صديق رؤساء فرنسا يكشف أسرار 3 منهم في كتاب

ميتران كان زير نساء... شيراك نهماً في كل شيء... وجيسكار ديستان بالغ البخل

الرئيسان الفرنسيان السابقان فرنسوا ميتران (يمين) والرئيس جاك شيراك (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسيان السابقان فرنسوا ميتران (يمين) والرئيس جاك شيراك (أ.ف.ب)
TT

صديق رؤساء فرنسا يكشف أسرار 3 منهم في كتاب

الرئيسان الفرنسيان السابقان فرنسوا ميتران (يمين) والرئيس جاك شيراك (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسيان السابقان فرنسوا ميتران (يمين) والرئيس جاك شيراك (أ.ف.ب)

الصحافي الفرنسي فرانز أوليفيه جيزبير، ليس شخصية عادية في الوسط الإعلامي الباريسي منذ عقود. فالرجل مزدوج الجنسية الأميركية - الفرنسية، له باع طويل ويتمتع بتجربة استثنائية بفضل المناصب التي شغلها والوسائل الإعلامية التي أدارها متنقلاً من اليسار إلى اليمين مروراً بالوسط، وهو يرأس راهناً مجلة «لو بوان». ولم يكتف جيزبير بأن يكون صحافياً ومراقباً يقظاً للحياة السياسية في فرنسا، بل أراد أن يكون أحد صناعها. من هنا، فإنه ضم إلى افتتاحياته وتحليلاته التي ينظر إليها بكثير من الجدية مجموعة من كتب السيرة التي تؤرخ لمسارات الرؤساء الفرنسيين منذ الجنرال شارل ديغول، بطل فرنسا الحرة، وصولاً إلى الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران، الذي لا يخفي إعجابه، لا بل محبته له رغم الاختلاف السياسي. بيد أن جيزبير لم يتوقف فقط عند السياسة والحياة العامة، إذ إنه أراد أن يغوص في خصوصيات الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم فرنسا منذ انطلاقة الجمهورية الخامسة على يدي الرئيس ديغول. لذا، ففي المجلد الثاني من «التاريخ الحميمي للجمهورية الخامسة»، كما في المجلد الأول، يمزج العام بالخاص، ويسعى إلى كشف أسرار ثلاثة رؤساء كلهم توفوا (فاليري جيسكار ديستان، فرنسوا ميتران، وجاك شيراك). ومن الثلاثة، لا يتردد جيزبير في الإعراب عن تعلقه الشديد، لا بل حبه للرئيس ميتران، إذ كتب: «ميتران كان أحد أكبر قصص الحب في حياتي. كان بالنسبة لي أباً بديلاً حتى في الأوقات التي كنت فيها أقسى منتقديه في ثمانينات (القرن الماضي). سأحب دوماً الرجل الذي كنت أراه خلف سمات السياسي. كنت أحبه كما نحب أستاذ مدرسة علمنا الحياة والحب والحياة...».

الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان (أرشيفية - أ.ف.ب)

استبقت صحيفة «لو فيغارو» توزيع كتاب جيزبير بنشر مقتطفات منه لم تحمل كشف أسرار أو تجليات لم تصل إلى آذان المتابع للحياة السياسية في فرنسا منذ سبعينات القرن الماضي. لكن جيزبير يعرف الأمور من الداخل، لأنه عايشها وخبرها وتعرف على الأشخاص الذين يكتب عنهم. كان خليلاً لهم. حاورهم وناقشهم وناقضهم وانتقدهم. لكنه بقي صديقاً وفياً لهم، خصوصاً الرئيسين الأخيرين: ميتران وشيراك. يرى في الأول زير نساء، وفي الثاني نهماً في كل شيء. أما بخصوص جيسكار ديستان، فإنه يرى فيه الرجل الأرستقراطي المفرط في الذكاء، ونقل عن رسالة وجهها الجنرال ديغول إلى ابنه الأميرال فيليب جاء فيها: «جيسكار يتخطى الجميع بأشواط. لكن عيبه أنه يظهر ذلك. والحال أنه عندما تكون لنا مثل هذه الهامة، علينا أن نوهم الناس دوماً بأنهم يتمتعون بنفس الدرجة من الذكاء». الذكاء ليس عيب جيسكار، الذي بفضل ذكائه كان أصغر سياسي وصل إلى البرلمان وإلى الوزارة وإلى رئاسة الجمهورية (باستثناء الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون). لكن عيبه أنه كان بالغ البخل. وفي هذا الخصوص يقول جيزبير: «جيسكار كان ممسك اليد حتى عندما شغل أعلى المناصب، بما في حكم قصر الإليزيه، الأمر الذي كان موضع تندر عند معاونيه. نادراً ما امتدت يده إلى جيبه إلا عندما كان الأمر يتعلق بشغفه بالصيد. عندها تسقط كافة الحسابات». وينقل جيزبير فقرة من كتاب الصحافي الفرنسي جان كو «بعضاً من الذكريات»، حيث يتحدث عن جيسكار كالتالي: «كان جيسكار كاملاً، لم ألتق في حياتي رجلاً بنظافته. في كل شيء. يداه، أظافره، قمصانه، رأسه، أذناه، ذقنه: كان كاملاً في كل شيء». ولا غرو في ذلك، إذ إن جيسكار يتحدر من عائلة أرستقراطية. ارتاد أفضل المعاهد والجامعات الفرنسية. ورث عن أهله اسماً وقصراً وعريناً انتخابياً. كان محدثاً ومطوراً في كل شيء، بما في ذلك إقرار حق الإجهاض للنساء منذ سبعينات القرن الماضي، فيما هذه المسألة تحدث انقساماً عامودياً داخل المجتمع الأميركي بين مؤيد ومعارض. بيد أن جيسكار الذي أراد ولاية جديدة من سبع سنوات في قصر الإليزيه، أخفق في ذلك، وأحد أسباب إخفاقه، ليس فقط الواقع الاقتصادي وارتفاع أرقام البطالة وسياسته الاجتماعية، بل أيضاً فضيحة الماسات التي تلقتها الفرنسية الأولى عقيلته آنيمون من إمبراطور أفريقيا الوسطى جان بديل بوكاسا، صديق جيسكار وضيفه الدائم لاصطياد الفيلة في أدغال هذا البلد.

الرئيس الفرنسي الأسبق فرنسوا ميتران (أرشيفية - أ.ف.ب)

لسنوات طويلة، أخفى ميتران الجزء الغامض من حياته إلى أن خرجت الأمور إلى العلن وهو في قصر الإليزيه، رغم التدابير والإجراءات التي أقرها لإبقائها بعيدة عن أنظار وأسماع الناس. الرئيس الاشتراكي كان حقيقة زير نساء. وما يميزه عن غيره، ليس فقط قدرته على اجتذابهم، بل إنه في الوقت عينه كانت له زوجة شرعية هي دانيال ميتران التي عرفت في فرنسا بدفاعها عن الحريات وعن المحرومين والمعذبين في الأرض ومنهم أكراد العراق. دانيال أعطته ثلاثة أبناء هم باسكال وجان كريستوف وجيلبير. وإلى جانبها، كان لميتران «زوجة» ثانية هي آن بيسنجو، أسكنها شقة تعود للدولة وكان يقيم معها، وليس في منزله ولا في قصر الإليزيه. والأهم أن لميتران وآن بينجون ابنة غير شرعية هي مازارين التي اعترف بها رسمياً في أواخر حياته. ومازارين أصبحت منذ سنوات كاتبة قديرة ومحترمة. وإلى جانب جدانيال وآن بينجو، كان لميتران كوكبة من النساء اللواتي كن يتحلقن حوله.

الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك (أرشيفية - أ.ف.ب)

يقول جيزبير عن ميتران، «يا لعجبي كيف أن كافة هاته النسوة يسامحن ميتران لسلوكه الممجوج. ما هو سره الذي مكنه من أن يتجنب الاختلاف معهن، لا بل أن يحولهن لاحقاً إلى مساعدات له، ويتكئ عليهن لتحقيق نجاحه؟ إنه حقيقة مهنة. حتى وفاته، كان دوماً محاطاً بالنساء... كان يحتاط ويتكتم كان يكذب وربما كان يصدق كذباته... لا أحد يعلم أعداد اللواتي (عرفهن) من مساعدات ووزيرات وصحافيات: نساء من كل نوع التقى بهن صدفة، في الشارع أو في القطار. عاشر نجمات، وكانت له علاقة حب فاضحة في فترة ما مع المغنية داليدا التي قبّلها أمام أعين العابرين أمام صالة سينما في جادة الشانزليزيه...». لكن مغامراته العاطفية لم تجعله ينقطع عن زوجته الشرعية. يقول جيزبير، «عندما تكون دانيال إلى جانبه كانت تثير حنقه، وعندما تكون بعيدة عنه كان يشعر بغيابها. وبعد وصوله إلى الرئاسة، استنبط ميتران قصة ذهابه يومياً إلى منزله (المشترك مع دانيال) بحجة الاطلاع على بريده، ولكن حقيقة لتبادل بعض العبارات مع دانيال قبل أن يلتحق بآن بينجون، حيث كانا يمضيان الليل معاً». وخلاصة الكاتب أن ميتران لم تكن امرأتان تكفيانه. كان يريدهن كلهن معاً، وذلك حتى نهاية حياته.
لم يكن شيراك أقل شراهة. يذكر جيزبير بمقولة كان موضع تندر من الفرنسيين أن «علاقة شيراك مع النساء لم تكن تتخطى الدقائق الخمس». ويقول عنه: «كان شيراك فاهاً مفتوحاً بحاجة لملئه في كل وقت. سيجارته على طرف شفتيه، قميصه المفتوح، جميلاً كأحد آلهة الإغريق. كان يضج بحيوية لا مثيل لها عند أحد، كان يحب الناس يتخطى الحواجز من اليمين واليسار، كان يحب الشراب، متسرعاً دوماً، خبيث النظرات. نجح في أن يجر وراءه الديغوليين والاشتراكيين وأنصار الوسط وحتى الشيوعيين في منطقته لا كوريز (وسط فرنسا)، وكنت أسمع من ناخبين في هذه الدائرة قولهم: أنا شيوعي الهوى لكنني أنتخب لصالح شيراك».
كتاب جيزبير يهدم صوراً ويبني مكانها صوراً أخرى. يضج بالتفاصيل والأخبار والتحليلات. كتاب يريد الغوص في تفاصيل الحياة الخاصة لأبطاله. وما سبق من السطور ليس سوى غيض من فيض.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.