شخصيات في متاهة سردية

ابتهال الشايب وغواية التجريب في «مألوف»

شخصيات في متاهة سردية
TT

شخصيات في متاهة سردية

شخصيات في متاهة سردية

توغل المجموعة القصصية «مألوف» للكاتبة ابتهال الشايب في مغامرة التجريب، وتصل إلى حد العبث والهذيان، وصناعة ما يشبه المتاهة السردية المنغلقة على نفسها، برموزها ودلالاتها وعلاماتها التي تعبر عن تشيؤ الإنسان، واضطراب وعيه، ووقوفه على حافة التشاؤم والاغتراب، مضمخاً بمشاعر تراوح ما بين الإحساس بالعدم والعجز وفقدان الأمل والأمان.
في سياق هذه الرؤية يصبح الوجود البشري مجرد أصابع مبتورة؛ تارة ملقاة في بالوعة، وتارة أخرى تتحول إلى أسياخ حديدية تغز البطل في جسده، وتغلق باب شقته، وتثير رعبه، وتحاصره في كل مفردات حياته حتى يتلاشى تدريجياً، ويصبح مجرد لا شيء.
هذا ما يطالعنا في القصتين الأولى والثانية بعنوان «خارج» و«على هامش الدفتر» الذي تلتقط منه الكاتبة جملة كتبها في دفتره «الشخص غير المرئي»، تقول: «الكتابة وسيلة لإثبات أن الإنسان غير موجود بشكل كامل». تصدّر الكاتبة المجموعة بهذه الجملة، مما يضعنا إزاء نزوع فلسفي ومأزق وجود يتناثر في أجوائها، فالشخوص تعيش حياتها باعتبارها وجوداً ناقصاً ومبتوراً، وتبدو مربوطة بعقد كابوسية قدرية لا تستطيع الفكاك منها على غرار شخصيات كافكا، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل هذا الوجود ناقص بالفعل أم بالقوة، أو بقوة الفعل ونقصه معاً؟ تبدو الإجابة عصية، بل مراوغة في أجواء القصص، وبخاصة أن الكاتبة، وهي الراوية الساردة، تقف في منطقة رمادية محايدة من الشخوص، وتتستر بضمائر الحكي التي تراوح ما بين المتكلم والمخاطب والغائب. تقول على لسان أحد الشخوص: «لا أحد يحاورني أو يلتفت إليّ، ألقي التحيات في الصباح والمساء، وتهاني الأعياد وحفلات الزفاف.. لا أحد يرد». لم تستخدم الكاتبة أداة «الاستدراك» في الجملة الأخيرة لتصبح مثلاً: «لكن، لا أحد يرد»، واستبدلت بها نقطتين متجاورتين على سطح السطر، وذلك لتكثيف الإحساس بعزلة الكائن البشري جسداً وروحاً، وكأنها عزلة قدرية ويقينية، لا تحتمل لحظة استرخاء زمنية توفرها أداة الاستدراك.
لا تحتفي الكاتبة بالقصة المكتملة ابنة الصراع الواضح والحبكة التقليدية، إنما تدير عالمها من خلال شرائح سردية، ولقطات خاطفة أشبه بشرائح من الكولاح أو لعبة البازل، على القارئ أن يجمِّعها، ويكتشف من خلال تناثرها وشقوقها الدلالة أو الرمز أو العلامة أو الشكل الذي توحي به، وهو ما يحدث بالضبط في قصة «لا شعوري»؛ حيت يتوزع فضاء القص ما بين الماكينة المعطلة من كثرة الإهمال واللامبالاة، وأظافر البشر، وبين الورشة والنمل الذي يعشش في شقوق جدرانها. ويمضي السرد في لقطات قصيرة يزيلها عنوان من كلمة واحدة أو اثنتين أو ثلاث كلمات، أشبه بتوقيع أو بصمة توثِّق للقطة نفسها.. فتقول نملة في لقطة بتوقيع «أداة»: «يقف بجانبها عامل آخر، يمد يده إلى أحد الصناديق المعدنية الصدئة التي أنام بداخلها، لم يلبث أن يضعني في جيبه ويرحل، أتذكر حينها شقيقتي التوأم التي تعمل في أحد المصانع. ترى كيف حالها، وماذا تفعل الآن؟».
بإيقاع آخر يطل مأزق الوجود الناقص في قصة «متكلم»، فبطل القصة مربوط «بذيل نبت فجأة من جسده»، ويصبح صراعه مع الوجود في التخلص من ذيله، فهو يجعله تارة خائفاً، وتارة سيئاً وغبياً وفاشلاً، ولا يجد سبيلاً إلى ذلك سوى تخيل صفحة بيضاء «مكرمشة» يمرر عليها رموش عينيه حتى تتخلص من الثني و«الكرمشة»، لكنها في آخر القصة تتمزق، وتحت وطأة الوهم، يقِرُّ «أنا بالفعل أملك ذيلاً».
هكذا، وعلى طريقة المسخ الكفكاوية، يطالعنا بطل قصة «مألوف» التي وسمت عنوان المجموعة، ويشي العنوان ضمنياً بأن كل هذه الأشكال من المسخ والتشيؤ تسكننا، وتشكّل مساحة غير مرئية من وعينا؛ فالبطل الموظف الأنيق يرى نفسه في عدة حالات، تتحول إلى مآزق للوجود يدور في فلكها، فتارة يرى نفسه كلباً غير قادر على النباح، مما يصيبه بنزعة انتقامية، فيحوِّل سقفَ غرفة الاجتماعات بالعمل إلى مشانق لزملائه، ويحرضهم على شنق أنفسهم باطمئنان، بل يساعدهم في ذلك، ثم يكافئ نفسه بوجبة غداء فاخرة بأحد المطاعم المطلة على النيل. تطال هذه النزعة «المازوشوسية»، زوجته، فيضع أمامها عدة زوايا لتختار واحدة تحبس نفسها فيها، وكما يقول: «مع حلول الفجر أراها في الخفاء، وهي تختار بقايا زاوية تلائمها»، ثم هو وزغٌ، جبان وضعيف كحشرة، وهو ذبابة دائخة: «أنا ذبابة دائخة، اصطدمت تواً بأحد المضارب، أوشكتْ على الاحتضار، لكنها مُصرّة على الحياة. أَإِزّ بين أصدقائي، يثرثرون كثيراً، أستمر في الأزيز متحدياً كلامهم. مَن الأقوى.. أزيزي أم ثرثرتهم؟ كي أنهي ثرثرتهم أجلب عدة ملاقط من داخل علبة باهتة اللون، أوزعها عليهم كي يسحبوا أرواحهم. يغادرون المنزل. يترك بعضهم روحه». وفي نهاية القصة يرتمي البطل كأسد عجوز على الأريكة، وبصعوبة يخلع حذاءه، وحزام بنطاله الضاغط على بطنه.
تقسّم الكاتبة القصة إلى سبع حركات، تلتف في سبع أيادٍ، واختارت المتوالية الرقمية عنواناً لشرائحها السردية لتنويع زوايا الصراع، وتوسيع الفجوة بين الأنا ومأزقها، منهيةً القصة بـ«يد 7»، في دلالة على أن أيام الأسبوع مكرورة، تستنسخ نفسها ببلادة وملل، كما أن اليد تضمر الفعلَ في حركتها، سواء ارتكبته أو فشلت في ارتكابه، هي صانعة الفعل الأمهر. أشياء كثيرة تقاس روعتها بخفة اليد، لا تلازم الساحر فقط، إنما الفنان واللص ومهرج السيرك... وغيرهم.
في القصتين الأخيرتين بالمجموعة: «سوداء» و«حمراء»، تركز الكاتبة على حسيّة الحواس، فيصبح الأنف البشري في القصة الأولى - كما الذيل سابقاً - معضلة ومأزقاً وجودياً، وبخاصة مع استنشاق سوائل غبار المصنع التي تفرز سُماً، يفسد الهواء ويجعل عملية التنفس أشبه بصراع مع حياة مهددة بالانسحاب فجأة، يقول البطل (ص62): «تُلقي الشعيرات بالمعدات الثقيلة إلى نهاية أنفي في الأعلى فألهث وأنا أتنفس من فمي، حلقي جاف، أمسك قطرة الأنف، أضغط عليها فتعطي قطرات بطيئة لفتحتي أنفي، يتغلغل السائل في أحشاء المصنع، وبين آلاته أنتظر ردة فعله، يعلو صوت الآلات كأنها تغلي، أحتمي واضعاً يديّ على وجهي بإحكام كي أمنع تسرب السم».
وفي «احمرار»، القصة قبل الأخيرة، تصبح الرائحة إشكالية البطل في الوجود، متصدرةً بداية القصة هكذا: «أتعفن. يقولون إن أشعة الشمس حارة، الأشياء على رأسي تسخن، يميل لون جسدي إلى الأسود». ومع اشتداد المرض الجلدي وضراوته تتوقف الساقان عن العمل، وتتكشف حقيقة المريض المعجزة: «يحفر الأطباء جسدي، وكلما حفروا اكتشفوا جروحاً مخبّأة من سنين، بنت لها بيوتًا صغيرة.. وتعيش في صمت. يشفقون عليّ.. ما الذي يؤلمني؟ أين هو؟».
لا تنجو هذه المجموعة الشائقة من منطق اللبس أحياناً في بعض القصص؛ حيث تعلو نبرة صفة المشبّه به والمفعول فيه، مما يشتت حركة الضمائر، فلا نعرف مَن المتكلم، ومَن المخاطب أو الغائب، يعزز ذلك أن ذات الكاتبة بعيدة عن القصص بأجوائها الذكورية المحضة، مما يثير تساؤلاً حول عدم الاحتفاء بالأنثى، بل غيابها عن المجموعة، ناهيك بأن فعل القص ينهض على فكرة التقمص التي تقوم بها الذات الساردة لحيوات ومشاهد ورؤى وأفكار تبدو أساسية في حياة الشخوص المرويّ عنهم، لكن التقمص يظل مجرد حالة عابرة على السطح لا يرقى إلى مستوى القناع، صانع الموضوع والصراع، فحين أرتدي قناع الشخصية، يعني ذلك أنني أصنع منها موضوعاً، وحين أخلعه أرتدّ إلى ذاتي، إلى موضوعي أنا. أضف إلى ذلك، أن الأبطال لا يعيشون مآزقهم الوجودية بصدق، بل تحولوا إلى أداة في لعبة نجحت الكاتبة في نسج خيوطها بمهارة لاعب «الماريونيت» القادر على تمرير المشهد من خلال حركة الدمَى، وإيهامنا بأنه يشدنا إلى العمق الموار بالمتناقضات الخلاقة، والغموض الموحي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
TT

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي، حيث شاركت الفنانة المصرية في إعلان ترويجي رمضاني لإحدى شركات الاتصالات بمصر، وتصدر اسمها «التريند» على موقع «غوغل» الخميس، عقب نشر الإعلان على حسابات الشركة الرسمية، وعرضه على عدد من القنوات التلفزيونية.

وشارك مع عبلة كامل في الإعلان الرمضاني «يا واحشني»، الذي حقق نسبة مشاهدة عالية على المنصات «السوشيالية» المختلفة، عدد كبير من الفنانين من بينهم، منة شلبي، وياسمين عبد العزيز، ومحمد منير، محمد ممدوح، وأمير عيد، ومصطفى غريب.

وأشاد الناس في تعليقات ومشاركات بمواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان ونجومه، وظهور عبلة كامل بالإطلالة التي اعتادوا عليها بأعمالها الفنية، وحرصها على عدم استخدام مستحضرات التجميل بشكل مبالغ فيه، كما وصفوا اللقطات التي جمعتها بالفنانتين ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي، بأنها كانت مليئة بالحب والحنان والأمومة.

وأثار الإعلان ردود فعل إيجابية رحبت بعودة عبلة كامل للساحة بعد غياب لسنوات، كما استعاد البعض مشاهد من أعمال فنية شهدت على مشاركة ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي مع عبلة كامل في بدايتهن الفنية، حيث جمع مسلسل «امرأة من زمن الحب»، بينها وبين ياسمين عبد العزيز قبل 28 عاماً، فيما جمعها مسلسل «أين قلبي»، مع منة شلبي قبل 24 عاماً.

واحتفى أيضاً عدد من الفنانين والإعلاميين في مصر بعودة عبلة كامل، وذلك عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم ريهام عبد الغفور، وحسن الرداد، ورامي رضوان، وفاء عامر، وغيرهم.

وكسرت عبلة كامل ابتعادها التام عن الأضواء برسالة صوتية تمت إذاعتها عبر برنامج الإعلامية لميس الحديدي قبل أكثر من شهرين، وقدمت الشكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب قراره بعلاج كبار الفنانين على نفقة الدولة، واصفة القرار بأنه «لفتة كريمة وحنونة».

وأعلنت عبلة كامل حينها، عن خضوعها لعمليات جراحية على نفقتها الخاصة، كما عاتبت من انتقدوا قرار علاجها على نفقة الدولة.

وعن رأيه في الاحتفاء الجماهيري بعودة عبلة كامل للأضواء بعد غياب طويل، أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، «أن الناس تنتظر ظهور عبلة كامل بفارغ الصبر منذ ابتعادها عن الساحة الفنية، وخصوصاً بعد تأكيدها أخيراً مرورها بأزمة صحية».

قريبة من الجمهور

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن عبلة كامل فنانة قريبة من الناس لذلك فأي ظهور أو خبر عنها يخطف اهتمامهم، مؤكداً أن «الإعلان الترويجي الذي ظهرت فيه وبرغم تكرار فكرته هو الأهم والأضخم والأبرز في موسم رمضان، بل وفي تاريخ الإعلانات المصرية».

وأشاد النجار بفكرة اجتماع عدد كبير من النجوم من أجيال مختلفة بالإعلان، مؤكداً أن «تحقيق الإعلان لمشاهدات مليونية خلال ساعات أمر لم يحدث في أي مصنف فني، وأن وجود عبلة كامل هو السبب في هذا النجاح البارز».

عبلة كامل في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

وبرغم تصدر الإعلان، ورغبة الناس في عودة عبلة كامل للتمثيل، فإن الناقد الفني يستبعد عودتها للفن بعد ظهورها لثوانٍ معدودة وهي جالسة ولم تتحرك مطلقاً، موضحاً أن «التمثيل يحتاج لمجهود، ومن الصعب الاستمرار إذا كانت حالتها الصحية لا تسمح».

بدأت عبلة كامل مسيرتها الفنية في ثمانينات القرن الماضي، وقدمت شخصيات فنية بارزة تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي، من بينها مسلسلات «ليالي الحلمية»، و«ضمير أبلة حكمت»، و«المال والبنون»، و«أبناء ولكن»، و«لن أعيش في جلباب أبي»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«امرأة من زمن الحب»، و«حديث الصباح والمساء»، و«أين قلبي»، و«عيش أيامك»، و«ريا وسكينة»، و«العندليب».

وشاركت في أفلام، «سيداتي آنساتي»، و«الستات»، و«مرسيدس»، و«سواق الهانم»، و«قشر البندق»، و«اللمبي»، و«اللي بالي بالك»، و«خالتي فرنسا»، و«سيد العاطفي»، و«عودة الندلة»، و«بلطية العايمة»، بينما شهد الجزء الـ5 من مسلسل «سلسال الدم»، قبل 8 سنوات على آخر ظهور فني لها، وعقب ذلك فضّلت عبلة كامل الابتعاد عن الأضواء، ورفض الظهور في أي مهرجانات فنية، برغم عدم إعلانها اعتزال الفن نهائياً.


 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
TT

 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

في ليلة الرؤية، تتعلّق أعين المصريين بالسماء، وقلوبهم تترقب الخبر الذي سيخرج من «مرصد حلوان»، يقفون على تخوم عبارتين؛ «تم رصد الهلال» أو «تعذّرت رؤيته»، فبين الجملتين تتحدد ملامح الغد، فتبدأ بشائر رمضان أو يُرجأ انتظاره يوماً آخر، غير أن قصة هذا المرصد تمتد جذورها إلى ما هو أوسع من هذا الطقس الموسمي الذي يتكرر كل عام.

تعود بدايات الرصد الفلكي المؤسسي في مصر إلى عام 1839 - 1840، حين أُنشئت «الرصدخانة» في بولاق بأمر من محمد علي باشا، وتطورت لاحقاً في عهد الخديوي إسماعيل، ثم نُقلت إلى العباسية بسبب مشروعات السكك الحديدية وتأثير الاهتزازات على دقة الرصد، ومع اتساع العمران وزيادة التلوث الضوئي، اتُّخذ القرار بإنشاء مرصد جديد في حلوان (جنوب القاهرة) عام 1903، بعيداً عن صخب المدينة، ليبدأ ما يُعرف اليوم بمرصد حلوان، الذي حمل آنذاك اسم «المرصد الملكي».

صورة أرشيفية توثق عملية رصد فلكي في مرصد حلوان خلال الحقبة الملكية (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

حسب الدكتور أشرف شاكر، أستاذ ورئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فإن مرصد حلوان «ليس مجرد موقع أثري علمي، بل نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث في المنطقة»، مؤكداً أنه «قيمته لا تكمن في قدمه فقط، بل في إسهامه الفعلي في إنتاج معرفة فلكية مبكرة سبقت كثيراً من التصنيفات العالمية».

ويضيف شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن «نقل المرصد إلى حلوان مطلع القرن العشرين جاء استجابة لاعتبارات علمية دقيقة؛ فالموقع المرتفع وهواء حلوان النقي آنذاك جعلاه مثالياً للرصد، وبعد انتقاله، أصبح وجهة لعدد من العلماء الأجانب، وشارك في أرصاد دولية مهمة، منها مهام مرتبطة برصد أجرام سماوية بعيدة ضمن مشروعات تعاون دولي في بدايات القرن العشرين، وهي أرصاد وضعت اسم حلوان مبكراً على خريطة البحث الفلكي العالمي».

ويحتفظ مرصد حلوان في ذاكرته، بالتلسكوب التاريخي الذي أهداه له الفلكي البريطاني جون هنري رينولدز، بقطر 30 بوصة، الذي كان الأكبر في أفريقيا والعالم العربي آنذاك، ما مكّن العلماء من تصوير أجرام سماوية بعيدة لم تكن تُرى بوضوح من قبل، وأسهم في أبحاث فتحت آفاقاً جديدة لفهم الكون في ذلك الوقت.

معمل أبحاث الشمس بمرصد حلوان (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ويؤكد شاكر أن «أرشيف المرصد موثّق دولياً، ومحفوظ في سجلات علمية عالمية، ومُدرج ضمن أرشيفات بحثية كبرى».

أما عن دور المرصد في عملية تحرّي الهلال، فيلفت رئيس قسم الفلك إلى أن «هذا الدور لا يتم بمعزل عن الإطار الشرعي الذي يتولاه المصريون منذ عقود، موضحاً أن المعهد القومي للبحوث الفلكية الذي ينتمي إليه المرصد، يعمل بتنسيق مباشر مع دار الإفتاء المصرية ولجان علمية وشرعية معتمدة لتحديد بداية الأشهر الهجرية، في كل ليلة رؤية، تُرسل نتائج الرصد الفلكي إلى هذه اللجان التي تضم علماء دين وعلماء فلك معاً، ليُرفع بعدها تقرير موثق إلى مفتي الجمهورية لإعلان الموعد الرسمي لبداية شهر رمضان أو غيره من الشهور».

جانب من مرصد حلوان التاريخي (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ولا يقتصر دور المرصد، حسب شاكر، على الحسابات المرتبطة برؤية الهلال، بل يمتد إلى تطبيقات عملية في الاتصالات، وتتبع المواقع، والملاحة، وتتبع الأقمار الاصطناعية، وحسابات التوقيت.

ويحتضن مبنى مرصد حلوان، متحفاً يوثّق تاريخ أدوات الرصد، والخرائط، وسجلات علمية تعود لأكثر من قرن، من بينها أرصاد مبكرة لمذنب هالي عام 1909، ووثائق كثيرة توثّق ظواهر فلكية كبرى، وهو ما يضيف للمرصد مكانة بحثية علمية، وذاكرة معرفية واسعة.


التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
TT

التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)

أظهرت دراسة أميركية أن الأطفال الذين يتعرّضون للتنمّر يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسمنة، ضمن إطار ما يُعرف بـ«التجارب السلبية في الطفولة» التي تشمل أيضاً الطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والإهمال.

وأوضح الباحثون من جامعة جورجيا أن هذه التجارب ليست مجرّد عوامل نفسية، إذ تؤثّر بيولوجياً وصحياً على الأطفال، خصوصاً بما يتعلّق بزيادة خطر السمنة. ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «جاما نتوورك أوبن».

وتُعدّ السمنة لدى الأطفال مشكلة صحية متزايدة على مستوى العالم، تؤثّر على النمو البدني والصحة النفسية على السواء. وتنشأ عادة عن توازن سلبي بين السعرات الحرارية المستهلكة ومستوى النشاط البدني، إضافة إلى عوامل بيئية وغذائية ونمط الحياة. وقد تؤدّي السمنة في الطفولة إلى مضاعفات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات القلب، كما يمكن أن تؤثّر على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

وخلال الدراسة، حلَّل الفريق بيانات أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ضمن دراسة التطوّر المعرفي للأطفال والمراهقين، وهي أكبر دراسة طويلة الأمد حول صحة الأطفال وتطوّر الدماغ.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار تجربتين سلبيتين تقريباً، بما في ذلك التنمُّر، ترتبط بارتفاع مؤشّر كتلة الجسم بنحو نصف نقطة. وأكد الباحثون أن التجارب السلبية في الطفولة، مثل التعرُّض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والتنمُّر، قد تزيد من خطر السمنة، من خلال تأثيرها البيولوجي والهرموني في الجسم، ما يزيد من احتمالية اكتساب الوزن.

وأضاف الفريق أن هناك عدداً من العوامل التي تؤثّر في زيادة وزن الطفل، لكن الدراسة تُظهر أن الضغوط والتجارب الصادمة يمكن أن تعزز هذا الخطر، خصوصاً خلال مرحلة المراهقة الحرجة.

بيئة داعمة

وفي المقابل، وجد الباحثون أن وجود بيئة داعمة يمكن أن يُخفف من التأثيرات الصحية لهذه التجارب؛ إذ إن الأطفال الذين يمتلكون مهارات مواجهة صحية أو لديهم شخص بالغ داعم في حياتهم أظهروا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى عند تعرّضهم لمستويات عالية من التجارب السلبية.

وأشار الفريق إلى أن الشخص الداعم قد لا يكون الوالد أو مقدّم الرعاية بالضرورة، فقد يكون معلِّماً أو مدرِّباً أو أي شخص مستقرّ وداعم في حياة الطفل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية الدعم الاجتماعي وتنمية المهارات الذاتية وسيلةً فعّالةً لتخفيف الآثار السلبية للتجارب الصادمة على الوزن والصحة العامة.

كما تُشير إلى ضرورة فحص التجارب السلبية ضمن الفحوص الطبية الروتينية للأطفال، ما يتيح التدخُّل المبكر وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل، ويساعد في توجيه السياسات الصحية والتربوية لدعم الأطفال الأكثر عرضة لهذه التجارب.