«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

النرويجية إيريكا فاتلاند زارتها ودوّنت مشاهد من تاريخها وثقافتها

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق
TT

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

كتاب «سوفيتستان» للنرويجية إيريكا فاتلاند، هو واحد من أجمل كتب الرحلات الصادرة أخيراً، وهو يضم مشاهدات وتأملات في عدد من جمهوريات آسيا الوسطى التابعة سابقاً للاتحاد السوفياتي، مثل تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، وهو ما يفسّر المقصود بالعنوان حين تلتقي كلمة «ستان» بمعنى «مكان أو أرض» مع كلمة «سوفيات».
تشير المؤلفة في بداية عملها الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة في 391 صفحة، بترجمة سمير محفوظ بشير، إلى أنه بينما كانت في السنة الثانية الابتدائية بدأ الاتحاد السوفياتي في التفكك تدريجياً حتى انفصلت كل أجزائه وتغيرت خريطة العالم بالكامل. في خريف عام 1991 أصبحت 15 جمهورية - كان يضمها الاتحاد المعروف باسم الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية - منفصلة جميعها عنه لتصبح دولاً مستقلة في غضون أيام قليلة. وعلى مدى بضعة أشهر لاحقة اكتسبت منطقة شرق أوروبا ست دول مستقلة جديدة، وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا ومولدوفا. أيضاً حصلت آسيا الوسطى على خمس جمهوريات جديدة هي تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، كذلك هناك ثلاث دول انبثقت من المنطقة القوقازية وهي جورجيا وأذربيجان وأرمينيا.
حدث أول لقاء للمؤلفة مع الاتحاد السوفياتي القديم عندما كانت في رحلة بصحبة مجموعة من الرجال والنساء أحيلوا على التقاعد. كانت قد قضت آخر أعوامها الدراسية في مدينة «هلسنكي» الفنلندية، وهناك اشترت تذكرة رخيصة تستقل بها حافلة تتيح لها زيارة مدينة «بطرسبرغ»، وما إن وصلت إلى منطقة نقطة الحدود حتى شعرت بحدوث تغيير شامل في الجو السائد، دخل الجنود المدججون بالسلاح الحافلة خمس مرات لفحص جوازات السفر، وعندما توقف المسافرون في مدينة «فايبورغ» لتناول طعام الغداء، لاحظت أن هناك عدداً من كبار السن بدأوا في البكاء. واحدة من النسوة قالت لها: كانت هذه المدينة جميلة للغاية فيما سبق. في أثناء اشتعال أحداث الحرب العالمية الثانية كانت «فايبورغ» هي ثاني أكبر مدن فنلندا ثم بعد انتهاء هذه الحرب أصبح الفنلنديون مجبرين على أن يتنازلوا عن جزء من مدينة «كاريليا» للاتحاد السوفياتي.
لاحظت «فاتلاند» في أثناء رحلتها أن حالة التدهور سائدة في أرجاء هذه المدينة، رأت الطلاء مقشراً من جدران كثير من المباني والأرض مليئة بالحفر وأهالي البلدة تبدو على وجوههم علامات الجد والتجهم، ويرتدون ملابس قاتمة كئيبة. ما إن وصلت إلى مدينة «بطرسبرغ» حتى سكنت في مبنى عتيق ولاحظت أن شوارع المدينة واسعة يقطعها عدد من حافلات التروللي القديمة المتهالكة، مبانيها كلاسيكية وعمال التذاكر لهم مظهر خشن غير ودي.
ولكن فور عودتها لهلسنكي، قامت بشراء كتب لتعلم اللغة الروسية، وأتقنتها بعد أعوام من التعب في معرفة قواعدها، لتحقق طموحها لمزيد من الرحلات إلى بطرسبرغ وموسكو، وكل أطراف الاتحاد السوفياتي القديم.

المدينة الرخامية

تصف المؤلفة مدينة «عشق آباد»، عاصمة تركمانستان، بالمدينة الرخامية، فهذا اللون الرخامي الأبيض يكاد يعمي نظرها. مهما أدارت نظرها ترى العديد منها بالشكل والمنظر نفسيهما، مدينة مبنية برخام أبيض لامع. أخذت «فاتلاند» تلتقط صوراً متعجلة في أثناء سير السيارة كأنها سائحة يابانية ملهوفة ومغرمة بكل ما هو سريع، هذه الطرق التي تفصل بين مجموعة من المباني تستحق أن توجد في دولة بترولية غنية، إنها على شكل ثماني حارات واسعة ومضاءة بألوان بيضاء متقنة.
«أصبحت عشق آباد مدينة فائقة النظافة والجمال بفضل رئيسنا»، هذا ما صرح به سائق السيارة الثلاثيني التي تستقلها واسمه «أصلان»، شاحب الوجه وأب لعدد من الأطفال. نطق الكلمات الأربع الأخيرة بسرعة بالغة وبطريقة آلية. ربما لا يعي العالم بانتباه ما يحدث في تلك الأمة الصحراوية الصغيرة القائمة في وسط آسيا لكن موسوعة غينيس للأرقام القياسية كانت واعية بكل غرائب هذه المدينة فترة من الزمن. في عام 2013، احتفل السكان بتحقيق رقم جديد، أصبحت «عشق آباد» رسمياً هي أكبر مدينة تحفل بالمباني الرخامية بالنسبة لكل كيلومتر مربع على مستوى العالم، قيل إن المحاجر القابعة في منطقة «كارارا» بإيطاليا قد فرغت تماماً من الرخام بسبب هؤلاء التركمان ذوي الشهية النهمة للحصول على المنتج الأبيض اللامع. أيضاً يحتفل ويتفاخر سكان «عشق آباد» بأنهم يعيشون في مدينة مجهزة بأكبر عدد من النوافير والحدائق المائية على مستوى العالم، هذا رغم أن 80 في المائة من حجم الدولة هي أراضٍ صحراوية.
أيضاً مقار الوزارات وأهم المساجد صممها المهندسون بدرجات متميزة من الفنون الهندسية، مثلاً، وزارة الشؤون الخارجية على شكل الكرة الأرضية، أما وزارة التعليم فعلى شكل كتاب نصف مفتوح وكلية طب الأسنان على هيئة ضرس بإيعاز من رئيس الجمهورية الذي كان يوماً ما طبيباً للأسنان.

الذئاب ومياه الجليد

وتنتقل المؤلفة إلى كازاخستان، حيث تلاحظ أن أرض الحدود التي تقع بينها وبين تركمانستان؛ حيث شمس تبرق في سماء صافية زرقاء، بينما الأرض بنية اللون جدباء تمتد في كل الاتجاهات. كما لا يوجد على مرأى البصر أي مبانٍ أخرى أو بشر يظهرون في المشهد، هي الذئاب وأميال من طرق رديئة الصنع.
لاحظت «فاتلاند» أن الوجوه التي حولها ليست لها الملامح الأوروبية مثل سكان تركمانستان، إنهم يشبهون أكثر المغول بعيون ضيقة وخدود مرتفعة مستديرة. لهجتهم مستريحة لكنها حادة نوعاً ما حتى الحساء لديهم مختلف، لكن الشاي الأخضر غير مختلف. كان سبب رحيلها إلى مدينة «آرال» هو رغبتها في أن ترى بعينها نتائج واحدة من كبرى المصائب التي صنعها الإنسان لنفسه! لقد بنيت هذه المدينة على شط «آرال» وكانت مركزاً مهماً للصيد حتى عام 1960، بعدها بدأ هذا البحر في الانكماش. بذلك أغلق مصنع تعليب الأسماك مدة عقدين من الزمان. الآن تحاط المدينة من كل جهاتها بالأراضي الصحراوية، لم يعد تأرجح أمواج البحر سوى ذكرى. تبلغ مساحة كازاخستان 2.724.900 كيلومتر مربع، وهذا يعني أنها أكبر من دول غرب أوروبا مجتمعة، وهي تاسع دولة من حيث المساحة عالمياً وأكبر دولة بلا شواطئ.
وفي قرغيزستان، تلاحظ المؤلفة أن العاصمة «بيشكيك» ما زالت تبدو متشحة بالروح الروسية، فالكثير من أغطية الرأس النسائية هي قبعات اللباد البيضاء، لكن معظم الناس يرتدون الملابس العصرية؛ بنطالات جينز وأحذية رياضية وسترات جلد فاخر وتستطيع أن تسمع اللغة الروسية بالقدر نفسه للغة القرغيزية. كان الموقف عام 1950 مماثلاً تماماً للحال الذي كان سائداً في كازاخستان، إذ يمثل عدد القرغيزيين نحو 40 في المائة من حجم السكان، وبذلك كانوا الأقلية، لكن مع تفكك الاتحاد السوفياتي، رحل كثير من الروس والأوكرانيين غرباً، وأصبح عدد القرغيزيين يمثل 70 في المائة من السكان، ولا يوجد سوى 370 ألف روسي معظمهم يعيشون في العاصمة.
تعتبر مدينة «بيشكيك» أكبر مدينة ينتشر فيها اللون الأخضر في آسيا الوسطى، فالمياه الذائبة من جليد الجبال المحيطة تمون الكثير من متنزهاتها وأشجارها بالماء الوفير، مانحة المدينة شعوراً شبه ريفي. وتشعرك شوارعها الواسعة الظليلة بعقود من الزمن؛ حيث الهدوء والهروب من قبضة الحياة العصرية بإيقاعها اللاهث وهواتفها الذكية وتلاشي مساحة الخصوصية.
حتى عام 1991 كان اسم هذه المدينة «فرونز» على اسم القائد البلشفي الذي ولد فيها، لكن بعد الاستقلال أخذت اسمها القديم المشتق من اللغة القرغيزية التي تعبر عن «دلو اللبن». وخلف أبراج التجمعات الاشتراكية تقع قمم جبل «تيان شان» التي تصل إلى عنان السماء. ومما يربك سائقي سيارات الأجرة أن كثيراً من شوارع هذه المدينة سميت بأسماء جديدة، مثلاً اسم «طريق لينين» أصبح «طريق شوي».

سيدة الحرير

في أوزبكستان، رأت المؤلفة عجوزاً جالسة في وسط غرفة ضعيفة الإضاءة تقلب في إناء معدني مليء بالمياه المغلية. هناك آلاف الشرانق تعوم على السطح، تشبه حصى بيضاء ناعمة. عندما رفعتها المرأة بعصا خشبية لاحظت أن الخيوط العنكبوتية الرفيعة بدأت تتفكك من بعضها، بيد خبيرة جمعت المرأة نحو أربعين أو خمسين من هذه الخطوط الخفيفة وتقريباً غير المرئية كالريش وأدارتها جميعاً فوق بكرة عجلة مغزل عتيق الصنع. وعندما أصبحت البكرة مغطاة بطبقات نحيفة من خيوط الحرير قامت بتغطيسها في مياه باردة تركتها لمدة ساعة تقريباً قبلما تجمع الخيوط معاً في شلّات غزل سائبة. في نهاية هذه المعاملة ما زالت الخيوط جامدة جافة بلون قمحي خفيف.
ويشرح المرشد المرافق للمؤلفة أن الشرنقة الواحدة يمكن أن تنتج ما يقرب من أربعة آلاف متر من الحرير، لكن ربع تلك الأمتار فقط هو ما يكون قوياً ونافعاً، ثم يضيف في ثقة: هكذا أصبحتِ تعرفين أسرار صناعة السجاد الحريري!
يحدث هذا في مدينة «مارجيلان» المشهورة بتجارها البارعين وبالحرير المتميز الذي كانت تنتجه في العهد السوفياتي. كانت «مارجيلان» قلب السوق السوداء في أوزبكستان، لكن تاريخها التجاري يعود إلى القرن التاسع، حين كانت تشغل موقعاً مهماً في طريق الحرير ما بين «سمرقند» في الغرب و«كاشغر» التي تقع في حدود الصين الحالية. كان يدعى «طريق الحرير» لعدة أسباب جوهرية رغم أن هناك الكثير من البضائع التي تمر فيه مثل الخيول والخزف والورق، كانت كلها تنقل من الشرق إلى الغرب لعدة مئات من الأعوام، لكن الحرير كان أكثر البضائع أهمية وقيمة منذ القرن الأول قبل الميلاد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

شراكات سعودية لتطوير المؤسسات الصحافية

الوزير سلمان الدوسري لدى رعايته حفل توقيع اتفاقيات شراكة في الرياض الأربعاء (وزارة الإعلام)
الوزير سلمان الدوسري لدى رعايته حفل توقيع اتفاقيات شراكة في الرياض الأربعاء (وزارة الإعلام)
TT

شراكات سعودية لتطوير المؤسسات الصحافية

الوزير سلمان الدوسري لدى رعايته حفل توقيع اتفاقيات شراكة في الرياض الأربعاء (وزارة الإعلام)
الوزير سلمان الدوسري لدى رعايته حفل توقيع اتفاقيات شراكة في الرياض الأربعاء (وزارة الإعلام)

رعى سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الأربعاء، حفل توقيع اتفاقيات شراكة ضمن المرحلة الأولى من برنامج «تطوير المؤسسات الصحافية»، وذلك بحضور مسؤولين ورؤساء جهات حكومية وخاصة ومؤسسات ذات علاقة.

ويهدف هذا البرنامج إلى تمكين المؤسسات الصحافية من تحديث نماذج وأساليب عملها، ورفع جاهزيتها للمستقبل، وتعزيز حضورها في الفضاء الرقمي، وبناء قدراتها المهنية والإعلامية، بما يسهم في الارتقاء بجودة المحتوى الصحافي.

وكتب الدوسري في منشور عبر حسابه على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي: «المؤسسات الصحافية السعودية هي ذاكرة الوطن وصوت منجزاته، والحفاظ على ريادتها ودعمها التزام مهني نؤمن به»، مضيفاً: «لذا أطلقنا عدد من اتفاقيات الشراكة ضمن (برنامج تطوير المؤسسات الصحافية) لتمكينها، ولتبقى مزدهرة ومواكبة للمستقبل، ومستندة إلى ممارسات مهنية احترافية تعزز حضورنا الإعلامي».

يهدف البرنامج إلى تمكين المؤسسات الصحافية من تحديث نماذج وأساليب عملها (واس)

وأبرمت هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة مذكرة تعاون مع مؤسسة المدينة للصحافة والنشر «صحيفة المدينة»، لدعم جهود التنمية في المنطقة من خلال تطوير المحتوى الإعلامي المتخصص، وتبادل الخبرات، وتعزيز أدوات النشر الرقمي، وبناء نموذج إعلامي متجدد يخدم السكان والزوار.

وتسعى مذكرة تفاهم بين الهيئة السعودية للسياحة ومؤسسة عسير للصحافة والنشر «جريدة الوطن»، إلى تعزيز التكامل في مجال الإعلام المتخصص الداعم للقطاع السياحي، عبر إثراء المحتوى الإعلامي السياحي، وتمكين المنصات الرقمية من الوصول إلى شرائح متنوعة من الجمهور.

وجرى توقيع مذكرات تفاهم بين أكاديمية الإعلام السعودية، وكلٍّ من صحف «المدينة، الوطن، مكة»؛ بهدف تعزيز التعاون في مجالات التطوير والتدريب والتوظيف، وبناء الشراكات الاستراتيجية، وتبادل الخبرات العلمية والعملية، بما يسهم في تحقيق مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

يُسهم البرنامج في رفع جاهزية المؤسسات الصحافية للمستقبل (واس)

وشملت الاتفاقيات عقد شراكة مع شركة «ترند»، بوصفها شريكاً وراعياً رقمياً للمرحلة الأولى، حيث تُقدِّم حزمة خدمات متخصصة تشمل الاستشارات الإعلامية والاستراتيجية، وتطوير الحلول التقنية والابتكارية، وصناعة المحتوى النوعي بمختلف أشكاله، وبناء الشراكات الإعلامية، وتطوير نماذج الإيرادات، بما يسهم في دعم التحوّل الرقمي للمؤسسات الصحافية، ورفع جودة المحتوى، وتعزيز كفاءتها التشغيلية واستدامتها.

وسيُنفّذ برنامج «تطوير المؤسسات الصحافية» في مرحلته الأولى بمتابعة وتقييم مستمرين من فرق الدعم في «هيئة تنظيم الإعلام»، مع العمل على تطوير الأدوات والخطط وفقاً لما يظهر من احتياجات وفرص خلال التنفيذ.

شراكة لرفع جودة المحتوى وتعزيز استدامة الكفاءة التشغيلية للمؤسسات الصحافية (واس)

يشار إلى أن هذه الخطوة ستتبعها مراحل لاحقة تُبنى على ما يتحقق من نتائج، وتشكل نقطة انطلاق لمسارات تنظيمية وتشريعية قادمة، يجري إعدادها بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، وصولاً إلى إصدار «نظام الإعلام»؛ بما يسهم في تمكين المؤسسات الصحافية من تنويع منتجاتها ومصادر إيراداتها، وتعزيز استدامتها المالية والتشغيلية خلال السنوات المقبلة.


«العائلة والأصدقاء»... عنوان النسخة 32 من «البستان الدولي»

الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)
الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)
TT

«العائلة والأصدقاء»... عنوان النسخة 32 من «البستان الدولي»

الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)
الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)

«يُشبه عنوان هذه الدورة التجربة التي نعيشها حين نمضي مساءنا هنا، حيث نختبر لحظات من السعادة المشتركة، ونشعر بأننا عائلة واحدة»... بهذه الكلمات لخَّصت وزيرة السياحة ورئيسة «مهرجان البستان»، لورا لحود، عنوان الحدث الذي تأسس عام 1994.

وجاء ذلك خلال مؤتمر صحافي عُقد في «فندق البستان» في بلدة بيت مري الجبلية، أُعلن فيه عن النسخة الـ32 من «مهرجان البستان الدولي»، التي تتضمن 16 حفلاً فنياً، وتنطلق في 24 فبراير (شباط) وتستمر حتى 22 مارس (آذار)، تحت عنوان «العائلة والأصدقاء».

ورأت لورا لحود أن برنامج دورة عام 2026 يمثل رسالة موسيقية متنوعة، تقدّم تجارب إنسانية وعائلية وفنية مختلفة، حيث يلتقي موسيقيون أخوة أو الأب وأبناؤه أو الزوج والزوجة.

مارسيل خليفة وأبناؤه يفتتحون أولى ليالي المهرجان (الشرق الأوسط)

إلى جانب وزير الثقافة غسان سلامة وأعضاء لجنة المهرجان، حضرت في القاعة مؤسسة الحدث، ميرنا البستاني، التي كرّمتها ابنتها لورا بتحية وابتسامة حب، كما ذكرت خلال المؤتمر.

وأشارت لورا لحود إلى أن ما بدأته والدتها كان نابعاً من قناعة تُجسِّد إبداعاً وإصراراً على الاستدامة مهما تبدّلت الظروف.

وكما كان الحال في ليلة افتتاح المهرجان في 24 فبراير، ستُختتم أمسيات الدورة في 22 مارس بحضور نجوم من لبنان.

يبدأ النشاط الأول على مدى ليلتين متتاليتين، في 24 و25 فبراير، تحت عنوان «عائلتان صوت واحد». ويُطل على خشبة مسرح المهرجان في فندق البستان الثلاثي: مارسيل ورامي وساري خليفة، على التوالي على العود والبيانو والتشيللو، بمشاركة الموسيقيين شربل ونديم روحانا على العود والأكورديون. وتتضمن الحفلتان أغنيات مثل: «يا طير حمام»، و«تانغو»، و«صرخة»، و«يا بحرية».

أما الختام مساء الأحد 22 مارس، فتحييه المطربة جاهدة وهبة في حفل بعنوان «أهل القصيد»، يرافقها المايسترو أندريه الحاج وفرقتها الموسيقية، تغني خلالها قصائد شعر لجبران خليل جبران، ومحمود درويش، وطلال حيدر وغيرهم.

مسك الختام لفعاليات «البستان الدولي» مع جاهدة وهبة والمايسترو أندريه الحاج (الشرق الأوسط)

وعلى هامش ليالي المهرجان تقام أمسيات تتخلَّلها قراءات بالإنجليزية عن باخ، وغولدبيرغ مع الدكتور جورج حداد في 16 فبراير في متحف سرسق. في حين تُنظّم في 5 مارس أمسية بعنوان «فلنحكي جاز» من تنظيم مؤسسة شارل قرم مع زينة صالح كيالي. كما تقام ورش عمل في حديقة الفندق (كريستال غاردن) تدور موضوعاتها حول العزف على البيانو وموسيقى الجاز.

ومن النجوم العالميين المشاركين في إحياء المهرجان الشقيقتان هايونغ وسونغ ها شوي من كوريا. وتحت عنوان «ثلاثي مزدوج» (double treble) تقدمان مقطوعات موسيقية على التشيللو والكمان في 27 فبراير، حيث تعزفان بقيادة المايسترو سيرجاي سمباتيان لبرامز وبيتهوفن.

وفي الأسبوع الثاني من المهرجان تقام حفلتان موسيقيتان مع عازف الكمان رينو كابيسون، فيقدم معزوفات لغولدبرغ، وبرامز بمشاركة بول زيانترا على آلة الفيولا، وغيوم بيللوم على البيانو، وذلك في 2 و3 مارس.

وتنتقل فعاليات المهرجان إلى كنسية الجامعة اليسوعية في شارع مونو في 6 مارس، فتقام أمسية بعنوان «صلاة الأم» للسوبرانو ماريا زاباتا والميزو سوبرانو بيللا أماريان، يشاركهما التينور وانغ سانلين الغناء مع جوقة سيدة اللويزة في ليلة أوبرالية بامتياز.

ومن وحي عنوان المهرجان تحضر العائلة الموسيقية سارة أيوب ولورا أيوب لإحياء أمسية 7 مارس، فتعزفان على آلتي التشيللو والكمان ضمن برنامج منوع بين الموسيقى اللبنانية والمصرية والبوب الاسكوتلندي.

ومن الحفلات التي تقام في الأسبوع الثالث من «مهرجان البستان الدوليتريو هيرمس» و«ماكيدونيسيمو» في 9 و10 مارس، ويتخللهما عزف على البيانو والتشيلو مع جينيفرا باسيتي، وفرانشيسكا جيغليو، وغريتا ماريا لوبيفارو على البيانو.

وتتضمن الليلة الثانية عزفاً على الساكسوفون والكمان مع هيدان مامودوف، وألكسندر كرابوفسكي، إضافة إلى غيرهما على البيانو والتشيللو والبركشن.

«العائلة والأصدقاء» شعار المهرجان في نسخته الـ32 (الشرق الأوسط)

ويلتقي الثلاثي الفرنسي جيرمي وادغار وديفيد مورو في حفل موسيقي خاص بمعزوفات «شوبرت» في 12 مارس، يليها في 15 منه في قاعة «أسمبلي هول» في الجامعة الأميركية حفل بعنوان «سترينغز أتّاشد» (strings attached) مع الثنائي غينيوزاس على البيانو.

كما تستضيف كنيسة مار إلياس في القنطاري في 16 مارس حفل الثنائي جوليان وأليس لافيريير، فيعزفان مقطوعات موسيقية على الكمان والتشيللو لهاندل وباخ.

وفي 17 مارس يقام حفل بعنوان «ذا تانغو فاميلي» مع غلوريا كامبانير على البيانو، واليساندرو كاربوناري على الكلارينيت، فيما يتضمن الحفل ما قبل الأخير «الجاز والعائلة» في 20 مارس عزفاً على البيانو والبركشن للأخوين الإنجليزيين جوليان وجايمس جوزيف.


يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
TT

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)
«قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر ما يتشكّل عبر الاختيارات. فسينماه لا تبحث عن قفلة مطمئنة، لتترك الحكايات مفتوحة على مساراتها غير المحسومة، في تأكيد ضمني على أنّ الحياة نفسها لا تُمنَح عادة نهاية واضحة. فالإنسان أمام كاميرته مسودة لا تنتهي ولا تصحّ مقاربته على أنه حكاية تُغلق بقفلة مُحكَمة.

في سينما «متروبوليس» بمنطقة مار مخايل البيروتية، عُرضت 4 أفلام لتريير، تسنَّت لكاتبة السطور مشاهدة 3 منها: «أوسلو، 31 أغسطس» و«أسوأ إنسان في العالم» و«قيمة عاطفية»، بينما بقي «إعادة تشغيل» خارج التجربة، ممّا يستدعي استبعاده من باب الأمانة النقدية. واللافت طوال الأمسيات أنّ المقاعد كانت ممتلئة دائماً، في إشارة إلى تفاعل ملحوظ مع هذا النوع من السينما، وتعطُّش جمهور بيروت لأعمال تشتغل على أسئلتها بعمق غير مُتعجّل، وتُقيم تواصلها مع المُشاهد عبر التفكير والمساءلة، قبل أي إثارة آنية سريعة الزوال.

بين الرغبة والتأجيل يتسرّب العمر في سينما يواكيم تريير (متروبوليس)

يُمسك تريير بالخيط الرفيع بين الحرّية والذنب والرغبة وعدم اليقين، ليضع المتلقّي بين «أنا» يُحبّها في خياله و«أنا» يعيشها فعلاً. لا يطارد الحبكة، وإنما أثرها النفسي. كلّ لقطة عنده تبدو كأنها تُسجّل «درجة حرارة» داخلية من خلال الصمت الذي يسبق الكلام، والتردّد الذي يُفسد القرار، والوعي الذي يتحوّل إلى ثقل داخلي حين يزداد أكثر مما يحتمل صاحبه.

في «أوسلو، 31 أغسطس»، يضغط تريير حياة كاملة داخل يوم واحد، ليُضيّق المسافة بين البطل ومصيره أو بين المدينة وأحكامها. بطله يتجوّل في أوسلو مثل مَن يتحسَّس إمكانية العودة إلى الحياة بعد انقطاع طويل، لكن المدينة تُكمل سَيرها من دون أن تكترث لاحتضانه أو مخاصمته. هذه العادية نفسها تُخزِّن القسوة. فالأصدقاء تزوّجوا، والمسارات استقرّت، والأحاديث تُقال بنبرة هادئة تُخفي مساءلة قاسية عن زمن مضى من دون أن يُستَثمر. فيصبح الإدمان في الفيلم أحد عوارض الحساسية الزائدة أمام عالم يشترط على الفرد أن يندمج من غير فسحة للتشكيك. لذلك لا يطلب تريير من المُشاهد سوى أن يُصغي إلى تلك الهوّة التي تُفتَح حين يشعر الإنسان بأنّ الحياة سبقته.

المسافة عند يواكيم تريير لا تُردم بين ما كان وما صار (متروبوليس)

وفي «أسوأ إنسان في العالم»، يأخذ تريير القلق الوجودي ذاته إلى طبقة مختلفة. هنا العكس: وفرة الخيارات تتحوَّل إلى شلل. بطلته اختزال لجيل يعيش تحت ضغط الاستحقاق الدائم. جيل مُطالب بأن يكون الأفضل والأنجح والأكثر توازناً، وأن يفعل ذلك فيما الأبواب كلّها مفتوحة والوقت البيولوجي يقرع من بعيد. هي واعية، وهذا الوعي مشكلتها. ترى الاحتمالات كلّها فتفقد القدرة على الالتزام بأيّ منها. فكلّ خيار يعني خسارة خيارات أخرى. لهذا يبدو الفيلم سردية عن الحرّية حين تغدو امتحاناً متواصلاً، وعن تحوُّل الحبّ من احتمال خلاص إلى محاكاة للزمن. فالرجل الأكبر سنّاً يريد شكلاً للحياة واستمرارية، والرجل الآخر الأصغر سنّاً يمنحها خفّة «الآن». لكن الخفّة نفسها لا تبني بيتاً. فمشهد توقُّف الزمن الذي يلمع على سطح الفيلم مثل فانتازيا شاعرية، يحمل في العمق اعترافاً قاسياً بأنّ الحرّية المطلقة لا تتحقّق إلا خارج الزمن، أي خارج الواقع.

«أوسلو، 31 أغسطس»... العودة إلى الحياة سؤال أثقل من القدرة على الإجابة (متروبوليس)

ثم يأتي «قيمة عاطفية» ليُعيد السؤال إلى العائلة وما يتراكم فيها من ديون نفسية لا تُسدَّد بالكلمات. عبره، يعود تريير إلى المنبع الأكثر تعقيداً ليُحوّل السينما إلى لغة اعتذار متأخّرة. فالأب مُخرِج يحاول أن يستعيد صلة بابنته عبر مشروع فيلم جديد، وكأنّ السيناريو رسالة لم يعرف كيف يكتبها في حياته. حين ترفض الابنة تأدية الدور، دفاعاً عن الذات ضدّ ابتزاز عاطفي مُقنَّع باسم الفنّ، تدخل ممثّلة أجنبية إلى المعادلة لتقلبها. عند هذه الثلاثية، الأب والابنة والنجمة السينمائية، يخترق المُشاهد طبقات الأب الداخلية حيث لا مجال لحَسْم إنْ كان يريد ابنته بوصفها ابنة أم بوصفها مادة تصلح للدور. هنا تُصبح «القيمة العاطفية» قيمة الشيء الذي نحتفظ به لأنّ التخلّي عنه اعتراف بعدم القدرة على الإغلاق، مثل بيت قديم أو علاقة مُتعِبة أو ذاكرة لا نعرف أين نضعها.

ما يجمع الأفلام الثلاثة رغم اختلاف أجيالها ومزاجها، هو أن تريير لا ينحاز إلى الإجابات النهائية. في «أوسلو، 31 أغسطس» نرى إنساناً لا يجد ما يكفي ليبقى. وفي «أسوأ إنسان في العالم» نرى إنسانة تخاف أن تختار فتخسر. وفي «قيمة عاطفية» نرى عائلة تحاول أن تتكلّم متأخّرة عبر الفنّ لأنّ الكلام المباشر كان دائماً أصعب. كأنّ تريير يرسم ثلاث حركات لرقصة واحدة، حين ينفد المعنى وحين يفيض المعنى وحين يتحوّل المعنى إلى إرث ثقيل داخل بيت.

«أسوأ إنسان في العالم»... امرأة ترى كل الاحتمالات فتتعثّر أمام خيار واحد (متروبوليس)

قدَّمت «متروبوليس» هذه الأفلام في بيروت ضمن سياق يُشجّع على التلقّي المتأنّي وإعادة الحسبان لزمن المُشاهدة ومعناها. فالجمهور الذي ملأ المقاعد لم يأتِ ليتفرَّج على «حكايات من الشمال». حَضَر للتفاعل مع سينما تُدرك أنّ الإنسان لا يُعرَّف ببطولاته وبمواقفه الكبرى وحدها، وليقترب من سينما تراه في تعقيده اليومي قبل اختزاله بمواقف فاصلة. ولا تكتسب هذه العروض أهميتها في كونها «تُعرض» فحسب، وإنما في تكريسها سينما تُقارب القلق الإنساني على أنه حالة قابلة للتفكير، وليس ذريعة درامية في مدينة تضطر غالباً إلى التكيُّف مع الخسارات.

سينما تريير تعبير صريح عن كون السينما مساحة لنتقبَّل أننا نتبدّل ونُخطئ ونؤجّل ونعود إلى أنفسنا متأخرين، ونكتشف في النهاية أنّ أكثر ما نحتاج إليه ليس حُكماً علينا، وإنما قراءة أمينة لِما نحن عليه.