في «بيت الصحفيين» بباريس: شِبهُ معسكر ونصفُ حياة

شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
TT

في «بيت الصحفيين» بباريس: شِبهُ معسكر ونصفُ حياة

شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»

أمضيتُ أربعة شهور في فندق «عدن» المتواضع، الواقع في شارع «بلوميه»، أنفقت خلالها معظم ماجئتُ به من نقود حصيلة بيع سيارتي وبقية مدّخرات متواضعة؛ في انتظار الحصول على اللجوء. أبلغتني منظمة «مراسلون بلا حدود»، التي تبنّت طلبي للجوء، بأنهم حصلوا لي على غرفة للإقامة في «بيت الصحفيين». تنفسْتُ الصعداء، ولم أكن أعلم أنني سأعيش حياة غريبة لم أتوقعها فيما يشبه القسم الداخلي أو معسكر الرحلات.
غادرت فندق عدن، ذات مساء، في سيارة تاكسي نحو شارع «كوشي» المتفرع من شارع «سان تشارلز»، لحسن طالعي حظيتُ بغرفة جيدة واسعة - إلى حد ما - تقع في الطابق الأرضي ويميّزها حمّامٌ خاص بها، بينما يستخدم سكان بيت الصحفيين حمامات ومرافق مشتركة في الطابقين اللذين يضمّان الغرف المخصصة للوافدين من طالبي اللجوء. المنزل هو البيت الوحيد من نوعه للصحفيين في العالم، وهو مشروع مستقلٌّ تماماً لا علاقة له بأية منظمات أو أحزاب، وتنحصر مهمته في كونه مقراً للانتظار يقيم فيه الصحفي طالب اللجوء 6 أشهر، وتوفّرُ له إدارة البيت الحماية والسكن المجاني وقسائم الطعام وبطاقات الهاتف وبطاقات شهرية للتنقل في وسائل النقل العامة. يتلقى البيت مساعدات مالية كبيرة من وسائل الإعلام الفرنسية، وتتمُّ رعاية كل غرفة نوم فيه من قِبل بعضٍ من أكبر المؤسسات الصحفية «لوموند، الفيغارو، باري ماتش...»، غرفتي ترعاها صحيفة الفيغارو، على سبيل المثال؛ بما معناه أنها تغطي المخصصات البسيطة لساكنها من تذاكر مترو وبطاقات طعام وتكاليف الطاقة والخدمات الأخرى، كما يقدّمُ الصندوق الأوروبي للاجئين وبلدية مدينة باريس جزءاً من الدعم الذي يديم بيت الصحفيين ويعزز الخدمات التي تُقدَّم للّاجئين. لغرفتي نافذة مرتفعة بزجاج موصد يسمح بمرور الضوء، ويُفتَحُ جزء وسطي منها عمودياً لتتسلل منه أصوات العربات وأغاريد الطيور الجاثمة على أشجار مقبرة «غرينيل» التي يواجه سورها العتيق بيت الصحفيين. استيقظت كعادتي في وقت مبكر، وانتظرت أن تُفتَحَ المحلات التجارية، قصدتُ سوبر ماركت «ليدل LIDL» المجاور لبيت الصحفيين، والمُطلّ على شارع «سان تشارلز»، واشتريت مفارش ومواد تنظيف وطعاماً لفطوري، وكرّست يومي الأول لتنظيم حياتي للأشهر المقبلة.
أمضيت ليلتي الأولى والليالي التاليات في نوم مضطرب، مقارنة باطمئناني النوعي في فندق عدن، قرأت قليلاً، كنت متوترة، بل مرتعبة، داهمتني كوابيس مريعة، سقطتُ من السرير الضيق على البساط خشن النسيج، تملّكتني نوبةٌ من الضحك على ما أنا فيه، لم أستطع العودة إلى النوم، جلست إلى منضدة الكتابة، وفتحت اللاب توب وبدأت أكتب حتى الساعة الرابعة. من النافذة، من وراء سور المقبرة أسمع في الفجر حفيف أشجار ينذر بعاصفة، مرت سيارات، سمعت جرس الكنيسة القريبة، عندما أشرق الصباح غيرتُ ملابسي وخرجت للتمشي واستكشاف منطقة الجوار وما فيها، تعرفتُ على موقع بارك «أندريه ستروين» المحاذي لنهر السين، وبجانبه المستشفى الأوروبي، اهتديتُ إلى أقرب محطة مترو وجلست في المتنزه الخالي المجاور للمقبرة أتأمل فيما سيجيء.
زوّدَني المسيو فيليب سبينو، مدير بيت الصحفيين، ببطاقة المواصلات وبطاقات التموين التي أشتري بواسطتها الطعام من أي سوبر ماركت، ويمكنني مبادلتها بوجبة جيدة في مطاعم قريبة تتّفق مع بيت الصحفيين على صرف قسائم الطعام بثمن مضاعَف. تعرفتُ إلى أسماء الزميلات والزملاء في ملاذنا، كنت متوجسة ومنكمشة، لم أعتد العيش مع مجموعة غريبة من البشر، حملتُ اللاب توب وهبطتُ الى البَيْسْمِنْت «السرداب» المزود بخدمة الإنترنت وفيه خزانات الكتب. انصرفتُ للكتابة. بعد أسبوع اعتدتُ حياة المعسكر أو القسم الداخلي؛ فلا بد لي أن أعيش الحياة كما تُتاح لي، لا كما أردتها أو حلمت بها.
تنطلق من إحدى الزوايا موسيقى منغولية، وتزاحمها موسيقى الهيب هوب من كومبيوتر اللاجئ الأفريقي كلود، وبغتة تهبُّ علينا كنسائم عذبة بعضُ الأغاني الصحراوية الصوفية من كومبيوتر الآنسة إيزانا العروسي القادمة من الصحراء الغربية التي تتوسط المغرب وموريتانيا. أنصتُّ إلى موسيقى مقامات شرقية من كومبيوتر المصورة الصحفية الشيشانية تمارا وهي تنظر لي باستغراب من وراء زجاج نظارتها السميكة ويهفهف شعرها الأبيض الشائب قبل أن تعقصه في كعكة تقليدية خلف عنقها. أحضر درس اللغة الفرنسية، وتوزعُ علينا مدام دارلين كوثيريه كتب المرحلة الأولى، نُمضي نحو ثلاث ساعات في الدروس، وبعدها ننطلق إلى تدبير شؤون حياتنا.
تواصل الصحفية التركية من أصل كردي «نوراي» سماع الأغاني الكردية ومشاهدة المسلسلات التركية على كومبيوترها المحمول وتطلق ضحكاتها الطفولية؛ في محاولة للتخفف من وحشة غربتها، ثم تبدأ برنامجها الليلي بمحادثة أسرتها اللاجئة إلى ألمانيا بعد أن تعذّر على أهلها استقدامها إلى ألمانيا. يباغتنا إيدي جون اللاجئ الهاييتي من أصل أفريقي بضحكة متفجرة تشير إلى صعود سخريته من الحياة واضطرابه النفسي وتعلن يأسه من كل شيء، يكرّرُ رواية قصة عائلته ونكران أخيه له وما عاناه من تعذيب وسجون ومطاردات في بعض الدول الكاريبية حتى أصيب بمرض عصبي تفضحه تصرفاته الغريبة، يطلق إيدي جون على نفسه لقب «الرجل الميت الحي»، ويسهبُ في الحديث عن مقتل والدته ونهب أموالها عقاباً لها بعد هربه من هاييتي. أصادفه، كل صباح، في قاعة الإنترنت التي تقع في الطابق تحت الأرضي يُحَيّيني بطريقته الصاخبة: بونجور بونجور، ونكون كلانا أول من يستيقظ في بيت الصحفيين، ننهمك في عملنا: هو على أحد كومبيوترات بيت الصحفيين، وأنا على جهازي المحمول، أتصفحُ الصحف والمواقع وأكتبُ رسائلي ومقالاتي. في بيت الصحفيين ثقافاتٌ شتى، مكان في أقصى تجليات عولمته وعالميته؛ لذا سوف أسمع لغات هجينة: صينية مطعّمة بالفرنسية، أوردو ممتزجة بإنجليزية سائلة تجعلها أشبه بعصير استوائي متبّل بالفلفل الحار، نسمع لغات أوغندية ونيجرية تتنازل بغتة عن غرابة ألفاظها وتختار الفرنسية.
الموظفة الفرنسية الجميلة أنييس تقوم بمهمة المساعِدة لمدير البيت مسيو سبينو، تتحدث منفردة مع سفيتلانا البلغارية التي حاولت الانتحار مرتين خلال أسبوع، وإلى السيدة التبتية الصامتة، واللاجئ الإيراني الخمسيني الذي يعاني من نوبات هلع.

- خريطة الآلام الكونية
في بيت الصحفيين لا أرى في الوجوه سوى انعكاسات التجارب المريرة التي أرغمت هذا الرجل وهذه المرأة وتلك الفتاة على المجازفة والبحث عن وطن بديل في بلاد غريبة بعد هربهم من أوطان تفشّى فيها العنف. تجارب دفعت بهذا الجمع من الصحفيين إلى الفرار والتشرد في أوروبا لعلهم يحظون بفرصة للبقاء، أو - ربما - للحفاظ على قدرة استيعاب الحياة وقبولها بعد أن جاوروا الرعب والموت في المعتقلات والطرقات والحدود بين بلدانهم والبلدان التي فرّوا عبرها إلى بلد لجوء يحتضن المحظوظين منهم، جازفوا بكل شيء وزجّوا بأنفسهم في حاضر ملتبس بين رغبة اللجوء وحلم العودة ذات يوم إلى وطن قد يتسع لهم. هنا نحن لاجئون من بلاد العالم المتباعدة، نتاجُ ثقافات مختلفة، تجمعُ بيننا محنٌ إنسانية نرجو بعدها شيئاً من نجاة. الكاتب والصحفي الكوبي الأصلع ذو السحنة النحاسية خيسوس زونيكا، والصحفي الأريتيري ب. سايمون، والصحفية الصحراوية إيزانا العروسي، والصحفية البوروندية موجوما مسعود، والهاييتي جون، والآخرون، تحولت صفتنا من مواطن هارب إلى طالب لجوء على لائحة الانتظار، وهي الفترة القلقة التي يجهل كلٌّ منا ما ستُفضي إليه من رفض قاطع أو قبول تبدأ معه رحلة عذاب من طراز مختلف.
ينتظر اللاجئ عادة شهراً أو اثنين ليصله بلاغٌ إما بقبوله وإما برفض طلبه، وعندها لا بد أن يقدم طلباً للمحكمة لاستئناف النظر في طلب اللجوء، وتكلف إدارة بيت الصحفيين محامين متعاونين معها ليتابعوا قضاياهم.
كنتُ في الشهور الماضية وقبل انتقالي إلى بيت الصحفيين، أقصد دائرة الإقامة في ضاحية بعيدة وأقف ساعات طويلة تحت المطر في صف طويل من اللاجئين الهنود والصينيين والأفارقة والشيشان واللاتينيين والهنغاريين وغيرهم، أستقلُّ المترو عند الساعة 6 صباحاً كي أحصل على تمديد للإقامة الشهرية، ولا يتسنى لي إنجاز المهمة إلا بعد الساعة الرابعة عصراً. كنت أقف في المطر والبرد، وأحاول التماسك والصبر، لكنّ دموعي كانت تنهمر دون إرادة مني للواقع الذي وجدتني فيه. كنت أعيش حالة من التيه: لاأعرف ماذا سأفعل بعد أن تورطتُ بطلب اللجوء وسحبوا مني جواز سفري العراقي، ولا أملك أية وثيقة سوى ورقة الإقامة المؤقتة التي تشير إلى رقمي في طلبات اللجوء، تحولتُ إلى رقم مجرد، وأقيم مع طالبي اللجوء الغرباء في بيت الصحفيين الذي يشبه قسماً داخلياً متقشفاً يتقاسمه 15 شخصاً، وكانت فضيلة البيت الوحيدة وجود قاعة كبيرة للمحاضرات مزودة بالإنترنت. كنا نُمْضي معظم أوقاتنا فيها لتلقّي دروس الفرنسية صباحاً، وكنّا نحضّرُ طعامنا في مطبخ مشترك لم يُزَوّدْ بغير أربعة أفران مايكروويف تحيلُ أي طعام إلى مادة ذات طعم سيئ أشبه بمذاق اللدائن المحترقة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.