ماسون كاري يدحض على طريقته نظرية «موت المؤلف»

مدونته «طقوس فنية» تتعقب سلوكيات المبدعين ولحظات إلهامهم

أغاثا كريستي
أغاثا كريستي
TT

ماسون كاري يدحض على طريقته نظرية «موت المؤلف»

أغاثا كريستي
أغاثا كريستي

لم تعد مسألة ازدهار فنون السرد في عالمنا المعاصر واحدة من المسائل الخلافية التي تستدعي الجدل الصاخب ونصب المتاريس المتقابلة، كما كانت الحال قبل عقود قليلة من الزمن. فأي نظرة متأنية إلى مبيعات الكتب، أو استطلاع للرأي حول الأعمال الأكثر رواجاً، لا بد من أن يفضيا إلى التأكيد من جديد على أن هذه الفنون بالذات هي الديوان الجديد للكوكب الأرضي، وقبلة أنظار المهتمين بالقراءة من سكانه. وإذا كانت ظاهرة الهبوط الجماعي الواسع من «سماء» الشعر نحو «أرض» الرواية، قد باتت من بديهيات الأمور في السنوات القليلة الماضية، فإن اللافت في هذا السياق هو الاهتمام المتزايد بفنون السيرة والبيوغرافيا والرسائل ومذكرات المبدعين والأعلام، التي تبدو من بعض وجوهها أشبه بالارتدادات المتأخرة للزلزال السردي الأصلي. وإذا كان اهتمام القراء المتزايد بالحياة الفعلية للكتاب والمبدعين، يبدو بمثابة رد ضمني على مقولة «موت المؤلف»، فإن ثمة فضولاً موازياً للوقوف على يوميات المشتغلين بالأدب والفكر والفن، وعلى ما يكتنفها من عادات ووقائع وطقوس.
في مقدمة كتابه «طقوس فنية... كيف يعمل المبدعون»، يعترف الكاتب ماسون كاري بأن الصدفة المجردة، مقرونة بعمله الشاق صحافياً محترفاً، هما اللذان يقفان وراء فكرة الكتاب، التي لمعت في رأسه إثر إدراكه المباغت أن كتابته مقالاته تقتصر على ساعات النهار الأولى، وتتحول إلى روتين دوري من الطقوس والممارسات، وأن ما تبقى من نهاره هو مجرد تزجية رتيبة للوقت وإلهاء للنفس بمشاغل وتفاصيل غير جوهرية. وإذ خطر للكاتب الشاب أن يبحث عبر الإنترنت عن جداول عمل زمنية لبعض الرموز المميزة في عالم الكتابة والفكر، فسرعان ما لمعت في رأسه فكرة الاستمرار في مهمته الاستقصائية، وصولاً إلى إصدار الغلة المعرفية التي حصل عليها في كتاب مستقل.
يتناول ماسون كاري في كتابه المثير للفضول، مائة وستين مبدعاً في سائر مجالات الثقافة والفكر والفن، توزعت حيواتهم على القرون الأربعة الماضية من التاريخ. واللافت في هذا السياق أن العودة إلى مؤلفات المبدعين وسيرهم ورسائلهم الشخصية، لم تكن سبيل المؤلف الرئيسي للحصول على ما يريده من المعلومات، بل اعتمد على محركات البحث العملاقة، وأرشيف الصحف والمجلات، والمقابلات، وصفحات النعي الإخبارية... وغيرها من المصادر.
والملاحظ أن كاري؛ الذي حاول العثور على «نسب» طقوسي يربطه بالسلالات الإبداعية المتعاقبة، لم يُلزم نفسه منهجاً صارماً لجمع المعلومات، ولا تقديم مقاربات متماثلة للرموز المختارة؛ بل شاء لكتابه، الذي قرر المترجم تعديله ليصبح «طقوس فنية»، أن يكون خليطاً غير متجانس من أنماط عيش الكتاب وعاداتهم اليومية وهواياتهم وعلاقاتهم بالآخرين وأمزجتهم المتقلبة، فضلاً عن المناخات والظروف الزمانية والمكانية والنفسية، التي تكفل لمشاريعهم الفنية والأدبية أسباب النجاح والتحقق الأمثل.
وقد تكون الأمثولة الأهم التي تقدمها لنا الصفحات الثلاثمائة لكتاب ماسون كاري، هي أن الفوارق بين المبدعين لا تقتصر على الأفكار والأساليب والنظرة إلى الوجود فحسب؛ بل تشمل في الوقت ذاته طقوس الإبداع وزمنه وآلياته، بحيث إن ما يعدّه البعض المناخ النموذجي لمزاولة نشاطهم الأدبي والفني، يرى فيه آخرون مثبطاً معرقلاً لانطلاقتهم ومثبطاً لعزيمتهم. واللافت أيضاً أن بعض الكتاب قد حرصوا على العمل في ظل برامج موقوتة وبالغة الانضباط على امتداد حياتهم الأدبية برمتها، كما هي حال الفيلسوف الفرنسي فولتير الذي اعتاد أن يعمل في سريره لمدة تقارب العشرين ساعة في اليوم، والذي عبر عن التزامه الصارم بروتين عمله الشاق من خلال قوله لأحدهم: «أنا أعشق زنزانتي». وإذ ينوه الكاتب ف. س. بريتش بالجدية الفائقة التي يعمل في ظلها المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون، يخلص من جهته إلى القول إن «كل الرجال العظام يتشابهون. فهم لا يتوقفون عن العمل مطلقاً، ولا يضيعون دقيقة من وقتهم. إنه لأمر مرهق حقاً».


أودن

ولم يكن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بمنأى عن مثل تلك الدقة؛ في كتابته كما في أسلوب حياته، وهو المنتظم في مواعيد النوم والاستيقاظ والكتابة وتناول الطعام واحتساء القهوة ورياضة المشي؛ الأمر الذي يصفه هاينريش هاينه بالقول: «جيران (كانط) أصبحوا يضبطون ساعاتهم على الثالثة والنصف عصراً، مع خروج الفيلسوف اليومي من منزله، وهو يرتدي معطفه الرمادي، ويمسك بيده عصاه الإسبانية». ومثله كان الشاعر البريطاني أودن، الذي لطالما اعتقد أن الحياة المفعمة بالانضباط العسكري هي الشرط الأساسي لإبداعه. وقد لاحظ بعض زواره أن كل ما يقوم به الشاعر، كالأكل والشرب والكتابة والتسوق، وحلّ الكلمات المتقاطعة... وغيرها، أمر محسوب بدقة، وملحقٌ بروتين جامع.
على أن هذا الأسلوب النمطي في العمل، وهذا الانضباط الدقيق في العلاقة مع الزمن، ليسا بالنسبة إلى مبدعين آخرين السبيل الوحيد للوصول إلى الأهداف. فالبعض لم يؤمنوا مطلقاً بالتعاطي مع شياطين الكتابة والفن وفقاً لقاعدة الدوام الوظيفي، أو النظام العسكري الصارم. ولأنهم رأوا في الحياة فرصتهم الثمينة والوحيدة للاستمتاع بمباهج العالم، فقد رفضوا الجلوس على مقاعد الصمت القاتل منتظرين فكرة أو صورة أو قبساً من سماء الإلهام؛ قد لا يجيء أبداً. ولأنهم عدّوا أن لحظة الإلهام هي ابنة الغفلة والمصادفة المحضة، فقد آثروا قذف أنفسهم في لجج المغامرة والفوضى وصخب المشاغل اليومية.
وقد يشعر المرء بكثير من الدهشة والاستغراب حين يعرف أن روائية بالغة الفرادة من وزن أغاثا كريستي، لم تكن تعدّ نفسها كاتبة بالمعنى العميق للكلمة، وأنها حين تُسأل عن مهنتها، كان أول ما يتبادر إلى ذهنها القول إنها ربة منزل. كما تكتب كريستي في مذكراتها أنها استمتعت مع زوجها بكل لحظة عاشتها، ولم تهب الكتابة سوى أوقات متباعدة ومستقطعة، بحيث لم يتوان بعض أصدقائها عن مصارحتها بالقول: «لا نعرف مطلقاً متى تؤلفين كتبك؛ لأننا لم نركِ قط تكتبين، ولا حتى منصرفة لأجل الكتابة».
ثمة من جهة أخرى تباين واسع بين الكتاب والفنانين، فيما يخص الزمان والمكان المواتيين لعملية الإبداع. وإذ يتوزع هؤلاء؛ على المستوى الزمني؛ بين الفترات المختلفة للنهار والليل، فإن ما يلفت القارئ هو أن المبدعين النهاريين يفوقون نظراءهم الليليين على المستوى العددي، وبحدود نحو الضعف. وهو ما يكسر الفكرة الرومانسية النمطية التي تجعل من الكتاب كائنات ليلية بامتياز. وليس من المستغرب تبعاً لذلك أن نعرف أن مبدعين من وزن بتهوفن وهيمنغواي وهنري ميللر وأودن وغونتر غراس وموراكامي، لم يكونوا يعملون إلا في ساعات النهار الأولى، حيث يكون الجسد والذهن في كامل حيويتهما، بينما يتركون الليل للراحة والسهرات الممتعة، أو الرد على رسائل القراء. وقد أعلن توماس مان في هذا الصدد: «كل ما لا يُكتب قبل الظهر، فعليه أن ينتظر إلى اليوم التالي». بينما في الشطر الليلي من العمل، نتعرف إلى فنانين وكتاب كبار من أمثال بيكاسو، الذي كان يجلس للرسم بين الثانية بعد منتصف الليل حتى شروق الشمس، فيما كانت فرناند؛ حبيبته لسبع سنوات، تدور وحيدة حول العمارة التي يقطنها.

ولعل أطرف ما في الكتاب، هو الجانب المتعلق بالطقوس والتقاليد التي حرص كثير من المبدعين على الاستعانة بها لتكون ظهيراً لهم في عملية الخلق الأدبي والفني. وإذا كان بعض هذه التقاليد مألوفاً تماماً، كالإلحاح على التدخين واحتساء القهوة كما كان يفعل كيركغارد وفرويد، أو على تناول الخمر والمخدرات على طريقة لوتريك وسارتر، فإن بعضها الآخر كان أقرب إلى الفانتازيا الغرائبية منه إلى أي شيء آخر، كما هي حال فريدريك شيلر الذي لم يكن يشرع في التأليف إلا بعد أن يشم رائحة الموز المتعفن، أو إديث ستويل التي كانت تؤثر قبل كتابة الشعر أن تتمدد في تابوت شبه مقفل، لكي تمنحها فكرة الموت القدرة على الذهاب إلى أقاصي اللغة، أو مارك توين الذي كان في لحظات التأليف ينفصل بالكامل عن محيطه الخارجي، إلى حد لجوء عائلته إلى النفخ في بوق كان يقتنيه، لإخراجه من غيبوبته.
على أن نجاح ماسون كاري في تحويل كتابه إلى عرض بانورامي مشوق لأنماط حياة العشرات من كتاب العالم وفلاسفته ومفكريه، لا يمنعنا من ملاحظة الطابع العشوائي للعمل، الذي بدا أشبه بكشكول فضفاض من المذكرات ووجوه العيش والنوادر، وقصاصات السيَر التي وفرتها للمؤلف شبكات الإنترنت وتقنيات البحث السريعة. كما أن اكتظاظ الكتاب بهذا الحشد الهائل من الكتاب، لم يترك لمؤلفه الفرصة الكافية لإيلاء كل منهم حقه من الاهتمام، وقد كان بإمكانه أن يكتفي بأربعين اسماً، بدلاً من المائة والستين. إضافة إلى الطابع الاستنسابي للمقاربات، بحيث اقتصر بعضها على بضعة أسطر، ولامس بعضها الآخر حدود الصفحات الثلاث.
وإذ أنوه أخيراً بوجاهة الملاحظات التي أبداها المترجم خالد أقلعي في مقدمة الكتاب، فلا يسعني مع ذلك سوى «استغراب» استغرابه الناجم عن خلو العمل من أي مبدع عربي. والأرجح أن ذلك لا يعود إلى مركزية الثقافة الغربية، ورؤية الغربيين المتشاوفة إلى الثقافات الأخرى فحسب؛ بل لأن كاري جاء إلى التأليف من موقع الصحافي الشغوف بموضوعه، لا من موقع المفكر المتعمق في شؤون الثقافات الإنسانية، كما هي حال بورخيس وتودوروف وأوكتافيو باث... وآخرين غيرهم، خصوصاً أن التغييب المشار إليه لم يقتصر على المبدعين العرب وحدهم؛ بل اتسعت دائرته لتشمل مبدعي العالم الثالث على نحو عام.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».