الإخلال بالساعة البيولوجية يضر بالصحة النفسية والجسدية

استخدام الأجهزة الإلكترونية يسبب الحرمان من النوم

الإخلال بالساعة البيولوجية يضر بالصحة النفسية والجسدية
TT

الإخلال بالساعة البيولوجية يضر بالصحة النفسية والجسدية

الإخلال بالساعة البيولوجية يضر بالصحة النفسية والجسدية

إن الثمن الغالي الذي يدفعه الإنسان باستخدامه الأجهزة الرقمية يظهر في ازدياد مشكلات الصحة النفسية الناتجة عن فوضى الساعة البيولوجية. وتسيطر عملية النوم على ما بين ربع وثلث حياة الإنسان، لكن قليلة هي المعلومات التي نعرفها عن كيفية استشعار الجسم والدماغ لحاجة النوم، ومن ثمّ عن تأقلم الجسم والدماغ وتخلّصهما تلقائياً من تلك الحاجة، ليستطيع الإنسان أداء وظائفه اليومية.
ساعة بيولوجية
تلعب الساعة البيولوجية الدور الأساسي في هذا الأمر، وهي عبارة عن مجموعة خلايا تشكّل «نواة فوق التصالبة suprachiasmatic nucleus (SCN)» وهي منطقة صغيرة من الدماغ مزروعة «تحت المهاد (hypothalamus)» تتأرجح وفقاً لجدول زمني ينظم حياتنا، وكل أنواع الحياة الأخرى على سطح الكوكب، وفقاً لأنماط ضوء الشمس. يولد كل إنسان مع هذه الآلية الأساسية المدمجة في تكوين دماغه، والمكررة في كل خلاياه.
لا تنظم هذه الساعة الجزيئية كمية ونوعية النوم الذي نحصل عليه فحسب، بل تلعب دوراً مؤثراً أيضاً في الصحة النفسية والجسدية: درجة حرارة الجسم، ومعدّل ضربات القلب، ومستويات الهرمونات، والاستجابة المناعية، والمزاج، واليقظة، والأداء الإدراكي، وأوقات التفاعل السمعي، كلّها لها أوقاتها في الشمس، على اعتبار أن الزمن الشمسي متجذر في تكوين الإنسان البيولوجي.
تزداد الأدلة العلمية التي تشير إلى أن انتهاك الساعة البيولوجية يضرّ بالصحة النفسية والجسدية، ويؤسس لأمراض عصبية تنكسية. لقد أصبح اختلال تزامن الإيقاعات البيولوجية واسع الانتشار في عالمنا الصناعي بسبب التعرض شبه الدائم أو الخاطئ للضوء، وتحديداً لموجات طولية معيّنة منه، ليسبّب زعزعة وظائف متنوعة كالمعالجة الدماغية، واستجابة الغدد الصمّاء، والنشاط المضاد للأكسدة.
أضرار الضوء الأزرق
بدأ اختراع الضوء الكهربائي بتشتيت الحدود بين النهار والليل منذ أكثر من قرن، لكن الثورة الرقمية جاءت لتقضي على تلك الحدود بشكل كامل؛ فقد تبيّن أن الضوء الأزرق الذي تبثّه الأجهزة الرقمية هو القوة الأعتى لضبط- وإغضاب- الساعة البيولوجية.
يشكل الضوء الأزرق جزءًا من الطيف المرئي في الضوء، لذا فإن التعرض له في الصباح ينشّط الجسم ويحسّن المزاج؛ أي أنه يضبط الإيقاع البشري لانطلاقة اليوم البيولوجي. وكانت بعض الدراسات قد أظهرت أن الكميات القليلة منه تثبط إنتاج الميلاتونين؛ الهورمون المرتبط بساعة الجسم واستقبال الليل البيولوجي، والذي يتراكم بالتزامن مع تلاشي الضوء ويعزّز النوم.
يؤدي التعرض للضوء الأزرق في أي وقت إلى إثباط إنتاج الميلاتونين، لكن التعرض له في الوقت الخاطئ- في الليل مثلًا- من شأنه أن يزعزع تزامن الساعة البيولوجية. تشير أرقام مؤسسة النوم الوطنية إلى أن 75 % من الأطفال، و70 % من البالغين يستخدمون جهازاً إلكترونياً باعثاً للضوء في السرير.
ترتبط وظائف الدماغ بتوقيت ونوع التعرض الضوئي؛ لأن المستقبلات الضوئية في العين البشرية- المعروفة بعصبونات الشبكية- تتواصل مباشرةً مع الدماغ لترسل إشارات لساعة «النواة فوق التصالبة».
تتسم المستقبلات الضوئية في مقدّمة العين بحساسية لموجات الضوء الأزرق الطولية يحثّها بروتين «الميلانوسبين» التأسيسي، وينظّم تنشيط المستقبلات الضوئية التي تحتوي على الميلانوسبين خلال النهار نشاط الساعة البيولوجية، وأعصاب الغدد العصبية الصمّاء، والسلوك العصبي وفقًا للزمن المحيط.
لكنّ مستقبلات الميلانوسبين تملك جدولها النظمي الخاص، وتتسم بحساسية استثنائية خلال ساعات المساء والليل. لهذا السبب، قد يؤدّي التعرض لكميات قليلة من الضوء الأزرق في الليل إلى زعزعة نظام الساعة البيولوجية.
يتمتع الضوء الأزرق، من بين جميع الألوان الموجودة في الطيف المرئي من الضوء، بالتأثير الأقوى على إيقاعات الساعة البيولوجية. ويؤدي التعرض لموجات الضوء الأزرق الطولية القصيرة المنبعثة من شاشات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية إلى نفس تأثير التعرض لضوء الشمس في الصباح.
كما تقلّل تغييرات العين الناتجة عن التقدم في العمر كمية الضوء التي تصل إلى الساعة البيولوجية، ما يؤدي إلى إعاقة المزامنة وزعزعة النوم لدى كبار السن، كما تتأثر الصحة النفسية لصغار السن بمحتوى التواصل الاجتماعي الذي يتابعونه، وتوقيت التعرض للأجهزة الباعثة للضوء الأزرق.
نقص النوم
كيف يساعد النوم في إبعاد القلق العصبي؟ تولّد النوبات الليلية في العمل نوعًا من الارتباك للساعة البيولوجية، ويواجه الأشخاص العاملون فيها- تصل نسبتهم إلى 14 % من العاملين في الولايات المتحدة- احتمالاً أكبر من غيرهم بالمعاناة من مشكلات النوم، والحوادث، واضطراب تحمّل الغلوكوز، ومشكلات القلب والأوعية الدموية، وسرطان الثدي.
يترك نقص النوم لليلة واحدة تأثيراً كبيراً على حياة الأشخاص الأصحاء؛ لأنه قد يؤدي إلى ميل التفاعلات النفسية نحو السلبية؛ فقد وجد فريق بحثي في جامعة أوبسالا أن خسارة ما يعادل ليلة واحدة من النوم قد يؤدي إلى تحليل البالغين تعبيرات الوجه بشكل سلبي، فيرون الناس أكثر غضبًا ممّا هم عليه في الحقيقة. ويعتقد الباحثون أن الأمر قد يصل إلى سوء تفسير نيات الآخرين.
في سياق متصل، اكتشف باحثون في جامعة برن أخيراً أن وظائف النوم العميق تشمل تصنيف المشاعر؛ أي تعزيز مخزون الإيجابية منها، وإخماد الأخرى شديدة السلبية أو المؤلمة، من خلال فكّ تزاوج النشاط الكهربائي لأجسام الخلايا العصبية والتغصّنات في قشرة الفص الجبهي، مما يتيح لإشارات الخطر تشغيل التغصّنات، ولكن دون الدخول إلى الخلايا.
ووجد الباحثون أن غياب النوم العميق يؤدي إلى عدم التمييز بين إشارات السلامة والخطر، ويدفع بالأعصاب إلى التفاعل مع الخوف وتحضير الأرضية لاضطرابات القلق.
وأشار باحثون من جامعة كولومبيا إلى أن النوم مسؤول عن وظيفة أخرى هي تخفيف الإجهاد التأكسدي؛ أحد أسباب تلف الخلايا التي يتعرض لها الدماغ بسبب استهلاكه الشرس للأكسجين، فقد تبيَّن أن نقص النوم يزيد حساسية الإنسان للإجهاد التأكسدي، مما يؤدي إلى تراكم الخلايا التالفة مع الوقت، والذي يتجلى أخيرًا في الأمراض العصبية التنكسية.
وكوسيط أوّلي للساعة البيولوجية، يعدّ الميلاتونين عاملاً طبيعياً للنوم؛ فقد أظهرت الدراسات أن تأثيراته البيولوجية تتجاوز النوم بكثير للمساعدة في التأثير على الحالات الناتجة عن خسارة النوم واضطراب الساعة البيولوجية.
ويعمل الميلاتونين كحامٍ عصبي لخلايا الدماغ من تراكم المخلّفات الأيضية، فضلًا عن أنه يوازن تمثيل الغلوكوز الغذائي، ويثبط نمو الخلايا السرطانية.
طرق حماية النوم
توجد طرائق كثيرة لحماية النوم؛ وأبرزها الحد من التعرض للضوء الأزرق في المساء والليل. وينصح الخبراء بتقليل وقت الشاشات والتوقف عن استخدام الكومبيوتر قبل ساعتين على الأقلّ من موعد النوم... يُفضّل أيضًا أن تتخلصوا من التلفزيون في غرفة النوم. كما تزداد شعبية تناول مكمّلات الميلاتونين في وقت متأخر من اليوم لـ«استدعاء» الليل البيولوجي كوسيلة لمحاربة الأرق.
وتشير معاهد الصحة الوطنية إلى أن استخدام الميلاتونين في الولايات المتحدة ارتفع بمعدّل خمسة أضعاف منذ بداية الألفية، بالتزامن مع ازدياد التعرض للضوء الأزرق المسبّب للأرق.
لكنّ تناول الميلاتونين ليس خالياً من المخاطر؛ لأن الجرعات الكبيرة منه ليلاً قد تولّد النعاس في نهار اليوم التالي وتؤثر في بعض الوظائف البيولوجية. علاوةً على ذلك، لم تحسم الدراسات التي أُجريت في هذا المجال فعاليته كحبوب منوّمة، حتّى إن بعض الأدلة تشير إلى أن الميلاتونين يوازي الدواء الوهمي فعالية، ومع ذلك يشير الباحثون إلى أن الأدوية الوهمية عالية الفعالية في استمالة النوم.
* «سايكولوجي توداي»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».


كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
TT

كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج
عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج

توجد أمام الباحثة إستر أولواغبينغا، بيضةٌ على حامل ثلاثي أزرق، وقد قُطعت نافذة مثلثة صغيرة في قشرتها. وعندما وضعت أولواغبينغا الفتحة تحت المجهر، كشفت عن جنين الدجاجة في الداخل.

أجنة الدجاج المختبرية

في يومه الثالث، تطوّر الجنين إلى سحابة ضبابية، بقلب نابض بحجم رأس الدبوس.

وتتدفق الخلايا عبر شرايين قرمزية اللون بشكل متقطع، كحركة المرور في ساعة الذروة.

إستر أولواغبينغا Esther Oluwagbenga، عالمة في شركة ناشئة للتكنولوجيا الحيوية تُدعى «نيون بايو» (Neion Bio)، وهي واحدة من العلماء القلائل في العالم الذين يمتلكون مهارة الحقن في شريان جنين الدجاجة. تقول أولواغبينغا: «عندما رأيت أحدهم يفعل ذلك لأول مرة، اندهشت. أردت حقاً أن أتعلم كيف أفعل ذلك. لكن الأمر كان أكثر تعقيداً مما كنت أتصور. أتدرب (على ذلك) مرتين على الأقل أسبوعياً».

حقنة في شريان الجنين

لإثبات هذه العملية الاستثنائية، تأخذ أنبوباً بلاستيكياً طويلاً من خطاف رف وتضع أحد طرفيه في فمها. أما الطرف الآخر، فيحتوي على إبرة محملة بصبغة زرقاء.

وبينما تنظر الباحثة إلى الجنين على شاشة الكمبيوتر، تُدخل الإبرة عبر نافذة قشرة البيضة، إلى داخل الجنين، ثم إلى شريان. وبنفخة خفيفة، تدفع الصبغة إلى الوعاء الدموي. وما أن ينبض لب الكتكوت، حتى يتحول جهازه الدوري لوحةً زرقاء.

الباحثة فستر أولواغبينغا

بيض الدجاج مصانع للأدوية

تُوظّف أولواغبينغا هذه المهارة الجديدة في مهمة شركة «نيون بايو»، وهي: تحويل بيض الدجاج مصانعَ للأدوية. فهي وزملاؤها يُجرون هندسة وراثية على الطيور لإنتاج مركبات طبية.

محاولات علمية دؤوبة

حاول العلماء على مدى ثلاثة عقود إنتاج الأدوية في البيض، ولكن النتائج كانت ضئيلة حتى الآن. ولم تُجز إدارة الغذاء والدواء الأميركية سوى دواء واحد مُنتَج من الدجاج للاستخدام في الولايات المتحدة، هو دواء «كانوما» Kanuma لعلاج اضطراب كبدي نادر، حصل على الموافقة في عام 2016، بتكلفة سنوية للمريض الواحد تبلغ 310000 دولار.

3 مركبات طبية

ولكن منذ ذلك الحين، سهّلت سلسلة من الاكتشافات عملية هندسة الدجاج. يقول كين-إيتشي نيشيجيما، عالم الأحياء بجامعة ناغويا في اليابان: «لقد تحسّن الوضع بشكل كبير».

وخرجت شركة «نيون بايو»، التي تأسست عام 2024، من مرحلة التأسيس السري يوم الخميس لتعلن عن اتفاقية لتطوير ثلاثة مركبات مع شركة أدوية كبرى. ولم تُحدّد الشركة في إعلانها الأدوية التي ستعمل عليها.

تكلفة علاج متدنية

وقال سام ليفين، أحد مؤسسي الشركة، إن استخدام البيض في صناعة الأدوية قد يُخفّض تكلفتها إلى عُشر أو حتى جزء من مائة من تكلفتها الحالية.

وأضاف: «إنها سلسلة إمداد طبي تعتمد على الحبوب الزراعية والماء».

حيوانات لإنتاج الأدوية

أما العديد من الأدوية الأكثر مبيعاً في العالم، مثل دواء السرطان كيترودا ودواء التهاب المفاصل هيوميرا، فهي عبارة عن بروتينات كبيرة ومعقدة، ولا يستطيع العلماء تصنيعها بالتفاعلات الكيميائية؛ لذا يقومون بهندسة خلايا من مبيض الهامستر الصيني لإنتاج هذه الأدوية.

الهامستر الصيني

كان اختيار مبيض الهامستر الصيني محض صدفة تاريخية. ففي أوائل القرن العشرين، رغب علماء في جامعات بكين في الحصول على حيوانات للدراسة. ولعدم تمكنهم من الحصول على فئران المختبر من الغرب، قاموا باصطياد الهامستر من الحقول المحيطة بالمدينة.

وفي نهاية المطاف، أثبت الهامستر فائدته الكبيرة لدرجة أن العلماء الأميركيين تمكنوا من الحصول عليه. وفي خمسينات القرن الماضي، اكتشف عالم الوراثة ثيودور باك أن خلايا مبيضه تقوم بأمر نادر الحدوث بين خلايا الثدييات (اللبائن): سهولة إنمائها مختبرياً.

واستخدم العلماء خلايا المبيض لدراسة الحمض النووي، وفي ثمانينات القرن الماضي، اكتشفوا كيفية هندستها بإضافة جينات أخرى، ثم استخلاص البروتينات المُصنّعة من تلك الجينات.

واليوم، تُزرع خلايا الهامستر الصيني في خزانات فولاذية ضخمة، لإنتاج دواء كيترودا والعديد من الأدوية الأخرى. لكن إنتاج الأدوية من هذه الخلايا ليس بالأمر الهين.

للحفاظ على نمو الخلايا في خزاناتها؛ يتعين على الفنيين إضافة مزيج معقد من المكونات والتخلص من النفايات الناتجة. قد تصل تكلفة تصنيع غرام واحد من الدواء إلى مئات أو آلاف الدولارات. وحتى المرافق اللازمة لزراعة الخلايا باهظة الثمن. في العام الماضي، بدأت شركة «ميرك» في بناء مصنع في ولاية ديلاوير لإنتاج دواء «كيترودا»، وستنفق الشركة مليار دولار على بنائه.

تهيئة حقنة الشريان الجنيني

التوجه إلى بيض الدجاج

في تسعينات القرن الماضي، تساءل بعض العلماء عما إذا كان بيض الدجاج قد يوفر طريقة أفضل لإنتاج بعض هذه الأدوية. على عكس خلايا مبيض الهامستر الصيني، يُعدّ بيض الدجاج مصدراً غنياً بالبروتين؛ إذ يحتوي بياض البيضة الواحدة على 6 غرامات من البروتين. يقول جاي يونغ هان، عالم الأحياء في جامعة سيول الوطنية: «يمكن للبيض أن يعمل كمفاعلات حيوية مكتفية ذاتياً».

لكن تحويل البيض مصانعَ للأدوية لم يكن بالأمر السهل؛ إذ كانت التقنية معقدة للغاية.

وقال مايكل ماكغرو، عالم الأحياء في معهد روزلين بإدنبره، اسكوتلندا، والعضو في المجلس الاستشاري لشركة «نيون بايو»: «كانت التقنية بالغة الصعوبة». في معظم الأحيان، فشلت هذه التقنية في هندسة الحمض النووي للدجاج بشكل صحيح؛ ما أدى إلى سنوات من التجربة والخطأ لإنتاج طيور قادرة على إنتاج دواء بكفاءة.

وأسهم ماكغرو في تطوير أساليب أفضل. فقد استغل حقيقة أن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية والبويضات تدور في مجرى الدم في المراحل المبكرة من نمو جنين الطائر، ولا تهاجر إلى أعضائه التناسلية إلا لاحقاً. وقد ابتكر ماكغرو طرقاً لاستخلاص هذه الخلايا الجرثومية الأولية من أجنة الدجاج، ثم تنميتها بالملايين.

دجاج معدل وراثياً

سمح هذا التقدم للعلماء بإجراء تعديلات دقيقة على الحمض النووي للخلايا الجرثومية الأولية. في السنوات الأخيرة، أسس عدد من العلماء شركات للاستفادة من هذه التقنيات الجديدة، من بينها شركة «أفينوجين»، التي أسسها هان، وشركة «نيون بايو».

أخيراً... فقست الكتاكيت الأولى

لإنتاج أول قطيع من الدجاج المعدل وراثياً، أدخل فريق «نيون بايو»، جينات في الخلايا الجرثومية الأولية لإنتاج دواء في بياض البيض. وحقنت أولواغبينغا وزملاؤها الخلايا المعدلة في مجرى دم أجنة الدجاج. ثم أغلقوا قشرة البيض بإحكام وانتظروا حتى تنقر الكتاكيت طريقها للخروج.

فقست الكتاكيت الأولى في سبتمبر (أيلول) الماضي. والآن، يمتلك فريق «نيون» قطيعاً من 50 ديكاً من سلالة ليغورن المعدلة وراثياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة
TT

هل يكشف صوتك مرضك؟

حين يصبح الصوت مرآة للصحة
حين يصبح الصوت مرآة للصحة

قد لا يكون الصوت مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة بيولوجية دقيقة تحمل إشارات خفية عن حالة الإنسان الصحية. فاهتزاز الأحبال الصوتية، وتغيّر الإيقاع، وحتى الترددات غير المسموعة للأذن البشرية قد تعكس تغيرات فسيولوجية معقدة داخل الجسم، لا يلاحظها الإنسان، لكنها تترك أثراً يمكن رصده، وتحليله.

وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي يقترب من الصوت بوصفه «بياناً طبياً» جديداً، حيث تعمل الخوارزميات على تحليل نبرة الكلام بدقة غير مسبوقة، بحثاً عن أنماط دقيقة قد ترتبط بأمراض عصبية، أو تنفسية، أو حتى نفسية، في تحول يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم العلاقة بين الصوت والصحة.

حين يصبح الصوت بصمة صحية للجسد

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في أحدث ما توصلت إليه الأبحاث، أظهرت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine)، قادها الباحث تشن زيي (Ziyi Chen) من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School)، أن تحليل الكلام العفوي يمكن أن يتحول إلى مؤشر رقمي دقيق لتقييم القدرات الإدراكية. وقد نجحت الخوارزميات في ربط خصائص الصوت بوظائف الدماغ، مع قدرة ملحوظة على اكتشاف التدهور المعرفي في مراحله المبكرة.

ويأتي هذا التطور امتداداً لنتائج سابقة، إذ أشارت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نتشر» (Nature)، أعدّها باحثون من جامعة ستانفورد (Stanford University) الأميركية، إلى أن تحليل تسجيلات صوتية قصيرة يمكن أن يكشف مؤشرات على اضطرابات عصبية ونفسية، اعتماداً على أنماط دقيقة في الترددات الصوتية، وسرعة الكلام، والتغيرات في النبرة.

وتكشف هذه النتائج مجتمعة عن تحول نوعي في فهم الصوت البشري؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح أداة تحليل يمكن أن تعكس الحالة العصبية، والوظائف الإدراكية للإنسان.

كيف يمكن للصوت أن يكشف المرض؟

يرتبط الصوت البشري ارتباطاً وثيقاً بالجهاز العصبي الذي يتحكم بدقة في حركة عضلات الحنجرة، ونمط التنفس، وتنسيق اللسان والشفتين أثناء الكلام. وعندما تتأثر هذه الأنظمة نتيجة اضطراب عصبي أو مرض عضوي، تظهر تغيرات دقيقة في خصائص الصوت، غالباً ما تكون خفية، ولا يمكن ملاحظتها بسهولة بالسمع البشري.

غير أن ما لا تلتقطه الأذن تستطيع الخوارزميات تحليله. إذ تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بفحص آلاف السمات الصوتية داخل تسجيل واحد، من ترددات دقيقة إلى اختلافات طفيفة في الإيقاع والتنفس، لتحديد أنماط قد تعكس تغيرات بيولوجية داخل الجسم.

وبذلك يتحول الصوت من مجرد وسيلة للتواصل إلى إشارة فسيولوجية قابلة للتحليل، وتحمل في طياتها معلومات قد تساعد على الكشف المبكر عن اضطرابات صحية قبل أن تظهر أعراضها بوضوح.

حين يتحول الهاتف إلى طبيب صامت

هل يصبح الهاتف أداة تشخيص؟

مع التقدم المتسارع في تقنيات تحليل الصوت، لم يعد هذا التصور مجرد احتمال نظري، بل يقترب تدريجياً من التطبيق العملي. فقد يتحول الهاتف الذكي إلى نقطة مراقبة صحية أولية قادرة على التقاط إشارات صوتية دقيقة خلال المكالمات، أو أثناء قراءة نص بسيط.

وفي هذا السياق، يمكن لتطبيق صحي مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يحلل صوت المستخدم في الخلفية، ويرصد تغيرات طفيفة في النبرة أو الإيقاع قد لا يلاحظها الشخص نفسه، ثم يرسل تنبيهاً مبكراً بوجود مؤشرات تستدعي المتابعة الطبية.

ولا تكمن أهمية هذا النموذج في دقته التقنية فحسب، بل في قدرته على نقل التشخيص المبكر من العيادة إلى الحياة اليومية، بحيث يصبح الاكتشاف جزءاً من الروتين، ولا يكون حدثاً متأخراً بعد ظهور الأعراض.

لكن هل يمكن الوثوق بالصوت؟

رغم هذا التقدم، يطرح استخدام الصوت كأداة تشخيص تحديات مهمة. فالصوت يتأثر بعوامل متعددة لا ترتبط بالمرض وحده، مثل الحالة النفسية، والبيئة المحيطة، وحتى ثقافة الكلام وطبيعته لدى كل فرد. كما أن الاعتماد المفرط على التحليل الصوتي قد يحمل خطر تفسير الإشارات خارج سياقها السريري.

وهنا لا يكمن التحدي في دقة الخوارزمية فقط، بل في قدرتها على فهم الإنسان في تعقيده الكامل، وهو ما يظل حتى اليوم خارج نطاق أي نموذج حسابي.

ماذا يعني ذلك للطب؟

رغم أن هذه الأبحاث لا تزال في مراحلها المبكرة، فإنها تشير بوضوح إلى اتجاه جديد في الطب يقوم على تحليل الإشارات الحيوية التي ينتجها الجسم بشكل يومي دون تدخل مباشر، في انتقال تدريجي من الفحوصات المتقطعة إلى المراقبة المستمرة.

وفي هذا الإطار قد لا يبقى التشخيص معتمداً فقط على اختبارات تُجرى داخل المختبرات، بل يمتد ليشمل بيانات تُجمع من حياة الإنسان اليومية، مثل صوته، وحركته، ونمط تنفسه، ضمن منظومة تحليل ذكية تعمل في الخلفية.

وقد يأتي وقت يصبح فيه الصوت أحد المؤشرات الحيوية المعتمدة للصحة، إلى جانب تحاليل الدم، والفحوصات التقليدية، وليس بديلاً عنها، بل يكون مكملاً لها، ويضيف بعداً جديداً لفهم الإنسان في مراحله المبكرة.

لكن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الصوت يستطيع كشف المرض...

بل ما إذا كنا مستعدين للإصغاء لما يقوله الجسد قبل أن يصرخ بالألم.