كيف انتصر المثقف التنويري على المثقف الأصولي في فرنسا؟

هيبة الشعراء والكتاب والفلاسفة حلت محل هيبة الكهنة والمطارنة في القرن التاسع عشر

فيكتور هيغو -  بول بنيشو
فيكتور هيغو - بول بنيشو
TT

كيف انتصر المثقف التنويري على المثقف الأصولي في فرنسا؟

فيكتور هيغو -  بول بنيشو
فيكتور هيغو - بول بنيشو

يعد بول بنيشو أحد كبار النقاد الفرنسيين في القرن العشرين. ولكن الشهرة في العالم العربي ذهبت إلى رولان بارت وغطت عليه بل طمسته كلياً. وهذا ظلم كبير في الواقع بل خطأ فادح. لماذا أقول ذلك؟ لأن مؤلفات بول بنيشو لا تقل أهمية عن مؤلفات رولان بارت هذا إن لم تزد فيما يخص شرح كيفية ولادة الحداثة وانتصارها على القدامة في فرنسا. وهذا موضوع يهم المثقف العربي أيضاً، بل إنه موضوع الساعة. علاوة على ذلك فإن هذا الناقد الكبير يشرح لنا كيف تغلبت المسيحية الليبرالية التنويرية على المسيحية الأصولية الظلامية بعد معارك طاحنة وجهد جهيد. إن الاطلاع على مؤلفات هذا الناقد الفذ يساعدنا على فهم التحولات التي طرأت على الأدب الفرنسي في مرحلة حاسمة من تاريخه. ومعلوم أن هذا الرجل عاش عمراً مديداً بين عامي 1908 – 2001 (أي 92) سنة. وقد أمضى جل حياته في دراسة الشعراء والأدباء والمفكرين الذين عاصروا التحولات الكبرى التي صنعت فرنسا الحديثة من أمثال: شاتوبريان، وأوغست كونت، ولامارتين، وفيكتور هيغو، وألفريد دو فيني، وجيرار دو نيرفال، وألفريد دو موسيه، وآخرين كثيرين. وهو لا يدرس هؤلاء الشعراء الكبار من الناحية الفنية أو الجمالية فقط وإنما أيضاً من الناحية الآيديولوجية والسياسية. فالشعر ذو مضمون فكري أيضاً وليس فقط جماليات تطربنا وتنعشنا. إنه يشرح لنا كل ذلك بالتفصيل من خلال كتبه المتلاحقة التالية: أولاً كتاب بعنوان «سيامة الكاتب الحديث وانتصاره على الكاهن القديم بين عامي 1750 - 1830: دراسة عن استهلال عهد سلطة روحانية علمانية في فرنسا». الكتاب صادر عام 1973 في نحو خمسمائة صفحة. ثانياً كتاب بعنوان «زمن الأنبياء: عقائد العصر الرومانطيقي» الصادر عن «غاليمار» في 589 صفحة من القطع الكبير، وقد نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1978. ثالثاً كتاب بعنوان «القادة الرومانطيقيون» الصادر عن «غاليمار» عام 1988 في 553 صفحة وقد نال جائزة الأكاديمية الفرنسية أيضاً عام 1988. رابعاً كتاب بعنوان «مدرسة الخيبة والمرارات» الصادر عن «غاليمار» عام 1992 في 615 صفحة.
إن هذه الكتب الأربعة الضخمة المتلاحقة بعضها وراء بعض تمثل تحفة نقدية فكرية من أروع ما يكون. إنها توضح لنا كيف حل الشاعر أو الكاتب أو الفيلسوف محل الكاهن أو رجل الدين في فرنسا الحديثة التي تشكلت بعد الثورة الفرنسية. ولكنّ ذلك لم يحصل دفعة واحدة وإنما على دفعات متتالية طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. عندئذ حلت الثقافة الروحية العلمانية محل الثقافة الدينية الكهنوتية لرجال الدين الأصوليين. كيف حصلت هذه العملية الهائلة التي تمثل قطيعة الحداثة؟ وهل كان مخاض الحداثة صعباً، مراً، عسيراً؟ بمعنى آخر: كيف حل الفكر العلماني الحداثي التقدمي محل الدوغمائيات المتحجرة للأصولية الكنسية القديمة؟ ثم أخيراً: كيف نهض البنيان الجديد على أنقاض العالم القديم؟ هذه هي بعض التساؤلات الكبرى التي يطرحها هذا الناقد الفذ الذي غطت على شهرته صرعة البنيوية الشكلانية الفارغة والعقيمة في نهاية المطاف. ينبغي العلم أن هذه التساؤلات تخص المثقف العربي بالدرجة الأولى حالياً. وذلك لأننا سوف نشهد ذات الظاهرة أو ما يشبهها عما قريب. سوف نشهد ذات المخاض الطويل العسير. لا يعتقدن أحد أن كلام رجال الدين المتزمتين وشيوخ الفضائيات سوف يظل مهيمناً علينا إلى أبد الآبدين. لا يعتقدن أحد أن فهم الإخوان المسلمين القسري والتوتاليتاري للإسلام سوف يظل مسيطراً على الشارع العربي حتى قيام الساعة! لا يعتقدن أحد أن دين «لا إكراه في الدين» سوف يظل مفهوماً بشكل مضاد لروحه وجوهره. كل هذا سوف يتم تكنيسه في السنوات القادمة عندما ينتصر الفهم التنويري للإسلام على الفهم الظلامي. عندئذ سوف يحل المثقف الحداثي أو الفيلسوف العربي محل الشيخ التقليدي المهيمن على العقلية الجماعية منذ مئات السنين. عندئذ سوف ينتصر المثقفون العرب على شيوخ الفضائيات. وسوف يشرحون الدين الحنيف بطريقة مختلفة كلياً: أي طريقة متجددة، حرة، منعشة. عندئذ سوف يحل محمد أركون محل محمد عمارة، أو حسن حنفي محل يوسف القرضاوي، أو العقاد محل حسن البنا، أو طه حسين محل سيد قطب، إلخ. هنا يكمن الرهان الأعظم لكل ما يحصل حالياً. وراء الأكمة ما وراءها. لو أننا ترجمنا كتب بول بنيشو لكنا عرفنا كيف حصلت نقلة الحداثة بكل تجلياتها ومراحلها وتعقيداتها. وهي نقلة أو قطيعة سوف تحصل عندنا أيضاً مثلما حصلت في أوروبا قبل مائتي سنة. ولكنّ هذا لا يعني أن حداثتنا ستكون نسخة طبق الأصل عن حداثة أوروبا! ولا يعني أن الثورة الفرنسية هي النموذج الأوحد للتغيير. فنحن لسنا بحاجة إلى مقصلة وعنف ودماء غزيرة تملأ شوارع عواصمنا كما ملأت شوارع باريس. هناك طرق أخرى للتغيير. هناك أسلوب الإصلاح المتدرج والحكم الرشيد على الطريقة الإنجليزية مثلاً. أكتب هذه الكلمات وأنا أشهد بأم عيني كيف اعتلى الملك المحترم المحبوب تشارلز الثالث عرش إنجلترا في أعرق دولة ديمقراطية في العالم.
لكن لنعد إلى فرنسا. من المعلوم أن قادة الحركة الشعرية والأدبية الفرنسية من أمثال لامارتين وألفريد دو فيني وفيكتور هيغو وسواهم رافقوا الثورة الفرنسية وأحداثها الضخمة أو قلْ تلوها مباشرة. بمعنى آخر فإنهم شهدوا احتضار العالم القديم وولادة العالم الجديد على أنقاضه. لقد انعكس زلزال الثورة الفرنسية على أدبهم شعراً ونثراً. ويمكن القول دون مبالغة إن الثورة الفرنسية كانت زلزالاً كبيراً على الصعيد السياسي وإن نتاجهم كان زلزالاً كبيراً على المستوى الشعري والأدبي والفكري. زلزال الفكر استبق على زلزال السياسة. ولكن ماذا حصل مؤخراً في العالم العربي؟ العكس تماماً. انتفاضات شعبية عارمة تُوِّجت بحكم إخوان مسلمين! وهم يعدون ذلك ثورة مجيدة! بل يعدون إفشالها بمثابة ثورات مضادة! يا إلهي كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها...؟
على أي حال لم يكن فيكتور هيغو شاعراً فقط بالمعنى الفني والغنائي الرائع للكلمة وإنما كان أيضاً مفكراً اجتماعياً وسياسياً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. وإلا فما معنى رواية «البؤساء»؟ عندئذ أصبح الشاعر هو القائد الرائد لأمة بأسرها. الشاعر الكبير ذو حدس نبوئي استشرافي يمهد للشعب الطريق. ومعلوم أنه كان ضد الكهنة والمطارنة والخوارنة لأنهم كانوا يمثلون حزب الرجعية والجمود في وقته. هذا لا يعني أنه كان ملحداً. أبداً، أبداً. كان يقول: «أؤمن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي»! إنه إله الحق والعدل والخير والجمال. وبالتالي فمعاداة الأصولية الظلامية لا تعني الإلحاد كما يتوهم الكثيرون وإنما تعني الإيمان بشكل آخر، شكل جديد لا قمعي ولا إكراهي ولا ظلامي. «لا إكراه في الدين» كما يقول القرآن الكريم. كان فيكتور هيغو ناقماً على رجال الدين في عصره بسبب تزمتهم وتحجرهم وتكالبهم على الأرزاق والأموال. فيما بعد سوف يتطورون ويستنيرون كثيراً ولكن ليس في عصره. فيما بعد سوف تتصالح المسيحية مع الحداثة بعد صراع طويل ومرير. وهذه هي أكبر ثورة روحية وفكرية تحصل في التاريخ البشري. انظروا إلى البابا فرنسيس الذي يمثل أحد الضمائر الكبرى لعصرنا. لا يوجد أي أثر للتزمت الديني أو التكفير اللاهوتي لديه وإنما العكس هو الصحيح. إنه يفهم الدين بشكل مستنير منفتح ويمد يده بكل صدق إلى عالم الإسلام ويوقّع على «وثيقة الأخوة الإنسانية» مع شيخ الأزهر في أبوظبي.
يقصد المؤلف بأطروحته الأساسية أن هيبة الشعراء والكتاب والفلاسفة حلت محل هيبة الكنيسة والكهنة والمطارنة في القرن التاسع عشر. ولكنّ المشكلة هي أنه ليس من السهل أن تحل سلطة روحية جديدة محل سلطة روحية قديمة راسخة الجذور منذ مئات السنين. ومعلوم أن سلطة الكنيسة كانت مهيمنة على العقول في فرنسا وعموم أوروبا منذ 1500 سنة على الأقل. وكانت تُشعر الناس بالسكينة والطمأنينة وبخاصة عندما يُبتلون بالمصائب والويلات والفقر والجوع والأمراض.
ولذلك فإن انهيار هيبة الأصولية المسيحية ترك فراغاً كبيراً بل أحدث هلعاً في النفوس. وقد حاول الشعراء والكتاب والفلاسفة الكبار سد الفراغ ومعالجة الوضع بقدر الإمكان. ولذلك يمكن القول إن الشعر حل محل الدين إلى حد ما بعد زلزال الثورة الفرنسية. لقد حل محله كعزاء للنفوس الحائرة، النفوس القلقة الضائعة.
أخيراً للحقيقة والتاريخ، ينبغي أن نضيف ما يلي: الدين لم ينته كلياً في أوروبا والغرب كله على عكس ما نتوهم. وإنما الشيء الذي حصل هو أن المسيحية الليبرالية المستنيرة حلت محل المسيحية الأصولية القديمة كما ذكرنا سابقاً. ولهذا السبب اطمأنت الروح الأوروبية بعد أن كانت قد تخلخلت وتزعزعت وارتعبت إلى أقصى حد ممكن بسبب زلزال الثورة الفرنسية. وبالتالي فالدين لم ينتهِ في عصر الحداثة وإنما انتهى فقط مفهومه التكفيري الظلامي والطائفي المتعصب. انتهت محاكم التفتيش والحروب الطائفية الكاثوليكية - البروتستانتية الرهيبة التي ذهب ضحيتها الملايين. انتهى عصر التكفير الداعشي، إذا جاز التعبير. وهذا أعظم إنجاز حققه عصر التنوير الكبير وكذلك الثورة الفرنسية على أثره. وهذا ما سيحصل في العالم العربي يوماً ما. سوف يحل الإيمان الذي يُنعش محل الإيمان التكفيري الذي يقتل. لقد توقفت مطولاً عند هذه الإشكالية الكبرى في كتابي الصادر مؤخراً عن «دار المدى» في بغداد - العراق بعنوان «الإسلام في مرآة المثقفين الفرنسيين».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الدراما المصرية لتجاوز مشاهد «العنف والمخدرات»

أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)
أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)
TT

الدراما المصرية لتجاوز مشاهد «العنف والمخدرات»

أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)
أعمال درامية في النصف الثاني من رمضان (الشركة المتحدة)

تمكنت الدراما المصرية خلال شهر رمضان من اتخاذ خطوات باتجاه تجاوز مشاهد العنف والمخدرات والسلوكيات السيئة والألفاظ النابية التي أدت لانتقادات سابقة وُجهت للدراما من القيادة السياسية بالدولة العام الماضي، في حين أشاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هذا العام بالتقدم الإيجابي الذي حققته الدراما المصرية فيما يتعلق بمستوى البرامج والأعمال الدرامية وتأثيرها على الأسرة المصرية، وطالب بالمزيد من هذا التوجه البنّاء في الأعمال المقدمة للجمهور، وضرورة أن تعكس الدراما قيم المجتمع المصري الراسخة ووعيه الحضاري، وأن تسهم في بناء وجدان وطني يليق بمصر ومكانتها، ويعبر عن رسالتها الثقافية الممتدة عبر العصور. جاء ذلك ضمن خطاب الرئيس في «إفطار الأسرة المصرية».

وثمّنت لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هذه التصريحات، وأكدت اللجنة أهمية استمرار هذا التطور الإيجابي والإبداع خلال المواسم الدرامية المقبلة، والبناء على ما تحقق من خطوات لتعزيز تقديم أعمال درامية أكثر وعياً بقضايا المجتمع، وأكثر التزاماً بالقيم المهنية والفنية، وفق بيان للجنة.

وشهد الموسم الدرامي الرمضاني الحالي طرح ومناقشة عدد من القضايا الاجتماعية المهمة، من بينها قضايا الأطفال، والصحة النفسية، ودمج ذوي القدرات الخاصة في المجتمع، وأشارت لجنة الدراما إلى أن تناول هذه الموضوعات يسهم في زيادة الوعي المجتمعي، وتسليط الضوء على عدد من التحديات الإنسانية والاجتماعية.

اجتماع لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «الدراما الرمضانية هذا العام شهدت تناول موضوعات مختلفة على مدى نحو 35 عملاً درامياً، وشهدت تراجعاً كبيراً في نسبة العنف والتجاوزات التي قد تضر بالمجتمع»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وإن كانت هناك بعض المسلسلات التي تبرز العنف أو العشوائية، أو تعتمد على فكرة البطل الشعبي، فهي قليلة إلى حد كبير. ومن اللافت هذا العام تناول موضوعات مأخوذة عن قصص أو وقائع حقيقية».

ولفت سعد الدين إلى أن «الدراما الرمضانية هذا العام تعد مقبولة وجيدة بنسبة 25 في المائة، وهي نسبة مقبولة وإن كنا نطمح لزيادتها في الفترة المقبلة، لتعكس وعي الفنانين بقضايا المجتمع بشكل أكثر وضوحاً»، على حد تعبيره.

وتقوم لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمناقشة الأعمال الدرامية الرمضانية التي عُرضت خلال النصف الأول من شهر رمضان، وذلك ضمن جهودها لرصد وتقييم ما يقدم للمشاهد المصري، بما يضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأكواد المنظمة للعمل الإعلامي، مع الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والإبداع الفني.

وشهد شهر رمضان هذا العام عرض نحو 40 عملاً درامياً على الشاشات المصرية والمنصات المختلفة، من بينها أعمال «رأس الأفعى»، و«صحاب الأرض»، و«فن الحرب»، و«منّاعة»، و«وننسى اللي كان»، و«الست موناليزا»، و«حد أقصى»، و«علي كلاي»، و«كان ياما كان»، و«أب ولكن»...

بعض الأعمال الدرامية في الموسم الرمضاني الحالي (الشركة المتحدة)

في حين يرى الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، أنه «من الضروري الخروج من الدائرة الضيقة في النظر للأعمال الدرامية التي تقيّم كل مشهد بشكل مستقل، وفق رؤية الجمهور أو انطباعاتهم، وأن تكون هناك معايير أكثر مرونة في التعامل مع الأعمال الدرامية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة الفئات العمرية في التعامل مع الدراما، وذلك من خلال دور الأسرة والأهل في توجيه أطفالهم وحمايتهم، لكن بشكل عام أعتقد أن هذا الموسم الدرامي لم يشهد تجاوزات مثلما كنا نرى في السابق».

وكان الرئيس المصري قد انتقد الموسم الدرامي السابق في 2025، ووجّه بتناول موضوعات تراعي قيم الأسرة المصرية وتبتعد عن العنف والتجاوزات. وتدخلت أكثر من جهة في إنتاج الدراما والعمل الإعلامي لوضع ضوابط للأعمال الدرامية لمراعاة قيم المجتمع.

في السياق، أشادت لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بعدد من الأعمال التي عُرضت خلال النصف الثاني من شهر رمضان، من بينها «حكاية نرجس»، و«اللون الأزرق»، و«فرصة أخيرة»، و«عرض وطلب»، و«النص التاني»، وكذلك المسلسل الإذاعي «مرفوع مؤقتاً من الخدمة». ومن المنتظر أن تصدر اللجنة تقييماً نهائياً بإيجابيات وسلبيات الموسم الدرامي الحالي بعد انتهائه.


مرضى السكري أكثر عرضة للإصابة بالخرف

شخص يجري اختباراً لفحص مستوى السكر في الدم (جامعة كولومبيا البريطانية)
شخص يجري اختباراً لفحص مستوى السكر في الدم (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

مرضى السكري أكثر عرضة للإصابة بالخرف

شخص يجري اختباراً لفحص مستوى السكر في الدم (جامعة كولومبيا البريطانية)
شخص يجري اختباراً لفحص مستوى السكر في الدم (جامعة كولومبيا البريطانية)

أظهرت دراسة أميركية أن مرضى السكري من النوع الأول أكثر عرضة للإصابة بالخرف مقارنة بالأشخاص غير المصابين بالسكري؛ ما يسلّط الضوء على أهمية متابعة صحة الدماغ مع التقدم في العمر.

وأوضح باحثون من جامعة بوسطن أن هذه النتائج تشير إلى الحاجة إلى تطوير استراتيجيات للوقاية من الخرف أو تأخير ظهوره لدى كبار السن المصابين بالسكري، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Neurology».

ويُعدّ السكري من النوع الأول مرضاً مزمناً يحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي خلايا البنكرياس المسؤولة عن إنتاج الإنسولين؛ ما يؤدي إلى نقصه أو انعدامه في الجسم. وغالباً ما يظهر هذا النوع من السكري في مرحلة الطفولة أو الشباب، ويحتاج المرضى إلى حقن الإنسولين يومياً للتحكم في مستويات السكر في الدم.

وأُجريت الدراسة على نحو 284 ألف شخص، بمتوسط عمر بلغ 64 عاماً، من بينهم 5442 مصاباً بالسكري من النوع الأول، ونحو 51 ألف مصاب بالسكري من النوع الثاني.

وتابع الباحثون المشاركين لمدة متوسطة بلغت 2.4 سنة لرصد حالات الإصابة بالخرف، وهو اضطراب تدريجي في الوظائف العقلية يؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، وقد يؤدي إلى صعوبات في التركيز واتخاذ القرارات والتواصل مع الآخرين.

وخلال فترة المتابعة، أصيب 2348 شخصاً بالخرف، من بينهم 144 مصاباً بالسكري من النوع الأول (2.6 في المائة)، و942 مصاباً بالسكري من النوع الثاني (1.8 في المائة)، في حين سُجّلت 1262 حالة فقط بين غير المصابين بالسكري (0.6 في المائة).

وبعد وضع عوامل مثل العمر ومستوى التعليم في الحسبان، قدّر الباحثون أن المصابين بالسكري من النوع الأول كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بغير المصابين بالسكري، بينما ارتفع خطر الإصابة إلى الضعف لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني.

وأشار الباحثون إلى أن الدراسات السابقة أثبتت وجود علاقة بين السكري من النوع الثاني وزيادة خطر الخرف، غير أن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا الارتباط قد يكون أقوى لدى المصابين بالسكري من النوع الأول.

وأكد الفريق البحثي أن العلاقة التي توصلت إليها الدراسة هي علاقة ارتباط إحصائي، ولا تعني بالضرورة أن السكري يسبب الخرف بشكل مباشر. كما قدّر الباحثون أن نحو 65 في المائة من حالات الخرف بين المصابين بالسكري من النوع الأول في هذه الدراسة قد تُعزى إلى المرض نفسه.

ورغم ذلك، أشار الفريق البحثي إلى أن السكري من النوع الأول مرض نادر نسبياً؛ إذ يمثل نحو 5 في المائة فقط من إجمالي حالات السكري، ما يعني أنه يسهِم في نسبة صغيرة من إجمالي حالات الخرف على مستوى السكان.

وأكد الفريق أن هذه النتائج تبرز الحاجة الملحّة إلى فهم الآليات التي قد تربط السكري من النوع الأول بزيادة خطر الخرف.


«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)
المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)
TT

«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)
المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (5)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة (الأحد) عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز الأوسكار في الحفل الـ98. معظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وكذلك معظم المرشحين من المخرجين والممثلين وأبناء المهن المختلفة.

أصوات ومواقف

لكنها لم تكن مجرد أمسية عادية. فقد كان التنافس شديداً وصعباً في أكثر من مسابقة من ناحية، كما دخلت السياسة بقوة على الخط من ناحية أخرى.

المخرج والكاتب السينمائي الدنماركي النرويجي يواكيم تراير (أ.ف.ب)

كان ذلك متوقعاً كما ذكرنا في رسالتنا الأخيرة (يوم الأحد)، إذ تزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية. ولم يكن هناك شك في أن معارضة الحرب لدى كثيرٍ من السينمائيين الحاضرين، كما الغائبين، ستكون حاضرة في الحفل كما في بيوت المشاهدين أيضاً (إذ نُقل الحفل مباشرة على محطة «ABC»).

وكما توقع الناقد (كاتب هذه السطور)، خرج فيلم «صوت هند رجب» من الترشيحات بلا جائزة، على الرغم من كونه فيلماً سياسياً مرتبطاً بالأحداث نفسها. غير أن حقيقة أن نوعاً من الهدوء النسبي هيمن منذ أشهر على الوضع الفلسطيني دفعت بفيلم كوثر بن هنية إلى الخلف، جالبة اختيارات بديلة، أبرزها فيلم «قيمة عاطفية» (Sentimental Value) الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي.

مخرج هذا الفيلم، يواكيم تراير، منح الحاضرين ما يشغل بالهم، ولو إلى حين عندما قال: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله مباشرة وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ملخصاً موقفه بالقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة».

الممثل الإسباني خافيير باردِم في حفل توزيع جوائز الأوسكار في مسرح دولبي في هوليوود (أ.ف.ب)

كما كانت هناك كلمات أخرى عن الأطفال وضرورة وضع حد للحروب الدائرة، إضافة إلى جرائم القتل في الشوارع الأميركية.

يمكن إضافة عزوف الممثل شون بن عن الحضور لتسلم أوسكار أفضل ممثل مساند إلى ما سبق من مواقف. وبذلك يصبح الرابع بين الممثلين الذين اختاروا مقاطعة الحفل؛ أولهم كان الممثل الراحل وولتر برينان، ثم جاك نيكولسون ودانيال دي لويس.

الفائزون وبعض الخاسرين

هذا كله كان متوقعاً. لكن ما لم يكن متوقعاً مطلقاً أن يخرج فيلم «مارتي سوبريم» (Marty Supreme) من الحفل بلا أي جائزة، على الرغم من ترشيحه لأكثر من فئة، من بينها أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل كتابة وأفضل تصوير.

حتى بطله تيموثي شالاميه، الذي كان في صدارة توقعات النقاد والمتابعين الأميركيين، لم يحالفه الحظ للفوز بجائزة أفضل ممثل.

سارة مورفي وبول توماس أندرسن مع كارمن رويز دي هويدوبرو في حفل الأوسكار (رويترز)

ليس لأن الفيلم نفسه كان يستحق جائزة، من منظور هذا الناقد على الأقل، بل نظراً إلى كثرة التوقعات التي دارت حوله.

وفي ما يلي أبرز نتائج حفل الأوسكار:

* أفضل فيلم: «معركة بعد أخرى»

كان التنافس الأشد في هذه الفئة بين هذا الفيلم و«خاطئون».

* أفضل مخرج: بول توماس أندرسن عن «معركة بعد أخرى»

كان من الطبيعي أن تذهب هذه الجائزة لمن فاز فيلمه بالأوسكار.

فريق «قيمة عاطفية» في حفل جوائز الأوسكار (أ.ب)

* أفضل فيلم عالمي: «قيمة عاطفية»

حمل هذا الفيلم النرويجي قيمة سينمائية دفعته ليكون في مقدمة الأفلام المنافسة، وفي طليعتها «العميل السري» (البرازيل)، و«صِراط» (إسبانيا)، و«صوت هند رجب» (تونس).

* أفضل ممثل في دور رئيسي: مايكل ب. جوردن

أثنى الممثل على المخرج رايان كوغلر في كلمته قائلاً: «لأنه منحني فرصة الظهور». وكان فيلم «خاطئون» الذي فاز عنه جوردن هو التعاون الخامس بينه وبين كوغلر.

جيسي باكلي الفائزة بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن فيلم «هامنت» (رويترز)

* أفضل ممثلة في دور رئيسي: جيسي باكلي

الفوز الوحيد الذي كان متوقعاً بدرجة كبيرة. نالت الممثلة البريطانية الجائزة عن دورها في «هامنت».

* أفضل ممثل في دور مساند: شون بن

في «معركة بعد أخرى» لعب دور الضابط العسكري اليميني الصارم بجدارة. وكان من بين منافسيه شريكه في الفيلم بينيسيو ديل تورو.

* أفضل ممثلة في دور مساند: إيمي ماديغن عن «أسلحة»

فوز مستحق، رغم أن التوقعات مالت إلى وونمي موساكو عن «خاطئون» وتيانا تايلور عن «معركة بعد أخرى».

* أفضل سيناريو مقتبس: «معركة بعد أخرى»

واحدة من 6 جوائز مختلفة نالها هذا الفيلم.

* أفضل سيناريو أصلي: «خاطئون»

واحدة من 4 جوائز حصدها الفيلم.

* أفضل تصوير: «خاطئون»

المرة الأولى في تاريخ الأوسكار التي تفوز فيها امرأة بجائزة أفضل تصوير سينمائي (أوتوم دورالد أركاباو).

* أفضل فيلم تسجيلي: «مستر نوبدي ضد بوتين»

ديڤيد بورنستين مخرج فيلم «مستر نوبدي ضد بوتين» (أ.ب)

أخرجه ديڤيد بورنستين، ويدور حول معلم مدرسة وثّق البروباغندا الروسية في مطلع الحرب الأوكرانية.

* أفضل توليف: «معركة بعد أخرى»

نفَّذه أندي يورغنسن، وبراعته توازي صعوبة ودقة العمل الذي أنجزه.