لبنان يخوض الاختبار الأصعب في رحلة توحيد أسعار الصرف

لبنان يبدأ تطبيق السعر الرسمي الجديد لليرة مقابل الدولار تدريجياً (رويترز)
لبنان يبدأ تطبيق السعر الرسمي الجديد لليرة مقابل الدولار تدريجياً (رويترز)
TT

لبنان يخوض الاختبار الأصعب في رحلة توحيد أسعار الصرف

لبنان يبدأ تطبيق السعر الرسمي الجديد لليرة مقابل الدولار تدريجياً (رويترز)
لبنان يبدأ تطبيق السعر الرسمي الجديد لليرة مقابل الدولار تدريجياً (رويترز)

يعتزم مصرف لبنان المركزي الشروع هذا الأسبوع بإصدار التعاميم التطبيقية ذات الصلة بالسعر الرسمي الجديد لليرة اللبنانية الذي سيبدأ تطبيقه تدريجياً، بدءاً من أول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما يرتقب أن تتكفل حكومة تصريف الأعمال القائمة أو المتجددة ربطاً بنجاح المساعي السياسية، ببلورة المسار القانوني والإجرائي لقرار وزارة المال برفع السعر بمعدل 10 أضعاف ليبلغ 15 ألف ليرة للدولار الواحد.
وتؤكد مصادر مالية ونقدية معنية أن المرحلة الانتقالية لتنفيذ القرار ستسير في خطوط متوازية، ضمن استهداف رئيسي يصل إلى تعويم تام لسعر صرف العملة الوطنية بنهاية المطاف، مما يعد إصلاحاً نقدياً جوهرياً لإعادة انتظام الهيكل النقدي، وبحيث يتم عبره توحيد تشكيلة أسعار الصرف المتنوعة التي نتجت تباعاً عن الانهيارات النقدية المتوالية على مدى 3 سنوات من جهة، والاستجابة لمطلب صندوق النقد الدولي من جهة موازية.
ولن تكون الرحلة يسيرة، بحسب المصادر المتابعة، من دون نضوج مقاربات موضوعية ومحددة المهل الزمنية لكيفية احتواء الفجوة المالية التي تقدرها خطة الحكومة بنحو 73 مليار دولار، وكيفية توزيع الخسائر بين رباعي الدولة ومصرف لبنان والجهاز المصرفي والمودعين. وذلك في ظل الدين العام الذي يناهز «رقمياً» 105 مليارات دولار (ثلثاه محرر بالليرة) والعجوزات الكبيرة في الموازنة العامة، وتقلص القدرات الاحتياطية من العملات الصعبة لدى البنك المركزي إلى مستويات تقارب 9 مليارات دولار، في مقابل التزامات لصالح المصارف تزيد على 70 مليار دولار، فيما تبلغ قيود المودعين بالعملات الصعبة لدى البنوك نحو 97.5 مليار دولار.
وتثمر هذه الفجوات العميقة في الميزانيات العائدة للدولة وللمصرف المركزي والبنوك، تشوهات حادة ومستمرة في كامل مفاصل المنظومة النقدية، لتتمدد تلقائياً إلى المعاملات التجارية واعتمادات الاستيراد وأسواق الاستهلاك وإدارة السيولة بالليرة وبالدولار بين البنك المركزي والبنوك، ثم بين البنوك والزبائن من مودعين ومقترضين، فضلاً عن جفاف تدفقات السيولة عبر شرايين الاقتصاد والقطاعات المنتجة وتحول المدخرات إلى المنازل والخزنات الخاصة.
وتتجلى الانحرافات النقدية بفرادة ذات خصوصيات غير مسبوقة في تجارب أزمات مالية ضربت اقتصادات بلدان أخرى. فالهوامش السارية بين السعر الرسمي الأدنى البالغ 1515 ليرة لكل دولار والسعر الواقعي البالغ نحو 39 ألف ليرة في الأسواق الموازية تقارب 26 ضعفاً. وهي تمر عبر شبكة أنفاق شائكة لأسعار الصرف تشمل تصريف السحوبات من الودائع الدولارية وضمن حصص محددة السقوف بسعري 8 آلاف ليرة وفقاً للتعميم 151، و12 ألف ليرة للمستفيدين من التعميم 158، فيما يتاح لحاملي الليرة التصريف بالدولار النقدي وفقاً للسعر الساري على منصة صيرفة البالغ حالياً 29.8 ألف ليرة لكل دولار، وتم تحديد 15 ألف ليرة لسعر دولار المستوردات (الجمركي). وهذا فضلاً عن الهامش الإضافي الذي يضيفه التجار على أسعار السلع بالجملة وبالتجزئة، وإضافة إلى العمولات الهائلة التي يتم احتسابها على تصريف الشيكات والصعوبات التي تعيق إيداعها في حسابات بنكية.
لذا، يشير مسؤول مصرفي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التعاميم المرتقبة للبنك المركزي ستندرج ضمن خطين متوازيين. الأول يتضمن التطبيقات الفورية للسعر الرسمي الجديد بعد اعتماده كسعر مرجعي لمعظم الضرائب والرسوم العامة. فمن غير الممكن الاستمرار بإجازة صرف السحوبات من الودائع بسعري 8 آلاف و12 ألف ليرة المعتمدين حالياً، مما يوجب التساوي مع السعر الجديد. أما الخط الثاني فيتوقع أن يحدد الاستثناءات التي ستظل قائمة وفق السعر السابق البالغ 1515 ليرة لكل دولار.
وإذ تؤكد المصادر المالية والمصرفية أن ربط القرار بشرط إقرار خطة التعافي عكس تخبطاً صريحاً في حمل مسؤولية تداعياته الفورية واللاحقة، إنما لن يحول دون سريان مفاعيله الواقعية. ولذلك فهي تنوه إلى ضرورة التريث في تقدير الانعكاسات على جداول الضرائب والرسوم وفقاً للقرارات التنظيمية التي ستصدرها وزارة المال. بينما سيختص البنك المركزي عبر تعاميمه تحديد مهل متدرجة أيضاً لإعادة هيكلة ميزانيات البنوك، والأهم بالنسبة لأصحاب الحقوق تحديد البدلات الجديدة للسحوبات من مدخرات البنوك.
وبالفعل، فقد أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أن لبنان سيطبق سعر الصرف الرسمي الجديد، أي 15 ألف ليرة للدولار الواحد، تدريجياً مع استثناءات أولية لتشمل أصول البنوك وسداد قروض الإسكان والقروض الشخصية (المحررة بالدولار) التي ستستمر على السعر الرسمي القديم، كما أنه من المتوقع أن تشمل الاستثناءات التي سيقررها البنك المركزي ميزانيات البنوك التي سيجري إقفالها للسنة المالية الحالية، بالتوازي مع تحديد سعر متدرج ومهل محددة للتوفيق مع السعر الجديد بدءاً من ميزانيات العام المقبل.
في كل حال، يلفت المسؤول المصرفي، إلى أن السعر الرسمي الجديد هو حسابي بحت وتتركز مفاعيله الأساسية والفورية في إعادة هيكلة أرقام الموازنة العامة، ولا سيما في التحسن المنتظر لإيرادات الخزينة. وبالتالي فإن تأثيره سيكون محدوداً في المرحلة الأولى على التداولات النقدية سواء منها التي تجري عبر الأسواق الموازية والتي تعكس السعر الواقعي، أو من خلال منصة صيرفة التي تنفذ عملياتها قرب مستوى 30 ألف ليرة للدولار. كذلك لا يتوقع أن يكون للسعر الجديد تأثيرات مهمة على ميزانيات الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، وبما يشمل الجهاز المصرفي، وريثما يتم الانتقال إلى مرحلة التوحيد الشامل لأسعار الصرف.
ويندرج في هذا السياق، توضيح ميقاتي بأن «تصريح وزير المال أظهر وكأن كل الأمور ستطبق في لحظة واحدة». ومبيناً: «لا، سيكون هناك استثناءات وأشياء تنفذ بمراحل معينة لكي تستطيع الأمور أن تنتظم. الغاية هي الانتظام، وهو لا يكون إلا عندما نوحد سعر الصرف وفقاً لسعر السوق. هذا الأمر سنأخذه في الاعتبار، سيحتاج إلى وقت، نتمنى أن يحصل الانتظام بطريقة صحية وألا يتضرر أحد ولا أن تبقى الناس مستفيدين على ظهر (حساب) الدولة». كما أكد أن السعر الجديد سينطبق مبدئياً على «الرسوم الجمركية وعلى البضائع المستوردة وعلى القيمة المضافة. أما الباقي فسيتم تدريجياً عبر تعاميم وقرارات تصدر عن حاكم مصرف لبنان تحدد هذا الموضوع».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
TT

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)
حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان يقوم على دعم مؤسسات الدولة لاستعادة السيطرة الفعلية على مرافقها الحيوية، وفي مقدّمتها المرافئ والمعابر الحدودية.

يأتي الاهتمام الدولي بموازاة تدابير لبنانية لتعزيز التجهيزات الأمنية في المعابر الحدودية؛ وذلك لمكافحة التهريب ومكافحة التهرب الضريبي أيضاً. وكشف مصدر وزاري، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ الحكومة اللبنانية «تعمل على تركيب أجهزة كشف متطوّرة تعمل بالذكاء الاصطناعي في المرافئ، قادرة على التدقيق الشامل في محتوى جميع الحاويات، ورصد حجم حمولتها بدقة، وتحديد طبيعة المواد المستوردة والمصدّرة».

وأوضح المصدر أنّ «هذه الأنظمة، إلى جانب دورها الأمني، ستمنع أي تلاعب في التصاريح الجمركية أو في تقدير الأحجام والقِيم، ما يضع حدّاً للهدر في التحصيل الضريبي والرسوم الجمركية العائدة للدولة، ويشكّل خطوة أساسية في مسار استعادة السيطرة المالية والإدارية على أحد أهم شرايين الاقتصاد اللبناني».

السفير الأميركي في المرفأ

وجالَ سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، في مرفأ بيروت، مُطّلعاً على الإجراءات والتجهيزات التقنية التي أُدخلت حديثاً المرفأ، ولا سيما أجهزة المسح الضوئي (السكانر).

وصرّح عيسى، في ختام الزيارة، بأن الجولة كانت مَدعاة للفخر، وعَدَّ أن ما لمسه من تنظيم في العمل وأساليب الإدارة «يضاهي المعايير المعتمَدة في الولايات المتحدة».

وقال إن «الإدارة الجديدة والعاملين في المرفأ قدَّموا نموذجاً مُشرِّفاً في الأداء»، مؤكداً أن بلاده ستدعم كل ما يحتاج إليه المرفأ نظراً للوتيرة السريعة التي يسير بها العمل، ولا سيما فيما يتعلق بموضوع آلات الكشف التي ستسهم في تسهيل الإجراءات وتسريع حركة العمل». وأكد أن «المرفأ يجب أن يكون تحت سلطة الدولة، ما يعني أن عائداته يجب أن تعود إلى الدولة اللبنانية».

السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى إلى جانب وزير الأشغال فايز رسامني خلال جولته في مرفأ بيروت (المركزية)

وعايَنَ عيسى سير العمل والإجراءات التشغيلية المتبَعة في محطة الحاويات، قبل الانتقال إلى موقع أجهزة السكانرز (scanners) الموضوعة حالياً في مراحلها التجريبية، استعداداً لانطلاق تشغيلها، حيث قُدمت للوفد شروحات تقنية حول آلية عمل هذه الكاشفات ودورها في تعزيز الشفافية، وتشديد الرقابة على البضائع، والحد من التهريب، وتسريع وتيرة العمل بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وأكد عيسى أن الدعم للبنان لم يتوقف قط، وأن زيارته تندرج في إطار الاطلاع على سَير العمل والتطورات الحاصلة، لافتاً إلى أن الجميع كان ينتظر وصول «السكانرز»؛ لما لها من دور أساسي في تعزيز أداء المرفأ إلى مستوى عالمي.

دعم أوروبي

بالتوازي مع الحراك الأميركي، أعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي أنّ الاتحاد الأوروبي وقّع مع الحكومة اللبنانية ستة اتفاقات تمويل جديدة بقيمة 110.5 مليون يورو على شكل هِبات مخصّصة لدعم قطاع الأمن، والتعافي في المناطق المتضرّرة من النزاع، إضافة إلى أولويات الإصلاح الأساسية.

وجرى توقيع الاتفاقات مع وزير المالية ياسين جابر، في خطوة تعكس إعادة تفعيل قنوات التعاون المؤسساتي بين لبنان والاتحاد الأوروبي بعد فترة من الجمود.

وزير المالية اللبناني ياسين جابر وسفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دي وال يوقّعان الاتفاقيات (الاتحاد الأوروبي)

وأشار البيان الأوروبي إلى أنّ هذه الهِبات تندرج ضمن حزمة دعم بقيمة مليار يورو كانت قد أعلنت عنها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال زيارتها إلى بيروت في مايو (أيار) 2024، مؤكداً التزام الاتحاد الأوروبي بدعم استقرار لبنان وسيادته وأمنه في مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي والاقتصادي.

توجّه دولي واضح لتثبيت لبنان

وفي قراءة سياسية لهذه التطورات، قال النائب أشرف ريفي، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «زيارة السفير الأميركي إلى المرفأ، بالتوازي مع صدور بيان عن الاتحاد الأوروبي، اليوم، يتضمّن تخصيص ملايين اليوروهات لضبط المعابر الحدودية ومكافحة التهريب ودعم القرار، تعبّر عن توجّه واضح لدى المجتمعيْن العربي والدولي، الأوروبي والأميركي، لدعم لبنان وتثبيت وضعه».

وعَدَّ ريفي أنّ «هذه الزيارات وهذا الدعم يهدفان إلى تثبيت الوضع في لبنان وتنشيط الدولة، وإخراجه من كونه ساحة توظيف لمشاريع (حزب الله) والواجهة الإيرانية، بدل أن يكون دولة، بكل معنى الكلمة».

وأضاف أنّ «المطلوب، اليوم، هو ضبط المعابر البحرية والجوية والبرية، وضبط التهريب، وتثبيت الوضع الداخلي من خلال الجيش اللبناني والقوى الرسمية حصراً»، مشدداً على أنّ «الدولة يجب أن تكون صاحبة السيادة الوحيدة على كامل الأراضي اللبنانية».

خريطة التمويل

وخُصّصت حزمة الدعم الأوروبية 30 مليون يورو لتعزيز قدرات قوى الأمن الداخلي في مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونية، ودعم الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب وتمويله والتهريب. كما رُصد مبلغ 25 مليون يورو لتعزيز الإدارة المتكاملة للحدود في المعابر البرية والمطارات وتحسين الأمن البحري، إضافة إلى 8 ملايين يورو لتأمين حلول طاقة مستدامة تضمن استمرارية عمل المنشآت الأمنية الحيوية دون انقطاع.


إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)

نفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، تهديداته بقصف أربعة مبانٍ تلقت إنذارات بإخلائها، رغم تحرك الجيش اللبناني للكشف عليها، في واقعة تتكرر أخيراً بعد أن أثبتت كشوفات الجيش اللبناني على مبانٍ سابقة معرضة لإنذارات، بخلوها من أي ذخائر، حسبما قالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط».

ووجّه الجيش الإسرائيلي، الخميس، إنذاراً لسكان سحمر الواقعة في البقاع الغربي في جنوب شرقي لبنان، طالباً إخلاء مبنيين في القرية قبل قصفهما، متهماً «حزب الله» باستخدامه منشأةً عسكرية. وبعد قصف المبنيين، أصدر إنذاراً آخر في بلدة مشغرة الواقعة في البقاع الغربي أيضاً، وهما بلدتان تتعرضان لإنذارات إخلاء للمرة الأولى منذ بدء الحرب في 2023.

إسرائيل تستبق كشوفات الجيش

وتحرّك الجيش اللبناني على الفور باتجاه المباني المستهدفة للإنذارات، وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن وحدات الجيش «وصلت إلى المبنى الأول وفتشته، ولم تعثر فيه على أي أسلحة أو وسائل قتالية»، مضيفاً أن وحدات الجيش «لم تستطع أن تفتش المنزل الثاني؛ لأن المهلة كانت قصيرة جداً، وتم استهدافه».

وقال المصدر إن الجيش «لم يقصر بتاتاً في تفتيش المنازل، وينسق مع الميكانيزم (لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار) ويجري اتصالاته سريعاً، لكن إسرائيل لا تستمهل، بدليل أنها في إنذارات الأسبوع الماضي، لم يُسمح لنا بتفتيش المواقع المهددة، وكانت المهلة قصيرة جداً رغم طلبنا من (الميكانيزم) مهلة للتفتيش، مما يمنعنا من الوجود في المبنى المستهدف»، لافتاً إلى أن الجيش «أبلغ قبل عشر دقائق من استهداف موقع تعرض لإنذار في بلدة عين التينة في البقاع الأسبوع الماضي، ليتمكن من إخلاء موقعه العسكري القريب من موقع الاستهداف».

وقال المصدر: «ساهم تحرك الجيش في الأسابيع الماضية، بالكشف عن المنشآت بالتنسيق والمتابعة مع الميكانيزم، في منع استهداف منازل بعدما ثبت خلوها من أي وسائل قتالية، وانكشفت مزاعم إسرائيلية على هذا الصعيد... أعتقد أنه لهذا السبب، لا تمنحنا إسرائيل فرصة لتفتيش المنازل المهددة، وتسارع إلى قصفها».

إنذارات إخلاء

وبعد أربعة أيام على إنذار بإخلاء مواقع حيوية في بلدة كفرحتى في الجنوب، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاري إخلاء متفرقين في بلدتين في البقاع الغربي، في جنوب شرقي لبنان. وكتب الناطق أفيخاي أدرعي إنذاراً في قرية سحمر، مشيراً إلى أن الجيش سيهاجم على المدى الزمني القريب بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، وذلك للتعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة.

ولاحقاً، أصدر إنذار إخلاء أيضاً في بلدة مشغرة، وقال إنها تحتوي على بنى تحتية عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، واضعاً الاستهداف ضمن «التعامل مع محاولاته المحظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة».

وسجلت عمليات نزوح من البلدتين بعد تهديدهما، في وقت توجه فيه الجيش اللبناني إلى المبنيين المهددين في سحمر للكشف عليهما. ولاحقاً، استهدفت غارتان المبنيين.

وتأتي الإنذارات بعد أسبوع من إعلان الجيش اللبناني إنجاز نزع سلاح «حزب الله» من المنطقة الممتدة من الحدود الجنوبية مع إسرائيل حتى نهر الليطاني، في خطوة شككت بها الدولة العبرية واعتبرتها «غير كافية».

وقال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إن «اتفاق وقف إطلاق النار... ينصّ بوضوح على أنه يجب نزع سلاح (حزب الله) بالكامل»، معتبراً أن الجهود اللبنانية في هذا المجال «تُعد بداية مشجعة، لكنها غير كافية».

وواصلت إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وشنّت إسرائيل، الأحد، «سلسلة غارات جوية عنيفة» على مناطق في جنوب لبنان هي: جزين والمحمودية والدمشقية والبريج، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام».

انتهاكات متكررة

والخميس، سجّل قضاء مرجعيون خلال ساعات الليل سلسلة عمليات للجيش الإسرائيلي في عدد من بلدات القضاء. ففي بليدا، استهدف أجهزة إرسال للإنترنت مثبتة على سطحي منزلين ما أدى إلى تدميرهما. وفي كفركلا، أقدم على تفجير أحد المباني وسط البلدة.

ونسف منزلين في العديسة. ولاحقاً، استهدفت محلقة إسرائيلية حي المسارب في العديسة بقنبلة صوتية في أثناء قيام الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» الدولية بتفكيك العبوات التي تم تفخيخ المنزلين بهما.


حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
TT

حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)
أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

أثارت ردود «حزب الله» على دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون له «بالتعقّل» على خلفية أن «السلاح صار عبئاً على بيئته ولبنان كله»، تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء مبادرة عدد من مسؤوليه لتنظيم حملة إعلامية تجاوزتهم لتشمل ناشطين يدورون في فلكه أفرغوا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما في جعبتهم من انتقادات عالية السقف.

وسأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟ وهل أخطأ بدعوته الحزب ليقرأ بصورة صحيحة الظروف الإقليمية والدولية من حولنا كأساس لمراجعة مواقفه آخذاً بالتحولات في المنطقة؟ ليرد عليه نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بتلويحه بورقة الحرب الأهلية، مع أنه يدرك سلفاً أنه لن يجد من يستجب لتهديده، ليس لافتقاده القدرة العسكرية فحسب، وإنما لعدم الرغبة باستحضارها مجدداً ولو من باب التهويل.

عون أمهل الحزب

كما سأل المصدر الوزاري، الذي فضّل عدم ذكر اسمه: أين أخطأ عون في تشخيصه للواقع السياسي للحزب، وهو كان أمهله، بحسب قول المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أكثر من عام ليراجع مواقفه ويعيد النظر في حساباته تمهيداً لانخراطه في مشروع الدولة، وأبدى كل انفتاح نحوه لطمأنته، وشرّع الأبواب للدخول معه في حوار تولاه رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد بتكليف من قيادته وبتشجيع من رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أسهم في تنقية الأجواء وتحضيرها لحوار منتج يتناول القضايا العالقة، وتبادَل الرسائل بواسطة مستشاره العميد المتقاعد أندريه رحال الذي يتواصل مع رعد أو مع فريقه المكلف بمتابعة الحوار؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن الحوار لم يحقق الأهداف المرجوّة منه؛ لأن الحزب لا يزال يتصرف كما كان عليه قبل أن يقرر إسناده لغزة، ويرفض الاعتراف بأن نفوذه في الإقليم أخذ يتقلص، وأن دخوله في مواجهة غير محسوبة النتائج مع إسرائيل أفقدته توازن الردع وقواعد الاشتباك والاختلال في ميزان القوى. وقال إن الحزب كان فوّض رئيس مجلس النواب نبيه بري، للتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، وبادر إلى تأييده، ووافق بملء إرادته على إخلاء منطقة جنوب الليطاني بما مكّن الجيش من السيطرة على القسم المحرر منها.

حملة منظمة على عون

وأكد أن الحملة المنظّمة التي رعاها الحزب واستهدفت عون، لن تلقى أي رد فعل، لا منه ولا من الذين يدورون في فلكه، وبالتالي يرفض الانجرار لسجال ليس في محله ولا يخدم توحيد الجهود لإنقاذ البلد وتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وأن أبوابه ما زالت مفتوحة أمام الحوار، شرط أن يقرر الحزب ماذا يريد بعيداً عن الإنكار لما حلّ بلبنان بتفرده بقرار السلم والحرب بإسناده لغزة.

وقال إن أمين عام «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، لم يكن مضطراً للتأكيد في جميع المناسبات أن الحزب استعاد قدراته العسكرية، وأنه يرفض تسليم سلاحه. وسأل: هل كان مضطراً للتباهي بذلك؟ وهل يخدم بكلامه هذا الحوار؟ وأين تكمن مصلحته في توفير الذرائع لإسرائيل التي تواصل خروقها، مع أنها ليست بحاجتها لمواصلة اعتداءاتها للضغط بالنار على لبنان للتسليم بشروطها؟

الدولة وحدها من يحتكر السلاح

فالمطلوب من «حزب الله»، كما يقول المصدر، أن يتواضع ويقرر الوقوف خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية وانعطافه نحو القوى السياسية لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة ولو من موقع تنظيم الاختلاف، وإنما على قاعدة إقراره بأن الدولة وحدها هي من تحتكر السلاح، وإلا فكيف يوفّق بين مشاركته في الحكومة على أساس بيانها الوزاري الذي نص على حصريته، ويصر الآن على الاحتفاظ بسلاحه؟

وأكد أن عون تعرض لحملات نُظمت ضده في الداخل والخارج على خلفية تساهله وتراخيه ومراعاته للحزب، لكنه لم يأخذ بها وأصر على الحوار، رافضاً استخدام القوة لإرغامه على تسليم سلاحه، وسأل الحزب: ما الفائدة من عدم تجاوبه مع حصرية السلاح التزاماً منه باتفاق «الطائف» وتطبيق الـ1701؟ فيما يسعى لشراء الوقت وهدر الفرص المتاحة لإنقاذ لبنان، رغم أن لا طائل من رهانه على عامل الوقت في حال قرر الدخول في تقييم للأبعاد السياسية والأمنية المترتبة على التحوّلات في المنطقة واستخلاص النتائج وأخذ العبر ليعيد النظر في مواقفه التي لا تراعي المزاج الشيعي، ولا تُصرف لتأمين عودة النازحين لقراهم وإعمار المدمر منها.

تحولات المنطقة

فالتحولات في المنطقة، بحسب المصدر، بدءاً بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واشتداد الحصار على جماعة الحوثي في اليمن، وتراجع محور الممانعة بقيادة إيران في الإقليم، ألا تشكل جميعها حافزاً للحزب ليراجع حساباته ويدقق في خياراته ويقرر تخليه عن سلاحه الذي فقد قدرته لردع إسرائيل والدفاع عن لبنان، خصوصاً أنه اعترف بقدرة إسرائيل على خرق الحزب من أعلى المستوى إلى أدناه، باغتيالها لأمينه العام الأسبق حسن نصر الله، وخلفه هاشم صفي الدين، وقيادات أمنية وعسكرية؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال استقباله السفير سيمون كرم في قصر بعبدا (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

فـ«حزب الله» اليوم هو غير ما كان عليه قبل إسناده لغزة، وإصراره على تمسكه بسلاحه لا يخدمه، إلا إذا قرر القفز فوق الكوارث التي حلّت بلبنان، وعدم الاعتراف بأنه أخطأ في قراره هذا واضطر بملء إرادته للموافقة على وقف النار، وأن بمزايداته الشعبوية على الحكومة، ظناً منه بأن يحاكي بيئته ويطمئنها باحتفاظه بسلاحه، لن يصمد طويلاً ولن يخدم إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل شرط الالتزام بما تعهد به لبنان أمام المجتمع الدولي بحصرية السلاح.

وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي

ولفت المصدر إلى أن ما يطالب به الحزب بوقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل يحظى بمتابعة يومية من عون وسلام، وهذا ما يصر عليه رئيس الوفد اللبناني السفير السابق المحامي سيمون كرم إلى لجنة الـ«ميكانيزم»؛ لأن من شأنهما المساعدة في تسريع الأمور وصولاً لاستكمال تطبيق المرحلة الثانية من حصرية السلاح التي تشمل شمال نهر الليطاني حتى الأولي، على أن يليها ما تبقى من مراحل حددتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.