«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

النرويجية إيريكا فاتلاند زارتها ودوّنت مشاهد من تاريخها وثقافتها

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق
TT

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

كتاب «سوفيتستان» للنرويجية إيريكا فاتلاند، هو واحد من أجمل كتب الرحلات الصادرة أخيراً، وهو يضم مشاهدات وتأملات في عدد من جمهوريات آسيا الوسطى التابعة سابقاً للاتحاد السوفياتي، مثل تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، وهو ما يفسّر المقصود بالعنوان حين تلتقي كلمة «ستان» بمعنى «مكان أو أرض» مع كلمة «سوفيات».
تشير المؤلفة في بداية عملها الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة في 391 صفحة، بترجمة سمير محفوظ بشير، إلى أنه بينما كانت في السنة الثانية الابتدائية بدأ الاتحاد السوفياتي في التفكك تدريجياً حتى انفصلت كل أجزائه وتغيرت خريطة العالم بالكامل. في خريف عام 1991 أصبحت 15 جمهورية - كان يضمها الاتحاد المعروف باسم الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية - منفصلة جميعها عنه لتصبح دولاً مستقلة في غضون أيام قليلة. وعلى مدى بضعة أشهر لاحقة اكتسبت منطقة شرق أوروبا ست دول مستقلة جديدة، وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا ومولدوفا. أيضاً حصلت آسيا الوسطى على خمس جمهوريات جديدة هي تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، كذلك هناك ثلاث دول انبثقت من المنطقة القوقازية وهي جورجيا وأذربيجان وأرمينيا.
حدث أول لقاء للمؤلفة مع الاتحاد السوفياتي القديم عندما كانت في رحلة بصحبة مجموعة من الرجال والنساء أحيلوا على التقاعد. كانت قد قضت آخر أعوامها الدراسية في مدينة «هلسنكي» الفنلندية، وهناك اشترت تذكرة رخيصة تستقل بها حافلة تتيح لها زيارة مدينة «بطرسبرغ»، وما إن وصلت إلى منطقة نقطة الحدود حتى شعرت بحدوث تغيير شامل في الجو السائد، دخل الجنود المدججون بالسلاح الحافلة خمس مرات لفحص جوازات السفر، وعندما توقف المسافرون في مدينة «فايبورغ» لتناول طعام الغداء، لاحظت أن هناك عدداً من كبار السن بدأوا في البكاء. واحدة من النسوة قالت لها: كانت هذه المدينة جميلة للغاية فيما سبق. في أثناء اشتعال أحداث الحرب العالمية الثانية كانت «فايبورغ» هي ثاني أكبر مدن فنلندا ثم بعد انتهاء هذه الحرب أصبح الفنلنديون مجبرين على أن يتنازلوا عن جزء من مدينة «كاريليا» للاتحاد السوفياتي.
لاحظت «فاتلاند» في أثناء رحلتها أن حالة التدهور سائدة في أرجاء هذه المدينة، رأت الطلاء مقشراً من جدران كثير من المباني والأرض مليئة بالحفر وأهالي البلدة تبدو على وجوههم علامات الجد والتجهم، ويرتدون ملابس قاتمة كئيبة. ما إن وصلت إلى مدينة «بطرسبرغ» حتى سكنت في مبنى عتيق ولاحظت أن شوارع المدينة واسعة يقطعها عدد من حافلات التروللي القديمة المتهالكة، مبانيها كلاسيكية وعمال التذاكر لهم مظهر خشن غير ودي.
ولكن فور عودتها لهلسنكي، قامت بشراء كتب لتعلم اللغة الروسية، وأتقنتها بعد أعوام من التعب في معرفة قواعدها، لتحقق طموحها لمزيد من الرحلات إلى بطرسبرغ وموسكو، وكل أطراف الاتحاد السوفياتي القديم.

المدينة الرخامية

تصف المؤلفة مدينة «عشق آباد»، عاصمة تركمانستان، بالمدينة الرخامية، فهذا اللون الرخامي الأبيض يكاد يعمي نظرها. مهما أدارت نظرها ترى العديد منها بالشكل والمنظر نفسيهما، مدينة مبنية برخام أبيض لامع. أخذت «فاتلاند» تلتقط صوراً متعجلة في أثناء سير السيارة كأنها سائحة يابانية ملهوفة ومغرمة بكل ما هو سريع، هذه الطرق التي تفصل بين مجموعة من المباني تستحق أن توجد في دولة بترولية غنية، إنها على شكل ثماني حارات واسعة ومضاءة بألوان بيضاء متقنة.
«أصبحت عشق آباد مدينة فائقة النظافة والجمال بفضل رئيسنا»، هذا ما صرح به سائق السيارة الثلاثيني التي تستقلها واسمه «أصلان»، شاحب الوجه وأب لعدد من الأطفال. نطق الكلمات الأربع الأخيرة بسرعة بالغة وبطريقة آلية. ربما لا يعي العالم بانتباه ما يحدث في تلك الأمة الصحراوية الصغيرة القائمة في وسط آسيا لكن موسوعة غينيس للأرقام القياسية كانت واعية بكل غرائب هذه المدينة فترة من الزمن. في عام 2013، احتفل السكان بتحقيق رقم جديد، أصبحت «عشق آباد» رسمياً هي أكبر مدينة تحفل بالمباني الرخامية بالنسبة لكل كيلومتر مربع على مستوى العالم، قيل إن المحاجر القابعة في منطقة «كارارا» بإيطاليا قد فرغت تماماً من الرخام بسبب هؤلاء التركمان ذوي الشهية النهمة للحصول على المنتج الأبيض اللامع. أيضاً يحتفل ويتفاخر سكان «عشق آباد» بأنهم يعيشون في مدينة مجهزة بأكبر عدد من النوافير والحدائق المائية على مستوى العالم، هذا رغم أن 80 في المائة من حجم الدولة هي أراضٍ صحراوية.
أيضاً مقار الوزارات وأهم المساجد صممها المهندسون بدرجات متميزة من الفنون الهندسية، مثلاً، وزارة الشؤون الخارجية على شكل الكرة الأرضية، أما وزارة التعليم فعلى شكل كتاب نصف مفتوح وكلية طب الأسنان على هيئة ضرس بإيعاز من رئيس الجمهورية الذي كان يوماً ما طبيباً للأسنان.

الذئاب ومياه الجليد

وتنتقل المؤلفة إلى كازاخستان، حيث تلاحظ أن أرض الحدود التي تقع بينها وبين تركمانستان؛ حيث شمس تبرق في سماء صافية زرقاء، بينما الأرض بنية اللون جدباء تمتد في كل الاتجاهات. كما لا يوجد على مرأى البصر أي مبانٍ أخرى أو بشر يظهرون في المشهد، هي الذئاب وأميال من طرق رديئة الصنع.
لاحظت «فاتلاند» أن الوجوه التي حولها ليست لها الملامح الأوروبية مثل سكان تركمانستان، إنهم يشبهون أكثر المغول بعيون ضيقة وخدود مرتفعة مستديرة. لهجتهم مستريحة لكنها حادة نوعاً ما حتى الحساء لديهم مختلف، لكن الشاي الأخضر غير مختلف. كان سبب رحيلها إلى مدينة «آرال» هو رغبتها في أن ترى بعينها نتائج واحدة من كبرى المصائب التي صنعها الإنسان لنفسه! لقد بنيت هذه المدينة على شط «آرال» وكانت مركزاً مهماً للصيد حتى عام 1960، بعدها بدأ هذا البحر في الانكماش. بذلك أغلق مصنع تعليب الأسماك مدة عقدين من الزمان. الآن تحاط المدينة من كل جهاتها بالأراضي الصحراوية، لم يعد تأرجح أمواج البحر سوى ذكرى. تبلغ مساحة كازاخستان 2.724.900 كيلومتر مربع، وهذا يعني أنها أكبر من دول غرب أوروبا مجتمعة، وهي تاسع دولة من حيث المساحة عالمياً وأكبر دولة بلا شواطئ.
وفي قرغيزستان، تلاحظ المؤلفة أن العاصمة «بيشكيك» ما زالت تبدو متشحة بالروح الروسية، فالكثير من أغطية الرأس النسائية هي قبعات اللباد البيضاء، لكن معظم الناس يرتدون الملابس العصرية؛ بنطالات جينز وأحذية رياضية وسترات جلد فاخر وتستطيع أن تسمع اللغة الروسية بالقدر نفسه للغة القرغيزية. كان الموقف عام 1950 مماثلاً تماماً للحال الذي كان سائداً في كازاخستان، إذ يمثل عدد القرغيزيين نحو 40 في المائة من حجم السكان، وبذلك كانوا الأقلية، لكن مع تفكك الاتحاد السوفياتي، رحل كثير من الروس والأوكرانيين غرباً، وأصبح عدد القرغيزيين يمثل 70 في المائة من السكان، ولا يوجد سوى 370 ألف روسي معظمهم يعيشون في العاصمة.
تعتبر مدينة «بيشكيك» أكبر مدينة ينتشر فيها اللون الأخضر في آسيا الوسطى، فالمياه الذائبة من جليد الجبال المحيطة تمون الكثير من متنزهاتها وأشجارها بالماء الوفير، مانحة المدينة شعوراً شبه ريفي. وتشعرك شوارعها الواسعة الظليلة بعقود من الزمن؛ حيث الهدوء والهروب من قبضة الحياة العصرية بإيقاعها اللاهث وهواتفها الذكية وتلاشي مساحة الخصوصية.
حتى عام 1991 كان اسم هذه المدينة «فرونز» على اسم القائد البلشفي الذي ولد فيها، لكن بعد الاستقلال أخذت اسمها القديم المشتق من اللغة القرغيزية التي تعبر عن «دلو اللبن». وخلف أبراج التجمعات الاشتراكية تقع قمم جبل «تيان شان» التي تصل إلى عنان السماء. ومما يربك سائقي سيارات الأجرة أن كثيراً من شوارع هذه المدينة سميت بأسماء جديدة، مثلاً اسم «طريق لينين» أصبح «طريق شوي».

سيدة الحرير

في أوزبكستان، رأت المؤلفة عجوزاً جالسة في وسط غرفة ضعيفة الإضاءة تقلب في إناء معدني مليء بالمياه المغلية. هناك آلاف الشرانق تعوم على السطح، تشبه حصى بيضاء ناعمة. عندما رفعتها المرأة بعصا خشبية لاحظت أن الخيوط العنكبوتية الرفيعة بدأت تتفكك من بعضها، بيد خبيرة جمعت المرأة نحو أربعين أو خمسين من هذه الخطوط الخفيفة وتقريباً غير المرئية كالريش وأدارتها جميعاً فوق بكرة عجلة مغزل عتيق الصنع. وعندما أصبحت البكرة مغطاة بطبقات نحيفة من خيوط الحرير قامت بتغطيسها في مياه باردة تركتها لمدة ساعة تقريباً قبلما تجمع الخيوط معاً في شلّات غزل سائبة. في نهاية هذه المعاملة ما زالت الخيوط جامدة جافة بلون قمحي خفيف.
ويشرح المرشد المرافق للمؤلفة أن الشرنقة الواحدة يمكن أن تنتج ما يقرب من أربعة آلاف متر من الحرير، لكن ربع تلك الأمتار فقط هو ما يكون قوياً ونافعاً، ثم يضيف في ثقة: هكذا أصبحتِ تعرفين أسرار صناعة السجاد الحريري!
يحدث هذا في مدينة «مارجيلان» المشهورة بتجارها البارعين وبالحرير المتميز الذي كانت تنتجه في العهد السوفياتي. كانت «مارجيلان» قلب السوق السوداء في أوزبكستان، لكن تاريخها التجاري يعود إلى القرن التاسع، حين كانت تشغل موقعاً مهماً في طريق الحرير ما بين «سمرقند» في الغرب و«كاشغر» التي تقع في حدود الصين الحالية. كان يدعى «طريق الحرير» لعدة أسباب جوهرية رغم أن هناك الكثير من البضائع التي تمر فيه مثل الخيول والخزف والورق، كانت كلها تنقل من الشرق إلى الغرب لعدة مئات من الأعوام، لكن الحرير كان أكثر البضائع أهمية وقيمة منذ القرن الأول قبل الميلاد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نصائح لتعزيز الوقاية من النوبات القلبية والسكتات

ارتفاع مستويات الكولسترول الضار في الدم تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة كونيتيكت)
ارتفاع مستويات الكولسترول الضار في الدم تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة كونيتيكت)
TT

نصائح لتعزيز الوقاية من النوبات القلبية والسكتات

ارتفاع مستويات الكولسترول الضار في الدم تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة كونيتيكت)
ارتفاع مستويات الكولسترول الضار في الدم تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة كونيتيكت)

أصدرت الكلية الأميركية لأمراض القلب بالتعاون مع جمعية القلب الأميركية وتسع جمعيات طبية رائدة أخرى إرشادات جديدة لإدارة اضطرابات الدهون في الدم، بما في ذلك الكولسترول والدهون الثلاثية.

وأوضح الباحثون أن هذه الخطوة تهدف إلى تقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية، ونشرت الإرشادات، الجمعة، بدورية (Circulation).

ويُعد ارتفاع مستويات الكولسترول منخفض الكثافة، المعروف بـ«الكولسترول الضار»، أحد أهم عوامل الخطر لأمراض القلب، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو ربع البالغين يعانون مستويات مرتفعة منه، ما يزيد احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.

وتجمع الإرشادات الجديدة أحدث الأدلة العلمية في وثيقة شاملة توفر توجيهات موحدة لتقييم وعلاج اضطرابات الدهون، بهدف الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، وهي حالات تنتج عن تراكم الدهون في جدران الشرايين وتشكل السبب الأول للوفاة على مستوى العالم.

وتركز التوصيات على التدخل المبكر من خلال تبني نمط حياة صحي، إذ يعد الحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام من أهم الإجراءات للحد من ارتفاع مستويات الدهون الضارة. كما يُعد الإقلاع عن التدخين واتباع نظام غذائي متوازن غني بالخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والدهون الصحية مع تقليل الدهون المشبعة والمتحولة عناصر أساسية لتعزيز صحة القلب والأوعية الدموية، بينما يلعب النوم الجيد دوراً مهماً في الوقاية من أمراض القلب ويُعد جزءاً لا يتجزأ من أسلوب الحياة الصحي.

وأكدت لجنة إعداد الإرشادات أن أكثر من 80 في المائة من أمراض القلب والأوعية الدموية يمكن الوقاية منها، وأن خفض الكولسترول الضار مبكراً يمنح حماية أكبر من النوبات القلبية والسكتات الدماغية على المدى الطويل.

وأوضح الباحثون أن تحسين نمط الحياة يمثل الخطوة الأولى، إلا أنه في حال لم تنخفض مستويات الدهون إلى الحدود الصحية، ينبغي النظر في استخدام الأدوية الخافضة للكولسترول في وقت أبكر مما كان متبعاً سابقاً، بما يضمن حماية أكبر للقلب والأوعية الدموية على المدى الطويل.

وتضمنت الإرشادات استخدام أداة حديثة لتقدير خطر الإصابة بأمراض القلب تُعرف باسم (PREVENT)، تساعد على تقدير احتمالية الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية خلال 10 أو 30 عاماً.

وتعتمد هذه الأداة على معلومات صحية أساسية مثل مستويات الكولسترول وضغط الدم والعمر والعادات الصحية، مع إمكانية تحسين التقدير باستخدام مؤشرات إضافية تشمل التاريخ العائلي للأمراض القلبية، والأمراض الالتهابية المزمنة، والسكري، وأمراض الكلى، وبعض المؤشرات الحيوية مثل البروتين الدهني (a) وبروتين (ApoB) والدهون الثلاثية.

وبالرغم من أن تحسين نمط الحياة يظل الأساس في العلاج، فإن الأدوية الخافضة للكولسترول، وعلى رأسها الستاتين، تشكل الركيزة الأساسية للوقاية من أمراض القلب.

وإذا لم تحقق هذه الأدوية النتائج المرجوة، فقد يوصي الأطباء بإضافة علاجات أخرى، مثل «إيزيتيميب» أو حمض بيمبيدويك أو أدوية (PCSK9) القابلة للحقن.


«الكنافة البلدي» تصمد أمام صيحات الحلويات بمصر

الكنافة البلدي لدى الأجيال الجديدة (الشرق الأوسط)
الكنافة البلدي لدى الأجيال الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

«الكنافة البلدي» تصمد أمام صيحات الحلويات بمصر

الكنافة البلدي لدى الأجيال الجديدة (الشرق الأوسط)
الكنافة البلدي لدى الأجيال الجديدة (الشرق الأوسط)

حافظت «الكنافة البلدي» على حضورها، وصمدت أمام الصيحات الجديدة في عالم الحلويات، خصوصاً في الأحياء الشعبية خلال شهر رمضان. وفي ظاهرة لافتة، يُلاحظ وجود أجيال جديدة من الشباب في مقتبل العمر في سوق الحلوى الرمضانية؛ إذ تشهد الكنافة البلدي رواجاً ملحوظاً في هذه الأحياء، ويتولى صناعتها شباب ورثوا المهنة عن آبائهم.

ووصف الحلواني الستيني حسن عبد الله الإقبال على الكنافة البلدي بأنه معقول، خصوصاً في منطقة فيصل (غرب القاهرة)، التي كان يعمل بها سابقاً قبل أن ينتقل إلى العمل في شارع مسرة بشبرا (شمال القاهرة).

وقال عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: «إن بعض زبائننا في منطقة المسرة لا يقبلون بسعر كيلو الكنافة الذي لا يزيد على 45 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 52 جنيهاً)، مما يضطرنا أحياناً إلى تخفيض السعر إلى 40 جنيهاً».

يتجهز عبد الله كل عام، مع أخويه الاثنين، لاستقبال رمضان قبيل حلوله. وكان أصغرهما قد تعلم الصنعة في رمضان الماضي، لكنه لم يتقدم للعمل أمام الفرن بثقة إلا هذا العام. وهو من بنى الفرن أمام مخبز الحلوى الخاص بهم، بعد الحصول على الموافقات الرسمية من الإدارات المعنية. وقبيل صلاة العصر يبدأ في تجهيز المواد، ليستمر في صناعة الكنافة حتى أذان المغرب.

ويرى عبد الله أن الكنافة البلدي واحدة من مظاهر رمضان التي يحب الحفاظ عليها، لأن العائلات تعتمد عليها في استقبال الأقارب والأصدقاء.

وعلى عكس منطقة شبرا، تأتي أحياء المنيب والهرم وفيصل التي تنتشر فيها أفران إعداد الكنافة، حيث يمكن ملاحظة حضور الشباب أمام الأفران. ومن بينهم أحمد عاطف، الذي لم يتجاوز عمره 17 عاماً، وفق ما يقول والده عاطف الخضري. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مهنة تشغل الوقت وتبعد الأبناء عن الصحبة السيئة». يدرس أحمد في المرحلة الإعدادية، وقد تعلم المهنة من والده منذ عامين، ثم أتقنها تماماً في رمضان الحالي، ليحل مكان أبيه ويوفر حلوى مطلوبة بشكل معقول في المنطقة.

وأضاف أن «معظم سكان المنطقة من خلفيات ريفية، ويحبون الكنافة البلدي، ويتفننون في إعدادها وتقديمها بطرق مختلفة». وأوضحت ذلك زينة عبد الموجود، وهي موظفة أربعينية كانت تحمل طفلها ليستمتع بمشاهدة أحمد وهو يرش الكنافة، قائلة: «ابني يحبها بالسمن والسكر، وهي طريقة تعتمد على تحميرها بالسمن ثم إضافة السكر إليها. لا أستغرق وقتاً في إعدادها؛ دقائق فقط وتكون جاهزة أمامه».

صناعة الكنافة البلدي في الأحياء الشعبية (الشرق الأوسط)

وبالقرب من منطقة الطالبية في الهرم، يتوجه علاء أسامة، وهو طالب بجامعة الأزهر، إلى الفرن الذي بناه مع عمه، ليبدأ عمله بعد صلاة العشاء، عقب انتهائه من دروسه وتناوله الإفطار. ويقع الفرن في أرض خلاء يملكونها، تتميز بموقعها القريب من حركة السير.

وقال علاء لـ«الشرق الأوسط» إن والده الراحل كان حريصاً على تعليمه صناعة الكنافة، وقد حلّ هو وعمه مكانه في السوق. ويبيع علاء الكنافة بسعر 45 جنيهاً للكيلوغرام، ولا تخلو ساعات عمله من متفرجين من الأطفال الذين يأتون بصحبة أمهاتهم، وينتظرون حتى ينتهي من إعداد طلباتهم.

وتفسر نصرة عبد السلام، وهي أربعينية، سبب إقبال سكان الأحياء الشعبية على الكنافة البلدي، إذ ترى أنها سهلة في صناعتها وكذلك في تحضيرها وتناولها. وأضافت: «نحن بطبيعتنا نحب الحلويات ونقبل عليها، ونحب الكنافة كما أحبها أهلنا من قبلنا».

وترى أن هذا الإقبال هو أيضاً سر استمرار توارث صناعتها جيلاً بعد جيل، إذ يتحمل الأبناء مسؤولية المهنة ويواصلونها، لتظل جزءاً من بهجة رمضان.


تطبيق مبتكر يدعم الصحة الجنسية للرجال

التطبيقات الذكية قد تكون وسيلة لتحسين الصحة الجنسية للرجال (جامعة مين الأميركية)
التطبيقات الذكية قد تكون وسيلة لتحسين الصحة الجنسية للرجال (جامعة مين الأميركية)
TT

تطبيق مبتكر يدعم الصحة الجنسية للرجال

التطبيقات الذكية قد تكون وسيلة لتحسين الصحة الجنسية للرجال (جامعة مين الأميركية)
التطبيقات الذكية قد تكون وسيلة لتحسين الصحة الجنسية للرجال (جامعة مين الأميركية)

كشفت دراسة ألمانية أن تطبيقاً مبتكراً على الجوالات قد يساعد الرجال على تحسين صحتهم الجنسية، وزيادة قدرتهم على إطالة مدة العلاقة الحميمة.

وأوضح الباحثون من جامعتي ماربورغ وهايدلبرغ في ألمانيا أن التطبيق يركز على معالجة الأسباب النفسية المرتبطة بسرعة القذف، من خلال برنامج تدريبي يعتمد على تقنيات نفسية وسلوكية يمكن تنفيذها في المنزل، وعرضت النتائج، الجمعة، أمام المؤتمر الأوروبي السادس والعشرين لجراحة المسالك البولية، الذي انعقد في لندن.

وتُعد سرعة القذف من المشكلات الجنسية الشائعة والمزعجة للرجال، إذ يحدث القذف عادة خلال أقل من 60 ثانية من الإيلاج. وتشير التقديرات إلى أن هذه المشكلة تصيب نحو 30 في المائة من الرجال، إلا أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بها تجعل 9 في المائة فقط من المصابين يسعون إلى الحصول على مساعدة طبية.

وترتبط سرعة القذف بعدة عوامل معقدة، من بينها مشكلات العلاقة الزوجية، إضافة إلى عوامل نفسية مثل القلق والتوتر والاكتئاب. وغالباً ما تؤدي هذه العوامل إلى قلق الأداء وتأثيرات سلبية على العلاقة بين الشريكين.

وتعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تختبر نهجاً علاجياً رقمياً يعتمد على تطبيق يُستخدم في المنزل لعلاج سرعة القذف.

ويقدم التطبيق، الذي يحمل اسم (Melonga App)، مجموعة من التمارين والتقنيات العلاجية التي طورها أطباء مسالك بولية واختصاصيو علم النفس. وتشمل هذه التقنيات تمارين اليقظة الذهنية، وتدريبات زيادة الوعي بدرجة الإثارة، والعلاج السلوكي المعرفي، إضافة إلى تمارين عملية للتحكم بالقذف مثل تقنية «البدء - التوقف». وتهدف هذه التدريبات إلى مساعدة الرجال على إدارة مستوى الإثارة والتحكم بشكل أفضل في توقيت القذف.

وشملت الدراسة 80 رجلاً يتمتعون بصحة جيدة، شاركوا في برنامج علاجي مدته 12 أسبوعاً، طُلب منهم خلاله ملء استبيانات حول تجربتهم الجسدية والنفسية أثناء العلاقة الحميمة، إضافة إلى استخدام ساعة توقيت لقياس الزمن بين الإيلاج والقذف.

وبعد انتهاء 12 أسبوعاً، حصل المشاركون في المجموعة الضابطة، الذين لم يتلقوا أي دعم خلال المرحلة الأولى، على إمكانية استخدام التطبيق لمدة 12 أسبوعاً إضافية. وتمكن 66 مشاركاً من استكمال جميع الاستبانات المطلوبة.

وأظهرت النتائج أن الرجال الذين استخدموا التطبيق تضاعفت لديهم مدة العلاقة تقريباً. كما أفاد مستخدمو التطبيق بتحسن ملحوظ في القدرة على التحكم بالقذف، وانخفاض القلق المرتبط بالأداء الجنسي، وتراجع التأثير السلبي للمشكلة على العلاقة مع الشريك، إلى جانب تحسن جودة الحياة الجنسية، بما في ذلك الثقة والمتعة أثناء العلاقة.

وبعد 12 أسبوعاً من استخدام التطبيق، أفاد نحو 22 في المائة من المشاركين بأنهم لم يعودوا يعانون من سرعة القذف وفق تقييمهم الذاتي.

وأشار الباحثون إلى أن كثيراً من الرجال يتجنبون طلب المساعدة بسبب الشعور بالخجل، مضيفين أن الأدوات الذاتية مثل هذا التطبيق يمكن أن تساعدهم على تحسين التحكم في القذف والوصول إلى حياة جنسية أكثر إرضاءً دون فقدان عفوية العلاقة.