لماذا تثير العاصمة الإدارية جدلاً في مصر؟

اعتاد مصريون التشكيك في مشروعات كبرى قبل أن تصير «أيقونات»

العاصمة الإدارية الجديدة (أرشيفية)
العاصمة الإدارية الجديدة (أرشيفية)
TT

لماذا تثير العاصمة الإدارية جدلاً في مصر؟

العاصمة الإدارية الجديدة (أرشيفية)
العاصمة الإدارية الجديدة (أرشيفية)

ما زال مشروع العاصمة الإدارية الجديدة يثير موجات متتالية من الجدل والانتقادات في مصر، تزايدت مؤخراً مع احتدام الأزمة الاقتصادية جراء تداعيات جائحة «كوفيد - 19»، والحرب الروسية – الأوكرانية، لتزيد حدة الانتقادات بداعي «ترشيد أولويات الإنفاق الحكومي»، وبينما تؤكد مصر أن المشروع «لا يجري تمويله من موازنة الدولة»، يشير خبراء إلى أن المصريين اعتادوا «التشكيك» في مشروعات كبرى تحوّلت بعد تنفيذها إلى «أيقونات».
وأعلنت الحكومة المصرية مشروع العاصمة الجديدة في مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في مارس (آذار) 2015، كواحدة من المدن الذكية المستدامة، والبالغ عددها 20 مدينة، وتبلغ مساحة المشروع عند اكتماله نحو 700 كيلومتر مربع أي 170 ألف فدان، على أن يتم التنفيذ على ثلاث مراحل. وتبلغ مساحة المرحلة الأولى من المشروع نحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان) أي نصف مساحة القاهرة تقريباً، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان.
وتحت عنوان «هل أهدرت الدولة المليارات في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة؟»، حاول المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية الرد على الانتقادات المتكررة للمشروع، خصوصاً تلك المتعلقة بالتمويل. وقال إن «الحكومة أوضحت عدة مرات أن تمويل المشروع بالكامل خارج إطار موازنة الدولة، عبر إيجاد قيمة اقتصادية للأرض المقام عليها المشروع، وتحويلها إلى مصدر للتمويل»، موضحاً أن «المشروع يحقق عوائد كبيرة، نتيجة حصيلة البيع التي تحصل الدولة منه على 20 في المائة، إضافة إلى الأقساط التي تحصل عليها الدولة عن مشروعات حق الانتفاع المؤقتة مثل محطات البنزين المتنقلة».
وأضاف المركز أن «شركة العاصمة الإدارية، (وهي الشركة المسؤولة عن تنفيذ وإدارة المشروع)، استطاعت أن تحقق سيولة تزيد على 40 مليار جنيه، إلى جانب أكثر من 40 مليار جنيه أخرى مستحقات لدى الغير». ووفقاً للمركز، فإن «مشروع العاصمة الإدارية الجديدة يتم تمويله من خلال بيع أراضٍ صحراوية ظلت لقرون دون قيمة أو استغلال».
الانتقادات للمشروعات «العملاقة» ليست وليدة اليوم، بحسب الدكتور سعيد عكاشة، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي أوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التاريخ المصري مليء بهذا النوع من الانتقادات، وربما أبرزها الهجوم الذي صاحب مشروعات كبرى في القرن التاسع عشر مثل حفر قناة السويس وإنشاء السكة الحديد، ولم يدرك المصريون قيمتها إلا بعد سنوات عديدة»، لافتاً إلى أن «المشروعات العملاقة في مصر عادة ما تواجه بانتقادات وقت إنشائها، ثم تتحول إلى أيقونات في المستقبل»، متوقعاً أن «يتكرر الأمر مع مشروعات البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة غير المسبوقة التي يتم إنشاؤها حالياً».
ويرجع عكاشة هذه الانتقادات إلى سببين رئيسيين؛ الأول هو «التكوين الثقافي للمصريين الذي يعتقد بضرورة الضغط على الحكومة»، أما السبب الثاني فمرتبط بالتطورات الراهنة، المتعلقة بـ«جماعات ذات توجه آيديولوجي معارض، وقوى سياسية تعتمد على الشعارات بعيداً عن الفكر التنموي للدول»، لافتاً إلى أن «هذا الهجوم المتعمد والشديد يدفع الرئيس عبد الفتاح السيسي أحياناً للرد في اللقاءات العامة».
وبينما يتفق الدكتور عبد المنعم سعيد، الخبير الاستراتيجي، مع عكاشة على «تأثير (الماكينة الإعلامية) لتنظيم (الإخوان) على زيادة الانتقادات للمشروعات القومية»، فإنه يضيف سببين آخرين، الأول كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، يتعلق «بضعف التسويق الحكومي والإعلامي لهذه المشروعات، وهو السبب الأكبر في إثارة الجدل»، موضحاً أن «الشعب المصري اعتاد لسنوات على كثرة الكلام عن مشروعات وخطط دون تنفيذ، أما اليوم فما يحدث هو العكس؛ حيث ينفذ المشروع ثم يعلن للجمهور». أما السبب الثاني، كما يقول سعيد، فيرتبط بكون «الرؤية الاستراتيجية للحكومة الآن أبعد بكثير من رؤية الجمهور، الذي اعتاد لسنوات على استراتيجية إدارة الفقر، وتنفيذ مشروعات للحظة الآنية، على عكس الحكومة التي تخطط للمستقبل البعيد».
وأكد السيسي، في وقت سابق، «أهمية وأولوية استمرار العمل في العاصمة الجديدة رغم ما تكلفه من أموال طائلة وفي ظل ظروف صعبة». وقال خلال إطلاقه مشروع منصة مصر الرقمية في يوليو (تموز) الماضي، إن «شركة العاصمة الإدارية الجديدة هي التي أقامت المدينة من خلال مواردها الذاتية».
ويقدر «إجمالي الاستثمارات في المرحلة الأولى لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة بنحو 700 إلى 800 مليار جنيه (الدولار بـ19.4)، لم تكلف الدولة منها جنيهاً واحداً»، وفقاً للتصريحات الرسمية لشركة العاصمة الإدارية.
ويعد مشروع العاصمة واحداً من المشروعات التي كانت «القاهرة في حاجة ماسة إليها»، وفقاً للمركز المصري، الذي أشار في تقريره إلى تقديرات خبراء الوكالة اليابانية للتعاون الدولي والمعروفة بـ«جايكا» عام 2010، بأن «القاهرة ستتحول إلى مدينة مغلقة أو ميتة أو جراج كبير بحلول عام 2030»، بسبب النمو السكاني المتزايد.
محاولات تفريغ القاهرة من سكانها بدأت منذ عصر الرئيس الأسبق أنور السادات، الذي خطط لإنشاء عاصمة إدارية تستوعب الزيادة السكانية في مدينة تحمل اسمه على الطريق الصحراوي، لكن المشروع لم يكتب له النجاح، وفقاً للمركز المصري، وتكرر الأمر في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي وضع مخططاً لنقل مربع الوزارات الحكومية من وسط البلد، لكن لم يتم تنفيذه.
وقال المركز إن «التخطيط لإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وجميع المدن الجديدة يفتح آفاقاً جديدة للتوسعة العمرانية الأفقية، ويمهد الطريق نحو فكرة الخروج من الوادي، فضلاً عن كونه مسعى لاستدامة النمو العمراني الذي يتناسب مع النمو السكاني والاقتصادي».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


كيف آلت محاكمات كبار المسؤولين الجزائريين في عهد بوتفليقة؟

ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)
ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)
TT

كيف آلت محاكمات كبار المسؤولين الجزائريين في عهد بوتفليقة؟

ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)
ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)

في الوقت الذي رفضت فيه أعلى هيئة قضائية بالجزائر طلب وزير العدل الأسبق، الطيب لوح، دمج الأحكام الصادرة بحقّه للاكتفاء بالعقوبة الأشد، غادر وزير التضامن الأسبق، جمال ولد عباس، السجن عائداً إلى بيته بعد استنفاد مدة عقوبته. ويُعد الوزيران من أبرز وجوه حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، وكلاهما أُدين في قضايا تتعلق بالفساد.

وزير العدل سابقاً الطيب لوح (الوزارة)

أكد موقع «الشروق»، في مقال نشره، أمس الأربعاء، أن «المحكمة العليا» رفضت طلباً تقدَّم به دفاع الوزير لوح (2012-2019)، بغرض الاستفادة من «دمج العقوبات» النهائية الصادرة ضده، بناء على تُهم «فساد».

حالياً، يواجه الطيب لوح أحكاماً نهائية يصل مجموعها إلى 5 سنوات حبساً نافذاً. وبموجب الإجراءات القضائية المعمول بها، كان مِن شأن قبول ضم العقوبات أن يسمح له بقضاء العقوبة الأشد فقط، بدلاً من جمع العقوبات المختلفة؛ إلا أن هذا الرفض يعني التزامه بقضاء كامل مجموع الأحكام المقررة سابقاً، وفق تفسيرٍ قدَّمه محامون، لـ«الشرق الأوسط»، بخصوص هذه القضية.

يأتي هذا القرار في وقتٍ لا يزال فيه الملف القضائي للوزير الأسبق مفتوحاً جزئياً، حيث لا تزال هناك قضية ثالثة قيد التحقيق، أو في انتظار حكم نهائي، تتعلق بتُهم منفصلة وهي: «التصريح الكاذب بالممتلكات والإثراء غير المشروع». وتشمل هذه القضية وقائع تتعلق بزيادة غير مبررة في ممتلكات لوح (72 سنة)، لم يجرِ التصريح بها أثناء تولّيه المنصب.

وزير التضامن سابقاً جمال ولد عباس (الوزارة)

ومع تراكم «الملفات» ضده، يواجه الطيب لوح وضعاً قانونياً معقداً يجمع بين أحكام نافذة وأخرى لا تزال قيد المراجعة، مما يمدّد فترة بقائه خلف القضبان. ونقل محاموه للصحافة أنه «يعاني المرض ولم يعد يتحمل السجن».

سَجن «وجهاء» بعد سقوط بوتفليقة

اعتُقل الطيب لوح وأُودع الحبس الاحتياطي، في 22 أغسطس (آب) 2019، بعد سقوط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحكومته التي كان عضواً فيها، في الثاني من أبريل (نيسان) من العام نفسه، تحت ضغط الشارع الذي انتفض ضد ترشحه لولاية خامسة، بينما كان عاجزاً عن الكلام والحركة بسبب المرض منذ 2013. وقد حظي لوح بنفوذ كبير في مرفق القضاء، نتيجة قربه من بوتفليقة.

تنحي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عجّل بسجن العشرات من رموز حكمه (الرئاسة)

ومنذ شهرين، عاد وزير التضامن السابق، التسعيني جمال ولد عباس، إلى الحياة العادية من جديد، بعد أن أنهى عقوبة في السجن مُدتها أربع سنوات. وقال مصدر قضائي، لـ«الشرق الأوسط»، إن ولد عباس قضى العامين الأخيرين من العقوبة في عيادة سجن «القليعة» (40 كيلومتراً غرب العاصمة)، حيث كان يعالَج من عدة أمراض يعود معظمها إلى كبر سنَه.

وُضع جمال ولد عباس رهن الحبس الاحتياطي في يوليو (تموز) 2019، في إطار قضايا فساد تتعلق بفترة تولّيه وزارة التضامن الوطني (2002-2010)، وصدرت بحقّه أحكام ابتدائية في أغسطس 2022، تقضي بالسجن 3 سنوات نافذة مع غرامة مالية ومصادرة ممتلكات، قبل أن يصدر «مجلس قضاء الجزائر» (محكمة الاستئناف) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 حكماً في الدرجة الثانية يقضي برفع العقوبة إلى 4 سنوات سجن نافذة مع مصادرة ممتلكاته.

وزير العمل سابقاً محمد بوغازي غادر السجن بسبب المرض (الوزارة)

وفي ملفات أخرى منفصلة، صدرت بحقّه أحكام إضافية، ليصل مجموع العقوبات بعد دمجها إلى 10 سنوات سجناً نافذاً، جرى الاحتفاظ بالأشد منها، وفق القانون الجزائري. وقد تعلقت التهم أساساً بـ«اختلاس وتبديد أموال عمومية، وإساءة استغلال الوظيفة ومخالفات في الصفقات العمومية».

وفي يوليو 2023، غادر سعيد بركات، خليفة ولد عباس في الوزارة نفسها، السجن بعد أن قضى كامل مدة العقوبة التي أُوقعت عليه، وهي 4 سنوات حبساً نافذاً في قضية فساد تتعلق بــ«اختلاس أموال وزارة التضامن الوطني»، وقد التحق بعائلته في بسكرة (450 كيلومتراً جنوب العاصمة). وقال أفراد من عائلته إن صحته تدهورت بشكل كبير.

ومنذ تنحي بوتفليقة، شنت مصالح الأمن حملة كبيرة على رموز سلطته، مدنيين وعسكريين، لم تستثنِ أي واحد منهم، في حين هرب كثير إلى الخارج للإفلات من الملاحقة والسجن. وقد أصدر القضاء أوامر اعتقال دولية ضدهم، وأدانهم غيابياً بأحكام ثقيلة.

إطلاق سراح كبار المسؤولين

في مايو (أيار) 2025، أُطلق سراح مدير الأمن الداخلي بشير طرطاق، المُكنى «عثمان»، بعد انتهاء محكوميته. وكان طرطاق قد أُوقف في 2019 ضِمن سلسلة اعتقالات شملت محمد مدين المعروف بـ«توفيق»، وسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الراحل ومستشاره الخاص، ولويزة حنون، رئيسة «حزب العمال» اليساري، بتهمة «التآمر على سلطة الدولة والجيش»، ومحاولة الإطاحة بالفريق أحمد قايد صالح، قائد الجيش، الذي توفي في نهاية 2019. وقد برّأت محكمة الاستئناف العسكريّة معظم المعتقلين، لكن طرطاق وسعيد ظلّا في السجن بسبب ملفات فساد أخرى أمام القضاء المدني.

الوزير الأول سابقاً أحمد أويحي مسجون بتهمة الفساد (متداولة)

وكان أول المسؤولين الكبار الذين أُفرج عنهم، بعد استقالة الرئيس بوتفليقة، وزير التجارة عمارة بن يونس في نهاية 2020، تلاه وزير الصناعة محجوب بدة في صيف 2021 بعد انتهاء عقوبته البالغة عامين، ثم وزير النقل بوجمعة طلعي في صيف 2022، الذي تُوفي لاحقاً متأثراً بمرض. وفي الفترة نفسها، غادرت وزيرة الثقافة خليدة تومي السجن، مستفيدة من إفراج مشروط قبل انتهاء محكوميتها بسنة، بسبب تُهم فساد مرتبطة بأموالٍ أُنفقت على مشاريع ثقافية وفنية، خلال أكثر من عقد من عملها.

السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الراحل ومستشاره الخاص (متداولة)

كما استعاد وزير العمل السبعيني، محمد غازي، حريته في أغسطس 2022 بعد قضائه 3 سنوات فقط من حكم بالسجن 10 سنوات، بعدما أخذ القضاء بعين الاعتبار ملف «خبرة عقلية» يثبت فقدانه الذاكرة بشكل كامل بسبب إصابته بمرض ألزهايمر أثناء سجنه.


القضاء التونسي يحسم الجدل في ملف مصنع ملوث بقابس

من مظاهرة سابقة للمطالبة بوقف نشاط وحدات إنتاج المصنع الكيميائي الملوث في محافظة قابس (إ.ب.أ)
من مظاهرة سابقة للمطالبة بوقف نشاط وحدات إنتاج المصنع الكيميائي الملوث في محافظة قابس (إ.ب.أ)
TT

القضاء التونسي يحسم الجدل في ملف مصنع ملوث بقابس

من مظاهرة سابقة للمطالبة بوقف نشاط وحدات إنتاج المصنع الكيميائي الملوث في محافظة قابس (إ.ب.أ)
من مظاهرة سابقة للمطالبة بوقف نشاط وحدات إنتاج المصنع الكيميائي الملوث في محافظة قابس (إ.ب.أ)

رفض القضاء التونسي، الخميس، الدعوى التي رفعها ناشطون للمطالبة بوقف مؤقت لنشاط وحدات إنتاج مصنع كيميائي حكومي في محافظة قابس، أثار احتجاجات واسعة بسبب انبعاث غازات منه يعتقد أنها سامة وتتسبب في حالات اختناق، وفق ما أفاد محامٍ.

وقال المحامي منير العدوني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «عدّت المحكمة أن هناك عدم ثبوت ضرر. وصرّحت بأن مزاعم التلوث غير مبررة، وتفتقر إلى الأدلة الفنية والعلمية».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، شهدت المحافظة مظاهرات شارك فيها عشرات الآلاف من السكان، طالبوا ونددوا بالغازات التي ينشرها المجمع الكيميائي في الهواء، والتي تتسبب في حالات اختناق لدى تلاميذ المدارس القريبة من المجمع، وفق تصريحاتهم لوسائل إعلام محلية.

وتقدّم المحامون بدعويين قضائيتين، وطلبوا بوقف مؤقت للإنتاج في انتظار قرار نهائي بشأن إغلاق المجمع.

وقال العدوني بهذا الخصوص: «هناك قضية ثانية جارية تتعلّق بتفكيك الوحدات الملوثة، لكن لم تحدّد بعد أي جلسة للنظر فيها».

وأعلن مجلس إدارة «مجموعة البنك الأفريقي للتنمية» في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تمويل بقيمة 110 ملايين دولار أميركي لمشروع دعم تطوير البيئة، وإعادة تأهيل وحدات الإنتاج التابعة للمجمع الكيميائي التونسي.

وأنشأت السلطات التونسية «المجمّع الكيميائي التونسي» عام 1972 على شاطئ قابس، لكنه تحوّل خلال السنوات الأخيرة الى «كابوس» بالنسبة للمواطنين والمنظمات البيئية المحلية، وذلك بسبب تزايد مستويات التلوث البحري والهوائي. وفي عام 2017، وعدت الحكومة التونسية بوقف نشاطه وتفكيكه، لكن هذا لم يحصل.

ويُصنع المجمع الكيميائي الأسمدةَ من مادة الفوسفات، ويلقي بمخلفاته الصلبة (الفوسفوجيبس، الذي يحتوي على معادن ثقيلة) في البحر وعلى الشاطئ.

وقد كلّف الرئيس التونسي قيس سعيد فريق عمل بإيجاد حلول عاجلة، في انتظار بلورة حلول استراتيجية لمدينة قابس.

وتشكّل مناجم الفوسفات، المتركزة في جنوب غربي تونس، الثروة الطبيعية الرئيسية للبلاد، وهي ركيزة أساسية للاقتصاد. وتهدف السلطات إلى زيادة إنتاج الأسمدة في قابس 5 أضعاف بحلول عام 2030، ليصل إلى 14 مليون طن سنوياً.


وزراء خارجية أوروبيون: عنف «الدعم السريع» في الفاشر يشكّل جرائم حرب

أشخاص فرّوا من الفاشر بالسودان في مخيم للنازحين بالطويلة شمال دارفور 27 أكتوبر 2025 (رويترز)
أشخاص فرّوا من الفاشر بالسودان في مخيم للنازحين بالطويلة شمال دارفور 27 أكتوبر 2025 (رويترز)
TT

وزراء خارجية أوروبيون: عنف «الدعم السريع» في الفاشر يشكّل جرائم حرب

أشخاص فرّوا من الفاشر بالسودان في مخيم للنازحين بالطويلة شمال دارفور 27 أكتوبر 2025 (رويترز)
أشخاص فرّوا من الفاشر بالسودان في مخيم للنازحين بالطويلة شمال دارفور 27 أكتوبر 2025 (رويترز)

قال بيان لوزراء خارجية المجموعة ​الأساسية بشأن السودان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الخميس، ‌إن أعمال ‌العنف ​التي ‌ترتكبها ⁠«قوات ​الدعم السريع» في ⁠مدينة الفاشر بالسودان تحمل «سمات الإبادة الجماعية».

وخلصت المجموعة، في ⁠بيان نشرته وزارة ‌الخارجية ‌الألمانية، ​إلى أن ‌العنف الذي ‌تقوده «قوات الدعم السريع» يُعدّ جرائم حرب وجرائم ‌ضد الإنسانية، ويحمل سمات الإبادة الجماعية.

وأعلنت ⁠الدول، ⁠ألمانيا وآيرلندا وهولندا والنرويج وبريطانيا، أنها تعتزم تشكيل تحالف لمنع المزيد من الفظائع في السودان، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، إن «قوات الدعم السريع» في السودان، استهدفت وأساءت معاملة وقتلت أشخاصاً ذوي إعاقة خلال هجومها وعقب سيطرتها على مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، مشيرة إلى أنها المرة الأولى التي توثق فيها انتهاكات «من هذا النوع وبهذا الحجم».

أسفرت الحرب المتواصلة في السودان منذ 15 أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع» بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو عن مقتل عشرات الآلاف، ودفعت نحو 12 مليوناً إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى خارجها، وأدت إلى تدمير البنية التحتية؛ ما جعل السودان يعاني «أسوأ أزمة إنسانية» في العالم، بحسب الأمم المتحدة.

حاصرت «قوات الدعم السريع» الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور وآخر مدينة رئيسية في الإقليم خارج سيطرتها، مدة عام ونصف العام قبل اقتحامها في 26 أكتوبر (تشرين الأول).

وأعقب ذلك تقارير عن عمليات قتل جماعي وخطف واغتصاب ونهب واسع النطاق.

اقرأ أيضاً