«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (2- 3): شيراك... شهية مفتوحة للنساء والطعام... وطبقه المفضل رأس العجل المطبوخ

الكاتب فرانز أوليفيه جيزبير: الرئيس الأسبق كان «شرهاً» في كل شيء... جاهزاً ليبلع البحر وأسماكه... كل شيء عنده صالح للأكل

برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)
برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)
TT

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (2- 3): شيراك... شهية مفتوحة للنساء والطعام... وطبقه المفضل رأس العجل المطبوخ

برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)
برناديت الأرستقراطية... وشيراك ابن الشعب (غيتي)

إذا كان فرانز أوليفيه جيزبير يرى في فرنسوا ميتران «حبه الذي لا يتفوق عليه حب آخر»، فإنه يعترف في كتابه «الزمن الجميل» بأنه أحب أيضاً الرئيس الأسبق جاك شيراك. لكنه يسارع إلى إيضاح أنه «لم يحب السياسي؛ بل أحب الرجل» الذي كان يقف خلف رجل السياسة، لا بل إنه يركز في إحدى صفحات الكتاب (الصفحة 197) على جانبه «الحيواني الطاغي».
يقول جيزبير: «قامته ممشوقة إلى الأعلى، وأنفه متأهب: شيراك كان جاهزاً ليبلع البحر وأسماكه. كان يلهث كالكلب، يركض كالحصان، يجامع كالأرنب، يأكل كالخنزير، كل شيء صالح للأكل».
يقول جيزبير: «كان شيراك فاهاً مفتوحاً بحاجة لملئه في كل وقت. سيجارته على طرف شفتيه، قميصه مفتوح، جميلاً كأحد آلهة الإغريق. كان يضج بحيوية لا مثيل لها عند أحد. كان يحب الناس، يتخطى الحواجز من اليمين واليسار، وكان يهوى الشراب. كان متسرعاً دوماً، خبيث النظرات. وقد نجح في أن يجر وراءه الديغوليين والاشتراكيين وأنصار الوسط، وحتى الشيوعيين في منطقته لا كوريز (وسط فرنسا)، وكنت أسمع من ناخبين في هذه الدائرة قولهم: أنا شيوعي الهوى؛ لكنني أنتخب لصالح شيراك».
ويضيف جيزبير: «لن أرى ولم أرَ أبداً رجلاً يمتلك الطاقة التي امتلكها شيراك. كان يحب الاحتكاك بالناس ولا يفرق بين اليمين واليسار. كان دوماً متعجلاً حتى في شؤون الحب»؛ حيث كانت له نجاحات يعرفها الجميع. ويذكّر جيزبير بما كانت تقوله عنه عشيقاته، من أن الأمور عنده «لا تتخطى الدقائق الخمس».
ومن نوادر شيراك أنه كان ينادي، تندراً، امرأته برناديت شوردون دو كورسيل، المتحدرة من عائلة بورجوازية عريقة، وقد تعرف إليها خلال سنوات دراسته في معهد العلوم السياسية في باريس: «ماما». ويحكى أن الأخيرة كانت تسأل مساء كل يوم معاونيه السؤال نفسه، وهو: «هل تعلمون أين ينام زوجي هذه الليلة؟».

لورانس ابنة شيراك... مأساة حياته الحقيقية

لم يكن زواج شيراك وبرناديت سهلاً؛ إذ إن عائلة الأخيرة رفضت بداية أن ترتبط ابنتهم برجل من عامة الشعب؛ لا بل إنها رفضت أن تتم مراسم الزواج باحتفال ضخم. لذا جرت مراسم الزواج بشيء من السرية في كنيسة متواضعة. وليس سراً أن عائلة برناديت ساعدت شيراك ليعبر إلى عالم السياسة. إلا أن الفضل الأكبر يعود لأحد كبار بارونات منطقة لا كوريز، هنري كويل، الراديكالي - الاشتراكي الذي مد له يد العون. وفي عام 1967 ترشح شيراك للنيابة في منطقة لا كوريز، رافضاً عرض جورج بومبيدو، رئيس الحكومة وقتها الذي اقترح عليه دائرة سهلة. ولأنه نجح في رهانه، بينما كان الآخرون يتوقعون فشله، فقد أثار حشرية الجنرال ديغول الذي عينه وزير دولة مسؤولاً عن شؤون العمالة، ما عبَّد له طريق السياسة والمناصب العليا في الجمهورية الفرنسية. وعمومًا، فقد مر شيراك بها جميعاً، من نائب إلى وزير دولة ووزير داخلية ورئيس حكومة ورئيس بلدية باريس، فرئيس للجمهورية؛ حيث أمضى في قصر الإليزيه 12 عاماً.

العشيقة التي كان مستعداً للتخلي عن كل شيء للزواج بها (غيتي)

يركز جيزبير على طباع شيراك الذي كان شعبياً، قريباً وبسيطاً في تعامله مع الناس، يصافح ويقبل أينما وُجد، ويوزع الابتسامات والتحيات وكلمات الإطراء، و«يدغدغ حتى مؤخرة الأبقار» عندما كان يفتتح المعرض الزراعي الذي يجري كل عام في باريس. ومن أراد أن يرى شيراك على حقيقته، كان عليه أن يتبعه وهو يتنقل بين أجنحة المعرض: كأس بيرة من جانب، وأخرى من الخمر في الجانب المقابل، وما بينهما مزيج من النقانق والسجق. وكان صحنه المفضل رأس العجل المطبوخ.
ويروي جيزبير غداء خاصاً دعاه إليه شيراك عندما كان يتابع إحدى حملاته الانتخابية، ويقول عنه إنه «منظر مدهش. فما كانت الأطباق توضع على الطاولة حتى تفرغ بلمح البصر». ويضيف الكاتب: «لم يكن يكتفي بالوجبات التقليدية؛ بل كان بحاجة لأن يأكل قبل الظهر والعصر»، وهو يقارنه بعمال البناء الذين يلتهمون السندويتشات بشراهة.
ومن الصور التي ينقلها جيزبير عن شيراك أنه كان دائم الحركة، لا يستطيع الجلوس دون أن يحرك ساقيه على الدوام، ويضرب الأرض بقدمه حتى خلال الاجتماعات الرسمية، وهو يشعل السجائر الواحدة بعد الأخرى.
شراهة شيراك امتدت إلى الجنس النسائي. ومن أبرز مغانمه الصحافية الشقراء جاكلين شابريدون، المولودة في عام 1940، والتي عملت في إذاعة لوكسمبورغ، ولاحقاً في صحيفة «لو فيغارو». ويقول جيزبير إن شيراك كان يعيش معها «قصة حب حقيقية»، وكان «مستعداً للتخلي عن كل شيء من أجلها». وكانت جاكلين متزوجة منذ سنوات من السياسي الاشتراكي شارل هيرنو الذي عينه الرئيس ميتران لاحقاً وزيراً للدفاع. لكن جاكلين تعرفت على شيراك في عام 1975، عندما كان رئيساً للوزراء، ووقعت في حبه؛ لا بل إنهما تقاربا إلى درجة أنهما عزما على الزواج رغم أن كلاً منهما كان متزوجاً من جانبه. إلا أن مستشارة شيراك السياسية ماري فرنس غارو، ذات الباع الطويل، منعت شيراك من الإقدام على هذه الخطوة، ونبهته من أنها قد تقضي على مستقبله السياسي. وذهبت غارو -وفق بعض الروايات- إلى حد اقتراح إعطاء عشيقة شيراك مبلغ 500 ألف فرنك مقابل قطع العلاقة، وقد نجحت في ذلك. ولكن لم يعرف ما إذا كانت جاكلين قد قبضت المبلغ أم لا. لكن ما هو معروف أنها حاولت لاحقاً الانتحار؛ لكن محاولتها فشلت. وبعد انفصالها عن هيرنو تزوجت مرتين.

شيراك مستقبلاً رفيق الحريري في قصر الاليزيه (غيتي)

ومن مغانم شيراك المعروفة أيضاً علاقته بالممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي، وهي علاقة لم تكن خافية على الفرنسيين. وتطول مسبحة النساء اللواتي أغراهن شيراك بقامته العالية وضحكته الرنانة وقدراته على التواصل. ومن الأسماء التي تتداول اسم ميشيل بارزاك التي عينها لاحقاً وزيرة للصحة، وأسماء أخرى كثيرة.
بيد أن في حياة جاك شيراك جرحاً عميقاً لم ينجح في علاجه أو تجاوزه، وهو مرض ابنته البكر، لورانس، التي كانت مصابة بمرض جسدي- نفسي أفقدها الشهية وأضعفها حتى الموت. وبعكس أختها كلود التي عملت إلى جانب والدها في قصر الإليزيه، فإن لورانس بقيت بعيدة عن الأضواء بسبب مرضها الذي أصابها وهي في سن الخامسة عشرة من العمر؛ لكنه لم يمنعها من أن تكمل دراستها وتصبح طبيبة. غير أن مرضها أنهكها شيئاً فشيئاً، وسعت عائلتها بكل ما تملك من وسائل لمساعدتها من غير أن تنجح. وعلى الرغم من انشغالاته وارتباطاته، فقد حرص والدها أن يراها باستمرار وأن يتناول الغداء معها مرتين في الأسبوع على الأقل، حتى ولو اضطر إلى تناول وجبتين. وحاولت لورانس الانتحار أكثر من مرة، وفي إحداها قفزت من نافذة شقتها. وفي أبريل (نيسان) من عام 2016 توفيت عن 58 عاماً بعد أن توقف قلبها عن النبض، وفشل الأطباء في إعادة تشغيله. وكلما سئل شيراك عن ابنته كان رده أنها «مأساة حياته».
يكرس جيزبير حيزاً كبيراً من حديثه عن شيراك لحياته السياسية، ولنزاعه مع الرئيس فاليري جيسكار ديستان الذي كان في زمانه أصغر رؤساء الجمهورية سناً (47 عاماً). ويروي الكاتب تفاصيل الحملة الرئاسية التي انطلقت مباشرة بعد وفاة الرئيس جورج بومبيدو في عام 1974، وهو في قصر الإليزيه، بداء السرطان. وقتها، كان في الساحة 3 مرشحين رئيسيين: الأول جاك شابان دلماس، رئيس الحكومة السابق ورئيس البرلمان ورئيس بلدية مدينة بوردو الشهيرة وصاحب برنامج إصلاحي متقدم. وكان شابان دلماس مرشح الحزب الديغولي الذي ينتمي إليه شيراك. والمرشح الثاني كان جيسكار ديستان، وزير المالية ومرشح تجمع الوسط، والثالث فرنسوا ميتران، أمين عام الحزب الاشتراكي. ومن جانبه، لم يكن شيراك، وزير الداخلية، يخفي طموحاته السياسية. وبسب انتمائه كما شابان دلماس للتيار الديغولي، كان من المفترض به أن يدعم مرشح حزبه. إلا أنه كانت لشيراك حسابات سياسية مختلفة، إذ اعتبر أن نجاح شابان دلماس سوف يضعفه ويقطع عليه طريق المستقبل. من هنا، عمد إلى تعبئة 33 نائباً في البرلمان و4 وزراء وشخصيات أخرى من حزبه، وأصدروا «نداء الـ43»، وفيه دعوا لانتخاب جيسكار ديستان الذي فاز بالرئاسة متقدماً على فرنسوا ميتران بـ425 ألف صوت فقط. وكانت مكافأته بأن سماه جيسكار ديستان رئيساً للحكومة، بحيث أصبح شيراك في سن الـ42 عاماً أصغر رئيس للحكومة سناً. لكن، منذ تلك الفترة، اتُّهم شيراك بالوصولية؛ لا بل بالخيانة وبتقديم المصلحة الشخصية على المصلحة الحزبية والعامة.

الرئيس شيراك والممثلة كلوديا كاردينالي (غيتي)

لكن العلاقة بينه وبين جيسكار لم تكن «شهر عسل»؛ بل علاقة متوترة. شخصيتان مختلفتان: من جهة شيراك الملتهب والمستعجل دوماً: «ابن الشعب»، ومن الجهة المقابلة جيسكار ديستان، السياسي الأرستقراطي، ذو الدم البارد الذي سعى منذ بداية عهده لقص جناحي شيراك.
ويروي جيزبير أحد المشاهد التي تعكس التوتر بين الجانبين، ورغبة جيسكار في «إهانة» رئيس الوزراء الذي عينه. ويحصل ذلك في قصر الإليزيه؛ حيث حمل شيراك بيانه الوزاري لرئيس الجمهورية الذي جمع حوله بعض كبار وزرائه، ومن بينهم الوزير جان جاك سيرفان شرايبر، رئيس تحرير مجلة «الإكسبريس» المعروفة. وفي هذه الجلسة، بدا شيراك كطالب يتم امتحانه، أو كصحافي متمرن يطلب منه إعادة كتابة موضوعه. وقال له شرايبر: «هذه المادة بحاجة إلى إعادة النظر بها... إنها لا تساوي شيئاً. ولو كان بومبيدو موجوداً لقال الشيء نفسه». وليس هذا المشهد سوى غيض من فيض.
ويسرد جيزبير قصة دعوة شيراك وزوجته إلى قضاء عطلة نهاية الأسبوع في «حصن بريغانسون» المطل على مياه المتوسط. وهناك، بدت معاملة جيسكار لـشيراك وزوجته مهينة، إذ دعي إلى العشاء مدرب التزلج، وأُجلس الضيفان على كرسيين، بينما جيسكار وزوجته أنيمون خصص لهما مقعدان وثيران.
ويعتبر جيزبير أن جيسكار أراد أن يجعل من شيراك موظفاً ينفذ أوامره وسياساته، وأكثر من ذلك، سعى لوأد الحزب الديغولي المنافس لتجمع الوسط، وهو ما فهمه شيراك الذي نجح في وضع اليد عليه ليجعله أداته الحربية بوجه رئيس الجمهورية. وانتهت العلاقة الجدلية بين الطرفين إلى «الطلاق»؛ حيث قدم شيراك استقالته من رئاسة الحكومة بشكل لم يسبقه إليه أي رئيس حكومة سابق، إذ أعلن ذلك بواسطة بيان مختصر وزع على الصحافة. وفي الانتخابات الرئاسية اللاحقة، لم يتردد شيراك في الترشح منافساً لجيسكار، وحصل على 18 في المائة من الأصوات. واعتبر مناصرو الأخير أن شيراك كما «خان» شابان دلماس في 1974 كذلك «خان» جيسكار في 1981؛ حيث لم يدعُ حزبه وناخبيه للاقتراع لصالحه في الدورة الثانية؛ بل اكتفى بالقول إنه «شخصياً» سيصوت له. والنتيجة كانت أن جيسكار خسر وخرج من الإليزيه.
ويقول جيزبير عن شيراك (صفحة 265) فيما يبدو أنه حكم نهائي: «إنه رجل مسكون. لم أفهم أبداً ما الذي كان يلتهمه من الداخل. هل هو الحيوية المتدفقة؟ هل هو القلق الوجودي؟ هل هو كره الذات؟ هل هي المازوشية؟ لا شك إنها هذه الأمور الأربعة معاً التي تجعله يمدد يومه إلى ما لا نهاية. لم أحب أن ألج إلى رأسه الذي لم يكن دوماً ممتلئاً».
«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «الزمن الجميل» للكاتب الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير (1- 3): كتاب مثير ينزع «ورقة التين» عن الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران
 

«الشرق الأوسط» تنشرحلقات من كتاب «الزمن الجميل» يكشف «التاريخ الحميمي لرؤساء الجمهورية الخامسة» (3-3): «الزمن الجميل» يرسم صورة «الرئيس الأرستقراطي» المتأرجح بين التقليد والحداثة


مقالات ذات صلة

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.