«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

النرويجية إيريكا فاتلاند زارتها ودوّنت مشاهد من تاريخها وثقافتها

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق
TT

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

كتاب «سوفيتستان» للنرويجية إيريكا فاتلاند، هو واحد من أجمل كتب الرحلات الصادرة أخيراً، وهو يضم مشاهدات وتأملات في عدد من جمهوريات آسيا الوسطى التابعة سابقاً للاتحاد السوفياتي، مثل تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، وهو ما يفسّر المقصود بالعنوان حين تلتقي كلمة «ستان» بمعنى «مكان أو أرض» مع كلمة «سوفيات».
تشير المؤلفة في بداية عملها الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة في 391 صفحة، بترجمة سمير محفوظ بشير، إلى أنه بينما كانت في السنة الثانية الابتدائية بدأ الاتحاد السوفياتي في التفكك تدريجياً حتى انفصلت كل أجزائه وتغيرت خريطة العالم بالكامل. في خريف عام 1991 أصبحت 15 جمهورية - كان يضمها الاتحاد المعروف باسم الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية - منفصلة جميعها عنه لتصبح دولاً مستقلة في غضون أيام قليلة. وعلى مدى بضعة أشهر لاحقة اكتسبت منطقة شرق أوروبا ست دول مستقلة جديدة، وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا ومولدوفا. أيضاً حصلت آسيا الوسطى على خمس جمهوريات جديدة هي تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، كذلك هناك ثلاث دول انبثقت من المنطقة القوقازية وهي جورجيا وأذربيجان وأرمينيا.
حدث أول لقاء للمؤلفة مع الاتحاد السوفياتي القديم عندما كانت في رحلة بصحبة مجموعة من الرجال والنساء أحيلوا على التقاعد. كانت قد قضت آخر أعوامها الدراسية في مدينة «هلسنكي» الفنلندية، وهناك اشترت تذكرة رخيصة تستقل بها حافلة تتيح لها زيارة مدينة «بطرسبرغ»، وما إن وصلت إلى منطقة نقطة الحدود حتى شعرت بحدوث تغيير شامل في الجو السائد، دخل الجنود المدججون بالسلاح الحافلة خمس مرات لفحص جوازات السفر، وعندما توقف المسافرون في مدينة «فايبورغ» لتناول طعام الغداء، لاحظت أن هناك عدداً من كبار السن بدأوا في البكاء. واحدة من النسوة قالت لها: كانت هذه المدينة جميلة للغاية فيما سبق. في أثناء اشتعال أحداث الحرب العالمية الثانية كانت «فايبورغ» هي ثاني أكبر مدن فنلندا ثم بعد انتهاء هذه الحرب أصبح الفنلنديون مجبرين على أن يتنازلوا عن جزء من مدينة «كاريليا» للاتحاد السوفياتي.
لاحظت «فاتلاند» في أثناء رحلتها أن حالة التدهور سائدة في أرجاء هذه المدينة، رأت الطلاء مقشراً من جدران كثير من المباني والأرض مليئة بالحفر وأهالي البلدة تبدو على وجوههم علامات الجد والتجهم، ويرتدون ملابس قاتمة كئيبة. ما إن وصلت إلى مدينة «بطرسبرغ» حتى سكنت في مبنى عتيق ولاحظت أن شوارع المدينة واسعة يقطعها عدد من حافلات التروللي القديمة المتهالكة، مبانيها كلاسيكية وعمال التذاكر لهم مظهر خشن غير ودي.
ولكن فور عودتها لهلسنكي، قامت بشراء كتب لتعلم اللغة الروسية، وأتقنتها بعد أعوام من التعب في معرفة قواعدها، لتحقق طموحها لمزيد من الرحلات إلى بطرسبرغ وموسكو، وكل أطراف الاتحاد السوفياتي القديم.

المدينة الرخامية

تصف المؤلفة مدينة «عشق آباد»، عاصمة تركمانستان، بالمدينة الرخامية، فهذا اللون الرخامي الأبيض يكاد يعمي نظرها. مهما أدارت نظرها ترى العديد منها بالشكل والمنظر نفسيهما، مدينة مبنية برخام أبيض لامع. أخذت «فاتلاند» تلتقط صوراً متعجلة في أثناء سير السيارة كأنها سائحة يابانية ملهوفة ومغرمة بكل ما هو سريع، هذه الطرق التي تفصل بين مجموعة من المباني تستحق أن توجد في دولة بترولية غنية، إنها على شكل ثماني حارات واسعة ومضاءة بألوان بيضاء متقنة.
«أصبحت عشق آباد مدينة فائقة النظافة والجمال بفضل رئيسنا»، هذا ما صرح به سائق السيارة الثلاثيني التي تستقلها واسمه «أصلان»، شاحب الوجه وأب لعدد من الأطفال. نطق الكلمات الأربع الأخيرة بسرعة بالغة وبطريقة آلية. ربما لا يعي العالم بانتباه ما يحدث في تلك الأمة الصحراوية الصغيرة القائمة في وسط آسيا لكن موسوعة غينيس للأرقام القياسية كانت واعية بكل غرائب هذه المدينة فترة من الزمن. في عام 2013، احتفل السكان بتحقيق رقم جديد، أصبحت «عشق آباد» رسمياً هي أكبر مدينة تحفل بالمباني الرخامية بالنسبة لكل كيلومتر مربع على مستوى العالم، قيل إن المحاجر القابعة في منطقة «كارارا» بإيطاليا قد فرغت تماماً من الرخام بسبب هؤلاء التركمان ذوي الشهية النهمة للحصول على المنتج الأبيض اللامع. أيضاً يحتفل ويتفاخر سكان «عشق آباد» بأنهم يعيشون في مدينة مجهزة بأكبر عدد من النوافير والحدائق المائية على مستوى العالم، هذا رغم أن 80 في المائة من حجم الدولة هي أراضٍ صحراوية.
أيضاً مقار الوزارات وأهم المساجد صممها المهندسون بدرجات متميزة من الفنون الهندسية، مثلاً، وزارة الشؤون الخارجية على شكل الكرة الأرضية، أما وزارة التعليم فعلى شكل كتاب نصف مفتوح وكلية طب الأسنان على هيئة ضرس بإيعاز من رئيس الجمهورية الذي كان يوماً ما طبيباً للأسنان.

الذئاب ومياه الجليد

وتنتقل المؤلفة إلى كازاخستان، حيث تلاحظ أن أرض الحدود التي تقع بينها وبين تركمانستان؛ حيث شمس تبرق في سماء صافية زرقاء، بينما الأرض بنية اللون جدباء تمتد في كل الاتجاهات. كما لا يوجد على مرأى البصر أي مبانٍ أخرى أو بشر يظهرون في المشهد، هي الذئاب وأميال من طرق رديئة الصنع.
لاحظت «فاتلاند» أن الوجوه التي حولها ليست لها الملامح الأوروبية مثل سكان تركمانستان، إنهم يشبهون أكثر المغول بعيون ضيقة وخدود مرتفعة مستديرة. لهجتهم مستريحة لكنها حادة نوعاً ما حتى الحساء لديهم مختلف، لكن الشاي الأخضر غير مختلف. كان سبب رحيلها إلى مدينة «آرال» هو رغبتها في أن ترى بعينها نتائج واحدة من كبرى المصائب التي صنعها الإنسان لنفسه! لقد بنيت هذه المدينة على شط «آرال» وكانت مركزاً مهماً للصيد حتى عام 1960، بعدها بدأ هذا البحر في الانكماش. بذلك أغلق مصنع تعليب الأسماك مدة عقدين من الزمان. الآن تحاط المدينة من كل جهاتها بالأراضي الصحراوية، لم يعد تأرجح أمواج البحر سوى ذكرى. تبلغ مساحة كازاخستان 2.724.900 كيلومتر مربع، وهذا يعني أنها أكبر من دول غرب أوروبا مجتمعة، وهي تاسع دولة من حيث المساحة عالمياً وأكبر دولة بلا شواطئ.
وفي قرغيزستان، تلاحظ المؤلفة أن العاصمة «بيشكيك» ما زالت تبدو متشحة بالروح الروسية، فالكثير من أغطية الرأس النسائية هي قبعات اللباد البيضاء، لكن معظم الناس يرتدون الملابس العصرية؛ بنطالات جينز وأحذية رياضية وسترات جلد فاخر وتستطيع أن تسمع اللغة الروسية بالقدر نفسه للغة القرغيزية. كان الموقف عام 1950 مماثلاً تماماً للحال الذي كان سائداً في كازاخستان، إذ يمثل عدد القرغيزيين نحو 40 في المائة من حجم السكان، وبذلك كانوا الأقلية، لكن مع تفكك الاتحاد السوفياتي، رحل كثير من الروس والأوكرانيين غرباً، وأصبح عدد القرغيزيين يمثل 70 في المائة من السكان، ولا يوجد سوى 370 ألف روسي معظمهم يعيشون في العاصمة.
تعتبر مدينة «بيشكيك» أكبر مدينة ينتشر فيها اللون الأخضر في آسيا الوسطى، فالمياه الذائبة من جليد الجبال المحيطة تمون الكثير من متنزهاتها وأشجارها بالماء الوفير، مانحة المدينة شعوراً شبه ريفي. وتشعرك شوارعها الواسعة الظليلة بعقود من الزمن؛ حيث الهدوء والهروب من قبضة الحياة العصرية بإيقاعها اللاهث وهواتفها الذكية وتلاشي مساحة الخصوصية.
حتى عام 1991 كان اسم هذه المدينة «فرونز» على اسم القائد البلشفي الذي ولد فيها، لكن بعد الاستقلال أخذت اسمها القديم المشتق من اللغة القرغيزية التي تعبر عن «دلو اللبن». وخلف أبراج التجمعات الاشتراكية تقع قمم جبل «تيان شان» التي تصل إلى عنان السماء. ومما يربك سائقي سيارات الأجرة أن كثيراً من شوارع هذه المدينة سميت بأسماء جديدة، مثلاً اسم «طريق لينين» أصبح «طريق شوي».

سيدة الحرير

في أوزبكستان، رأت المؤلفة عجوزاً جالسة في وسط غرفة ضعيفة الإضاءة تقلب في إناء معدني مليء بالمياه المغلية. هناك آلاف الشرانق تعوم على السطح، تشبه حصى بيضاء ناعمة. عندما رفعتها المرأة بعصا خشبية لاحظت أن الخيوط العنكبوتية الرفيعة بدأت تتفكك من بعضها، بيد خبيرة جمعت المرأة نحو أربعين أو خمسين من هذه الخطوط الخفيفة وتقريباً غير المرئية كالريش وأدارتها جميعاً فوق بكرة عجلة مغزل عتيق الصنع. وعندما أصبحت البكرة مغطاة بطبقات نحيفة من خيوط الحرير قامت بتغطيسها في مياه باردة تركتها لمدة ساعة تقريباً قبلما تجمع الخيوط معاً في شلّات غزل سائبة. في نهاية هذه المعاملة ما زالت الخيوط جامدة جافة بلون قمحي خفيف.
ويشرح المرشد المرافق للمؤلفة أن الشرنقة الواحدة يمكن أن تنتج ما يقرب من أربعة آلاف متر من الحرير، لكن ربع تلك الأمتار فقط هو ما يكون قوياً ونافعاً، ثم يضيف في ثقة: هكذا أصبحتِ تعرفين أسرار صناعة السجاد الحريري!
يحدث هذا في مدينة «مارجيلان» المشهورة بتجارها البارعين وبالحرير المتميز الذي كانت تنتجه في العهد السوفياتي. كانت «مارجيلان» قلب السوق السوداء في أوزبكستان، لكن تاريخها التجاري يعود إلى القرن التاسع، حين كانت تشغل موقعاً مهماً في طريق الحرير ما بين «سمرقند» في الغرب و«كاشغر» التي تقع في حدود الصين الحالية. كان يدعى «طريق الحرير» لعدة أسباب جوهرية رغم أن هناك الكثير من البضائع التي تمر فيه مثل الخيول والخزف والورق، كانت كلها تنقل من الشرق إلى الغرب لعدة مئات من الأعوام، لكن الحرير كان أكثر البضائع أهمية وقيمة منذ القرن الأول قبل الميلاد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نهايات مسلسلات النصف الأول لرمضان تخطف الاهتمام في مصر

عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
TT

نهايات مسلسلات النصف الأول لرمضان تخطف الاهتمام في مصر

عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)

خطفت نهايات مسلسلات النصف الأول لشهر رمضان الاهتمام في مصر، وهي المسلسلات ذات الحلقات القصيرة (15) التي انتهى عرضها الأربعاء، بما حملته من مفاجآت درامية من نهايات تبشّر بالأمل، وأخرى حققت العدالة، وما شهدته بعض المسلسلات من أحداث سعيدة أشاعت البهجة.

ولاقت الحلقات الأخيرة مشاهدات عالية، واهتماماً لافتاً عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وتصدرت «الترند» على «غوغل» و«x» في مصر، الخميس.

وشهد مسلسل «اتنين غيرنا» تتويج قصة الحب بين بطلَيه «حسن سويلم» الأستاذ الجامعي الذي يقوم بدوره آسر ياسين، والفنانة «نور أبو الفتوح» التي تقوم بدورها دينا الشربيني، بعد سلسلة من التعقيدات التي حالت دون زواجهما، وكان أهمها رغبته في العودة لزوجته الأولى.

في النهاية ينتصر الحب، وينتهي المسلسل بمشهد الفرح الذي أحياه محمود العسيلي وصابرين النجيلي بأغنية و«أخيراً»، وكان أبطال المسلسل قد تجمعوا لمشاهدة الحلقة الأخيرة معاً بحضور المطربة أنغام التي وجهت تحية لفريق العمل، ومن بينهم المؤلفة رنا أبو الريش، والمخرج خالد الحلفاوي.

وشهد مسلسل «عين سحرية» نهاية عادلة بعد ظهور «عادل» (عصام عمر) في بث مباشر عبر مواقع التواصل، تحدث فيه عن عصابة الأدوية المغشوشة التي أودت بحياة والدته وكثير من الأبرياء، ونشر فيديو نجح في تصويره للمحامي «شهاب الصفطاوي» الذي يقوم بدوره محمد علاء وهو يعترف بجرائمه، ليتم القبض على «شهاب»، وأكد «عادل» في النهاية «أننا إذا لم نحقق العدالة بأيدينا على الأرض فلن نستحقها في السماء». وحاز المسلسل اهتماماً لافتاً على مدى حلقاته، وهو من إخراج السدير مسعود.

وحملت الحلقة الأخيرة لمسلسل «الست موناليزا» مفاجآت قوية؛ إذ ظهرت «موناليزا» (مي عمر) في برنامج «الحكاية» مع الإعلامي عمرو أديب لتكشف المؤامرات التي حيكت ضدها، كما قامت برفع دعوى قضائية ضد «حسن» الذي يقوم بدوره أحمد مجدي، لتقضي المحكمة ببراءتها ومعاقبة «حسن»، و«أدهم» الذي يقوم بدوره حازم إيهاب، و«عفاف» التي تقوم بدورها وفاء عامر، بالسجن 10 سنوات، في المسلسل الذي كتبه محمد سيد بشير، وإخراج محمد علي.

منة شلبي تنجح في إنقاذ الطفلين في الحلقة الأخيرة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

وفي نهاية يحدوها الأمل، اختار صنّاع مسلسل «صحاب الأرض» أن ينهوا حلقاته الدرامية عند الحلقة 14، ليستكملوا الحلقة 15 بالفيلم الوثائقي «مفتاح العودة». وشهدت آخر حلقاته عودة الطبيبة المصرية «سلمى» التي تقوم بدورها منة شلبي لمصر، والطفلين «يونس» نجل شقيق «ناصر» الذي يقوم بدوره إياد نصار، و«ناجي» ابن «فدوى» التي ماتت عقب ولادته، وخروج «كارما» ابنة «ناصر» من السجن عقب قمة السلام بشرم الشيخ التي دعا إليها الرئيس السيسي قادة العالم، وتقرر وقف إطلاق النار خلالها.

وانتهت الحلقة بمكالمة فيديو بين «سلمى» في القاهرة و«ناصر» في غزة وهو يستمع لأغنية «طاير يا هوا» لمحمد رشدي، في حين يلعب الطفل «يونس» مع أقرانه وسط الركام، وعرض الفيلم الوثائقي «مفتاح العودة» رحلة علاج الأطفال الفلسطينيين المبتسرين في مصر بعد قصف المستشفى الذي كانوا فيه.

وشهدت الحلقة الأخيرة لمسلسل «منّاعة» قيام «غرام» (هند صبري) بالكشف للشرطة عن موعد ومكان تسليم أكبر شحنة مخدرات يقوم بها المعلم «رشاد الفولي» (رياض الخولي)، وقامت بتسليم نفسها للشرطة بعد اعترافها بأنها «منّاعة» تاجرة المخدرات، لتؤكد رغبتها في التوبة والتكفير عن أخطائها. ومع انتهاء الحلقة تم عرض برنامج وثائقي عن رحلة سقوط «منّاعة» الحقيقية التي كانت أشهر تاجرة مخدرات بحي الباطنية، والمسلسل من إخراج حسين المنباوي.

وكانت الحلقة الأخيرة لمسلسل «حد أقصى» قد حملت مفاجأة صادمة بمقتل «صباح» (روجينا) خلال حفل زفاف شقيقها وصديقتها، وسط أجواء الفرح والرقص، ووسط سعادتها بأنها نجحت في الكشف عن أفراد العصابة، وكانت قد أبلغت عن «نادر» (محمد القس) قبل سفره هرباً للخارج، ووعدته بأن ترعى طفله وتنتظره حتى يعود بعد قضاء عقوبته، وجمع المسلسل لأول مرة بين روجينا وابنتها المخرجة مايا أشرف زكي.

وجاءت نهاية مسلسل «كان ياما كان» مفتوحة ومحبطة من خلال مشهد وقوف الطفلة «ريتال عبد العزيز» أمام المحكمة في الحلقة الأخيرة من المسلسل، ليخيّرها القاضي بين الإقامة مع أبيها أو أمها بعد بلوغها 15 عاماً، لتقول إنها تريد أن تعيش مع الاثنين كما كان، ليؤكد صنّاع المسلسل استمرار الصراع بين الزوجين السابقين، والمسلسل بطولة ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، ومن تأليف شيرين دياب، وإخراج كريم العدل.

روجينا تواجه الغدر في ختام مسلسل «حد أقصى» (الشركة المنتجة)

وترى الناقدة الفنية المصرية ناهد صلاح أن نهاية مسلسل «صحاب الأرض» بثت شحنة من الأمل بوصول الطبيبة «سلمى» إلى مصر لتعالج الطفلين الفلسطينيين، لنرى لها وجهاً جديداً مشرقاً بالأمل، ومشهد الطفل «يونس» وهو يلعب بالكرة، وأغنية محمد رشدي... كل هذا يمنح الأمل لشعب قادر على أن يعيد بناء نفسه رغم كل الوجع، كما أشارت إلى أهمية الفيلم الوثائقي في النهاية كوثيقة في وجه الافتراءات التي يحاول الجانب المحتل ترويجها.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن مسلسل «عين سحرية» من المسلسلات المهمة في رمضان، قائلة إن «نهاية المسلسل أيضاً تمنح الأمل بعدما تمكن البطلان من تحقيق جزء من العدالة»، كما أشارت إلى أن نهاية «اتنين غيرنا» حققت نهاية سعيدة، وأنه من المهم في القصص الرومانسية تحقيق النهاية السعيدة للتخفيف من وطأة الواقع الذي نعيشه، مؤكدة أن مسلسل «الست موناليزا» لعب على تيمة البطل الشعبي، وقد جاءت نهايته شعبية لطيفة تليق بطبيعة القصة التي طرحها العمل.

وعَدّت الناقدة المصرية أن نهاية مسلسل «كان ياما كان» تبدو للبعض نهاية مفتوحة، لكنها في الحقيقة نكأت جرحاً اجتماعياً ليس له حل حتى هذه اللحظة، مشيرة إلى أن نهاية مسلسل «حد أقصى» الذي قدمت فيه الفنانة روجينا أداء ناضجاً، جاءت نهاية حتمية لصالح الجمهور والبطل الشعبي الذي قدمته روجينا على طريقة امرأة، من خلال عمل يبشّر بمخرجة واعدة هي مايا أشرف زكي.


«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
TT

«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)

بلوحات باسمة عن الفوانيس والمسحراتي والكنافة والزينة ومدفع رمضان، ازدانت جدران محطة مترو صفاء حجازي، وسط العاصمة المصرية القاهرة، ووقف ركاب المترو لالتقاط الصور مع اللوحات التي ذكرتهم بالماضي، وفجّرت في أخيلتهم حالة من النوستالجيا، تمثلت في الحنين للطقوس الرمضانية التي اعتادها المصريون في الشهر الكريم.

«ابتسامات رمضانية في المترو»، هو عنوان معرض الكاريكاتير والبورتريه الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية بالتعاون والتنسيق مع وزارة النقل وهيئة مترو الأنفاق والجمعية المصرية للكاريكاتير، يضم أكثر من 40 عملاً لفنانين من كل الأجيال، ويحوّل محطة صفاء حجازي (حي الزمالك) إلى مساحة للبهجة؛ حيث يمنح آلاف الركاب فرصة يومية لاكتشاف الفن أثناء تنقلهم.

لوحات المعرض استعرضت مظاهر رمضانية مختلفة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ويضم المعرض، الذي يستمر طوال شهر رمضان، نخبة من رواد ورسامي الكاريكاتير؛ حيث تُعرض أعمال لعدد من الرواد، من بينهم صلاح جاهين ومصطفى حسين وعبد العزيز تاج، إلى جانب مشاركة مجموعة من الفنانين المعاصرين، منهم أحمد عبد النعيم، وأحمد علوي، وأحمد قاعود، وأحمد جعيصة، وآمنة سعد، وثروت مرتضى، وخالد صلاح، وخضر حسن، ودسوقي البغدادي، وسمير عبد الغني، وسعيد بدوي، وشيماء الشافعي، وعمر صديق، وعمرو سليم، وغادة مصطفى، وفوزي مرسي، ومحمد الصباغ، ومصطفى الشيخ، ومصطفى سالم، وهدير يحيى.

و«تعكس الأعمال المعروضة روح الاحتفاء بشهر رمضان المعظم، بوصفه مناسبة إنسانية وثقافية جامعة؛ حيث مزج الفنانون بين الابتسامة الذكية والتعبير الإنساني الدافئ، في لوحات تستلهم تفاصيل الحياة الرمضانية ومظاهر البهجة المرتبطة به»، وفق بيان لوزارة الثقافة.

إقبال من ركاب المترو على معرض «ابتسامات رمضانية» (وزارة الثقافة)

وأعرب الفنان مصطفى الشيخ، رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير، عن تقديره للدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة للجمعية، من خلال تنظيم هذا المعرض، وأكد أن إقامة معرض فني في أحد الفضاءات العامة يُمثل خطوة مهمة نحو توسيع دائرة التلقي، وإتاحة الفنون البصرية لجمهور أكثر تنوعاً.

من جانبه، أوضح الفنان فوزي مرسي، قوميسير المعرض، والأمين العام للجمعية المصرية للكاريكاتير، أن «المعرض المقام حالياً يُمثل تظاهرة فنية وثقافية مميزة، تعكس الدور الحيوي لفن الكاريكاتير في قراءة الواقع والتفاعل مع قضايا المجتمع بوعي نقدي ولغة بصرية مباشرة»، كما أكد أن «هذا الفن لا يقتصر على الابتسام فحسب، بل يعد وسيلة فعّالة لتوصيل الأفكار وتبسيط القضايا المعقدة وإبراز التناقضات الاجتماعية والسياسية بأسلوب فني مؤثر».

فوازير «فطوطة» اشتهرت خلال رمضان في الثمانينات (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ووفق حديث مرسي لـ«الشرق الأوسط»: «يعد هذا أول معرض كاريكاتير رمضاني يُنظَّم داخل محطات مترو الأنفاق بالقاهرة، ويأتي استمراراً لتجربة ناجحة بدأت في فبراير (شباط) الماضي داخل محطة صفاء حجازي، عندما استضافت المحطة معرضاً فنياً احتفاءً بافتتاح المتحف المصري الكبير، وهو ما شجّع على تكرار التجربة وتطويرها».

أعمال المعرض تستعيد مظاهر شهر رمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأضاف أن «فكرة إقامة المعرض داخل المترو تعكس توجهاً مهماً للخروج بالفن من القاعات المغلقة إلى الفضاءات العامة؛ حيث يلتقي مباشرة بآلاف الركاب الذين يمرون بالمحطة كل يوم، فيتحول طريقهم المعتاد إلى لحظة تأمل وابتسامة».

الكنافة من الأكلات الشهيرة المرتبطة برمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأكدت وزارة الثقافة أن «هذا المعرض وغيره من الأنشطة الأخرى تأتي ضمن استراتيجية لإتاحة الفنون في الفضاءات العامة، وتسهيل وصولها إلى مختلف فئات المجتمع، بما يُعزز الدور المجتمعي للثقافة، ويجعلها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين».

الأغاني التي ميّزت شهر رمضان ضمن لوحات المعرض (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

فيما لفت منسق المعرض إلى أن الأعمال تستلهم روح شهر رمضان، من خلال أعمال كاريكاتيرية وبورتريهات تستعيد ملامح العادات الرمضانية المصرية القديمة، مثل أجواء السحور واللمة الرمضانية وروح البهجة في الشارع المصري، إلى جانب بورتريهات لعدد من أشهر الشخصيات المرتبطة بذاكرة الشهر الكريم، من بينها الموسيقار سيد مكاوي صاحب الصوت الرمضاني المميز في أغاني «المسحراتي»، والشخصية الكوميدية الشهيرة «فطوطة» التي ارتبطت بوجدان أجيال من المصريين.


هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
TT

هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

قال المخرج الياباني هيروتا يوسوكي إن الفكرة الأساسية لفيلم الرسوم المتحركة «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» لم تنطلق من الرغبة في تقديم مغامرة جديدة أو توسيع عالم سينمائي سبق أن حقق نجاحاً، بل جاءت نتيجة تأمل طويل في معنى الانتظار، موضحاً أنه ظل مشغولاً بسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، وهو: لماذا يواصل بعض الناس الانتظار رغم مرور السنوات وتعاقب الخيبات؟

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الانتظار الصادق لا يعكس ضعفاً أو عجزاً، بل يكشف عن قلب لا يزال نابضاً وقادراً على الإيمان، حتى في مواجهة الفقد»، وهو المعنى الذي أراد إبرازه في الفيلم الذي عُرض بالنسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، حيث قدّم للجمهور الجزء الثاني من «بوبيل في مدينة المداخن» الذي طُرح لأول مرة عام 2020.

غير أن الجزء الجديد يذهب إلى مساحة أكثر هدوءاً وتأملاً من العمل السابق، وتبدأ الحكاية بخسارة شخصية عميقة؛ للصبي «لوبيتشي» الذي يعيش صدمة فقد صديقه «بوبيل»، لكن الفيلم لا يتعامل مع الفقد عبر مشاهد بكائية أو انفعالات صاخبة، بل يختار طريقاً أكثر صمتاً، حيث يتحول الحزن إلى جمود داخلي، يشبه ساعة توقفت عن الدوران من دون أن يسمع أحد صوت توقفها.

هذا الجمود هو ما يقود «لوبيتشي» إلى عالم غامض تحكمه قواعد صارمة؛ عالم يُقصى فيه كل ما يتوقف عن العمل. الساعات التي تتعطل تُستبعد فوراً، كأنها فقدت قيمتها، ووسط هذا النظام الحديدي يقف برج ضخم، ساعته متوقفة عند الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة، ومع ذلك لم يُهدم.

المخرج الياباني هيروتا يوسوكي (مهرجان برلين)

هنا تتبلور الفكرة الرمزية التي يراها يوسوكي جوهر الفيلم. فهو يؤكد أن اختيار التوقيت لم يكن عشوائياً، بل يمثل لحظة معلّقة بين النهاية والاستمرار، بين السقوط والنجاة، لافتاً إلى أنه أراد أن يشعر المشاهد بأن شيئاً ما على وشك الحدوث، وأن النهاية ليست قدراً محتوماً طالما الدقيقة الأخيرة لم تكتمل.

ويشير المخرج إلى أن «عالم الفيلم لم يُصمَّم باعتباره مساحة فانتازية مستقلة فحسب، بل بصفته انعكاساً مباشراً للعالم الداخلي للبطل، فكل تفصيلة معمارية، وكل حجر في البرج، يمثل ذكرى أو خوفاً أو فكرة تسكن داخل (لوبيتشي) لذلك لم يكن الهدف الإبهار البصري بقدر ما كان خلق بيئة نفسية يشعر بها المشاهد، حتى لو لم يدرك أبعادها الرمزية بشكل واعٍ. لأن العالم المتخيَّل في الأحداث ليس هروباً من الواقع، بل مرآة له».

قدم المخرج الجزء الجديد بفلسفة مغايرة عن الجزء الأول (إدارة مهرجان برلين)

على مدار 98 دقيقة، تتصاعد الأحداث تدريجياً، ويخوض «لوبيتشي» رحلة تتجاوز فكرة إصلاح ساعة متوقفة، ويلتقي بـ«غاس»، الرجل الذي أمضى مائة عام منتظراً تحقيق وعد، ليصبح وجوده شهادة حية على معنى الانتظار الطويل، كما تظهر شخصيات أخرى ترافق الصبي في رحلته، وتكشف له أوجهاً مختلفة للزمن، ما بين الصبر، والأمل، والتحول، في المقابل، يبرز الفيلم التناقض الواضح بين المدينة الصناعية التي جاء منها «لوبيتشي»، بعالمها المعدني القاسي، وبين عالم البرج المشيّد من الحجر والكتل الثقيلة.

يتحدث يوسوكي بإسهاب عن شخصية «غاس»، مؤكداً أنه لم يرد تقديمه بوصفه مجرد رجل عجوز ينتظر، بل بوصفه رمزاً لفكرة الإيمان الذي يتحول مع الزمن إلى جزء من الهوية، فمرور مائة عام ليس مبالغة زمنية تهدف إلى الدهشة، بل تعبير عن أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بقدرته على الاستمرار رغم غياب الدليل، فهو لا ينتظر لأنه متأكد من النتيجة، بل لأنه اختار ألا يتخلى عن الوعد، حتى لو بدا مستحيلاً.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

ويكشف المخرج عن أن خلفيته الممتدة في مجال الرسوم الحاسوبية أثّرت بعمق في مقاربته البصرية، لكنه كان واعياً لخطر أن تتحول التقنية إلى عنصر بارد يخلق مسافة بين العمل وجمهوره، لذلك سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين الدقة الرقمية والدفء الإنساني، مؤكداً أن الإيقاع البصري، وحرصه على ألا تبدو الصورة أقرب إلى الرسم اليدوي من حيث الملمس والحركة كانا أهم معايير العمل.

يعترف يوسوكي بأن نجاح الجزء الأول شكّل ضغطاً نفسياً حقيقياً عليه عند التفكير في تقديم جزء ثانٍ. لكنه قرر ألا يقارن العملين أو يسعى إلى تكرار ما حقق إعجاب الجمهور سابقاً، لافتاً إلى أنه تعامل مع «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» بوصفه قصة مستقلة قادرة على الوقوف بذاتها، حتى لمن لم يشاهد الفيلم الأول، لأن هدفه شعور المشاهد بأنه يدخل عالماً كاملاً لا يحتاج إلى معرفة مسبقة.