كيف انتصر المثقف التنويري على المثقف الأصولي في فرنسا؟

هيبة الشعراء والكتاب والفلاسفة حلت محل هيبة الكهنة والمطارنة في القرن التاسع عشر

فيكتور هيغو -  بول بنيشو
فيكتور هيغو - بول بنيشو
TT

كيف انتصر المثقف التنويري على المثقف الأصولي في فرنسا؟

فيكتور هيغو -  بول بنيشو
فيكتور هيغو - بول بنيشو

يعد بول بنيشو أحد كبار النقاد الفرنسيين في القرن العشرين. ولكن الشهرة في العالم العربي ذهبت إلى رولان بارت وغطت عليه بل طمسته كلياً. وهذا ظلم كبير في الواقع بل خطأ فادح. لماذا أقول ذلك؟ لأن مؤلفات بول بنيشو لا تقل أهمية عن مؤلفات رولان بارت هذا إن لم تزد فيما يخص شرح كيفية ولادة الحداثة وانتصارها على القدامة في فرنسا. وهذا موضوع يهم المثقف العربي أيضاً، بل إنه موضوع الساعة. علاوة على ذلك فإن هذا الناقد الكبير يشرح لنا كيف تغلبت المسيحية الليبرالية التنويرية على المسيحية الأصولية الظلامية بعد معارك طاحنة وجهد جهيد. إن الاطلاع على مؤلفات هذا الناقد الفذ يساعدنا على فهم التحولات التي طرأت على الأدب الفرنسي في مرحلة حاسمة من تاريخه. ومعلوم أن هذا الرجل عاش عمراً مديداً بين عامي 1908 – 2001 (أي 92) سنة. وقد أمضى جل حياته في دراسة الشعراء والأدباء والمفكرين الذين عاصروا التحولات الكبرى التي صنعت فرنسا الحديثة من أمثال: شاتوبريان، وأوغست كونت، ولامارتين، وفيكتور هيغو، وألفريد دو فيني، وجيرار دو نيرفال، وألفريد دو موسيه، وآخرين كثيرين. وهو لا يدرس هؤلاء الشعراء الكبار من الناحية الفنية أو الجمالية فقط وإنما أيضاً من الناحية الآيديولوجية والسياسية. فالشعر ذو مضمون فكري أيضاً وليس فقط جماليات تطربنا وتنعشنا. إنه يشرح لنا كل ذلك بالتفصيل من خلال كتبه المتلاحقة التالية: أولاً كتاب بعنوان «سيامة الكاتب الحديث وانتصاره على الكاهن القديم بين عامي 1750 - 1830: دراسة عن استهلال عهد سلطة روحانية علمانية في فرنسا». الكتاب صادر عام 1973 في نحو خمسمائة صفحة. ثانياً كتاب بعنوان «زمن الأنبياء: عقائد العصر الرومانطيقي» الصادر عن «غاليمار» في 589 صفحة من القطع الكبير، وقد نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1978. ثالثاً كتاب بعنوان «القادة الرومانطيقيون» الصادر عن «غاليمار» عام 1988 في 553 صفحة وقد نال جائزة الأكاديمية الفرنسية أيضاً عام 1988. رابعاً كتاب بعنوان «مدرسة الخيبة والمرارات» الصادر عن «غاليمار» عام 1992 في 615 صفحة.
إن هذه الكتب الأربعة الضخمة المتلاحقة بعضها وراء بعض تمثل تحفة نقدية فكرية من أروع ما يكون. إنها توضح لنا كيف حل الشاعر أو الكاتب أو الفيلسوف محل الكاهن أو رجل الدين في فرنسا الحديثة التي تشكلت بعد الثورة الفرنسية. ولكنّ ذلك لم يحصل دفعة واحدة وإنما على دفعات متتالية طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. عندئذ حلت الثقافة الروحية العلمانية محل الثقافة الدينية الكهنوتية لرجال الدين الأصوليين. كيف حصلت هذه العملية الهائلة التي تمثل قطيعة الحداثة؟ وهل كان مخاض الحداثة صعباً، مراً، عسيراً؟ بمعنى آخر: كيف حل الفكر العلماني الحداثي التقدمي محل الدوغمائيات المتحجرة للأصولية الكنسية القديمة؟ ثم أخيراً: كيف نهض البنيان الجديد على أنقاض العالم القديم؟ هذه هي بعض التساؤلات الكبرى التي يطرحها هذا الناقد الفذ الذي غطت على شهرته صرعة البنيوية الشكلانية الفارغة والعقيمة في نهاية المطاف. ينبغي العلم أن هذه التساؤلات تخص المثقف العربي بالدرجة الأولى حالياً. وذلك لأننا سوف نشهد ذات الظاهرة أو ما يشبهها عما قريب. سوف نشهد ذات المخاض الطويل العسير. لا يعتقدن أحد أن كلام رجال الدين المتزمتين وشيوخ الفضائيات سوف يظل مهيمناً علينا إلى أبد الآبدين. لا يعتقدن أحد أن فهم الإخوان المسلمين القسري والتوتاليتاري للإسلام سوف يظل مسيطراً على الشارع العربي حتى قيام الساعة! لا يعتقدن أحد أن دين «لا إكراه في الدين» سوف يظل مفهوماً بشكل مضاد لروحه وجوهره. كل هذا سوف يتم تكنيسه في السنوات القادمة عندما ينتصر الفهم التنويري للإسلام على الفهم الظلامي. عندئذ سوف يحل المثقف الحداثي أو الفيلسوف العربي محل الشيخ التقليدي المهيمن على العقلية الجماعية منذ مئات السنين. عندئذ سوف ينتصر المثقفون العرب على شيوخ الفضائيات. وسوف يشرحون الدين الحنيف بطريقة مختلفة كلياً: أي طريقة متجددة، حرة، منعشة. عندئذ سوف يحل محمد أركون محل محمد عمارة، أو حسن حنفي محل يوسف القرضاوي، أو العقاد محل حسن البنا، أو طه حسين محل سيد قطب، إلخ. هنا يكمن الرهان الأعظم لكل ما يحصل حالياً. وراء الأكمة ما وراءها. لو أننا ترجمنا كتب بول بنيشو لكنا عرفنا كيف حصلت نقلة الحداثة بكل تجلياتها ومراحلها وتعقيداتها. وهي نقلة أو قطيعة سوف تحصل عندنا أيضاً مثلما حصلت في أوروبا قبل مائتي سنة. ولكنّ هذا لا يعني أن حداثتنا ستكون نسخة طبق الأصل عن حداثة أوروبا! ولا يعني أن الثورة الفرنسية هي النموذج الأوحد للتغيير. فنحن لسنا بحاجة إلى مقصلة وعنف ودماء غزيرة تملأ شوارع عواصمنا كما ملأت شوارع باريس. هناك طرق أخرى للتغيير. هناك أسلوب الإصلاح المتدرج والحكم الرشيد على الطريقة الإنجليزية مثلاً. أكتب هذه الكلمات وأنا أشهد بأم عيني كيف اعتلى الملك المحترم المحبوب تشارلز الثالث عرش إنجلترا في أعرق دولة ديمقراطية في العالم.
لكن لنعد إلى فرنسا. من المعلوم أن قادة الحركة الشعرية والأدبية الفرنسية من أمثال لامارتين وألفريد دو فيني وفيكتور هيغو وسواهم رافقوا الثورة الفرنسية وأحداثها الضخمة أو قلْ تلوها مباشرة. بمعنى آخر فإنهم شهدوا احتضار العالم القديم وولادة العالم الجديد على أنقاضه. لقد انعكس زلزال الثورة الفرنسية على أدبهم شعراً ونثراً. ويمكن القول دون مبالغة إن الثورة الفرنسية كانت زلزالاً كبيراً على الصعيد السياسي وإن نتاجهم كان زلزالاً كبيراً على المستوى الشعري والأدبي والفكري. زلزال الفكر استبق على زلزال السياسة. ولكن ماذا حصل مؤخراً في العالم العربي؟ العكس تماماً. انتفاضات شعبية عارمة تُوِّجت بحكم إخوان مسلمين! وهم يعدون ذلك ثورة مجيدة! بل يعدون إفشالها بمثابة ثورات مضادة! يا إلهي كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها...؟
على أي حال لم يكن فيكتور هيغو شاعراً فقط بالمعنى الفني والغنائي الرائع للكلمة وإنما كان أيضاً مفكراً اجتماعياً وسياسياً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. وإلا فما معنى رواية «البؤساء»؟ عندئذ أصبح الشاعر هو القائد الرائد لأمة بأسرها. الشاعر الكبير ذو حدس نبوئي استشرافي يمهد للشعب الطريق. ومعلوم أنه كان ضد الكهنة والمطارنة والخوارنة لأنهم كانوا يمثلون حزب الرجعية والجمود في وقته. هذا لا يعني أنه كان ملحداً. أبداً، أبداً. كان يقول: «أؤمن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي»! إنه إله الحق والعدل والخير والجمال. وبالتالي فمعاداة الأصولية الظلامية لا تعني الإلحاد كما يتوهم الكثيرون وإنما تعني الإيمان بشكل آخر، شكل جديد لا قمعي ولا إكراهي ولا ظلامي. «لا إكراه في الدين» كما يقول القرآن الكريم. كان فيكتور هيغو ناقماً على رجال الدين في عصره بسبب تزمتهم وتحجرهم وتكالبهم على الأرزاق والأموال. فيما بعد سوف يتطورون ويستنيرون كثيراً ولكن ليس في عصره. فيما بعد سوف تتصالح المسيحية مع الحداثة بعد صراع طويل ومرير. وهذه هي أكبر ثورة روحية وفكرية تحصل في التاريخ البشري. انظروا إلى البابا فرنسيس الذي يمثل أحد الضمائر الكبرى لعصرنا. لا يوجد أي أثر للتزمت الديني أو التكفير اللاهوتي لديه وإنما العكس هو الصحيح. إنه يفهم الدين بشكل مستنير منفتح ويمد يده بكل صدق إلى عالم الإسلام ويوقّع على «وثيقة الأخوة الإنسانية» مع شيخ الأزهر في أبوظبي.
يقصد المؤلف بأطروحته الأساسية أن هيبة الشعراء والكتاب والفلاسفة حلت محل هيبة الكنيسة والكهنة والمطارنة في القرن التاسع عشر. ولكنّ المشكلة هي أنه ليس من السهل أن تحل سلطة روحية جديدة محل سلطة روحية قديمة راسخة الجذور منذ مئات السنين. ومعلوم أن سلطة الكنيسة كانت مهيمنة على العقول في فرنسا وعموم أوروبا منذ 1500 سنة على الأقل. وكانت تُشعر الناس بالسكينة والطمأنينة وبخاصة عندما يُبتلون بالمصائب والويلات والفقر والجوع والأمراض.
ولذلك فإن انهيار هيبة الأصولية المسيحية ترك فراغاً كبيراً بل أحدث هلعاً في النفوس. وقد حاول الشعراء والكتاب والفلاسفة الكبار سد الفراغ ومعالجة الوضع بقدر الإمكان. ولذلك يمكن القول إن الشعر حل محل الدين إلى حد ما بعد زلزال الثورة الفرنسية. لقد حل محله كعزاء للنفوس الحائرة، النفوس القلقة الضائعة.
أخيراً للحقيقة والتاريخ، ينبغي أن نضيف ما يلي: الدين لم ينته كلياً في أوروبا والغرب كله على عكس ما نتوهم. وإنما الشيء الذي حصل هو أن المسيحية الليبرالية المستنيرة حلت محل المسيحية الأصولية القديمة كما ذكرنا سابقاً. ولهذا السبب اطمأنت الروح الأوروبية بعد أن كانت قد تخلخلت وتزعزعت وارتعبت إلى أقصى حد ممكن بسبب زلزال الثورة الفرنسية. وبالتالي فالدين لم ينتهِ في عصر الحداثة وإنما انتهى فقط مفهومه التكفيري الظلامي والطائفي المتعصب. انتهت محاكم التفتيش والحروب الطائفية الكاثوليكية - البروتستانتية الرهيبة التي ذهب ضحيتها الملايين. انتهى عصر التكفير الداعشي، إذا جاز التعبير. وهذا أعظم إنجاز حققه عصر التنوير الكبير وكذلك الثورة الفرنسية على أثره. وهذا ما سيحصل في العالم العربي يوماً ما. سوف يحل الإيمان الذي يُنعش محل الإيمان التكفيري الذي يقتل. لقد توقفت مطولاً عند هذه الإشكالية الكبرى في كتابي الصادر مؤخراً عن «دار المدى» في بغداد - العراق بعنوان «الإسلام في مرآة المثقفين الفرنسيين».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.