استرداد طه حسين

الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس

استرداد طه حسين
TT

استرداد طه حسين

استرداد طه حسين

قلة من المفكرين والمبدعين تكون حياتهم الشخصية ملهمة بقدر أفكارهم وإبداعهم، على رأس هذه القلة - عربياً - طه حسين، فلم يكن المقسوم لصبي فقد بصره وقت مولده من نصيب أفضل من قراءة القرآن في المقابر لقاء بعض الصدقات. وربما ينتظر هذا المصير الكفيف إلى اليوم في الريف المصري. لذلك كان تدريس سيرة طه حسين «الأيام» لطلاب الثانوي على مدار عقود عملاً موفقاً يبث في النشء إرادة التحدي، مهما كانت ظروفهم، ورسالة لكل من يعاني من إعاقات الصحة أو الفقر: نعم تستطيع!
لم يكن العمى محبس طه حسين الوحيد، بل البيئة المتواضعة علمياً في القرية ثم الدراسة الأزهرية الجامدة، لكنه شق طريقه على هدي من حدسه العقلي واقتداءً ببعض شيوخه المستنيرين، وسرعان ما صار شاباً لامعاً، ثم مفكراً لم تتقادم أفكاره وتتعرض للنسيان، لكنها لم تستقر كذلك، وهذا مبعث الأسف.
لم ينسه تلاميذه، ولم ينسه الخصوم كذلك. تصدر عنه الكتب التي تعيد استقراء أفكاره، كما ينشط الخصوم في تدوير الاتهامات القديمة المبنية على شائعات، وتلك التي تضع رؤاه في مواجهة مع الدين.
من صفوف التلاميذ الأحدث، يخرج الناقد ممدوح فراج النابي بكتاب «استرداد طه حسين» الصادر عن دار «خطوط وظلال» الأردنية، منذ نحو عام، أخلص فيه لفكرة الاسترداد، إذ قسمه إلى ثلاثة أقسام: دفاعاً عن العميد، العميد والريادة، ووجوه العميد المتعددة.
ربما يسأل القارئ نفسه في مواجهة القسم الأول: هل يجب أن نعود إلى الدفاع عن طه حسين اليوم؟ وهل يجب أن نستعيد معارك العقود الأولى من القرن العشرين واتهامات بحق الرجل تدعي انتحاله منهجاً أو فكرةً أو نصاً بعد أن ثبت كيديتها، وأن ما يقف وراءها كان كيد المتزمتين تارة وكيد زميل حاسد تارة أخرى؟
لكن البحث على شبكة الإنترنت يؤكد أن النابي لديه بعض الحق في استعادة هذا التاريخ، لأن أحفاد الخصوم لا يزالون خصوماً يكررون المقولات ذاتها، ويجدون في الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية المساحات التي يعيدون فيها بث أكاذيبهم.
دعوته للعقلانية، هزت ثوابت العقول المطمئنة إلى جمودها المكتفية بإعادة تقديم الشروح تلو الشروح لنصوص قديمة دون رغبة في التجاوز. وهذا هو أصل العداء المستعر إلى اليوم.
ورغم شهرة معركة الشعر الجاهلي، إلا أنها كانت المحنة الثانية، حيث يعود النابي إلى ما أحدثته رسالة طه حسين للدكتوراه «ذكرى أبي العلاء» التي نشرها فيما بعد بعنوان «تجديد ذكرى أبي العلاء»، وكانت رسالة الدكتوراه الأولى التي تُقدم عام 1914 للجامعة المصرية الناشئة.
ناقش طه حسين في الرسالة ثلاثة من الشيوخ، رأى اثنان منهما، محمود فهمي ومحمد الخضري منح الطالب تقدير فائق، ورفض الشيخ الثالث محمد المهدي، لأن طه حسين له سابق رأي فيه، فكانت النتيجة منح طه حسين تقدير «جيد جداً». وهذا ليس كل شيء، فقد طالب عبد الفتاح الجمل، وهو عضو في الجمعية التشريعية عن بورسعيد بحرمان طه حسين من حقوق الجامعيين «لأنه ألف كتاباً فيه كفر وإلحاد»، ولكن سعد زغلول رئيس الجمعية أمات الفتنة في مهدها بأن استدعى النائب وأقنعه بالعدول عن مذكرته.
والزعيم سعد نفسه هو الذي سينحني لعاصفة «الشعر الجاهلي» فيخرج لطلاب الأزهر الغاضبين بكلام ناعم ألا يقلقوا لأن الإسلام راسخ، ويستجوب رئيس الحكومة عدلي يكن بشأن نشر الكتاب. ويجد النابي تفسير ذلك بأنه في المحنة الأولى تمكن من أصل اللهب، لكن النيران خرجت عن سيطرته في المحنة الثانية فاضطر إلى المسايرة.
محنة «الشعر الجاهلي» هي الكبرى؛ فهي التي قادت طه حسين إلى المحاكمة، وأشعلت المظاهرات ضده، وعرضته لمقالات شديدة القسوة تطعن في دينه، وخلطت الأوراق السياسية بضراوة طالت القصر والوزارة والجامعة مع شخص طه حسين.
ويرى النابي أن كل كتابة عن طه حسين يجب أن تبدأ بـ«الأيام» الكتاب الأشهر في المكتبة العربية بعد ألف ليلة وليلة. ونظراً لتوقيت نشر جزئه الأول يرى أنه ليس مجرد كتاب في السيرة. فقد شرع العميد في نشر حلقاته في مجلة «الهلال» بعد أشهر قليلة من محنة الشعر الجاهلي، عام 1926، لمدة عام، ثم صدرت بعد ذلك في كتاب عام 1929، في هذا التوقيت كان طه حسين لم يزل في الثامنة والثلاثين، وهذا ليس وقت كتابة السيرة، ولكنه اندفع إليها بعد المحنة. دفاعاً عن نفسه وإعلاناً من ذاته المفردة عن نفسها، وعن ثورتها ضد كل ما يقيدها.
و«الأيام» ذاتها هي التي ستكون الفخ الثاني، فبعد الضجة الدينية حول الشعر الجاهلي والتقولات عن استناده فيه على مقال للمستشرق مرجليوث، جاء الدور على الطعن في كتاب إبداعي، حيث ادعى أحمد ضيف زميل بعثة طه حسين إلى فرنسا أن العميد سرق روايته «منصور» وضمنها «الأيام». ويجد ضيف إلى اليوم من يستعيد تقولاته عن طه حسين، استناداً إلى أن البطل صبي ريفي لا أكثر!
ترصد ضيف لطه حسين هو الأقل تماسكاً والأكثر انكشافاً، لكن قضية مرجليوث أخذت زمناً أطول، رغم أن المبالغات من شأنها أن تقلب الأمر إلى مزحة؛ حيث زج الخصوم أنفسهم باسم مرجليوث مرة أخرى طعناً في كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم».
لم يستند طه حسين في عمله إلى منهج الشك الديكارتي بكامله، ولا يمكن وضعه داخل هذا المنهج وحده، لأنه كان دائم البحث عن منهج. وبدا استخدامه للمنهج الاجتماعي في دراسة أبي العلاء، فقد كتب: «أبو العلاء ثمرة من ثمرات عصره، قد عمل في إنضاجها الزمان والمكان، والحال السياسية والاجتماعية، بل والحال الاقتصادية». وفي كتاب قادة الفكر (1925) يقول: «الشاعر والكاتب لا يستمد شخصيته من شخصه وحده. وإنما يستمد أكثر فنه وأكثر شخصيته من أشياء أخرى ليس له فيها حيلة (…) وأكاد أقول إن الفرد نفسه ظاهرة اجتماعية». كما يبدو واضحاً لدى طه حسين اعتماده على المنهج التاريخي في استقصاء المصادر وتفنيدها.
ويستشهد النابي بدراسة سيد البحراوي للتأكيد على أن طه حسين عرف المنهج المادي كما كان يفهمه فرنسيو القرن الثامن عشر وامتدادها عند أصحاب المدرسة الطبيعية في النقد. وفي كل ذلك كان طه حسين يؤكد دائماً على ضرورة تجرد الباحث من الهوى والعاطفة.
يخصص الباحث فصلاً من كتابه للمقارنة بين رؤيتي طه حسين وتزفيتان تودوروف لتدريس الأدب، ليجد التشابه بين ما بدأ به طه حسين حياته في البحث وما انتهى إليه تودوروف في نهاية رحلته عبر كتابه «الأدب في خطر - 2007».
بين صرخة في بدايات القرن العشرين وأخرى في بدايات القرن الحادي والعشرين، يعتقد النابي أن الدرس الأدبي تاه وواصل طلابه حالة من الاغتراب، خلال سطوة المناهج الشكلانية. وما ثار عليه تودوروف في النهاية يشبه ثورة طه حسين على الشروح اللغوية كما وجدها في دروس شيوخه من أمثال سيد بن علي المرصفي.
ويقرأ المؤلف التقاطعات بين طه حسين وتودوروف، برغم الفارق الزمني بينهما؛ فكلاهما درس في فرنسا، وتأثر بأساتذته من الفرنسيين. ذكر طه حسين تأثره بعالم الاجتماع إميل دوركايم، الذي أشرف على رسالته عن ابن خلدون، وكذلك تأثر تودوروف برولان بارت وجيرار جينيت. وكلا الوافدين (طه حسين وتودوروف) تأثر بالظروف السياسية والاقتصادية في علاقته بفرنسا، فكان أن انتهيا إلى التأكيد على الغاية الاجتماعية من الأدب.
لشخص طه حسين وجوه متعددة، فهو العاشق والمقاتل الصلب في السياسة والناقد المُعنف الذي لا يخلو نقده من قسوة. هذا الثراء في شخص طه حسين ثراء آخر في وجوه كتابته وتنوعها، ما بين القصة والنقد والسيرة والتاريخ والمقالة السياسية.
هذا الثراء جعل للعميد دراويشه وصنع أعداءه كذلك، وقد وصفوا سلطته بـ«الإقطاع الفكري» على نحو ما ذهب عبد الحي دياب في كتاب بهذا العنوان، لكن النابي لا يبدو من أولئك أو هؤلاء، يدرس مواقف الطرفين عائداً إلى الكثير من المقالات والكتب، غير غاضٍ طرفه عن هفوات العميد الفكرية وتحولاته، ومنها مثلاً موقفه من اعتصام درية شفيق وتسع سيدات في نقابة الصحافيين احتجاجاً على لجنة دستور علي ماهر عام ١٩٥٤، فقد كتب عنهن مقالاً بعنوان «العابثات» أتبعه بـ«العابثات ٢» تأكيداً على موقفه الدفاعي عن حركة يوليو (تموز)، متذرعاً بأن الظرف لا يحتمل القلاقل، بينما كان قد كتب في شبابه مناصراً قضايا المرأة معارضاً أستاذه الشيخ عبد العزيز جاويش عام 1911.
يلتمس النابي تفسيراً لقسوة طه حسين الفكرية في ظروف نشأته وما تحمله من شيوخه وخصومه منذ بداية طريقه الدراسي وعبر حياته مع الكتابة والنشر. لكنه مع قسوته اختط لنفسه منهجاً أوضحه في تقديمه لكتاب صديقه أحمد أمين «ضحى الإسلام»، وهو ألا يظلم كتاباً لأن صاحبه صديق له أو خصم، لكنه اعتبر الظلم الأشنع «أن تُثني على ما لا يستحق الثناء».
ويختتم النابي كتابه «استرداد طه حسين» بفصل عن رحلته إلى الأراضي الحجازية بمناسبة وصوله إلى جدة في مهمة ثقافية للجامعة العربية، وهي الرحلة التي عدّها معسكر التكفير عودة إلى الإسلام وتوبة.
لم يكتب طه حسين شيئاً عن تلك الرحلة، بعكس رحلاته في أوروبا، وترك أمر تدوينها إلى الآخرين، وقد سجلها محمد عبد الرازق القشعمي في كتابه «طه حسين في المملكة العربية السعودية: صدى زيارة عميد الأدب العربي للمملكة»، وقد أضاء بشمول رحلة التسعة عشر يوماً التي بدأها طه حسين في الخامس عشر من يناير (كانون الثاني) 1955 واستقبله فيها المغفور له الملك فهد وكان آنذاك أميراً ووزيراً للثقافة. وإثر انتهاء زيارته الرسمية سافر إلى مكة والمدينة المنورة. وكان للزيارة وما ألقى فيها من كلمات، وما رشح عن ذكر مشاعره عندما احتضن الحجر الأسود أثرها في استنهاض التلاميذ والخصوم، وتجدد جدل الشك والإيمان، وهو جدل سيستمر طويلاً فيما يبدو.
ولكل هذا الغنى في الشخصية والإنتاج يعتقد النابي أن طه حسين يحق في وصفه، عبارته هو التي قالها بحق المتنبي: ملأ الدنيا، وشغل الناس.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
TT

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي، حيث شاركت الفنانة المصرية في إعلان ترويجي رمضاني لإحدى شركات الاتصالات بمصر، وتصدر اسمها «التريند» على موقع «غوغل» الخميس، عقب نشر الإعلان على حسابات الشركة الرسمية، وعرضه على عدد من القنوات التلفزيونية.

وشارك مع عبلة كامل في الإعلان الرمضاني «يا واحشني»، الذي حقق نسبة مشاهدة عالية على المنصات «السوشيالية» المختلفة، عدد كبير من الفنانين من بينهم، منة شلبي، وياسمين عبد العزيز، ومحمد منير، محمد ممدوح، وأمير عيد، ومصطفى غريب.

وأشاد الناس في تعليقات ومشاركات بمواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان ونجومه، وظهور عبلة كامل بالإطلالة التي اعتادوا عليها بأعمالها الفنية، وحرصها على عدم استخدام مستحضرات التجميل بشكل مبالغ فيه، كما وصفوا اللقطات التي جمعتها بالفنانتين ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي، بأنها كانت مليئة بالحب والحنان والأمومة.

وأثار الإعلان ردود فعل إيجابية رحبت بعودة عبلة كامل للساحة بعد غياب لسنوات، كما استعاد البعض مشاهد من أعمال فنية شهدت على مشاركة ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي مع عبلة كامل في بدايتهن الفنية، حيث جمع مسلسل «امرأة من زمن الحب»، بينها وبين ياسمين عبد العزيز قبل 28 عاماً، فيما جمعها مسلسل «أين قلبي»، مع منة شلبي قبل 24 عاماً.

واحتفى أيضاً عدد من الفنانين والإعلاميين في مصر بعودة عبلة كامل، وذلك عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم ريهام عبد الغفور، وحسن الرداد، ورامي رضوان، وفاء عامر، وغيرهم.

وكسرت عبلة كامل ابتعادها التام عن الأضواء برسالة صوتية تمت إذاعتها عبر برنامج الإعلامية لميس الحديدي قبل أكثر من شهرين، وقدمت الشكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب قراره بعلاج كبار الفنانين على نفقة الدولة، واصفة القرار بأنه «لفتة كريمة وحنونة».

وأعلنت عبلة كامل حينها، عن خضوعها لعمليات جراحية على نفقتها الخاصة، كما عاتبت من انتقدوا قرار علاجها على نفقة الدولة.

وعن رأيه في الاحتفاء الجماهيري بعودة عبلة كامل للأضواء بعد غياب طويل، أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، «أن الناس تنتظر ظهور عبلة كامل بفارغ الصبر منذ ابتعادها عن الساحة الفنية، وخصوصاً بعد تأكيدها أخيراً مرورها بأزمة صحية».

قريبة من الجمهور

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن عبلة كامل فنانة قريبة من الناس لذلك فأي ظهور أو خبر عنها يخطف اهتمامهم، مؤكداً أن «الإعلان الترويجي الذي ظهرت فيه وبرغم تكرار فكرته هو الأهم والأضخم والأبرز في موسم رمضان، بل وفي تاريخ الإعلانات المصرية».

وأشاد النجار بفكرة اجتماع عدد كبير من النجوم من أجيال مختلفة بالإعلان، مؤكداً أن «تحقيق الإعلان لمشاهدات مليونية خلال ساعات أمر لم يحدث في أي مصنف فني، وأن وجود عبلة كامل هو السبب في هذا النجاح البارز».

عبلة كامل في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

وبرغم تصدر الإعلان، ورغبة الناس في عودة عبلة كامل للتمثيل، فإن الناقد الفني يستبعد عودتها للفن بعد ظهورها لثوانٍ معدودة وهي جالسة ولم تتحرك مطلقاً، موضحاً أن «التمثيل يحتاج لمجهود، ومن الصعب الاستمرار إذا كانت حالتها الصحية لا تسمح».

بدأت عبلة كامل مسيرتها الفنية في ثمانينات القرن الماضي، وقدمت شخصيات فنية بارزة تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي، من بينها مسلسلات «ليالي الحلمية»، و«ضمير أبلة حكمت»، و«المال والبنون»، و«أبناء ولكن»، و«لن أعيش في جلباب أبي»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«امرأة من زمن الحب»، و«حديث الصباح والمساء»، و«أين قلبي»، و«عيش أيامك»، و«ريا وسكينة»، و«العندليب».

وشاركت في أفلام، «سيداتي آنساتي»، و«الستات»، و«مرسيدس»، و«سواق الهانم»، و«قشر البندق»، و«اللمبي»، و«اللي بالي بالك»، و«خالتي فرنسا»، و«سيد العاطفي»، و«عودة الندلة»، و«بلطية العايمة»، بينما شهد الجزء الـ5 من مسلسل «سلسال الدم»، قبل 8 سنوات على آخر ظهور فني لها، وعقب ذلك فضّلت عبلة كامل الابتعاد عن الأضواء، ورفض الظهور في أي مهرجانات فنية، برغم عدم إعلانها اعتزال الفن نهائياً.


 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
TT

 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

في ليلة الرؤية، تتعلّق أعين المصريين بالسماء، وقلوبهم تترقب الخبر الذي سيخرج من «مرصد حلوان»، يقفون على تخوم عبارتين؛ «تم رصد الهلال» أو «تعذّرت رؤيته»، فبين الجملتين تتحدد ملامح الغد، فتبدأ بشائر رمضان أو يُرجأ انتظاره يوماً آخر، غير أن قصة هذا المرصد تمتد جذورها إلى ما هو أوسع من هذا الطقس الموسمي الذي يتكرر كل عام.

تعود بدايات الرصد الفلكي المؤسسي في مصر إلى عام 1839 - 1840، حين أُنشئت «الرصدخانة» في بولاق بأمر من محمد علي باشا، وتطورت لاحقاً في عهد الخديوي إسماعيل، ثم نُقلت إلى العباسية بسبب مشروعات السكك الحديدية وتأثير الاهتزازات على دقة الرصد، ومع اتساع العمران وزيادة التلوث الضوئي، اتُّخذ القرار بإنشاء مرصد جديد في حلوان (جنوب القاهرة) عام 1903، بعيداً عن صخب المدينة، ليبدأ ما يُعرف اليوم بمرصد حلوان، الذي حمل آنذاك اسم «المرصد الملكي».

صورة أرشيفية توثق عملية رصد فلكي في مرصد حلوان خلال الحقبة الملكية (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

حسب الدكتور أشرف شاكر، أستاذ ورئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فإن مرصد حلوان «ليس مجرد موقع أثري علمي، بل نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث في المنطقة»، مؤكداً أنه «قيمته لا تكمن في قدمه فقط، بل في إسهامه الفعلي في إنتاج معرفة فلكية مبكرة سبقت كثيراً من التصنيفات العالمية».

ويضيف شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن «نقل المرصد إلى حلوان مطلع القرن العشرين جاء استجابة لاعتبارات علمية دقيقة؛ فالموقع المرتفع وهواء حلوان النقي آنذاك جعلاه مثالياً للرصد، وبعد انتقاله، أصبح وجهة لعدد من العلماء الأجانب، وشارك في أرصاد دولية مهمة، منها مهام مرتبطة برصد أجرام سماوية بعيدة ضمن مشروعات تعاون دولي في بدايات القرن العشرين، وهي أرصاد وضعت اسم حلوان مبكراً على خريطة البحث الفلكي العالمي».

ويحتفظ مرصد حلوان في ذاكرته، بالتلسكوب التاريخي الذي أهداه له الفلكي البريطاني جون هنري رينولدز، بقطر 30 بوصة، الذي كان الأكبر في أفريقيا والعالم العربي آنذاك، ما مكّن العلماء من تصوير أجرام سماوية بعيدة لم تكن تُرى بوضوح من قبل، وأسهم في أبحاث فتحت آفاقاً جديدة لفهم الكون في ذلك الوقت.

معمل أبحاث الشمس بمرصد حلوان (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ويؤكد شاكر أن «أرشيف المرصد موثّق دولياً، ومحفوظ في سجلات علمية عالمية، ومُدرج ضمن أرشيفات بحثية كبرى».

أما عن دور المرصد في عملية تحرّي الهلال، فيلفت رئيس قسم الفلك إلى أن «هذا الدور لا يتم بمعزل عن الإطار الشرعي الذي يتولاه المصريون منذ عقود، موضحاً أن المعهد القومي للبحوث الفلكية الذي ينتمي إليه المرصد، يعمل بتنسيق مباشر مع دار الإفتاء المصرية ولجان علمية وشرعية معتمدة لتحديد بداية الأشهر الهجرية، في كل ليلة رؤية، تُرسل نتائج الرصد الفلكي إلى هذه اللجان التي تضم علماء دين وعلماء فلك معاً، ليُرفع بعدها تقرير موثق إلى مفتي الجمهورية لإعلان الموعد الرسمي لبداية شهر رمضان أو غيره من الشهور».

جانب من مرصد حلوان التاريخي (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ولا يقتصر دور المرصد، حسب شاكر، على الحسابات المرتبطة برؤية الهلال، بل يمتد إلى تطبيقات عملية في الاتصالات، وتتبع المواقع، والملاحة، وتتبع الأقمار الاصطناعية، وحسابات التوقيت.

ويحتضن مبنى مرصد حلوان، متحفاً يوثّق تاريخ أدوات الرصد، والخرائط، وسجلات علمية تعود لأكثر من قرن، من بينها أرصاد مبكرة لمذنب هالي عام 1909، ووثائق كثيرة توثّق ظواهر فلكية كبرى، وهو ما يضيف للمرصد مكانة بحثية علمية، وذاكرة معرفية واسعة.


التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
TT

التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)

أظهرت دراسة أميركية أن الأطفال الذين يتعرّضون للتنمّر يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسمنة، ضمن إطار ما يُعرف بـ«التجارب السلبية في الطفولة» التي تشمل أيضاً الطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والإهمال.

وأوضح الباحثون من جامعة جورجيا أن هذه التجارب ليست مجرّد عوامل نفسية، إذ تؤثّر بيولوجياً وصحياً على الأطفال، خصوصاً بما يتعلّق بزيادة خطر السمنة. ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «جاما نتوورك أوبن».

وتُعدّ السمنة لدى الأطفال مشكلة صحية متزايدة على مستوى العالم، تؤثّر على النمو البدني والصحة النفسية على السواء. وتنشأ عادة عن توازن سلبي بين السعرات الحرارية المستهلكة ومستوى النشاط البدني، إضافة إلى عوامل بيئية وغذائية ونمط الحياة. وقد تؤدّي السمنة في الطفولة إلى مضاعفات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات القلب، كما يمكن أن تؤثّر على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

وخلال الدراسة، حلَّل الفريق بيانات أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ضمن دراسة التطوّر المعرفي للأطفال والمراهقين، وهي أكبر دراسة طويلة الأمد حول صحة الأطفال وتطوّر الدماغ.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار تجربتين سلبيتين تقريباً، بما في ذلك التنمُّر، ترتبط بارتفاع مؤشّر كتلة الجسم بنحو نصف نقطة. وأكد الباحثون أن التجارب السلبية في الطفولة، مثل التعرُّض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والتنمُّر، قد تزيد من خطر السمنة، من خلال تأثيرها البيولوجي والهرموني في الجسم، ما يزيد من احتمالية اكتساب الوزن.

وأضاف الفريق أن هناك عدداً من العوامل التي تؤثّر في زيادة وزن الطفل، لكن الدراسة تُظهر أن الضغوط والتجارب الصادمة يمكن أن تعزز هذا الخطر، خصوصاً خلال مرحلة المراهقة الحرجة.

بيئة داعمة

وفي المقابل، وجد الباحثون أن وجود بيئة داعمة يمكن أن يُخفف من التأثيرات الصحية لهذه التجارب؛ إذ إن الأطفال الذين يمتلكون مهارات مواجهة صحية أو لديهم شخص بالغ داعم في حياتهم أظهروا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى عند تعرّضهم لمستويات عالية من التجارب السلبية.

وأشار الفريق إلى أن الشخص الداعم قد لا يكون الوالد أو مقدّم الرعاية بالضرورة، فقد يكون معلِّماً أو مدرِّباً أو أي شخص مستقرّ وداعم في حياة الطفل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية الدعم الاجتماعي وتنمية المهارات الذاتية وسيلةً فعّالةً لتخفيف الآثار السلبية للتجارب الصادمة على الوزن والصحة العامة.

كما تُشير إلى ضرورة فحص التجارب السلبية ضمن الفحوص الطبية الروتينية للأطفال، ما يتيح التدخُّل المبكر وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل، ويساعد في توجيه السياسات الصحية والتربوية لدعم الأطفال الأكثر عرضة لهذه التجارب.