حسن مدن: الترويج لـ«زمن الرواية» ظلم كثيراً من الشعر العربي المهم

الناقد البحريني يرى التقاعد فرصة ذهبية لينجز الكاتب مشروعاته المؤجلة

حسن مدن: الترويج لـ«زمن الرواية» ظلم كثيراً من الشعر العربي المهم
TT

حسن مدن: الترويج لـ«زمن الرواية» ظلم كثيراً من الشعر العربي المهم

حسن مدن: الترويج لـ«زمن الرواية» ظلم كثيراً من الشعر العربي المهم

لم ينشغل الدكتور حسن مدن أحد أبرز الأصوات النقدية على الساحة الثقافية الخليجية بالتنظير النقدي البحت، الذي «قد يتحول معه المثقف إلى سجين أبراج عاجية تعزله عن الواقع الذي يفور بتغيرات متلاحقة». وقد حقق ذلك في مؤلفاته، ومنها «لا قمر في بغداد»، و«الكتابة بحبر أسود»، و«يوميات التلصص»، التي تناول فيها مختلف القضايا الراهنة في الساحة الثقافية العربية. هنا حوار معه بمناسبة صدور كتابه الجديد «حداثة ظهرها إلى الجدار»...
> حدثنا عن أهم التحولات في المشهد الثقافي الخليجي التي يرصدها كتابك «حداثة ظهرها إلى الجدار»؟
- حاولتُ في الكتاب تتبع التحولات الثقافية في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، بدءاً من مساعي النخب الثقافية الأولى في مطالع القرن العشرين للتغلب على العزلة الثقافية التي فرضتها الهيمنة الأجنبية، خاصة البريطانية منها على إمارات الخليج العربي، وحالت دون تواصلها مع محيطها العربي بالصورة المرجوة، وتوقفت عند روافع الحداثة الثقافية والاجتماعية في المنطقة كبدء التعليم الحديث بمبادرات أهلية في المقام الأول، وأثر الصحافة العربية الصادرة في الحواضر المتقدمة في مصر وبلاد الشام والعراق، ورحلات رواد النهضة العربية إلى بلدان المنطقة، وما تركته من أثر مهم في التفاعل مع الفكر النهضوي العربي بتجلياته المختلفة، ثم نشوء الصحافة المحلية في مختلف البلدان الخليجية، على ما في ذلك من تفاوت زمني بين بلد وآخر، والتي أصبحت منابر للمنتج الأدبي والثقافي في هذه البلدان.

سعيت كذلك إلى توضيح الفرق بين الحداثة والتحديث، وهو أمر تناوله مفكرون عرب بارزون، في نطاق تحليلهم لوضع الثقافة العربية الراهن، وأيضاً لمسار الحداثة العربية منذ بدايات ما تعارفنا على وصفه بـ«النهضة العربية» على يد روادها الأوائل، مثل رفاعة رافع الطهطاوي وشبلي شميل وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي وسلامة موسى وطه حسين وسواهم.
> إلى أي حد يعد كتابك «ترميم الذاكرة» محاولة لاستعادة صورة البحرين الثقافية التي غادرتها ما يقرب من 3 عقود... وماذا عن ملابسات المغادرة والعودة؟
- يندرج «ترميم الذاكرة» في أدب السيرة الذاتية، وفيه سعيت لتناول صورة الوطن بعد غيبة طويلة عنه تجاوزت 25 عاماً، للمقارنة بين الصورة الباقية في الذاكرة لهذا الوطن، وما آل إليه بعد مضي كل هذه السنوات، التي شهدت تحولات كثيرة على مختلف الصعد؛ حيث وجدتني أبحث عن صورة الوطن التي حملتها عنه عند مغادرتي له في مطالع الشباب، فلم أجد كثيراً من ملامحها. وكانت هذه مناسبة لاستعادة المحطات التي مررت بها طوال سنوات الغربة، وجانب من ذكرياتي عن المدن التي عشت فيها، وانطوى الكتاب على حمولة من الأفكار والتداعيات والتأملات من وحي التجربة التي عشتها قبل العودة إلى الوطن.
هي تجربة حياتية طويلة في الغربة، أظهرت لي أننا نحمل الوطن أينما ذهبنا، وكلما طال زمن بعدنا عنه ترسخت صورة هذا الوطن التي كانت عندما غادرناه آخر مرة، حتى نخال أن تلك الصورة هي نفسها باقية سنراها عندما نعود إليه، ولكننا سنفاجئ أنها تغيرت كثيراً، لنقع في شيء من الحيرة ونحن نبحث عن الصورة العالقة في الذهن، التي لم يعد لها أو لكثير من ملامحها وجود.
> بماذا تفسر ظاهرة «خليج ما قبل النفط» التي يجسدها كثير من الروائيين وكتاب القصة والشعراء الخليجيين في أعمالهم...؟
- لا أعتقد أن كل الأدب في بلدان الخليج منشغل بصورة المنطقة قبل النفط، على الأقل في اللحظة الراهنة. ربما يصح ذلك في مجال السرد، سواء اندرج في جنس القصة القصيرة أو الرواية، خاصة في البدايات، ويبدو لي هذا مفهوماً جداً، كون الرواية، تحديداً، جنساً أدبياً حديث النشأة في المنطقة، بالمفهوم النسبي طبعاً، لذا توجهت أعمال روائية خليجية كثيرة للذاكرة المنجزة، أي للمرحلة السابقة للنفط، كون المرحلة التالية ما زالت في حالة صيرورة وتشكل، ولم تستقر بعد على حال.
وليس بعيداً اليوم الذي سنطالع فيه سرداً روائياً يتناول تحوّلات الحاضر، بل إن مثل هذا التناول بدأ يظهر في بعض الروايات والقصص الكثيرة لأدباء من بلدان الخليج.

ربما يكون مناسباً لفت النظر إلى أن التحولات الجارية في بلداننا الآن تتسم بسرعة كبيرة، تتغير خلالها ملامح المدن كثيراً، ما يجعل من الإمساك بصورة المكان صعباً، أو يحتاج إلى تأنٍ، على خلاف ما كانت عليه الحال قبل اكتشاف النفط؛ حيث كان التطور رتيباً وبطيئاً، وما تبع ذلك من اكتشاف آباره وتسويقه، وهناك أعمال أدبية مختلفة تناولت ذلك، من أهمّها على الإطلاق ما فعله عبد الرحمن منيف في خماسية «مدن الملح».
> يعد كتابك «الثقافة في الخليج... أسئلة برسم المستقبل» من أوائل المؤلفات التي طرحت مبكراً سؤال «المستقبل»، بينما انشغل كثيرون بسؤال الماضي، كيف ترى الأمر؟
- الأسئلة التي برسم المستقبل انطلقت من قراءة للتحديّات التي يواجهها المشهد الثقافي في مجتمعاتنا الخليجية، والكتاب عبارة عن 7 أوراق تناولت قضايا الثقافة في الخليج من منطلق الرغبة في فحص ونقد الظواهر السلبية التي يفرزها شيوع نمط الثقافة الاستهلاكية واختراقه لبنى الوعي والسلوك، وتسليط الضوء على إشكالات الراهن الثقافي في الخليج، وتسوده حرقة إثارة الأسئلة المفصلية حول القضايا التي يطرحها، وهي مبثوثة في ثنايا الأوراق السبع التي حواها، ولعلّ هذا كان باعث اختياري هذا العنوان، لكني أكدّت في مقدمة الكتاب أنه ليس أكثر من مدخل لمناقشة أكثر استفاضة وتفصيلا وعمقاً للقضايا التي يطرحها، وهذا ما سعيت لتحقيقه، أو تحقيق جزء منه على الأقل، في كتابي الأخير «حداثة ظهرها إلى الجدار».
> كنت تعقد الأمل على بلوغك سن التقاعد حتى تتفرغ لكثير من المشروعات النقدية والفكرية والقراءات المؤجلة، كيف الحال بعد أن بلغت تلك المرحلة العمرية؟ وهل الحياة يمكن أن تبدأ ثقافياً بعد الستين؟
- تقاعدت في العام 2016، وخلال السنوات المنقضية من ذلك الوقت صدرت لي 4 كتب، هي «الكتابة بحبر أسود»، «للأشياء أوانها»، «يوميّات التلصص»، «حداثة ظهرها إلى الجدار»، وأرى ذلك إنجازاً معقولاً، وأتمنى في التالي من السنوات أن أنجز مشروعات أخرى تمور في الذهن، وأخرى يمكن أن تتبلور في السنوات المقبلة.
ومن واقع تجربتي الشخصية خلال السنوات المنقضية منذ أن تقاعدت بوسعي القول إن متعة التقاعد كفرصة ذهبية بالنسبة للكاتب هي في أن ينصرف، وقد بات حراً من قيود الوظيفة، لإنجاز ما اعتمل في ذهنه من مشروعات، والتفكير في مشروعات أخرى جديدة، وهذا ما أحسّه وأعيشه الآن.
> تؤكد مراراً أن الافتنان بالرواية لا يعني نهاية الشعر، لكن بماذا تفسر انصراف القراء والناشرين عن القصيدة حتى إن شعراء كباراً باتوا يعانون لمجرد أن تظهر دواوينهم الجديدة إلى النور؟
- أعتقد أن الترويج لـ«زمن الرواية» ظلم كثيراً من الشعر العربي المهم الذي كُتب ويكتب في هذا الزمن، ونظرة على خريطة الرواج في معارض الكتب العربية تشير إلى هذه الحقيقة المؤسفة، ما يضع على عاتق المشتغلين بالنقد مسؤولية لفت الأنظار إلى كثير من الشعر المهم الذي ينشر.
وعلينا أن نتساءل؛ ألا يكشف هذا الإقبال الكبير على تجريب كتابة الرواية حدّ الاستسهال في كثير من الحالات عن صعوبة الشعر كفنٍ لا يقوى على ولوج عالمه كل من يخطر في باله أن يجرب، لأن الكشف عن انعدام أو ضحالة من يغامر باقتحام عالم الشعر، وهو ليس من أهله، أيسر بكثير من كشف من يفعلون ذلك في أجناس أخرى من الكتابة، بينها الرواية.
> تستلفت نظرك الرواية الشهيرة «الخبز الحافي» للمغربي محمد شكري باعتبارها نموذجاً نادراً لشجاعة البوح ضمن أدب السيرة الذاتية، ألا يوجد ما يلفت نظرك في هذا السياق بعد 40 عاماً على نشر تلك الرواية؟
- ما زلت أعتقد أن «الخبز الحافي» من أكثر السير الروائية العربية جرأة في المكاشفة والبوح، فالكاتب تحرر من كل الحسابات والاعتبارات التي يجد كثيرون أنفسهم محمولين على مراعاتها، وهو يكتب سيرته على شكل رواية، لكن هذا لا ينفي أن هناك سيراً ذاتية لكتّاب عرب هي أدب بامتياز، شأنها في ذلك شأن القصة القصيرة والرواية. ويمكن أن تُحكى السيرة الذاتية بصور مختلفة، أو للدقة نقول، إن بعض أشكال الكتابة يمكن أن تدخل في خانة السيرة الذاتية، بصورة من الصور، كاليوميات مثلاً، ولنا في كتاب الكاتب المغربي عبد الله العروي «خواطر الصباح» بأجزائها المختلفة مثالاً.
> كيف ترى الانقسام الذي باتت تثيره الجوائز الأدبية في المشهد الروائي العربي ما بين متحمس وناقم؟
- بعيداً عن هذا السجال، أرى أن الجوائز الأدبية والثقافية هي وجه من وجوه تقدير إبداع المبدعين، وهي تلفت القراء إلى أعمال أدبية كثيرة ما كان القراء العرب في كل مكان سيعرفون بأمرها، لولا تأهلها للقوائم الطويلة والقصيرة لهذه الجوائز، أو فوزها بها.
في ندوة أقيمت بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة قبل شهور بالمشاركة مع مؤسسة سلطان بن علي العويس تكريماً للمفكر والناقد الراحل جابر عصفور، اقترحت أن تسمى جائزة مقترحة تحمل اسمه «جائزة جابر عصفور للتنوير»، من أجل تشجيع وتحفيز الدراسات التنويرية التي نحتاجها في زمننا العربي الراهن، ولكي لا ينحصر الاهتمام بالجوائز الأدبية فقط.
> إلى أي حد يتحمل النقاد المسؤولية عن عدم القدرة على متابعة وإضاءة الإنتاج الروائي العربي، ما يصيب كثيراً من المبدعين بخيبة الأمل والإحباط؟
- النقد الأدبي في حال تراجع للأسف في بلداننا، وكثير من الأسماء التي ابتدأت بالنقد الأدبي انصرفت نحو الدراسات الثقافية أو ما يسمى النقد الثقافي، وهذا الأخير مهم جداً، لكنه لا ينفي الحاجة إلى الدراسات النقدية التي أوشكت أن تنحصر في الجامعات، على شكل أطروحات للماجستير أو الدكتوراه، إضافة إلى تراجع دور الصحافة الثقافية، ففي كثير من بلداننا اختفت الصفحات والملاحق الثقافية، التي كانت روافع إبداعية ونقدية مهمة، مع أن الإنصاف يقتضي توجيه التحية للصحف العربية، خاصة في بعض بلدان الخليج، التي ما زالت تولي العناية بصفحاتها الثقافية اليومية والأسبوعية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.