أبو حامد الغزالي والسير في خط مستقيم

أبو حامد الغزالي والسير في خط مستقيم

الاثنين - 22 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 17 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16029]

بالنسبة للمشغولين بالدراسات الإسلامية، تبدو شخصية أبي حامد الغزالي مثيرة للجدل إلى حدٍّ كبير، إلى حدِّ أن تتغير نظرة الباحثين إليه ما بين حين وآخر، بل تتغير نظرة الباحث الواحد إليه بين زمن وآخر. ليس في كل هذا ما يُستنكر، فهذه هي طبيعة الأشياء، وهذه هي طبيعة معارفنا إن سلِمنا من أن نكون من الجامدين الذين يرتحلهم العناد، ويشعرون بالخجل من تغيير آرائهم علناً، ويرون في التغيير ضعفاً.

هناك عدة مواقف متباينة من أبي حامد. هناك موقف المثقف المعاصر الذي يأخذ على أبي حامد تكفيره للفلاسفة، وتشجيعه لخط الدروشة الصوفية، ونفيه لمبدأ السببية. أما التكفير فهو لعنة حلّت بالأمة قديماً ولا تزال تجد من يحييها بين حين وآخر فيطلق لسانه في تكفير الكبير والصغير بلا رادع، مفتوناً بلذة التكفير وبالنشوة والاستعلاء اللذين ينتجان عنه. أقول لعنة، لأنها ليست مجرد رأي، بل حكم يترتب عليه إباحة الدم، وسلسلة من الأحكام الخطرة. التكفير هو الفتنة الحقيقية التي وقعت بين المسلمين، لا القول بخلق القرآن، فالأخيرة مسألة علمية، اختلف فيها المسلمون ويمكن أن ننظر إلى خلافهم على أنه نوع من التعددية ورؤية للحقائق من أبعاد مختلفة.

أما نفي مبدأ السببية، فلا شك أنه خطأ كبير آخر، لام العلماء عليه أبا حامد مثلما لاموا الفيلسوف الاسكوتلندي الكبير ديفيد هيوم، وكذا نيقولا مالبرانش، مع أن رأي هيوم فيه تفصيل ليس هذا مقام بيانه. لا يمكن الدفاع هنا عن الغزالي، فمبدأ السببية هو ما يقوم عليه كل العلم الحديث بقضه وقضيضه. كل الثورة العلمية التي بدأت مع كوبرنيكوس ورفضه للنظام الفلكي البطليموسي الأرسطي، وقوله إن الأرض هي التي تدور حول الشمس لا العكس، ثم تدافع العلماء: غاليليو وكبلر ونيوتن لهدم قوانين الحركة القديمة والإتيان بقوانين جديدة علمية لا فلسفية، كل هذا قام على السؤال عن الأسباب المادية.

أما الدروشة فلا يمكن لعاقل اليوم أن يدافع عن الدروشة، إلا أن أبا حامد لم يكن درويشاً بل كان فيلسوفاً حقيقياً وصوفياً عظيماً، وثمة فرق كبير وعميق بين الدرويش والصوفي. ثمة خطيئة لا يزال الناس يقعون فيها عندما يتخيلون أن المتصوفة هم جماعة يحسنون الرقص ويدور عالمهم حول الأناشيد والموالد.

بدأت معرفتي بالغزالي عندما أرشدني أحد أساتذتي في أيام الشباب إلى كتاب «المنقذ من الضلال» فقرأته، ولم يحرك فيّ شعرة، ولم أبال به، ولم أشعر بأدنى قيمة استثنائية لهذا النص الذي بدا لي وقتها وكأنه أعطي أكبر من حجمه، مع أنه هو الذي كان أكبر مني. في معظم الأحيان يكون الكتاب أكبر من قارئه، لكن لقصتي مع هذا الكتاب تتمة، هي أنني عندما أعود إليه اليوم أرى فيه أشياء أخرى.

ما السبب في تلك اللامبالاة الأولى؟ بلا شك أن البيئة السلفية التي كنا نعيشها ونعيش فيها، ما كانت لتعرف قيمة «المنقذ من الضلال»، كما أن الشاب المتدين المتحمس الذي لا يزال في بحر العشرين قد لا يقدّر تجربة الرجل الخمسيني الذي خاض التجربة العلمية بأكملها، كما توفرت في عصره، وأعطاه خلاصة عمره، في كتاب صغير لطيف.

أما البيئة السلفية فقد كانت تسيء الظن بالغزالي لأقصى مدى يمكن تخيله، وإن كان هذا قد تغير اليوم، واكتسب أبو حامد جمهوراً جديداً ممن كانوا ينبذونه بالأمس، لما وجدوا عنده من حرارة العاطفة وصدق النبرة والخبرة بالحديث عن أعمال القلوب والبهجة الصوفية، إن كان لي أن أطلق عليها هذا الاسم. إلا أنك ستجد من يقسو عليه للغاية برغم تألهه وإيمانه وتصوفه، فيتهمونه بأنه «باطني متعدد العقائد».

هذه التهمة الخطيرة جاءت نتيجة لسوء الظن بمقولة الغزالي حين كتب في كتابه «معيار العلم»: «ينبغي أن يكون للرجل ثلاثة مذاهب: مذهب المباهاة والمناظرات، ومذهب التعليمات والإرشادات، ومذهب هو ما يعتقده الإنسان في نفسه مما انكشف له من النظريات». ويزيد الأمر سوءاً مقولة تلميذه غير البار أبي بكر بن العربي الفقيه المالكي (غير ابن عربي الطائي) الذي كتب: «شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منها فما قدر».

نص أبي حامد يمكن بسهولة بالغة تفسيره وحمله على أحسن المحامل إلا أن هناك من حمّله ما لا يحتمل، ووصفوه بأنه يقول بما لا يقوله اليهود ولا النصارى، وأن كلامه هو من كلام الملاحدة من الصابئين والفلاسفة والقرامطة. ثم زعموا أنه تاب ومات و«صحيح البخاري» على صدره، أو أنه مات وهو يحافظ على الصلاة في المسجد، رغم أن هذه التوبة بهذه الصورة لم تحدث. هذه الاستتابة تنطوي على حيلة؛ إذ لنا أن نتساءل عن وجه الغرابة في فقيه سنيّ يموت وكتاب من كتب الحديث على صدره. تهمة ثم استتابة سريعة، والغاية هي تدميره معرفياً بعدما فاتت فرصة محاكمته حضورياً. إنها حيلة تنطلق من فرضية أنه صار باطنياً ثم عاد، رغم أنها لم تثبت دعوى الباطنية تلك من الأساس.

فيما يتعلق بتكفير الفلاسفة أو غيرهم، إذا كنت سأدافع عن أبي حامد، فسأقول إنه كان يسير في خط مستقيم، كان يترقى طوال الوقت. عندما ننظر في كتبه بطريقة عشوائية فلا شك أننا سنلومه على تكفير الفلاسفة، لكن عندما ننظر في تواريخ تأليف كتبه فإننا قد نصل إلى تصور الكيفية التي تطور بها فكره. ولعل أول ما قد نلاحظه هو أن كتبه السجالية قد صدرت في حقبة معينة هي ثمانينات القرن الخامس الهجري. وفي فترة متأخرة من التسعينات شرع الغزالي في خط مختلف. يمكن تمييز هذا الخط بشكل واضح مع صدور كتابه «فيصل التفرقة» ففيه كتب يقول: «فإن زعم أنّ حد الكفرِ ما يُخالف مذهب الأشعريّ أو مذهب المعتزليّ أو الحنبلي أو غيرهم- فاعلم أنه غِرٌّ بليد، قد قيده التقليد، فهو أعمى من العميان، فلا تُضَيّع بإصلاحه الزمان». هذا الكتاب ألفه في سنة 497 للهجرة؛ أي قبل ثماني سنوات من وفاته، ولم يزدد بعدها إلا بُعداً عن روح التعصب والتكفير. فقد أصدر بعده كتاب «المنقذ من الضلال» في سنة 502 للهجرة، وفيه أعلن عن انحيازه الكامل لطريقة حمائم السلام من المتصوفة، أولئك الذين رغبوا في اللب وزهدوا في القشور، واختاروا المحبة والرحمة على كل ما سواهما. ثم ختم مسيرته العلمية بكتاب «إلجام العوامّ عن علم الكلام» في سنة 505؛ أي في السنة التي مات فيها، كزاجر عن دراسة العقائد بالعقل وعن المحاكمات العقلية التي تؤدي لنصرة مذهب وتكفير آخر. كل هذا يقودنا إلى القول بأن الشيخ الجليل أبا حامد الغزالي، على الخلاف المعروف في نسبة بعض كتبه إليه، كان يسير صوب التسامح وقبول الآخر، وقد خرج تماماً من التعصب، وإلى هذا المنهج انتهى.


* باحث سعودي


اختيارات المحرر

فيديو