تفاؤل حذر في الجزائر حول التطبيع مع المغرب

بمناسبة حضور الملك محمد السادس القمة العربية

كلام صورة: العاهل المغربي الملك محمد السادس (رويترز)

كلام صورة: الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (أ.ف.ب)
كلام صورة: العاهل المغربي الملك محمد السادس (رويترز) كلام صورة: الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (أ.ف.ب)
TT

تفاؤل حذر في الجزائر حول التطبيع مع المغرب

كلام صورة: العاهل المغربي الملك محمد السادس (رويترز)

كلام صورة: الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (أ.ف.ب)
كلام صورة: العاهل المغربي الملك محمد السادس (رويترز) كلام صورة: الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (أ.ف.ب)

في حين أبدى متابعون في الجزائر تفاؤلاً بترميم العلاقات بين بلادهم والمغرب، في مناسبة حضور الملك محمد السادس القمة العربية المرتقبة في غضون 6 أسابيع، استبعدت مصادر قريبة من الحكومة الجزائرية، عقد لقاء ثنائي على هامشها، بين الرئيس عبد المجيد تبون والعاهل المغربي، للبحث في إنهاء القطيعة الدبلوماسية بينهما وطرح المشاكل الخلافية للنقاش.
وأثار الخبر المتداول الذي نشرته «الشرق الأوسط» منذ مساء الاثنين، عن مشاركة الملك محمد السادس في القمة المقررة بالعاصمة الجزائرية يومي 01 و02 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فضولاً لدى قطاع من الجزائريين حول احتمال أن تشهد العلاقات بين أكبر بلدين مغاربيين، انفراجة، على إثر قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما العام الماضي، وإنهاء جفاء مستمر منذ عشرات السنين، بسبب خلافهما الحاد حول نزاع الصحراء.
وأكدت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، أن السلطات المغربية «أجرت اتصالات مع دول الخليج لإبلاغها بمشاركة الملك شخصياً في قمة الجزائر العربية». وأبرزت أن «المغرب عمل بتشجيع من حلفائه الخليجيين، على المشاركة على أعلى مستوى في هذا الحدث من أجل ضمان نجاحه». كما أكدت مجلة «جون أفريك» الفرنسية، في عدد أمس، أن الملك محمد السادس سيشارك شخصياً في القمة العربية الـ31. وتساءلت المجلة المهتمة بالأحداث السياسية في القارة السمراء: «هل هي بداية عهد جديد في العلاقات بين الرباط والجزائر؟». وأبرزت بأن حضور الملك المغربي أعمال القمة، «قد يسهم في إزالة التوتر في العلاقات بين البلدين». كما أشارت إلى دعوة الملك، في خطاب عيد العرش أواخر يوليو (تموز) الماضي، إلى تطبيع العلاقات، حينما قال إنه «يتطلع مع الرئاسة الجزائرية حتى يتمكن المغرب والجزائر، من العمل يداً بيد من أجل إقامة علاقات طبيعية». وأكد أن «الشعبين الشقيقين يجمعهما التاريخ والروابط الإنسانية والمصير المشترك».
وتعاملت الجزائر ببرودة شديدة مع هذه الدعوة، وبدا من ردود الصحافة المحلية أنها غير مستعدة لأي خطوة في اتجاه تحسين العلاقات التي شهدت تدهوراً خطيراً منذ الصيف الماضي.
وظهر من خلال تفاعل القراء مع مقال «جون أفريك» المنشور في موقعها الإلكتروني، تفاؤل بطي صفحة التوتر والخلافات التي تسمم العلاقات الثنائية، وكانت سبباً في تجميد «اتحاد المغرب العربي»، الذي لم يعقد قمة على مستوى قادته منذ عام 1994. وقال عبد القادر باشا: «إنه خبر جيد... الاتحاد يصنع القوة. يحيا المغرب العربي الموحد». أما غالي إدريس داودي، فأكد أن «اليوم الذي سيحقق فيه المغرب العربي الوحدة، سنشهد التنمية الكبرى... انقسام مغربنا الكبير لا يخدم إلا الآخرين»، من دون توضيح من يقصد.
وأثار معلقون على هذا الخبر الجدل حول إن «كان الرئيس تبون هو من سيكون في استقبال العاهل المغربي بالمطار حين وصوله»، و«كيف سيكون تصرف قائدي البلدين في اللحظة المنتظرة منذ سنوات طويلة؟»، و«هل ستجمعهما محادثات على انفراد، في القاعة الشرفية لمطار الجزائر العاصمة، أم في قصر الرئاسة؟».
أمام هذا التساؤلات، لا يبدي الدبلوماسيون الجزائريون العاكفون على تحضير القمة، اهتماماً كبيراً. ونقل عن بعضهم أن الخبر «قد يكون بالون اختبار لقياس مدى استعداد الجزائريين لتطبيع العلاقات مع الجار الشقيق». كما أن الصحف المحلية الصادرة أمس، لم تتعامل مع الخبر، وهو مؤشر على أن السلطات لا تريد أن تعطي القضية «أكثر من حجمها»، على أساس أن الأمر يتعلق، في النهاية، بالمشاركة في حدث عربي متعدد الأطراف، وليس بالعلاقات ثنائية.
وكان ملك المغرب قد شارك في القمة العربية التي عقدت في الجزائر عام 2005، وتجول في أهم شوارع عاصمتها، لكن لم تجمعه محادثات مع الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

السودانيون يخشون تهميش أزمتهم بعد اشتعال حرب إيران

الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودانيون يخشون تهميش أزمتهم بعد اشتعال حرب إيران

الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء قصف في بدايات الحرب السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع تحوُّل أنظار العالم إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وتبعاتها السياسية وآثارها الاقتصادية، يخشى كثير من السودانيين تهميش أزمتهم، بسبب تحوّل الاهتمام الإقليمي والدولي نحو أزمات أكبر في المنطقة.

ومن الحروب التي ابتعدت عن دائرة الضوء بعدما أعادت الحرب الإيرانية ترتيب الأولويات على الساحة الدولية، تلك الدائرة في السودان، على الرغم من أنها لم تقِل عنفاً ولا تكلفة إنسانية.

وتراجع الملف السوداني إلى الخلف، أو على الأقل لم يعُد بالإلحاح نفسه في نظر العواصم المؤثرة، على نحو أثار قلق فاعلين ومحللين سودانيين، وإن اختلفوا في تفسير حجم الأمر وطبيعته، بين من يرى أن السودان «بات في ذيل قائمة الاهتمام بالفعل»، ومن يعتقد أن ملفه لم يُهمل تماماً، بل أُعيد تمريره إلى فاعلين إقليميين مع انشغال القوى الدولية بحرب إقليمية أوسع.

لكنّ قراءات المحللين تُجمع على أن الحرب على إيران ليست شأناً بعيداً عن السودان؛ بل هي عامل مباشر في إعادة تشكيل البيئة السياسية والإقليمية التي تتحرك داخلها الحرب السودانية.

«على الهامش»

ويرى رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان - التيار الثوري»، ياسر عرمان، أن الحرب الإيرانية أعادت تموضع الحرب السودانية التي تفجرت بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، بحيث أصبحت «في ذيل الاهتمام الإقليمي والدولي فيما يتعلق بأجندة السلام».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال مشاركته منسوبي الشرطة في الخرطوم إفطارهم الرمضاني (مجلس السيادة السوداني)

وقال إن انشغال دول مؤثرة في ملف السودان بالصراع الجديد، يباعد بينها وبين تكريس طاقتها للبحث عن تسوية للأزمة السودانية.

ويُعبِّر هذا الحديث عن شعور متزايد داخل الأوساط السودانية بأن الحرب الداخلية، التي كانت أصلاً تعاني ضعف الضغط الدولي الجاد لإنهائها، أصبحت الآن أكثر عرضة لأن تُترك على الهامش، بينما تنشغل القوى الكبرى بأزمة أخطر على الأمن والاقتصاد بالمنطقة والعالم.

ويشير عرمان إلى ما يجري في وضع السودان الجيوسياسي، قائلاً: «الحرب التي اندلعت مؤخراً ذات صلة بالجغرافيا السياسية للسودان، خصوصاً أنه يطل على البحر الأحمر، ما يجعل السودان جزءاً من أزمات الإقليم الأكبر. ومن المؤكد أن الحرب سترتب وتعيد نظم الأوضاع الإقليمية والدولية، مما يطرح أسئلة جدية حول وحدة السودان وسيادته».

ويشير أيضاً إلى تأثير قضية الطاقة ومشتقاتها على السودان وأطراف الحرب وبلدان الجوار، قائلاً إنها «تطرح أسئلة في ظل الأولويات الجديدة حول مدى تأثيرها على الدعم اللوجيستي الخارجي الذي تتلقاه أطراف الحرب».

الفاعلون الإقليميون

أما المحلل السياسي حاتم إلياس، فيقدم قراءة مختلفة نسبياً، إذ يقول إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران لم تأتِ بغتة، وإنما سبقتها مؤشرات دولية كثيرة مهدت لتمرير الملف السوداني إلى فاعلين إقليميين.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الانشغال الدولي بطبيعة الصراع الجديد وخطورته على الأمن والسلم العالمي، وتداعياته الاقتصادية المحتملة، يدفع إلى إعادة توزيع الأدوار، بحيث تتولى أطراف إقليمية مواصلة بعض ما بدأته «الآلية الرباعية الدولية»، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر.

ويستدل على وجهة نظره بتحركات إقليمية؛ مثل زيارة قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى العاصمة الأوغندية كمبالا، معتبراً أن هذا النوع من التحركات يشير إلى انتقال بعض أعباء المتابعة السياسية واللوجيستية إلى أطراف أفريقية، ريثما يعود «الفاعل الأصلي» إلى الملف.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو يحيِّي حشداً خلال تجمع في ولاية نهر النيل بالسودان - يوليو 2029 (أ.ب)

ولا تنفي رؤية إلياس تراجع الملف السوداني في سلم الأولويات، لكنها ترفض وصف ما جرى بأنه غياب كامل للاهتمام، وتفتح باباً لفهم آخر مفاده أن «الحرب الإقليمية لم تُسقط الملف السوداني، لكنها أخرجته من الصدارة، ودفعت به إلى دائرة المعالجة غير المباشرة، عبر فاعلين إقليميين أقل وزناً من القوى الدولية المنشغلة الآن بأزمة أكبر».

سلم الأولويات

أما عبد الناصر علي الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيربط بين الحرب السودانية والحرب الإقليمية من زاوية أعقد تركيباً، فهو يرى أن حرب السودان منذ اندلاعها دخلت ضمن التأثيرات والتفاعلات الدولية التي كوَّنت مع الوقت محاور إقليمية ودولية واضحة.

وقال الفكي لـ«الشرق الأوسط»، إن البحث عن حل للأزمة السودانية، حتى قبل حرب الشرق الأوسط، كان يأتي في مرتبة متأخرة من الأولويات. وتابع: «اتساع الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية أدى لتراجع التفاعل الإقليمي والدولي مع السودان، بموازاة المخاطر على الممرات المائية، خصوصاً مضيق هرمز والبحر الأحمر، وبسبب ما يحمله من آثار على الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة».

وأضاف: «اتساع رقعة الحرب يعزز نزعة الانكفاء على الشأن الوطني لدى كثير من الدول، ويدفعها إلى التركيز على حماية حدودها ومصالحها وممراتها المائية، بدلاً من استهلاك قدر أكبر من الجهد في ملفات مثل السودان».


«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
TT

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)
أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)

سادت حالة من التباين في أوساط الليبيين حيال مسلسل «القرار»، الذي يستحضر الحرب التي خاضتها قوات «الجيش الوطني» في شرق البلاد ضد الجماعات المتشددة بين عامي 2014 و2018.

المسلسل الذي عَرضت حلقاته الأولى قناة «تلفزيون بنغازي» المحلية في النصف الثاني من شهر رمضان، رآه مؤيدوه توثيقاً درامياً لمعركة طويلة ضد «الإرهاب»، فيما عدَّه منتقدوه سردية أحادية تعكس رؤية طرف واحد من الصراع الليبي، خصوصاً أنه من إنتاج «الشؤون المعنوية للجيش الوطني».

ويأتي عرض المسلسل في سياق سياسي لا يزال يتسم بالانقسام بين شرق ليبيا وغربها، وهو ما انعكس سريعاً على ردود الفعل حول العمل الذي كتبه وأخرجه المصريان عمر عبد الحليم وياسر سامي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي وصفحات سياسية ليبية إلى ساحات سجال حول محتواه ورسالته.

يستند العمل إلى خلفية «عملية الكرامة» التي أعلنها المشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» في مايو (أيار) 2014 بهدف مواجهة الجماعات المتشددة، ومن بينها تنظيم «داعش» و«مجلس شورى ثوار بنغازي»، التي كانت تنشط في المدينة ومناطق أخرى بشرق ليبيا بعد الفوضى الأمنية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.

وشاركت في العمليات العسكرية حينها وحدات من القوات المسلحة الليبية وقوات مساندة، في معارك امتدت لسنوات وانتهت بإعلان الجيش السيطرة على بنغازي عام 2017 ثم درنة في 2018 بعد مواجهات طويلة.

وقال مخرج المسلسل ياسر سامي إن الجدل الذي أثاره العمل «أمر طبيعي في ظل الانقسام الذي تعيشه ليبيا»، مضيفاً أن الأعمال الفنية التي تتناول أحداثاً حساسة وصراعات عسكرية غالباً ما تتحول إلى مادة خصبة للجدل بين المؤيدين والمعارضين.

وأوضح سامي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل «عمل درامي مستوحى من الحرب على الإرهاب، وهو ما أشار إليه بوضوح تِتر العمل منذ بدايته»، مشيراً إلى أن العمل لا يقتصر على الروايات الرسمية أو المادة التوثيقية، بل يعتمد أيضاً على شهادات أقارب ضحايا الإرهاب الذين عايشوا تلك المرحلة، وقد استمع إليها بنفسه.

المخرج المصري ياسر سامي (حسابه الرسمي عبر فيسبوك)

وأثار المسلسل تفاعلاً واسعاً داخل ليبيا، حيث رأى البعض أنه يسلط الضوء على مرحلة مفصلية من الصراع مع التنظيمات المتشددة. وكتب محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في شرق البلاد، أن «الكرامة ليست قصة ليختزلها مسلسل»، مضيفاً أنها «ملحمة تحتاج إلى عشرات الأعمال الإبداعية للإحاطة بوقائعها وحكاياها»، لكنه اعتبر المسلسل «انطلاقة لسردية الكرامة» في الدراما.

في المقابل، انتقد آخرون في غرب ليبيا العمل بشدة، معتبرين أنه يقدم رواية «غير متوازنة للأحداث». وهاجم الناطق السابق باسم «عملية الكرامة» محمد حجازي المسلسل، ووصفه في مقطع مرئي بأنه «تزوير للتاريخ»، بحسب تعبيره.

كما دخلت بعض الصفحات المحسوبة على تيار المفتي المعزول من البرلمان الصادق الغرياني، والمناوئ لحفتر، على خط الانتقادات، إذ عدَّت صفحة «قناة التناصح» التابعة له أن المسلسل يحاول تقديم صورة دعائية، واستحضرت في المقابل اتهامات بوقوع تجاوزات حقوقية في شرق ليبيا، آخرها اختفاء النائب إبراهيم الدرسي.

وجاء ذلك تعقيباً على أحد المشاهد الدرامية التي تصور ممارسات لعناصر تنظيم «داعش»، حيث يَظهر أحد قادته، ويؤدي دوره الممثل فرج عبد الكريم، وهو يجبر امرأة على الزواج رغم اعتراض أسرتها، في مشهد يهدف إلى إبراز ممارسات التنظيم المتشددة.

ولم تقتصر الانتقادات على خصوم «الجيش الوطني» في غرب البلاد، إذ ظهرت ملاحظات أيضاً في شرق ليبيا، خاصة بشأن طريقة تقديم بعض الشخصيات العسكرية التي تحظى برمزية لدى قطاع من الليبيين. ومن بين هذه الشخصيات اللواء الراحل ونيس بوخمادة، أحد أبرز قادة القوات الخاصة في بنغازي، الذي ارتبط اسمه بالمعارك ضد الجماعات المتشددة.

وعلّق كريم بوخمادة، نجل القائد العسكري الراحل، على مشاهد جسَّد فيها أحد الممثلين شخصية والده، قائلاً إن تصوير أفراد القوات الخاصة وهم يظهرون «بخوف ورعشة» لا يعكس حقيقتهم، مضيفاً أن هذه القوات «لم تتلثم يوماً بهذا الشكل».

كما رأت آمال بوقعقيص أن المسلسل «لم ينصف القائد الراحل بوخمادة»، معتبرة أن أفضل تكريم له ولغيره من القادة العسكريين يكون بإطلاق أسمائهم على الجسور والميادين الجديدة تخليداً لدورهم.

الفنان الليبي فرج عبد الكريم في دور القيادي المتطرف أبو عبيدة (تلفزيون بنغازي)

في مواجهة هذه الانتقادات، شدد مخرج العمل على «ضرورة التمييز بين العمل الوثائقي والعمل الدرامي»، موضحاً أن «الدراما تخضع لرؤية المخرج وطبيعة المعالجة الإنسانية للأحداث، وهو ما يمنح صنّاع العمل مساحة لتقديم الشخصيات وأبعادها الإنسانية، إلى جانب قدر من الخيال الدرامي الموازي للوقائع التاريخية».

وأشار سامي إلى أن الحلقات المقبلة قد تحمل «مفاجآت درامية» يمكن أن تغيّر الانطباع الأول لدى بعض المتابعين، داعياً إلى عدم التسرع في الحكم على العمل قبل اكتمال عرضه، مؤكداً أن التقييم المنصف لأي عمل درامي ينبغي أن يكون بعد متابعة كامل أحداثه.

ومع تواصل الجدل الحاد حول المسلسل، الذي بدا أنه يغزو مجالس الليبيين الخاصة، يرى الباحث التاريخي الليبي فايز ديهوم أنه كان متوقعاً بالنظر إلى حساسية المرحلة التي يتناولها.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تناول هذه الحرب ربما كان من الأفضل أن يتم في إطار فيلم سينمائي يخضع لمراجعة تاريخية دقيقة، بدلاً من تقديمه في شكل حلقات درامية متتابعة».

وأضاف قائلاً إن تقسيم الحدث إلى حلقات قد يفتح الباب أمام جدل سياسي متقطع، خصوصاً مع التطرق إلى تفاصيل لا تزال محل خلاف بين الليبيين، ما قد يُخرج العمل من طابعه الإنساني والملحمي ويحوّله إلى مادة للسجال السياسي المستمر.

ويجمع مسلسل «القرار» ممثلين من ليبيا ودول عربية، ويشارك في بطولته فنانون من بينهم خالد كافو ونورهان أشرف وسلوى المقصبي وفرج عبد الكريم وأحمد صفوت.


الجزائر تشدّد العقوبات على «تمجيد الاستعمار» وتفتح ملف «الاستعباد الجنسي» قانونياً

النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
TT

الجزائر تشدّد العقوبات على «تمجيد الاستعمار» وتفتح ملف «الاستعباد الجنسي» قانونياً

النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على قانون تجريم الاستعمار في نسخته السابقة - 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

عُرض مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، اليوم (الاثنين)، على البرلمان الجزائري للتصويت عليه بعد إلغاء مواد كانت تطالب فرنسا بالاعتذار عن جرائمها ودفع تعويضات.

وقد وُلد المشروع عام 2006، رداً على تشريعات فرنسية في عهد الرئيس الراحل جاك شيراك، تمجد الحقبة الاستعمارية. وبعد عقدين من التجميد والتعثر، وصل مشروع القانون اليوم إلى مرحلة التصويت، متحولاً من مجرد رد فعل سياسي إلى نص قانوني جاهز للنقاش والاعتماد، خصوصاً بعد تدهور العلاقات مع فرنسا في صيف 2024.

وكان «المجلس الشعبي الوطني» قد صادق على المشروع بكل تفاصيله في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلا أن «مجلس الأمة» تحفظ على بندين في النص؛ أحدهما يتناول «مطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائم الاستعمار»، والثاني يتعلق بدفع التعويض عنها.

وعلى أثر هذا «الخلاف» بين غرفتي البرلمان، تم إطلاق «لجنة برلمانية متساوية الأعضاء»، مناصفة بينهما من حيث عدد الأعضاء، للتوصل إلى نص «مقبول» قبل عرضه على التصويت.

اجتماع أعضاء اللجنة متساوية الأعضاء لبحث تعديل قانون تجريم الاستعمار (مجلس الأمة)

وأدخلت «اللجنة» تعديلات مهمة على مشروع قانون تجريم الاستعمار، شملت حذف بعض الأحكام الأساسية وتعديل 7 مواد أخرى.

وبحسب التقرير الذي نشرته بعد إتمام المهمة، أُلغيت المادة الأولى التي كانت «ذات طابع إنشائي»، إضافة إلى المادة العاشرة المتعلقة بـ«التعويض»، وذلك لإبعاد «ملف الذاكرة» عن المطالب المالية، انطلاقاً من مبدأ أن «تضحيات الشهداء لا تقدر بثمن».

كما ألغيت المادة 20 الخاصة بـ«حماية الرموز الوطنية والذاكرة»، لأن هذه الحماية منصوص عليها في «قانون المجاهد والشهيد»، إلى جانب حذف المادة 25 المتعلقة بنهب الأملاك العقارية، وتأميم بعضها من طرف دولة الاحتلال (1830 - 1962).

تشديد عقوبة «الترويج للفكر الاستعماري»

وفيما يتعلق بمسألة «الاعتراف» المنصوص عليها في المادة التاسعة، تقرر حذف مطلب «الاعتذار» منها، والاكتفاء بالمطالبة بـ«الاعتراف الرسمي من طرف فرنسا بجرائمها الاستعمارية»، وهو ما عدَّته «اللجنة منسجماً مع الموقف الرسمي للدولة الجزائرية في هذا الملف»، في إشارة إلى تصريحات سابقة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بهذا الخصوص.

وتم تبسيط وصف «الخيانة» (التعاون مع الاستعمار) في المادة السابعة، بحذف كلمة «العظمى». كما دُمجت المادتان 16 و21 لتحديد عقوبة «تمجيد الاستعمار» بالسجن حتى 5 سنوات، بينما شُددت المادة 17 لتصل العقوبة إلى 10 سنوات لكل من «يروّج للفكر الاستعماري في التعليم أو الإعلام».

كما عُدّل البند 28 من قائمة الجرائم الاستعمارية في المادة الخامسة، مع الإبقاء على «الاغتصاب والاستعباد الجنسي» بوصف ذلك جريمة ثابتة. ويُعدّ إدراج «الاستعباد الجنسي» خطوة غير مسبوقة في القانون الجزائري، إذ ظل هذا الفعل مهملاً لفترة طويلة، باستثناء بعض الإشارات في كتب التاريخ ومقالات صحافية وأدبية.

رئيس البرلمان الجزائري مع أعضاء لجنة صياغة مشروع قانون تجريم الاستعمار - 20 ديسمبر 2025 (البرلمان)

وقال نواب إن حذف هذا البند «يعني تجاهل توثيق أحد أبشع الانتهاكات التي تعرّضت لها الجزائريات أثناء الاستعمار». وأضافت «اللجنة» تعديلاً على المادة 26 لفتح باب المشاركة في «حفظ الذاكرة الوطنية» للمجتمع المدني، وتعديلاً آخر على المادة 15 لضمان احترام كرامة رجال ونساء مقاومة الاستعمار في بداياته في القرن التاسع عشر، والمجاهدين خلال ثورة التحرير (1954 - 1962).

توجيهات عليا باعتماد «نسخة منقحة»

وبحسب مصادر برلمانية، يعود رفض «مجلس الأمة» للنسخة الأصلية من القانون، إلى توجيهات سياسية عليا، تزامناً مع بوادر انفراجة في العلاقات مع باريس؛ وهو ما فُسر بوجود رغبة في الإبقاء على خطوط العودة مع الجانب الفرنسي، وتجنب المواد التي قد تؤدي إلى تصعيد الخلاف بين البلدين.

وانفجرت أزمة خطيرة بين الدولتين في نهاية يوليو (تموز) 2024، إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء؛ فقد سحبت الجزائر سفيرها من باريس فوراً، ولم يعُد إلى منصبه إلى اليوم.

وعلى مدى شهور، تفاقمت المشكلة لتجرَّ معها مشكلات قديمة تخص الهجرة النظامية والسرية، وخلافات «الذاكرة» التي لم تحسم بعد وتخص أرشيف الثورة، ورفات المقاومين الجزائريين خلال القرن التاسع عشر التي تحتفظ بها فرنسا في متاحفها، وما يعرف بـ«أغراض الأمير عبد القادر الجزائري» المحتجزة في قصر بوسط فرنسا، ومطالب أخرى تبدي باريس حيالها تحفظاً شديداً.

كما وقعت أحداث كثيرة في الأشهر الأخيرة، رفعت من حدة التصعيد؛ منها سجن الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال، الذي استعاد حريته منذ 3 أشهر بفضل «تدخل إنساني» من رئيس ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير، إضافة إلى استمرار سجن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المدان بالسجن 7 سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب».

وزير الداخلية الفرنسي خلال زيارته الجزائر الشهر الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وأُطلقت مؤخراً مساعٍ لإيجاد انفراجة في العلاقات، أو على الأقل لوقف التصعيد، تُوجت باتفاق الجانبين على ترتيب زيارة لوزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر، حيث التقى نظيره الجزائري سعيد سعيود الشهر الماضي، وبحث معه استئناف الحوار الأمني حول قضايا الأمن والهجرة في منطقة الساحل وحوض المتوسط، و«أزمة المهاجرين السريين الجزائريين محل أوامر بالطرد من التراب الفرنسي»، حيث تطالب باريس الجزائر باستعادتهم.

الرئيس الجزائري مستقبلاً مرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية سابقاً سيغولين روايال (الرئاسة الجزائرية)

كما زارت الجزائر مطلع العام، سيغولين روايال، الاشتراكية الفرنسية ومرشحة الرئاسة عام 2007، بصفتها رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، في مهمة لتسهيل عودة العلاقات إلى طبيعتها؛ وهي شخصية تحظى بقبول في الجزائر بفضل موقفها المعتدل تجاه الأزمة، على عكس بعض رموز اليمين واليمين المتشدد في فرنسا.