ألفريد نوبل: حياتي نصف حياة بائسة لا تصلح للعيش

صنع لنفسه صورة شخص معذب بحلم يسعى لتحقيقه (2 - 2)

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل
TT

ألفريد نوبل: حياتي نصف حياة بائسة لا تصلح للعيش

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل

ظهور العناصر الروسية في رسائل الإخوة، غالباً، بقدر تعلق الأمر بالكلمات والمفاهيم المفقودة في السويدية أو التي يبدو من الطبيعي التعبير عنها باللغة الروسية، وأحياناً لإعادة إنتاج مثَل أو قول مأثور، وفي بعض الأحيان لنقل معلومات حساسة. بالنسبة إلى هذه الأخيرة تتمثل في رسالة من ألفريد إلى روبرت، والتي جرى حفظها بين أوراقه. كان ألفريد قد انتقل إلى استوكهولم في صيف عام 1863، بينما كان شقيقه يعيش في هلسنكي مع عائلته. الرسالة مؤرخة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 1864. بعد عبارات التحية المعتادة، يتابع ألفريد:
«عليّ أن أوجز؛ لأني أعاني من التهاب في العين إثر ورم فيها، أهملته بسبب العمل. الأسوأ من ذلك كله*، أكد لنا الطبيب أن الزهرة العجوز قفزت إلى الأمام ورأى من الضروري أن تتعرف على عطارد. كل هذا كان مضجراً جداً». التعبير يبدو هنا غامضاً، غير أنه مفهوم لمعاصريه. وبعد إعادة صياغة العبارة بالإنجليزية، تكون كالتالي:
“A night with Venus and a life with Mercury.”
«ليلة الزهرة وحياة مع عطارد».


رسالة من ألفريد نوبل  إلى شقيقه روبرت مؤرخة في 19 ديسمبر 1864

«عطارد» باللغة الإنجليزية لا تعني فقط اسم كوكب؛ بل تعني، أيضاً، الزئبق. وما تحدث عنه ألفريد باللغة الروسية يخص أمراً لم يرد لأحد معرفته عدا أشقائه، ومفاده هو أنه مصاب بمرض الزهري، وقد وصِف له العلاج المعتاد في وقته، وهو العلاج بالزئبق. تشير عبارتا «الزهرة القديمة» و«قفزت إلى الأمام»، وكذلك وصف الأعراض، إلى أنه في إحدى مراحل المرض المتأخرة، بعبارة أخرى؛ قد مرت على إصابته مدة. ربما هذا هو ما كانت تشير إليه مارتا نوبل ـ أولينيكوف عندما كتبت أن عمها «كان يحمل بعض الذكريات المحرجة» من سانت بطرسبورغ منذ ستينات القرن التاسع عشر، وهنا من الصعب تصوّر أن روبرت كان هو الوحيد في العائلة الذي تم إبلاغه. لكن كما قالت، كان سراً مصوناً جيداً. يسلط المرض الضوء، أيضاً، على علاقة ألفريد بوالدته أندرييتا، فمن بين الأشقاء الثلاثة، كان هو الابن الأحب إليها، وهو شيء لم تخفه. كانت على الدوام تخاطبه في الرسائل، حتى سن الخمسين، بعبارات مثل: «صغيري ألفريد»، و«ولدي الحبيب اللطيف»... وما شابه. وكتبت مرة في إحدى رسائلها، بكل وضوح، أنه «أكثر من تحب» من بين أبنائها. وفي ضوء معرفتنا بمرض ألفريد، فمن الصعب ألا ننظر إلى هذا الحب الأمومي المتدفق على أنه تعبير عن التعاطف مع الابن الذي حُرم مما ينعم به إخوته، ألا وهو العائلة والأطفال. هذه المشاعر لقيت صداها عنده، فعندما ماتت أندرييتا، كتب ألفريد: «إنها أحبتني كما لم يحب أحد، بعد، في أيامنا هذه». ربما كانت أمه هي المرأة الوحيدة التي تعني له شيئاً؛ بحق.
حينما كتب ألفريد الرسالة إلى روبرت كان يبلغ من العمر 31 عاماً. قد يكون مصدر العدوى إحدى البغايا، فقد تردد العديد من شباب ذلك الوقت عليهن. يكتب ليف تولستوي، الكاتب المعاصر لألفريد، في مذكراته بصراحة عن زياراته التي قام بها إلى بيوت الدعارة، قبل الزواج. وقد جرى تقنين هذه البيوت في روسيا عام 1843، ولا يُعرف على وجه التحديد عدد البيوت المسجلة رسمياً في ستينات القرن التاسع عشر، ولكن في عام 1901، عملت 15000 امرأة في 2400 بيت دعارة. وبما أنه كانت هناك أيضاً بيوت غير قانونية، إضافة إلى بيوت الدعارة المسجلة، وأنّ العديد من الفتيات نزلن إلى الشوارع، فقد كان العدد الإجمالي للبغايا في روسيا أعلى بكثير من ذلك. من المستحيل بالطبع معرفة كيف التقط ألفريد العدوى، فلطالما كان مرض الزهري مشكلة رئيسية في روسيا، وعند تحرّر الفلاحين الأقنان، عام 1861 وما أعقب ذلك من نشاط سياسي واجتماعي وجغرافي، ساهم كل ذلك في الانتشار الوبائي للمرض. في صيف عام 1859، كان ألفريد مريضاً بما تصفه مارتا نوبل ـ أولينيكوف بشكل قاطع بأنه «مرض يهدد الحياة». أما بخصوص التعامل مع المرض، فتتم معالجة المريض بإبقائه في غرفة دافئة حيث يُفرك الجسم بمرهم من الزئبق مرات عدة في اليوم، ومن ثمّ يوضع بالقرب من مدفأة للتعرق. تستمر العملية من أسبوع إلى شهر، لا يُسمح خلالها للمريض بمغادرة الغرفة، وتُكرّر عند الحاجة. من هنا جاءت عبارة «حياة مع عطارد». ولطالما كان العلاج بهذه الطريقة موضع جدال؛ إذ يحدث أن يموت المريض من التسمم بالزئبق بدلاً من الشفاء. في حالة ألفريد، ليس معروفاً ما إذا كان قد اتبع توصيات الطبيب وخضع لهذا العلاج، أم لا.
كان ألفريد، مثل روبرت ولودفيغ، معتل الصحة منذ الصغر، وبالكاد توجد رسالة لا يعلّق فيها الإخوة على وضعهم الصحي ويشكون مما يشعرون به من سوء حالتهم، أكثر الأحيان. وبما أنهم يعانون من مشاكل صحية حقيقية، فقد أصبح هاجس المرض على مر السنين جزءاً من هويتهم. توفي الثلاثة في سن مبكرة نسبياً: لودفيغ في السابعة والخمسين، ألفريد في الثالثة والستين، روبرت في السابعة والستين. لقد عانى ألفريد، حقيقةً، من العديد من المشاكل الصحية ذات الطبيعة العامة التي يمكن أن تكون مرتبطة بمرض الزهري، لكن ليس بالضرورة هي كذلك: وجع الرأس (الصداع النصفي)، آلام المعدة، مشاكل القلب، تقرحات الفم، الطفح الجلدي، كما عانى من مشاكل في اللثة والعين والأعصاب. إن تأكيد أن أيّ من أمراضه هو نتيجة الزهري، أمر صعب وأقل إثارة للاهتمام، في هذا السياق. الشيء المهم وبكل الحسابات أن ألفريد نوبل كان حاملاً لمرض يصمه بوصمته ويميزه عن الآخرين، وإن لم يؤثر على قدراته الفكرية، لكن كان له أثره على فهمه لذاته ورؤيته للحياة، ليس أقلّه، علاقته بالجنس الآخر. مرض الزهري لم يكن غريباً في وقته، لكنه كان معيباً. حتى لو شفي كيف يمكنه الزواج، بشرف، أو أن يشرع بعلاقة حميمة دون أن يتحدث عن مرضه؟ كيف أتته العدوى وممن؟ ربما كان يخشى أن يكون عقيماً، أو بالفعل كان هو كذلك، وإن كان ذلك أقل شيوعاً، لكن يمكن حدوثه نتيجة الإصابة بالمرض. بالطبع لا يمكن استبعاد أنّ ألفريد نوبل قد أقام، أيضاً، علاقات حميمة بعد تشخيص إصابته، لكن على أي حال فعلاقات كهذه لا تتم من بعد، عن طريق المراسلة! خلال طوال حياته صنع ألفريد نوبل صورة له على أنه شخص مثقل بالحزن ومعذب بحلم يسعى لتحقيقه، غير أنه لم يشعر، مطلقاً، بالحب والمشاركة الإنسانية العادية المفترضة. كتب إلى زوجة أخيه إيدلا: «لا شيء يُرجى؛ حياة محطمة وخراب مقدّر»، على العكس منها؛ فثمة ما يحول بينه و«بين الحب والفرح والصخب والحياة النابضة والرعاية والحنو والملاطفة». وبناءً على مناشدة لودفيغ للتركيز على حياته من أجل تاريخ العائلة، ردّ ألفريد بعبارة موجزة؛ إنها «نصف حياة بائسة، غير جديرة بالعيش». نصف حياة تعني خلوها من الحب، كما يبدو من خلال واحدة من قصائده، حيث يلجأ ألفريد إلى امرأة «وجدتها في خاطري... فقط»: «هي حلم، فحسب، لكن لا يمكن حلمه
مجرد نصف حياة بلا لون، بلا بهجة».
في قصيدة ثانية متأخرة، يُصاغ فيها التصادم بين الحلم والواقع، على هذا النحو:

إذا كنتَ قد أحببتَ؟ آه، سؤالكِ يثير
في ذاكرتي العديد من الصور الرائعة
حلمت بالنعيم الذي لم تسمح به الحياة
يتغذى من الحب الذي يذبل في بذرته
أنت لا تعرفين كيف يخذل الواقع
عالمَ قلب الشباب القائم على اللاربح (...).
* ثبّت الكاتب نص العبارة بالروسية، كما وردت في الرسالة، ومن ثم ترجمَها، بطبيعة الحال، إلى السويدية، مثلما وضع ما يقابلها بالإنجليزية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
TT

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)
لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)

يدرس بن أورايلي، البالغ 7 سنوات، وهو أصمّ ولديه حاجات خاصة أخرى، في الصف الأول الابتدائي بمدرسة كامبتون الابتدائية في كامبتون، نيو هامبشاير الأميركية. وقالت مساعدته شيريل أوليكني، إنه لطالما شعر بالعزلة داخل المدرسة.

وأضافت: «لم تكن لديه علاقات مع أقرانه أو معلميه. كان وحيداً جداً، ويتصرَّف وفق تبعات هذه الوحدة».

يُذكر أنّ نيو هامبشاير من الولايات القليلة في الولايات المتحدة التي لا توجد بها مدرسة مخصَّصة للصم. ويُعدّ بن الطالب الأصمّ الوحيد في منطقته التعليمية بأكملها. وعليه، فإنه باستثناء أوليكني، لم يكن هناك تقريباً أيّ شخص في مجتمع المدرسة يمكنه التواصل معه، على الأقل في البداية.

وبدأ التغيير عندما شرع بعض زملاء بن في الفصل، من بينهم ريد سبرينغ، في تعلّم بعض الإشارات. وقال ريد عن بن: «إذا كان صديقك، فينبغي أن تكون قادراً على اللعب معه، وهو صديقي».

بعد ذلك، قرَّر باقي طلاب الصف تعلُّم لغة الإشارة. ومع الوقت، بدأ معلّمون في صفوف أخرى تلقّي دروس في لغة الإشارة واستخدامها، حتى في غياب بن.

وعن ذلك، قال ريد: «من الممتع التواصل مع بن واللعب معه».

من جهتها، أُصيبت والدتا بن بالتبني، إيتا ومارلاينا أورايلي، بالذهول عندما علمتا بمدى حُسن معاملته في المدرسة.

وقالت إيتا أورايلي لشبكة «سي بي إس نيوز»: «إنه لأمرٌ لا يُصدَّق. كدتُ أختنق من شدّة الدهشة».

واليوم، يعرف كل طالب وموظّف في كامبتون تقريباً قدراً من لغة الإشارة، ويؤكد والدتا بن أنّ لذلك أثراً عميقاً على ابنهما.

وقالت إيتا أورايلي: «أدرك بن حينها قيمة لغة الإشارة». أما أوليكني، فأكدت أنه «يمكنك أن ترى كيف انفتح عالمه على مصراعيه بفضل التواصل. كان الأمر مذهلاً».


أسرار العادات الصغيرة... خطوات بسيطة لراحة ذهنية أكبر كل يوم

ما هي فكرة العادات الصغيرة جداً أو «الميكرو عادات»؟ (بكسلز)
ما هي فكرة العادات الصغيرة جداً أو «الميكرو عادات»؟ (بكسلز)
TT

أسرار العادات الصغيرة... خطوات بسيطة لراحة ذهنية أكبر كل يوم

ما هي فكرة العادات الصغيرة جداً أو «الميكرو عادات»؟ (بكسلز)
ما هي فكرة العادات الصغيرة جداً أو «الميكرو عادات»؟ (بكسلز)

تُظهر أبحاث الصحة النفسية الحديثة أن التغييرات الكبيرة في الروتين ليست دائماً الحل الأمثل لإدارة التوتر وتحسين المزاج. فقد أثبتت الدراسات أن العادات الصغيرة اليومية، التي تستغرق أقل من خمس دقائق، يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في شعورك العام، من تنظيم العواطف وتقليل القلق إلى تعزيز إحساسك بالسيطرة على حياتك. هنا تأتي فكرة العادات الصغيرة جداً أو «الميكرو عادات».

ويستعرض تقرير لموقع «هيلث لاين» طرقاً بسيطة وعملية لإدراج هذه الممارسات اليومية في حياتك لتحقيق استقرار نفسي أكبر دون إجهاد نفسك بتغييرات جذرية مفاجئة.

1. تفريغ الأفكار على الورق

عندما تشعر بأن ذهنك مزدحم أو صاخب، قد تميل إلى التصفح، أو تناول وجبة خفيفة، أو تشتيت نفسك عن الشعور بعدم الراحة.

لكن الكتابة القصيرة، مثل «تفريغ العقل»، توفر طريقة مختلفة للتنفيس. بدلاً من دفع الأفكار بعيداً، تسمح لها بالتحرك بحرية.

اضبط مؤقتاً لمدة دقيقتين إلى خمس دقائق واكتب بحرية. لا حاجة للالتزام بهيكل معين أو أن تبدو كتاباتك متقنة. الهدف ليس حل المشكلات، بل توفير مساحة للأفكار للوجود خارج رأسك، مما يساعد الجهاز العصبي على الاستقرار.

2. تحريك الجسم بطريقة ممتعة

الحركة من أسرع الطرق للتأثير على المزاج. حتى النشاط البدني القصير يزيد الدورة الدموية، ويبعث شعوراً بالأمان للجهاز العصبي، ويحفز إفراز مواد كيميائية داعمة للمزاج مثل الدوبامين والسيروتونين.

المفتاح هنا هو الاستمتاع بالحركة، سواء بالرقص، أو تمارين تمدد قصيرة، أو المشي حول الحي، فخمس دقائق يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً.

3. العودة إلى طقوس الراحة

عندما يرتفع التوتر، يمكن أن يكون المألوف مهدئاً. إعادة مشاهدة مقطع من برنامج مفضل، أو الاستماع إلى موسيقى أحببتها في سن المراهقة، أو إعادة قراءة فصل من كتاب محبب، قد تبدو صغيرة لكنها تقلل الحمل العقلي وتوفر شعوراً بالأمان.

4. تقليل الفوضى البصرية

البيئة المحيطة ترسل إشارات إلى دماغك باستمرار. الفوضى البصرية تتنافس على الانتباه، ما يزيد التوتر والإرهاق الذهني.

حتى ترتيب سطح صغير مثل المكتب أو منضدة المطبخ لبضع دقائق يمكن أن يعيد شعورك بالسيطرة والهدوء.

5. استخدام التغير الحراري والطقوس كإعادة ضبط

التغيرات الحسية الصغيرة يمكن أن تكون قوية. عند الشعور بالتوتر، يمكن لتوجيه الانتباه للجسم لفترة قصيرة أن يعيدك للحظة الحاضرة.

مثلاً، تغيير درجة حرارة الماء في نهاية الاستحمام لبضع ثوانٍ، أو الخروج قليلاً لتتنفس الهواء النقي، أو وضع اليد على القلب وأخذ ثلاثة أنفاس عميقة، كلها طرق لإعادة الاتصال بالجسم وإعادة ضبط الذهن.

هذه الممارسات الصغيرة والمتكررة تساعد تدريجياً على الشعور بالهدوء والتركيز وتحسين إدارة التوتر والمزاج خلال اليوم.


غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)
وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)
TT

غي مانوكيان يُعيد صياغة موسيقى نشرة «إل بي سي آي» بروح حديثة

وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)
وضع مقطوعة موسيقية حديثة لنشرة أخبار «إل بي سي آي» (غي مانوكيان)

في خطوة فنّية جديدة لم يسبق أن خاضها، وضع الموسيقي غي مانوكيان موسيقى نشرة أخبار تلفزيون «إل بي سي آي». وهي مقطوعة تمتدّ لـ3 دقائق، بدأت المحطة اعتماد مقتطفات منها مؤخراً.

وعلى عكس مذيعي الأخبار الذين يتبدّلون بين آونة وأخرى، تحافظ الموسيقى الخاصة بالنشرات على هويتها لسنوات طويلة، ونادراً ما يطرأ تغيير على ملامحها. وهذا الثبات يخلق علاقة وثيقة بينها وبين نداء غير مباشر يدعو المتفرِّج إلى ترك ما بين يديه، والجلوس أمام الشاشة بمجرّد أن تتردَّد نغماتها.

ومنذ عام 2013 تعتمد «إل بي سي آي» موسيقى ثابتة لنشرة أخبارها، تحوَّلت مع الوقت إلى عنوان افتتاحي يرافق كلّ نشرة. وقرَّرت المحطة مؤخراً تحديث استوديوهات الأخبار، والموسيقى الخاصة بها، فكلَّفت غي مانوكيان بهذه المهمّة.

أدخل آلات موسيقية حديثة إلى العمل (غي مانوكيان)

ويروي مانوكيان كيفية تنفيذه المقطوعة قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أنجزتها منذ نحو 3 أشهر، وشعرتُ بمسؤولية كبيرة خلال العمل عليها. فموسيقى نشرة الأخبار تختلف تماماً عن غيرها، إذ تُمثّل هوية المؤسسة، وذاكرتها، وتاريخها، لذلك كان عليَّ أن أجدّدها مع الحفاظ على روحها».

واستطاع مانوكيان مقاربة هذه المهمّة مستعيناً بما تختزنه نشرة أخبار «إل بي سي آي» من رصيد لدى الجمهور، فنسج مقطوعة تجمع بين الحداثة، والرصانة، وتحاكي في آنٍ واحد ذاكرة المُشاهد، وتطلّعاته.

فالإبقاء على القديم مع إجراء تعديلات عليه تطلَّبا منه المزج بين الحنين والتطلُّع إلى المستقبل. وقال: «كان يجب أن يشعر المُشاهد بالتجديد من دون أن يفقد علاقته بالنشرة التي اعتادها، فهي بمثابة قصة ثقة تولد على مرّ السنوات، ولا يمكن كسرها، أو تشويهها».

ويتابع: «أسوةً بغيري من اللبنانيين، تربّيتُ مع هذه الشاشة، وأعدُّ نفسي ابنها، لا سيما أنها شكّلت داعماً للفنّ منذ بداياتها. وما أسهم في تكوين فكرة المقطوعة بصيغتها الجديدة هو بساطة النغمة القديمة، إذ اتّجهت إلى بناء تركيبة أكثر تعقيداً».

ويشير إلى أنه استعان بعدد من الآلات الموسيقية لتلوين القالب الفنّي الجديد، موضحاً: «اعتمدتُ على الآلات الإلكترونية إلى جانب الغيتار، والدرامز، كما عملتُ على تسريع النغمة المتكررة من دون إحداث تغيير جذري، فجاءت حماسية، وإيجابية، وتوحي بأخبار تحمل قدراً من التفاؤل». وأضاف: «المقطوعة تحمل ذاكرة جماعية، مع التركيز على الثقة القائمة بين المشاهد والمؤسّسة».

ويكشف مانوكيان أنه ألَّف مقطوعتين مختلفتين، إحداهما تُعيد الموسيقى القديمة بتوزيع حديث، والأخرى جديدة بالكامل لجهة التركيبة، والطابع: «نصحتُ بالإبقاء على النسخة المطوَّرة من الموسيقى القديمة، حفاظاً على هوية النشرة، وهو ما اختارته المحطة».

ويصف هذه التجربة بأنها أضافت إلى مسيرته، مشيراً إلى أنه حظي بمساحة للعمل وفق رؤيته الفنّية. وقال: «عندما نعمل مع مؤسّسة إعلامية تمثّل جزءاً من تاريخ لبنان الحديث، نشعر بثقل المسؤولية، وقد ساعدني استخدام آلات عصرية على تحقيق الاختلاف المطلوب».

يُحضّر لألبوم موسيقي يتألَّف من 13 مقطوعة سيمفونية (غي مانوكيان)

من ناحية أخرى، يستعدّ مانوكيان لإطلاق ألبوم موسيقي جديد يقترب فيه من الطابع السيمفوني، ويضمّ 13 مقطوعة بالتعاون مع أوركسترا ياريفان الوطنية. ومن المتوقَّع أن ينجز العمل مطلع صيف 2026، على أن يصدر قبل عام 2027.

وعن التأليف في ظلّ الظروف التي يشهدها لبنان، يقول: «من الصعب ممارسة التأليف في هذه الأوضاع. فالموسيقى لغة سلام، ونحن نعيش حالة من عدم الاستقرار منذ السبعينات. أحاول إبراز وجه لبنان الثقافي، ورغم تأثير الحرب في الفنان، أصرُّ على الاستمرار، وعدم التوقُّف».