتجاجات كجهاز موازٍ لـ«قوات إنفاذ القانون (الشرطة)». فبحسب المواد أعلاه، تظهر عناصره سريعاً في الشوارع، على دراجات نارية أو في مجموعات ميدانية، ويتولون تفريق المحتجين، واعتقالهم، ومطاردتهم، ورصد النشطاء، والعمل أحياناً بملابس مدنية أو عبر مخبرين داخل التجمعات. كما يضطلع بدور في مراقبة المجتمع، وفرض المعايير السلوكية، ومساندة أجهزة الأمن والشرطة في ضبط المجال العام.

عناصر من «الباسيج» خلال عرض عسكري في طهران (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا المعنى، يؤدي «الباسيج» وظيفة حاسمة للنظام: تخفيض تكلفة القمع الرسمي المباشر عبر الاعتماد على شبكة تعبئة عقائدية - أمنية موزعة على القاعدة الاجتماعية. ولذلك، لا يُفهم حضوره من خلال عدد البنادق أو الكتائب فقط، بل من خلال قدرته على إنتاج حضور أمني يومي داخل المجتمع.

النفوذ السياسي والاقتصادي

لم يعد «الباسيج» مجرد أداة أمنية. فمع الوقت، اتسع نفوذه السياسي والاقتصادي، سواء عبر دعمه لتيارات محافظة في الانتخابات، أو من خلال حضوره في الجامعات والإعلام، أو عبر شبكات المنح والامتيازات والتوظيف. كما دخل في مشاريع اقتصادية وإنشائية وتنموية، مستفيداً من صلاته بـ«الحرس الثوري» ومؤسساته المالية والتعاونية.

هذا التمدد جعل «الباسيج» جزءاً من منظومة السلطة، لا من هامشها. فهو يساعد على حماية التوازن السياسي الداخلي، ويدعم نفوذ «الحرس الثوري» في مؤسسات الدولة، ويؤمن قاعدة اجتماعية وآيديولوجية للنظام في لحظات التوتر.

ذراع الحرب الناعمة والميليشيا الرقمية

ولا يقتصر دور «الباسيج» على الشارع أو الأمن الميداني، بل توسّع في العقدين الأخيرين ليشمل ما تسميه السلطات الإيرانية «الحرب الناعمة». وفي هذا السياق، أنشأ «الحرس الثوري» و«الباسيج» بنية دعائية وسيبرانية واسعة تهدف إلى مواجهة الخصوم السياسيين والإعلاميين للنظام، داخل إيران وخارجها.

عناصر من «الباسيج» في عرض عسكري بطهران 10 يناير 2024 (أ.ب)

ويعمل «مقر الحرب الناعمة» التابع لـ«الباسيج» على تنظيم الأنشطة في الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك إدارة المواقع الإلكترونية والمدونات ومنصات التواصل الاجتماعي، وتدريب آلاف الأعضاء على إنتاج المحتوى السياسي والدعائي ومواجهة المعارضين على الإنترنت. وتشير تقارير إلى أن آلاف عناصر الباسيج تلقوا تدريبات على التدوين، ومراقبة الشبكات الاجتماعية، والإبلاغ عن الحسابات المعارضة، إضافة إلى المشاركة في حملات إلكترونية منظمة.

كما يدير «الباسيج» شبكة إعلامية موازية تضم مؤسسات، مثل: وكالة أنباء تحمل اسمه و«وكالة أنباء دانشجو» المرتبطة بـ«الباسيج الطلابي» الذي ينشط بالجامعات، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بوسائل إعلام قريبة من «الحرس الثوري»، مثل «تسنيم» و«فارس». وتُستخدم هذه المنصات لترويج خطاب النظام، وتعبئة المؤيدين، ومهاجمة الخصوم السياسيين والنشطاء.

أكثر من ميليشيا

تحوّل «الباسيج» تدريجياً إلى قوة هجينة تجمع بين الميليشيا الميدانية والميليشيا الرقمية، إذ يعمل أعضاؤه في الشارع وفي الفضاء الإلكتروني معاً، ضمن استراتيجية أوسع لـ«الحرس الثوري» تهدف إلى السيطرة على المجالين الأمني والإعلامي في آن واحد.

ويبلغ عدد أفراد «الباسيج» مئات الآلاف. في المحصلة، يُعد أحد أعمدة النظام الإيراني في الداخل: ذراع تعبئة، وأداة ضبط اجتماعي، وخزاناً بشرياً للأمن، وقناة اختراق للمجتمع، ومكملاً مؤسسياً لـ«الحرس الثوري». قوته الحقيقية لا تكمن في قدرته على النزول إلى الشارع فقط، بل في اتساع شبكته داخل الدولة والمجتمع معاً. ولهذا، فإن فهم الباسيج لا يمر عبر اعتباره ميليشيا متشددة فحسب، بل بوصفه مؤسسة هجينة تجمع بين العقيدة والسلاح والتنظيم الاجتماعي، وتحتل موقعاً مركزياً في الهيكل الأمني والسياسي للجمهورية الإسلامية.


السلطات الإيرانية تدعو لمظاهرات حاشدة في مواجهة «مخططات الأعداء»

تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)
تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)
TT

السلطات الإيرانية تدعو لمظاهرات حاشدة في مواجهة «مخططات الأعداء»

تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)
تجمع لإيرانيين في طهران دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي 9 مارس (أ.ب)

دعت السلطات في طهران، الثلاثاء، المواطنين إلى النزول إلى الشوارع في مواجهة «مخططات» الأعداء، وذلك في ليلة يحييها الإيرانيون قبيل حلول رأس السنة الفارسية، وتأتي بعد أكثر من أسبوعين على بدء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وحضت الرسالة التي بثتها وسائل الإعلام الإيرانية المواطنين على الانضمام إلى مجموعات دينية «في ساحات جميع مدن البلاد» ليلاً، في «حشد شعبي لتحييد المخططات المحتملة لعناصر مرتبطين بالعدو الصهيوني».

وتشهد ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء الأخيرة من العام، حسب التقويم الهجري الشمسي الذي تعتمده إيران، احتفالات ليلية تعرف باسم «جهارشنبه سوري»، وهو مهرجان قديم للأنوار والنار يُقام قبيل عيد نوروز، وهو رأس السنة الجديدة.

ودعا رضا بهلوي، نجل شاه إيران الذي أطاحته الثورة عام 1979، الثلاثاء إلى إقامة احتفالات سلمية لمناسبة «جهارشنبه سوري»، وحضّ المواطنين على «تجنب أي توتر أو مواجهة أو الاقتراب» من قوات الأمن.

واندلعت في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول)، احتجاجات واسعة النطاق بدأت على خلفية معيشية، قبل أن تتحول حراكاً سياسياً رفع شعارات مناهضة للسلطة. وقمعت السلطات الاحتجاجات بعنف؛ ما أسفر عن مقتل الآلاف.

ومنذ اندلاع الحرب حذّرت السلطات من تجدد المظاهرات المناهضة للحكومة وفرضت إجراءات أمنية مشددة.

وحذَّرت السلطات القضائية في طهران، الأحد، المواطنين من النزول إلى الشارع كالمعتاد ليل الثلاثاء إلى الأربعاء.

وقالت: «للحفاظ على الأمن والنظام العام، يُرجى الامتناع عن إشعال النيران أو إطلاق المفرقعات» خلال العيد. وأضافت: «لنُبقِ القوات جاهزة للتعامل مع أي حوادث محتملة وضرورية».