في أعمال الفنان المصري جمال فهمي تشكّل الخامات والتقنيات العالية، فضلاً عن التركيبات اللونية والشكلية بتوليفاتها التجريدية، أدواراً حاسمة في نسيجه الإبداعي الثري، وفي معرضه الجديد «العالم في فوضاه» الذي افتتحه مساء (السبت)، بغاليري «بيكاسو» بالقاهرة، جاء هذا النسيج مسكوناً بالقلق والتساؤلات الفلسفية حول الكون، وكأنه يسرد روايات زمانية سابقة، ويستشرف حكايات مكانية لاحقة.
على غرار التشكيلي الروسي سيرغي بولياكوف، يعتقد جمال فهمي أن «الفن التجريدي هو فن موجّه للبصيرة الدفينة، وليس للبصر العابر»، ومن هنا فإن أفكاره البصرية اللونية في اللوحات جاءت لتعكس عالمه الداخلي المُشبع بتأملات وانفعالات متقاطعة، مخاطباً الجميع، ومحفزاً الجميع أيضاً، كلٌّ وفق ثقافته البصرية، على إشغال عقله واستقطابه نحو أفكاره، حيث الفضاء اللوني الذي يروض العين، ويستدرجها نحو لا وعي ما يدور حوله.
ورغم أن مفهوم «العالم في فوضاه» قد يشير ظاهرياً إلى الصراعات والأزمات المتشابكة الآنية، فإن الفنان يدعو جمهوره إلى استقراء الكون نفسه، والإيغال العميق فيه، يقول فهمي لـ«الشرق الأوسط»: «إن المعرض يحمل نظرة شاملة للكون، ويحتفي بقضية أوسع بكثير من هيمنة النزاعات التي نعيشها، أو العوالم المتصارعة حولنا، فلو تأملنا الكون حولنا سيظهر عدد هائل من المتناقضات المتعايشة مع بعضها البعض، كما سيتكشف لنا وجود فوضى عارمة، لكن بعد المرور بهذا الانطباع الأول الذي اتخذناه عنه، ندرك أنها فوضى مُنظمة، بل مُحكمة التنظيم لدرجة مذهلة، فهي تسير وفق ناموس ونظام صارم».
ويتلاقى هذا الفكر مع منهج الفنان في أعماله، فهو دائم السعي وراء الجمال والحوار بين الكتلة واللون، مع الجرأة في التعامل مع الأشكال اللونية وعلاقتها بالكتل الأخرى، يقول: «الكتلة من صنع الله، وما أقدمه في لوحاتي هو مجرد محاولة قد تصيب أحياناً، وتخيب أحياناً أخرى، لمحاكاة وتقليد الجمال الذي ينتجه الكون الشاسع حولنا».
قاد المخزون المعرفي والخيال الخصب للفنان والصحافي المخضرم جمال فهمي، إلى تقديم كتل لونية ورؤى جمالية غير تقليدية، تجمع ما بين التلقائية المدروسة والنضج الواعي، وهي تتراوح ما بين الحارة والباردة والشفافية الهادئة والسطوع الواضح، في حين تطل في لوحات أخرى قاتمة عنيفة مليئة بالانفعالات، معبراً من خلال مزج الألوان وتعددها وتناغمها وتضادها عن فكرة التنوع في الكون، ومخاطباً في الوقت ذاته الجمهور باختلاف ثقافته وقدرته على استقراء الرسائل البصرية.

جمال فهمي (الشرق الأوسط)
إلى هذا، تُعد «ديالكتيكية اللون» من سمات لوحاته في المعرض المستمر حتى 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ إذ يشعر المتلقي بوجود حوار مُغلف بالصراع أحياناً بين الألوان لا ينبع من تقنية الخلط، إنما من تطور هذه الألوان واستنادها إلى التدرجات والنسب اللونية، مع توظيف ذلك للتعبير عن أفكاره، وبذلك يجد الفنان مقاربته التجريدية الجمالية من خلال هذه «الديالكتيكية»، مما يساعد المتلقي على القراءة البصرية الصائبة لأفكاره وهواجسه، وكأنه يقدم للمتلقي شفرة التفاعل مع أعماله، وهي وإن كانت تثير الدهشة والغرائبية، فهي كذلك تبث روح الأمل.
إلى ذلك، يعتبر الفنان أن مجرد الغوص في جماليات الكون على فوضاه هو نفسه محاولة تدعو للتفاؤل في ظل الظروف بالغة السوء التي تحرض على التشاؤم، على حد تعبيره، مضيفاً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إن الكون أكبر بكثير من أن نحصره في أزمات تؤلمنا، في حين أننا حين نوسع رؤيتنا تجاه العالم، ومن ثم الكون، نكتشف أننا مجرد نقطة في بحر هائل من العناصر، وهو ما يجدد الأمل والسعادة داخلنا».
تتنوع خامات اللوحات التي يبلغ عددها نحو 30 لوحة، لكن أبرزها هو الزيت والرمل، إلى جانب ميله لاستخدام اللون الفضي مع أطر بيضاء، فتبدو بعض اللوحات كما لو أنها بيضاء خالصة ذات أسطح خشنة ومتفاوتة في البروز والتسطيح، مما يكسبها بساطة مفرطة وجماليات غير معتادة، ليذكرنا بتيار الصفائية الذي أطلقه الفنان الروسي كازيمير ماليفيتش (1878 - 1935)، حين قدم أكثر لوحاته شهرة «أبيض على أبيض»، وهي عبارة عن مربع أبيض فوق مسطح أبيض، فنجد بعض أعمال فهمي تسير على نفس النهج، لتتسم بـ«السوبرماتيزم»، وهو تيار فني يعني الاتجاه نحو الأعلى والأسمى، تأكيداً على فكرة النقاء وتجريد الفن من ضغوط الواقع وتفاصيله.
وإذا كانت الصحافة قد أخذت الفنان الذي درس الفنون الجميلة في مستهل حياته، بعيداً عن الفن، فها هو يعود إليه بقوة، وإن كانت هي نفسها التي قادته إليه هذه المرة! إذ يمثل انشغاله بالرسم في الوقت الراهن صرخة احتجاج واحتياج، يقول: «الصحافة وراء عودتي إلى الفن التشكيلي، فالرسم هو احتجاج سلمي على الحالة التي آلت إليها الصحافة المكتوبة، والمعاناة الشديدة للصحافيين وهم يتعاملون مع أداة تتأكل أمام التطور التكنولوجي الهائل الذي أفقدها دقتها ومقتضياتها المهنية، ومن جهة أخرى يمثل الفن كذلك بالنسبة لي احتياجاً، أو منفذاً تعبيرياً صادقاً لأفكاري ومشاعري».




