الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»

مقدمة لقلق بات مألوفاً عند المهاجر العربي المعاصر

الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»
TT

الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»

الوطن الملتبس في رواية «الحفيدة الأميركية»

عند اقتراب رواية «الحفيدة الأميركية» لإنعام كجه جي من نهايتها تطالعنا هذه العبارة: «ليس في وسعي سوى أن أكون أميركية. عراقيتي تخلت عني». سنكون في تلك المرحلة من الرواية قد مررنا بكثير من العبارات المشابهة التي تؤكد إشكالية الانتماء بصور مختلفة، أو ما أشير إليه بالوطن الملتبس. ففي هذه الرواية التي صدرت لأول مرة عام 2008 كأنها مقدمة لقلق بات مألوفاً في المهاجر العربي المعاصر: ازدواجية الانتماء. بعد «الحفيدة الأميركية» جاءت رواية إنعام المميزة أيضاً «طشاري» (2013)، وكان من مؤشرات تميز الروايتين صدورهما بترجمات لعدة لغات، وإن تفوقت رواية «الحفيدة» بعدد أكبر، فقد ترجمت إلى الفارسية والصينية والإيطالية إلى جانب الإنجليزية والفرنسية. هذا الانتشار يبرر في تقديري أهمية الموضوع السياسية والإنسانية، كارثة العراق التي تلت مأساة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وما أدى إليه ذلك من تفاقم للهجرة أو «التطشير» كما عبرت إنعام كجه جي بلهجتها العراقية. ذلك التطشير لم يتبقَّ من الشعوب التي لم تعِش مآسيه إلا القليل، لذا هو ظاهرة عالمية بقدر ما هو مأساة مشتركة.
كان من الطبيعي لوضع كالذي نجم عن كوارث الحروب والاحتلال، ومن أقدمها وأسوئها ما عاشه ويعيشه الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال الإسرائيلي، أن تزداد حدة الوعي بإشكاليات الانتماء وأن تتكاثر الأسئلة حول معاني الوطن والهوية. تلك المعاني ليست جديدة بالطبع، فقد عرفتها البشرية منذ تألفت المجتمعات واتضح أن الأكثرية في كل مجتمع إنما كان ائتلافها على حساب أقليات لم تستطع الاندماج، إما لأنها مرفوضة من قبل الأكثرية أو لأنها لم ترغب بالذوبان حفاظاً على هوية. في رواية «الحفيدة الأميركية» تجتمع هذه الإشكاليات، إشكالية التطشير الإنساني الناجم عن الحروب والاحتلال، وإشكالية الانتماء الأقلّي أو الأقلوي. فزينة الأميركية - العراقية هي أيضاً مسيحية من كلدانيي العراق وهي من ثم مأزومة بمأزق مضاعف. المأزق الذي تتمحور حوله الرواية هو أن زينة، (هي راوية الحكاية) التي هاجر أبواها إلى أميركا بعد الاحتلال، تعود إلى العراق مترجمة للجيش الأميركي المحتل طبعاً، وذلك لكي يسهل حصولها على الجنسية الأميركية المشتهاة من قبل المهاجرين إلى الولايات المتحدة عامة. هذا الوضع الصعب تتنقل المترجمة بين مآزقه أو لسعاته الكثيرة بخفة تارة ووعي مأساوي تارة أخرى. تتأتى الخفة من حس كوميدي لاذع وآسر لدى إنعام كجه جي (المقيمة في باريس منذ سنوات). إنه الضحك في قلب العاصفة والقدرة الأسلوبية الفذة على اجتراح الطرافة والابتسامة حيث لا متسع سوى للأسى والبكاء. تعتمد الرواية حيلة الميتافكشن، أو الرواية الصادرة عن وعي معلن بكونها رواية، كما الحال في كثير من روايات ما بعد الحداثة. هنا نجد راوية ومؤلفة ضمنية للرواية، لكني سأعود إلى هذه الحيلة لاحقاً. ما يهمني الآن هو متابعة مسألة الالتباس.
بعودتها إلى العراق مع فرقة من القوات الأميركية تستعيد المترجمة زينة علاقتها بأسرتها وبصفة خاصة جدتها رحمة. تلتقي الحفيدة بالجدة لتواجه غضب المرأة العجوز مما رأته خيانة عظمى ترتكبها حفيدتها العائدة من أميركا. لكن الحفيدة تقابل ذلك باللطف والنكتة حتى وهي ترسم صور المعاناة المنتشرة حولها. تروي الحفيدة أن الجدة رحمة تتذكر زوجها الذي رحل وتركها وحيدة وكيف ظلت تلقي باللائمة عليه وعلى القديسين معاً: «إنها تنقم عليه. حين يضيق خلقها، لأنه راح وخلاها، وتنقم على العذراء والقديسين الذين يتأخرون في الامتثال لمرادها، وتشتم الأولاد الذين تركوها وهجّوا، وتذرف دمعتها الروتينية الجاهزة دائماً وأبداً، ثم تمخط في منشفة صغيرة وتقوم إلى المطبخ».
ومع سعي الحفيدة لاستعادة علاقتها بجدتها تسعى أيضاً إلى استعادة علاقتها بأقاربها، طاووس وعبد المهيمن وحيدر وغيرهم. وحين أعجبت بأحدهم ثم أحبته اتضح أن أمه طاووس كانت قد أرضعتها فلا يجوز لها أن تعيش معه علاقة عاطفية ناهيك بأن تتزوجه. لكن المهم ليس هذا وإنما في علاقة أولئك بالعراق، بالوطن، مقارنة بعلاقة الحفيدة بذلك الوطن: «أنا غريبة حتى عن جدتي، أم أمي. إن حيدر ومهيمن وطاووس أقرب إليها مني لأنهم ظلوا مثلها، عراقيين خلصاً. ذهب ليرة. لا تشوب وطنيتهم جنسية أخرى. يندفع الدم إلى شرايينهم حين يذكر اسم العراق». ثم يتحول وصف العلاقة الجاد إلى سخرية مبطنة من خلال المبالغة في وصف عمق العلاقة التي تربط أولئك بالوطن: «يغنون لبغداد بانخطاف دراويش يدورون حول أنفسهم وأصواتهم غائرة من التهجد. كأنهم مأخوذون إلى نقطة قصية. أرواحهم شاخصة إليها. مدينة السلام، المدورة، الزوراء، موطن ألف ليلة وليلة، بغدااااد قلعة الأسود...»، لكن تلك السخرية التي تصعد في اللغة إلى أدبية مؤثرة سرعان ما تفضي إلى مساءلة لا تهكم فيها: «لم يردني حليبي إلى بغداد. سلختني منها الكارثة وأعادتني إليها الكارثة. فمن له الحق في حسابي؟».
الإجابة عن سؤال الحساب هي الذات طبعاً، ذات الحفيدة، أو ذات الكاتبة من ورائها، فهي التي تحاسب هنا. الرواية كلها، في وجه من وجوهها، حساب تمتزج فيه المأساة بالكوميديا، الجد بالسخرية، الواقع بالحلم. تقول لنفسها مرة مبررة ذهابها مع الجيش الأميركي: «إنها فرصتي لرد الجميل للبلد الذي احتضنني منذ أول الصبا وفتح لي ولأسرتي صدره»، لتعود بعد ذلك تحاسب نفسها على ذلك الرد للجميل حين تتذكر أبيات الشعر واللغة التي كان أبوها يدرسها لأطفاله، حين تتذكر قصيدة «دجلة الخير» للجواهري، فتقارن حماستها للذهاب مجندة أميركية إلى العراق بما في تلك الأبيات من حب للوطن: «هل ذهبت كل تلك الدروس الصباحية عبثاً؟ ألهذا علمني أبي اللغة ودربني على الاهتمام بمخارج الحروف لكي أنتهي مترجمة معتمدة لدى الجيش الأميركي؟».
ينتهي ذلك التردد وتتوارى المحاسبة، أو هكذا يبدو، والرواية تقترب من نهايتها حين ترى المترجمة - المجندة أن ثمة ما يبرر البزة العسكرية التي تلبسها («لكل منا بزته التعيسة التي يرتديها تحت جلده»)، وأن العراقيين لم يروا قيمة لما يفعله الأميركيون. هنا تتخلى الحفيدة عن عراقيتها، أو هكذا تقنع نفسها وهي تخاطب قريبها الذي أحبته وقال لها إنها أخته: «جئنا لنقوم بعمل عظيم، وهم أفسدوا كل شيء. تقيأتم على سلة الورد التي قدمناها إليكم... سأبقى مترجمة الاحتلال ولن أكون أختك. لا بالحليب ولا بالدم. الدم الذي حفر خنادق بيننا، جعلني أقول (نحن وأنتم). ليس في قدرتي سوى أن أكون أميركية. عراقيتي تخلت عني... حاولت أن أكون الاثنتين ولم أفلح».
من الصعب القول من الذي تخلى عن الثاني، أو ربما هكذا تود لنا الراوية، أو إنعام كجه جي، أو المؤلفة التي صنعتها، أن نتساءل. وأظنه التساؤل الذي يقوله أو يخطر ببال كثير ممن تشردوا عن أوطانهم فصارت أوطاناً ملتبسة أو صار الانتماء إليها كذلك.
بقي أن أقول إن حيلة الميتافكشن التي تطالعنا في الرواية، ببناء السرد على راوية ومؤلفة ضمنية، ربما أرادت منها كجه جي أن تخفف من وقع الحرج الناجم عن تساؤلات الرواية أو مضامينها الموجعة. تقول الحفيدة - الراوية: «لذلك لا أرغب في الاستجابة لهذه المؤلفة اللجوج التي تزاحمني على الكومبيوتر وتجلس لصقي، الكتف بالكتف... وأنا لا أريد هذه المؤلفة إلى جواري. أدفعها عني وأتمرد على محاولاتها وأنقر على لمسات تمسح المكتوب على الشاشة». غير أن حضور تلك المؤلفة أضعف في تقديري من أن يكون له دور يذكر، يظل هو الآخر حضوراً ملتبساً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.