قسَم ملكي ومشاورات سياسية في أول أيام «عهد تشارلز»

الملك الجديد عقد لقاءات مع الحكومة وقادة المعارضة عقب تنصيبه

تشارلز الثالث وكاميلا وويليام خلال حفل التنصيب أمس (أ.ف.ب)
تشارلز الثالث وكاميلا وويليام خلال حفل التنصيب أمس (أ.ف.ب)
TT

قسَم ملكي ومشاورات سياسية في أول أيام «عهد تشارلز»

تشارلز الثالث وكاميلا وويليام خلال حفل التنصيب أمس (أ.ف.ب)
تشارلز الثالث وكاميلا وويليام خلال حفل التنصيب أمس (أ.ف.ب)

في حفل تاريخي متجذر في التاريخ، نُصب تشارلز الثالث أمس ملكاً للمملكة المتحدة، وباشر مهامه بلقاء أعضاء الحكومة التي ترأسها ليز تراس والتي شكلتها قبل يوم واحد من وفاة الملكة إليزابيث الثانية، وقادة المعارضة.
وفي مراسم استثنائية نقلتها القنوات للمرة الأولى من داخل قصر «سانت جيمس» بلندن، أكد تشارلز الثالث على مواصلة إرث والدته التي استمرت على العرش سبعين عاماً، مدركاً حجم الواجبات والمسؤوليات «الجسيمة» التي انتقلت إليه. وقال أمام عشرات الأعضاء في «مجلس الملك الخاص»، كان في مقدمتهم ستة رؤساء وزراء بريطانيين سابقين: «إنني أدرك تماماً هذا الإرث العظيم والواجبات والمسؤوليات الجسيمة للسيادة التي انتقلت إلى الآن». وأضاف: «سأعمل جاهداً لاتباع المثال الملهم الذي تم إرساؤه لدعم الحكومة الدستورية والسعي لتحقيق السلام والوئام والازدهار لشعوب هذه الجزر، ودول الكومنولث، والمقاطعات في جميع أنحاء العالم». وتشارلز هو ملك ورئيس الدولة في المملكة المتحدة و14 دولة أخرى، منها أستراليا وكندا ونيوزيلندا وبابوا غينيا الجديدة.

تشارلز الثالث يجتمع مع قادة المعارضة في قصر باكنغهام أمس (أ.ف.ب)

وخلف تشارلز (73 عاماً) والدته بشكل تلقائي بعد وفاتها، لكن «مجلس الملك الخاص» اجتمع أمس لإعلان تنصيبه رسمياً. وكان ابنه ووريث عرشه ويليام، والملكة المرافقة كاميلا، ورئيسة الوزراء الجديدة ليز تراس، ووزيرة اسكتلندا الأولى نيكولا ستورجن، شاهدين على قسمه باحترام الدستور، وحماية كنيسة اسكتلندا، وتوقيع بيان التنصيب.
وخيمت مشاعر الحزن على المراسم التقليدية، فاتشح الملك الجديد وولي عهده والحاضرون بالسواد في غرفة التنصيب المزينة باللونين الذهبي والقرمزي، وخصص تشارلز الثالث الجزء الأول من خطابه لتكريم والدته الملكة، واعتبر رحيلها «خسارة لا تعوض». وقال: «إنه واجبي الأكثر حزناً أن أعلن وفاة أمي الحبيبة، الملكة. أدرك جيداً مدى عمق تعاطفكم والأمة بأسرها، بل أعتقد أنه يمكنني أن أقول العالم برمته تعاطف معي في هذه الخسارة التي لا تعوض والتي أصابتنا جميعاً». وأضاف قائلاً: «إنه أكبر عزاء لي أن أشهد التعاطف الذي عبّر عنه الكثيرون لشقيقتي وإخوتي». وأعلن ملك بريطانيا الجديد يوم الجنازة الرسمية لوالدته، والتي ستنعقد الاثنين 19 سبتمبر (أيلول)، إجازة وطنية.
ولم يغب عن ملك بريطانيا الجديد الإشادة بزوجته كاميلا التي أصبحت تحمل لقب «الملكة المرافقة»، وقال: «شجعني بشدة الدعم المستمر من زوجتي الحبيبة». وكان آخر من حمل هذا اللقب هي «الملكة الأم»، والدة إليزابيث الثانية، التي توفيت في عام 2002 عن 101 عام.

الملك يستقبل تراس ووزراءها في قصر باكنغهام أمس (أ.ف.ب)

وفي أول خطاب يلقيه للأمة بعد وفاة والدته، تعهد الملك الجديد، الجمعة، بخدمة بلاده «بالولاء والاحترام والمحبة». كما أعلن منح ابنه الأكبر ويليام (40 عاماً) لقب أمير ويلز، وهو اللقب الذي ناله الملك تشارلز نفسه لمدة تزيد على 50 عاماً ويناله ورثة العرش بشكل تقليدي. كما أصبحت كاثرين زوجة ويليام أميرة ويلز، وهو اللقب الذي كانت الأميرة الراحلة ديانا آخر من يناله.
وأطلقت وفاة الملكة إليزابيث، عن عمر ناهز 96 عاما الخميس، خططاً مُحكمة وضعت قبل فترة طويلة لفترة حداد وطني وجنازة رسمية يُتوقع أن يشارك فيها العشرات من الزعماء، بينهم الرئيس الأميركي جو بايدن وإمبراطور اليابان ناروهيتو. وبعد الجنازة، ستبدأ العائلة المالكة فترة حداد ستستمر سبعة أيام، ليتم تتويج تشارلز كملك في موعد لاحق لم يتضح بعد، وقد يستغرق شهوراً.

- مشاورات سياسية
وقع الملك تشارلز الثالث وولي عهده وزوجته، وعدة شهود من مجلس الملك الخاص، المعروف كذلك بمجلس الخلافة، بيان التنصيب، الذي تمت تلاوته في لندن السبت، وسيقرأ في كل من إدنبره وكارديف وبيلفاست الأحد.
ويتألف المجلس من هيئة مستشارين خاصة يبلغ عدد أعضائها نحو 670 من كبار الساسة، من بينهم رئيس الحكومة وكبار الوزراء. وتقدم الهيئة المشورة للملوك منذ عصر النورمان، كما أشارت وكالة الصحافة الفرنسية. وإلى جانب النواب المنتخبين، يحضر أعضاء مجلس اللوردات، وأساقفة كنيسة إنجلترا بمن فيهم رئيس أساقفة كانتربري. ويضم المجلس أيضاً اللورد رئيس بلدية لندن، وكبار موظفي الحكومة، والمفوضين الساميين من الدول الأربع عشرة الأخرى التي يتولى فيها الملك منصب رئيس الدولة، وكذلك اللورد رئيس المجلس وهو منصب تشغله بيني موردنت منذ الأربعاء الماضي.
وفيما تتم دعوة جل المستشارين لحفل التنصيب، لا يحضر جميعهم في ضوء المهلة القصيرة والمساحة المحدودة في قاعة التنصيب. وكان من اللافت حضور جميع رؤساء الوزراء السابقين الذين لا يزالون على قيد الحياة، وعددهم ستة، حفل التنصيب، إذ شهدت المملكة المتحدة تغيير رؤساء الحكومة بوتيرة سريعة خلال السنوات الماضية. وانضم كل من جون مايجور وغوردون براون وتوني بلير وديفيد كاميرون وتيريزا ماي وبوريس جونسون، لزملائهم في المجلس في هتاف: «فليحفظ الله الملك».
وبعد توقيع بيان التنصيب، تلا كبير الضباط النبلاء ديفيد وايت، برفقة مسؤولي المراسم الملكية بأزيائهم التقليدية، البيان الرئيسي. وترافقت تلاوة البيان بتحية بالبنادق، فيما اتجه رسل إلى مقر اللورد رئيس بلدية لندن لقراءته بمقر البورصة الملكية.

وزراء الحكومة السابقون لدى حضورهم مراسم التنصيب في قصر «سانت جيمس» أمس (رويترز)

وعقب مراسم التنصيب، توجه كبار النواب، وبينهم تراس وكير ستارمر زعيم المعارضة العمالية، إلى مجلس العموم لأداء قسم الولاء للملك الجديد في جلسة استثنائية. فيما باشر تشارلز الثالث مهامه الملكية رسمياً، واجتمع في قصر باكينغهام بتراس وأعضاء حكومتها، كما عقد جلسة مع ستارمر وإد ديفي وإيان بلاكفورد؛ زعيمي حزب العمال و«الديمقراطيين الأحرار»، وزعيم كتلة «الحزب الوطني الاسكتلندي» في مجلس العموم.
- مراسم تتويج
بيد أن تشارلز الثالث نُصب ملكاً رسمياً للمملكة المتحدة، إلا أن حفل تتويجه قد ينظم على بعد أشهر من اليوم. وجرت العادة ألا يتم تتويج الملك فور وفاة سلفه، احتراماً لفترة الحداد ولإتاحة الوقت لتنظيم الحفل، فإليزابيث الثانية التي أصبحت ملكة في السادس من فبراير (شباط) 1952 يوم وفاة والدها، توجت بعد 15 شهراً في الثاني من يونيو (حزيران) 1953 بحضور أكثر من ثمانية آلاف شخص في كنيسة ويستمنستر.
ويقام الحفل في كنيسة ويستمنستر، ويرأسها كبير أساقفة كانتربري الشخصية الدينية الأولى في الكنيسة الأنغليكانية، والثاني في رئاستها بعد الملك. ويقدم رئيس أساقفة كانتربري الملك الجديد للجمهور، ليؤدي الملك بعد ذلك يمين التتويج التي تعود صياغتها إلى عام 1688، وبموجب هذا القسم، يتعهد رسمياً بأن يحكم شعبه وفقاً للقوانين التي يقرها البرلمان، وبأن يفرض القانون والعدالة «برأفة»، و«يفعل كل ما هو ممكن» من أجل الحفاظ على الكنيسة الأنغليكانية والبروتستانتية.
ثم يمسح أساقفة كانتربري بـ«الزيت المقدس»، ويبارك الملك الجالس على كرسي الملك إدوارد، وهو العرش الذي صنع في عام 1300. ويستخدم في كل تتويج منذ عام 1626. ويتسلم الملك الإشارات الملكية، وأبرزها صولجان ثم التاج الذي يضعه كبير أساقفة كانتربري على رأسه.
وتعد المملكة المتحدة النظام الملكي الوحيد في أوروبا الذي ما زال يستخدم الأزياء والسمات الملكية خلال احتفالات التتويج، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.
ويمثل تاج «سانت إدوارد» الذي صنع في 1661 لتتويج تشارلز الثاني، أبرز هذه السمات، وهو مصنوع من الذهب والفضة والياقوت، ويزن أكثر من كيلوغرامين. أما التاج الإمبراطوري، فيستخدم في نهاية الحفل وخلال الموكب الملكي. وهو مرصع بـ2868 ألماسة، وصنع في 1937 لتتويج الملك جورج السادس. كما يضعه الملك خلال افتتاح الجلسة الافتتاحية السنوية للبرلمان.


مقالات ذات صلة

العلامة التجارية لميغان ماركل تنفصل عن «نتفليكس»

يوميات الشرق ميغان ماركل في لقطة من برنامجها (نتفليكس)

العلامة التجارية لميغان ماركل تنفصل عن «نتفليكس»

بعد موسمين لم ينالا النجاح المنتظر أعلنت منصة البث «نتفليكس» وعلامة دوقة ساسيكس ميغان ماركل «As Ever» إنهاء الشراكة بينهما، وأن الدوقة ستطلق مشروعها بشكل مستقل…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قصر هوليرود هاوس باسكوتلندا (شاترستوك)

الغرف الخاصة للملكة إليزابيث الثانية تفتح أبوابها للزوار للمرة الأولى

تستعد الغرف الخاصة للملكة إليزابيث الثانية في مقر إقامتها الرسمي في اسكوتلندا لفتح أبوابها أمام الجمهور للمرة الأولى، وذلك إحياءً للذكرى المئوية لميلادها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز) p-circle

تقرير: طليقة أندرو بلا منزل وتقيم لدى أصدقائها بعد فضيحة إبستين

تجد سارة فيرغسون، طليقة الأمير البريطاني السابق أندرو، نفسها في وضع معقَّد، بعد عودة الجدل حول قضية الممول الأميركي الراحل جيفري إبستين.تجد سارة فيرغسون، طليقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان يزوران مركز الملك حسين للسرطان برفقة وفد من منظمة الصحة العالمية في عمّان (رويترز)

رسالة الأمير هاري للمتعافين: لا عيب في الإدمان... «شاركوا شجاعتكم»

في إطار زياراته الإنسانية للأردن، وجّه الأمير البريطاني هاري رسالة تضامن واضحة إلى المتعافين، مؤكداً أن الإدمان ليس وصمة عار، بل تحدٍ يمكن تجاوزه بالإرادة.

«الشرق الأوسط» (عمان)
أوروبا الملك البريطاني تشارلز يتحدث مع شقيقه أندرو في لندن (أرشيف - أ.ب) p-circle

وثائق: إبستين ألقى باللوم على تشارلز في تنحي أندرو عن منصبه التجاري

ألقى رجل الأعمال الراحل المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين باللوم على الملك تشارلز في فقدان الأمير البريطاني السابق، أندرو، منصبه مبعوثاً تجارياً للمملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.