«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

النرويجية إيريكا فاتلاند زارتها ودوّنت مشاهد من تاريخها وثقافتها

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق
TT

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

«سوفيتستان»... مغامرة في دول الاتحاد السوفياتي السابق

كتاب «سوفيتستان» للنرويجية إيريكا فاتلاند، هو واحد من أجمل كتب الرحلات الصادرة أخيراً، وهو يضم مشاهدات وتأملات في عدد من جمهوريات آسيا الوسطى التابعة سابقاً للاتحاد السوفياتي، مثل تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، وهو ما يفسّر المقصود بالعنوان حين تلتقي كلمة «ستان» بمعنى «مكان أو أرض» مع كلمة «سوفيات».
تشير المؤلفة في بداية عملها الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة في 391 صفحة، بترجمة سمير محفوظ بشير، إلى أنه بينما كانت في السنة الثانية الابتدائية بدأ الاتحاد السوفياتي في التفكك تدريجياً حتى انفصلت كل أجزائه وتغيرت خريطة العالم بالكامل. في خريف عام 1991 أصبحت 15 جمهورية - كان يضمها الاتحاد المعروف باسم الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية - منفصلة جميعها عنه لتصبح دولاً مستقلة في غضون أيام قليلة. وعلى مدى بضعة أشهر لاحقة اكتسبت منطقة شرق أوروبا ست دول مستقلة جديدة، وهي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا ومولدوفا. أيضاً حصلت آسيا الوسطى على خمس جمهوريات جديدة هي تركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان، كذلك هناك ثلاث دول انبثقت من المنطقة القوقازية وهي جورجيا وأذربيجان وأرمينيا.
حدث أول لقاء للمؤلفة مع الاتحاد السوفياتي القديم عندما كانت في رحلة بصحبة مجموعة من الرجال والنساء أحيلوا على التقاعد. كانت قد قضت آخر أعوامها الدراسية في مدينة «هلسنكي» الفنلندية، وهناك اشترت تذكرة رخيصة تستقل بها حافلة تتيح لها زيارة مدينة «بطرسبرغ»، وما إن وصلت إلى منطقة نقطة الحدود حتى شعرت بحدوث تغيير شامل في الجو السائد، دخل الجنود المدججون بالسلاح الحافلة خمس مرات لفحص جوازات السفر، وعندما توقف المسافرون في مدينة «فايبورغ» لتناول طعام الغداء، لاحظت أن هناك عدداً من كبار السن بدأوا في البكاء. واحدة من النسوة قالت لها: كانت هذه المدينة جميلة للغاية فيما سبق. في أثناء اشتعال أحداث الحرب العالمية الثانية كانت «فايبورغ» هي ثاني أكبر مدن فنلندا ثم بعد انتهاء هذه الحرب أصبح الفنلنديون مجبرين على أن يتنازلوا عن جزء من مدينة «كاريليا» للاتحاد السوفياتي.
لاحظت «فاتلاند» في أثناء رحلتها أن حالة التدهور سائدة في أرجاء هذه المدينة، رأت الطلاء مقشراً من جدران كثير من المباني والأرض مليئة بالحفر وأهالي البلدة تبدو على وجوههم علامات الجد والتجهم، ويرتدون ملابس قاتمة كئيبة. ما إن وصلت إلى مدينة «بطرسبرغ» حتى سكنت في مبنى عتيق ولاحظت أن شوارع المدينة واسعة يقطعها عدد من حافلات التروللي القديمة المتهالكة، مبانيها كلاسيكية وعمال التذاكر لهم مظهر خشن غير ودي.
ولكن فور عودتها لهلسنكي، قامت بشراء كتب لتعلم اللغة الروسية، وأتقنتها بعد أعوام من التعب في معرفة قواعدها، لتحقق طموحها لمزيد من الرحلات إلى بطرسبرغ وموسكو، وكل أطراف الاتحاد السوفياتي القديم.

المدينة الرخامية

تصف المؤلفة مدينة «عشق آباد»، عاصمة تركمانستان، بالمدينة الرخامية، فهذا اللون الرخامي الأبيض يكاد يعمي نظرها. مهما أدارت نظرها ترى العديد منها بالشكل والمنظر نفسيهما، مدينة مبنية برخام أبيض لامع. أخذت «فاتلاند» تلتقط صوراً متعجلة في أثناء سير السيارة كأنها سائحة يابانية ملهوفة ومغرمة بكل ما هو سريع، هذه الطرق التي تفصل بين مجموعة من المباني تستحق أن توجد في دولة بترولية غنية، إنها على شكل ثماني حارات واسعة ومضاءة بألوان بيضاء متقنة.
«أصبحت عشق آباد مدينة فائقة النظافة والجمال بفضل رئيسنا»، هذا ما صرح به سائق السيارة الثلاثيني التي تستقلها واسمه «أصلان»، شاحب الوجه وأب لعدد من الأطفال. نطق الكلمات الأربع الأخيرة بسرعة بالغة وبطريقة آلية. ربما لا يعي العالم بانتباه ما يحدث في تلك الأمة الصحراوية الصغيرة القائمة في وسط آسيا لكن موسوعة غينيس للأرقام القياسية كانت واعية بكل غرائب هذه المدينة فترة من الزمن. في عام 2013، احتفل السكان بتحقيق رقم جديد، أصبحت «عشق آباد» رسمياً هي أكبر مدينة تحفل بالمباني الرخامية بالنسبة لكل كيلومتر مربع على مستوى العالم، قيل إن المحاجر القابعة في منطقة «كارارا» بإيطاليا قد فرغت تماماً من الرخام بسبب هؤلاء التركمان ذوي الشهية النهمة للحصول على المنتج الأبيض اللامع. أيضاً يحتفل ويتفاخر سكان «عشق آباد» بأنهم يعيشون في مدينة مجهزة بأكبر عدد من النوافير والحدائق المائية على مستوى العالم، هذا رغم أن 80 في المائة من حجم الدولة هي أراضٍ صحراوية.
أيضاً مقار الوزارات وأهم المساجد صممها المهندسون بدرجات متميزة من الفنون الهندسية، مثلاً، وزارة الشؤون الخارجية على شكل الكرة الأرضية، أما وزارة التعليم فعلى شكل كتاب نصف مفتوح وكلية طب الأسنان على هيئة ضرس بإيعاز من رئيس الجمهورية الذي كان يوماً ما طبيباً للأسنان.

الذئاب ومياه الجليد

وتنتقل المؤلفة إلى كازاخستان، حيث تلاحظ أن أرض الحدود التي تقع بينها وبين تركمانستان؛ حيث شمس تبرق في سماء صافية زرقاء، بينما الأرض بنية اللون جدباء تمتد في كل الاتجاهات. كما لا يوجد على مرأى البصر أي مبانٍ أخرى أو بشر يظهرون في المشهد، هي الذئاب وأميال من طرق رديئة الصنع.
لاحظت «فاتلاند» أن الوجوه التي حولها ليست لها الملامح الأوروبية مثل سكان تركمانستان، إنهم يشبهون أكثر المغول بعيون ضيقة وخدود مرتفعة مستديرة. لهجتهم مستريحة لكنها حادة نوعاً ما حتى الحساء لديهم مختلف، لكن الشاي الأخضر غير مختلف. كان سبب رحيلها إلى مدينة «آرال» هو رغبتها في أن ترى بعينها نتائج واحدة من كبرى المصائب التي صنعها الإنسان لنفسه! لقد بنيت هذه المدينة على شط «آرال» وكانت مركزاً مهماً للصيد حتى عام 1960، بعدها بدأ هذا البحر في الانكماش. بذلك أغلق مصنع تعليب الأسماك مدة عقدين من الزمان. الآن تحاط المدينة من كل جهاتها بالأراضي الصحراوية، لم يعد تأرجح أمواج البحر سوى ذكرى. تبلغ مساحة كازاخستان 2.724.900 كيلومتر مربع، وهذا يعني أنها أكبر من دول غرب أوروبا مجتمعة، وهي تاسع دولة من حيث المساحة عالمياً وأكبر دولة بلا شواطئ.
وفي قرغيزستان، تلاحظ المؤلفة أن العاصمة «بيشكيك» ما زالت تبدو متشحة بالروح الروسية، فالكثير من أغطية الرأس النسائية هي قبعات اللباد البيضاء، لكن معظم الناس يرتدون الملابس العصرية؛ بنطالات جينز وأحذية رياضية وسترات جلد فاخر وتستطيع أن تسمع اللغة الروسية بالقدر نفسه للغة القرغيزية. كان الموقف عام 1950 مماثلاً تماماً للحال الذي كان سائداً في كازاخستان، إذ يمثل عدد القرغيزيين نحو 40 في المائة من حجم السكان، وبذلك كانوا الأقلية، لكن مع تفكك الاتحاد السوفياتي، رحل كثير من الروس والأوكرانيين غرباً، وأصبح عدد القرغيزيين يمثل 70 في المائة من السكان، ولا يوجد سوى 370 ألف روسي معظمهم يعيشون في العاصمة.
تعتبر مدينة «بيشكيك» أكبر مدينة ينتشر فيها اللون الأخضر في آسيا الوسطى، فالمياه الذائبة من جليد الجبال المحيطة تمون الكثير من متنزهاتها وأشجارها بالماء الوفير، مانحة المدينة شعوراً شبه ريفي. وتشعرك شوارعها الواسعة الظليلة بعقود من الزمن؛ حيث الهدوء والهروب من قبضة الحياة العصرية بإيقاعها اللاهث وهواتفها الذكية وتلاشي مساحة الخصوصية.
حتى عام 1991 كان اسم هذه المدينة «فرونز» على اسم القائد البلشفي الذي ولد فيها، لكن بعد الاستقلال أخذت اسمها القديم المشتق من اللغة القرغيزية التي تعبر عن «دلو اللبن». وخلف أبراج التجمعات الاشتراكية تقع قمم جبل «تيان شان» التي تصل إلى عنان السماء. ومما يربك سائقي سيارات الأجرة أن كثيراً من شوارع هذه المدينة سميت بأسماء جديدة، مثلاً اسم «طريق لينين» أصبح «طريق شوي».

سيدة الحرير

في أوزبكستان، رأت المؤلفة عجوزاً جالسة في وسط غرفة ضعيفة الإضاءة تقلب في إناء معدني مليء بالمياه المغلية. هناك آلاف الشرانق تعوم على السطح، تشبه حصى بيضاء ناعمة. عندما رفعتها المرأة بعصا خشبية لاحظت أن الخيوط العنكبوتية الرفيعة بدأت تتفكك من بعضها، بيد خبيرة جمعت المرأة نحو أربعين أو خمسين من هذه الخطوط الخفيفة وتقريباً غير المرئية كالريش وأدارتها جميعاً فوق بكرة عجلة مغزل عتيق الصنع. وعندما أصبحت البكرة مغطاة بطبقات نحيفة من خيوط الحرير قامت بتغطيسها في مياه باردة تركتها لمدة ساعة تقريباً قبلما تجمع الخيوط معاً في شلّات غزل سائبة. في نهاية هذه المعاملة ما زالت الخيوط جامدة جافة بلون قمحي خفيف.
ويشرح المرشد المرافق للمؤلفة أن الشرنقة الواحدة يمكن أن تنتج ما يقرب من أربعة آلاف متر من الحرير، لكن ربع تلك الأمتار فقط هو ما يكون قوياً ونافعاً، ثم يضيف في ثقة: هكذا أصبحتِ تعرفين أسرار صناعة السجاد الحريري!
يحدث هذا في مدينة «مارجيلان» المشهورة بتجارها البارعين وبالحرير المتميز الذي كانت تنتجه في العهد السوفياتي. كانت «مارجيلان» قلب السوق السوداء في أوزبكستان، لكن تاريخها التجاري يعود إلى القرن التاسع، حين كانت تشغل موقعاً مهماً في طريق الحرير ما بين «سمرقند» في الغرب و«كاشغر» التي تقع في حدود الصين الحالية. كان يدعى «طريق الحرير» لعدة أسباب جوهرية رغم أن هناك الكثير من البضائع التي تمر فيه مثل الخيول والخزف والورق، كانت كلها تنقل من الشرق إلى الغرب لعدة مئات من الأعوام، لكن الحرير كان أكثر البضائع أهمية وقيمة منذ القرن الأول قبل الميلاد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.