«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟

كتاب يكشف مخاطر التدخل اللوغاريتمي في الشؤون الإنسانية

«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟
TT

«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟

«آلة الفوضى»... كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي على سلوكنا وبالعكس؟

في كتابه الموثوق والعاصف عن تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي، المعنون بـ«آلة الفوضى»، يستحضر ماكس فيشر على الدوام فيلم ستانلي كوبريك الرائع: «2001: رحلة فضائية»، من إنتاج عام 1968. وفيه يقتل الكومبيوتر الفائق بكل هدوء رواد الفضاء على متن سفينة متجهة إلى كوكب المشتري. وتتأرجح جماليات الفيلم القاسية والغامضة بصورة مثالية ما بين المدينتين الفاضلة والبائسة، وقصة عن محاولة إصلاح التكنولوجيا الضالة التي خرجت عن السيطرة. ينتقل الافتتاح السينمائي لكتاب فيشر من القاعات المبهرة بمقر «فيسبوك» إلى مشهد للأرض من مرتفعات تأملية؛ فنحن نرى «طغاة بعيدين وحروباً واضطرابات»، ونشهد أعمال شغب مفاجئة، وجماعة متطرفة جديدة، واعتقاداً واسع الانتشار عن وجود مؤامرة غريبة.
والطريقة التي يربط بها الكتاب بين هذه النقاط مقنعة تماماً، ولا بد أن تقضي على أي شكوك حول أهمية التدخل اللوغاريتمي في الشؤون الإنسانية.
يقدم فيشر، الصحافي الذي كان قد نشر تقارير عن العنف المروّع في ميانمار وسريلانكا، روايات مباشرة من كل جانب من الصراع العالمي، مُركزاً جهوده على الدور الذي تلعبه منصات «فيسبوك» و«واتساب» و«يوتيوب»، في إثارة الكراهية «التي تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية». وإلى جانب وصفه للوحشية الممزقة للأعصاب، يعرض فيشر بالتفصيل المعلومات المضللة الشائعة التي تغذيها، والاتهامات المبتكرة، غالباً ضد الأقليات، بالتجسس والقتل والاغتصاب والولع الجنسي بالأطفال. لكنه حريص على عدم افتراض العلاقة السببية، حيث يمكن أن يكون هناك مجرد ارتباط. ويسبر الكتاب غور مسألة ما إذا كانت خصائص معينة من وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولة حقاً عن إثارة الخوف والغضب الجماهيري. إن الاتسام بالغضب الأخلاقي هو واحد من المشاعر الرئيسية التي يرى فيشر أنها تُستغل بشدة من قبل لوغاريتمات ابتكرتها «غوغل» (على «يوتيوب»)، و«ميتا» (على «فيسبوك» و«إنستاغرام» و«واتساب»)، التي اكتشفت قدرتها على جني الأرباح من هذه المشاعر، عبر جعل اللوغاريتمات تعزز التحزب المفرط؛ فالانقسام يقود إلى المشاركة، التي بدورها تعزز إيرادات الإعلانات. ويسهب فيشر في تفحص تطور التقانات السلوكية التي تقود إلى التلاعب بالآخرين بطبيعتها أو عن قصد، وهذا ما ينكره بالطبع أصحاب هذه الشركات.
لكن هذا الإنكار لا يصمد أمام النيات المعلنة لمؤسسي الشركات. لقد كتب مارك زوكربيرغ، في 2017، مقالاً زعم فيه أن صناعة التكنولوجيا سوف تكون مسؤولة عن «الخطوة التالية» التي تتخذها البشرية؛ إذ إن «فيسبوك» سيوفر «البنية الأساسية الاجتماعية» لمرحلة جديدة من العلاقات البشرية.
وأعرب مؤسس شركتي «باي بال» و«بالانتر»، بيتر ثييل، في 2009، عن ميوله المناهضة للديمقراطية بشكل واضح، قائلاً إن المجتمع لا يمكن أن يوكل إلى «العروض الغامضة غير المدروسة»؛ فهو وأقرانه في «مجتمع وادي السليكون»، كما يكتب فيشر، يرون المجتمع «مجموعة من المشاكل الهندسية في انتظار الحل».
قصة هؤلاء الأشخاص الكبار هي قصة الغطرسة والجهل. يتتبع فيشر مسار الثقافة التكنولوجية التي انبثقوا منها، من فضيحة «غيمرغيت» (بشأن حملة مضايقات مثيرة للجدل تركزت حول قضايا، مثل التحيز الجنسي والتقدمية في ثقافة ألعاب الفيديو)، إلى بعض المنتديات الأكثر سُمية على منصات «فورتشان» و«ريديت»، حيث حصل متطرفو «العزوبة غير الطوعية» والنازيون الجدد، من بين آخرين، على أولى إشارات القوة، وشكلوا حركة اليمين المتطرف.
وفي ثقافة تتسم بقدر عظيم من التسامح تجاه التبسيط الفج، فإن أصحاب المليارات من أسياد التكنولوجيا غارقون في أكثر الخرافات المبتذلة المتداولة عن العبقرية. وكما يقول بيتر ثييل: «الرجل الأبيض المتعصب يُظهر عدم أهلية اجتماعية أشبه بمتلازمة (أسبرجر) التي غالباً ما ترتبط في الثقافة الشعبية (على حساب الفهم الحقيقي لظاهرة التوحد) بمواهب شبيهة بملكات العلماء الأفذاذ (متلازمة أسبرجر هي من اضطرابات طيف التوحد، ويتسم المصابون بها بصعوبات جمة في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، على حساب أي فهم حقيقي لطيف التوحد). لكن الأساطير تحجب إخفاقات عميقة.
في المشهد الافتتاحي للكتاب، عندما يدخل فيشر إلى ملعب «فيسبوك»، «المصنوع من الصلب والزجاج»، فإنه يحمل وثائق مسربة تبين سياسات المنصة فيما يتصل بحرية التعبير. ليست هناك قائمة منظمة أو شاملة، بل مجرد عروض منفصلة من تصميم «باور - بوينت»، وجداول بيانات بصيغة «إكسيل»، وردود متفرقة على مسائل جيوسياسية معقدة، وكتيبات إرشادية مستندة إلى مصادر خارجية مع قواعد متناقضة. هذا ما يُزودون به المشرفين على «فيسبوك». ويقول فيشر إن أحد الأسرار الكبرى في مجال التكنولوجيا هو: «لا أحد يعرف تماماً كيفية عمل اللوغاريتمات الحاكمة لوسائل التواصل الاجتماعي». ولا يعول فيشر كثيراً على حقيقة أن هذا المزيج من الغطرسة والجهل موجود بالفعل في العلوم السلوكية التي استغلَّتها المنصات بتهور.
وهو يذكر وجهة نظر زوكربيرغ الساذجة بشكل مذهل: «هناك قانون رياضي أساسي ضمني غير مُعلن للعلاقات الاجتماعية الإنسانية يحكم التوازن بين (من يهتم بنا) و(بماذا نهتم) جميعاً».
في سعي فيشر الدقيق لفهم كيف أن وسائل التواصل الاجتماعي قد «أعادت توجيه عقولنا»، أجرى مقابلات مع العديد من علماء النفس حول دراساتهم الأكاديمية، واكتشف معطيات سوف تُبهر القراء. لكنه لا يتعامل بريبة مع المقدمات النهائية للعلوم التي خلقت التأثيرات الخبيثة لوسائل التواصل الاجتماعي، وتقدم نفسها كحل محتمل لها. ما دام علم النفس قائماً كعلم تطبيقي، فإنه يخدم غرضين: التطبيقات الطبية للأمراض النفسية، والتطبيقات العسكرية في مجال العمليات النفسية.
لكن علماء النفس تبنوا، على نحو متزايد، دور المهندسين الاجتماعيين. ويستغل علم النفس الاجتماعي أشكالاً من اللاعقلانية يمكن التنبؤ بها، من أجل «دفع» الأشخاص صوب اتجاهات معينة، سواء على الإنترنت، أو في العمل، أو في السياسات العامة. يركز علم النفس الإيجابي على الرفاهة والمرونة، بهدف علاج العلل الاجتماعية المتصوَّرة، عبر تعزيز مواطن القوة والفضائل. وتعامل كلا فرعي علم النفس مع البشر باعتبارهم مكونات يمكن التلاعب بها في المجتمعات. ولقد أُجريت أهم الدراسات حول تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي في هذه المجالات. لكن الآليات السببية الأساسية لا تزال غامضة.
إن قوانين السلوك البشري كثيراً ما تكون ذات طبيعة تخمينية، وهي مستمَدّة من فرضيات لا يمكن إثباتها، ويعكس طرح فيشر هذا الأمر تحديداً. القصص الهادفة لإظهار أن الأخلاق هي دافع غريزي تطور في المجتمعات البشرية البدائية، التي ترتبط بـ«المسارات العصبية» المعروفة، قد تبدو في بعض الأحيان غير واقعية على نحو كبير. كما أنها تترك العديد من الأسئلة السببية المهمة بلا حل. في ميانمار، حيث أسفرت مؤامرات وسائل التواصل الاجتماعي عن دعم حملة الجيش القاسية ضد طائفة الروهينغا، يُقر فيشر بأنه «لا يمكن لأي لوغاريتمات أن تولد أو تؤجج الكراهية بهذا القدر العدمي». هناك بالطبع حقائق على أرض الواقع تحدد تأثير اللوغاريتمات، ومدى استعداد البيئة المحلية لقبول المعلومات المضللة، ومدى انفجار الانقسامات داخلياً. وهذا يسلط الضوء على نقطة مهمة: يستخدم الملايين من الناس وسائل التواصل الاجتماعي من دون الخضوع لنظريات المؤامرة، أو السماح للغضب الأخلاقي بالتصاعد إلى مستوى أعمال العنف. بعبارة أخرى، لا يمكن اختزال الأحكام الإنسانية والأخلاق البشرية في دوافع غريزية يسهل التلاعب بها وتوجيهها. ومن ثم، نحتاج إلى أن نسأل ليس فقط ما الذي يجعل بعض الناس عُرضة للتلاعب، وإنما أيضاً ما الذي يحمي الآخرين من التوجيهات الذهنية، حتى في الحياة المشبعة بوسائل التواصل الاجتماعي. من المفترض للإجابة أن تشتمل على التعليم، ثم تمتد الإجابة من مهارات التفكير النقدي الفردية إلى الجودة الإجمالية لبيئة المعلومات. لكن هذا النوع من الفهم لن يكون مُرضياً لأولئك الذين يريدون تغيير الجنس البشري بمفردهم.
في نهاية فيلم «2001: رحلة فضائية»، تركنا ستانلي كوبريك مع صورة غريبة وغامضة لمخلوق متوهج أشبه بالجنين يطفو فوق سطح الأرض. ويقول البروفسور مارتن سيليغمان، مؤسس علم النفس الإيجابي، في خطاب ألقاه عام 1999 إن هذه الصورة كانت تطارده دائماً، وتقوده إلى الاعتقاد بأنه لديه مهمة: «كانت هذه المهمة، ولا تزال، أن نبني معاً علم النفس الإيجابي». الدرس المستفاد من كتاب فيشر هو أننا بالتأكيد لا نحتاج إلى المزيد من «الإلهام السماوي» لمشاريع طموحة في التحول البشري. بل يتعين علينا، بدلاً من ذلك، أن نجعل الأفراد في المجتمعات يقاومون مثل هذه الجهود. لدينا الوسائل لتنفيذ ذلك إن كانت الإرادة السياسية قوية بما فيه الكفاية، وإذا لم يكن نظامنا السياسي قد دمرته «آلة الفوضى».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
TT

الرياض تبدأ فصل إحدى أكثر حالات التوائم تعقيداً في العالم

التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)
التوأمتان الفلبينيتان «كليا وموريس آن» الملتصقتان بالرأس (واس)

بدأ الفريق الطبي والجراحي التابع لـ«البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الخميس، عملية فصل التوأمتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، الملتصقتين بالرأس؛ إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وذلك في مستشفى الملك عبد الله التخصصي للأطفال بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني بالرياض.

وأوضح المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» رئيس الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج، الدكتور عبد الله الربيعة، في تصريح صحافي، أن التوأمتين الملتصقتين الفلبينيتين «كليا وموريس آن»، بمنطقة الرأس، قدِمتا إلى السعودية في 17 مايو (أيار) 2025، وبعد دخولهما المستشفى قام الفريق الطبي بإجراء فحوص دقيقة ومتعددة لهما، وعقد اجتماعات عدة توصَّل من خلالها إلى أنَّ حالتهما تُعد من أكثر الحالات تعقيداً على مستوى العالم، نظراً لعوامل طبية عدة، من أبرزها وجود وضعية زاوية معقدة للرأسين، واشتراك واسع في الجيوب الوريدية الدماغية، وتداخل نسيج الدماغ بين الطفلتين، بالإضافة إلى أنَّ الطفلة كليا كانت تعاني من قصور في عضلة القلب وضمور شديد في الكليتين مع فشل كلوي تام؛ مما يؤدي إلى رفع مستوى الخطورة الجراحية بشكل كبير.

وبيَّن أنَّ الفريق الجراحي، بقيادة الدكتور معتصم الزعبي استشاري جراحة مخ وأعصاب الأطفال، قرَّر تنفيذ العملية على 5 مراحل يشارك فيها 30 من الاستشاريين والمتخصصين والكوادر التمريضية والفنية في تخصصات عدة، منها التخدير، والعناية المركزة، والأشعة المتقدمة، وجراحة التجميل، مشيراً إلى أنَّه من المتوقع أن تستغرق العملية 24 ساعة.

وقال الربيعة: «بناءً على التقييم الطبي متعدد التخصصات، والدراسات التشخيصية الدقيقة، فإنَّ نسبة الخطورة تصل إلى 50 في المائة نظراً للتحديات الطبية المصاحبة للحالة، مع وجود احتمال حدوث مضاعفات عصبية شديدة قد تتسبب بالإعاقة بنسبة تصل 60 في المائة»، مشيراً إلى أنَّه جرى التشاور مع أحد المراكز الطبية المتخصصة في مثل تلك الحالات، وتوافقت مرئياته مع تقييم الفريق الطبي من حيث درجة خطورة العملية، وارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وتمَّ شرح الحالة بشكل مفصل لوالدَي الطفلتين اللذين أبديا تفهمهما لخطة الفريق الجراحي.

ولفت إلى أنَّ هذه العملية تعد رقم 70 ضمن «البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة»، الذي استطاع منذ عام 1990، أن يعتني بـ157 توأماً من 28 دولة في 5 قارات حول العالم.


نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
TT

نمو غير مسبوق... العالم يتجه نحو 4 آلاف ملياردير خلال 5 سنوات

النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)
النمو لا يقتصر على فئة المليارديرات فقط بل يشمل أيضًا شريحة أصحاب الثروات الكبيرة (رويترز)

في ظلّ التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتنامي دور التكنولوجيا في إعادة تشكيل موازين الثروة، تتجه المؤشرات إلى تصاعد غير مسبوق في أعداد فاحشي الثراء. ويعكس هذا الاتجاه تسارع وتيرة تراكم الثروات لدى شريحة محدودة من الأفراد، في وقت تتزايد فيه النقاشات حول اتساع فجوة عدم المساواة عالمياً.

وكشفت تقديرات نقلتها صحيفة «الغارديان» أن عدد المليارديرات حول العالم قد يصل إلى نحو 4 آلاف ملياردير بحلول عام 2031، مدفوعاً بالنمو السريع في ثروات الأثرياء.

وبحسب تحليل أجرته شركة «نايت فرانك» العقارية، يبلغ عدد المليارديرات حالياً 3110 على مستوى العالم، ومن المتوقَّع أن يرتفع هذا الرقم بنسبة 25 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، ليصل إلى نحو 3915 مليارديراً.

ولا يقتصر النمو على فئة المليارديرات فقط، بل يشمل أيضاً شريحة أصحاب الثروات الكبيرة؛ إذ ارتفع عدد الأفراد الذين تبلغ ثروتهم 30 مليون دولار أميركي (22 مليون جنيه إسترليني) على الأقل من 162 ألفاً و191 شخصاً في عام 2021 إلى 713 ألفاً و626 شخصاً حالياً، أي بزيادة تتجاوز 300 في المائة، وفقاً لبيانات «نايت فرانك».

وأوضح ليام بيلي، رئيس قسم الأبحاث في الشركة، أن هذا النمو الهائل في ثروات المليارديرات وأصحاب الملايين يعود بدرجة كبيرة إلى الأرباح المتحققة في قطاع التكنولوجيا، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «لم تكن القدرة على توسيع نطاق الأعمال التجارية بهذا الشكل ممكنة في السابق»، مشيراً إلى أن التطور التكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي، أسهم في تسريع تكوين الثروات الضخمة بشكل غير مسبوق.

وفيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي، توقعت الدراسة أن يتضاعف عدد المليارديرات في بولندا من 13 إلى 29 مليارديراً خلال الفترة بين عامي 2026 و2031، كما يُتوقع أن يشهد العدد في السويد زيادة بنسبة 81 في المائة، ليرتفع من 32 إلى 58 مليارديراً خلال الفترة نفسها.

يأتي هذا التوسع في أعداد الأثرياء، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم. فقد أظهر تقرير عدم المساواة العالمي، الصادر العام الماضي، أن أقل من 60 ألف شخص فقط (أي ما يعادل 0.001 في المائة من سكان العالم) يملكون ثروة تزيد على ثلاثة أضعاف ما يمتلكه النصف الأفقر من سكان العالم.

وفي ضوء هذه المؤشرات، تصاعدت الدعوات الموجهة إلى قادة الدول لفرض ضرائب أعلى على فاحشي الثراء، وسط مخاوف من تزايد قدرة أصحاب الثروات الضخمة على التأثير في القرار السياسي وشراء النفوذ.

من جهتها، كشفت منظمة «أوكسفام» الخيرية عن تسجيل عدد قياسي من المليارديرات خلال العام الماضي؛ إذ تجاوز إجمالي عددهم حاجز 3 آلاف للمرة الأولى في التاريخ، مشيرة إلى أن إجمالي ثرواتهم مجتمعة بلغ نحو 18.3 تريليون دولار.

وعلى صعيد الأفراد، يتصدر رجل الأعمال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، قائمة أغنى أثرياء العالم، بثروة صافية تُقدّر بنحو 785.5 مليار دولار، وفقاً لقائمة «فوربس». ويحلّ في المرتبة الثانية لاري بيج، أحد مؤسسي «غوغل»، بثروة تبلغ 272.5 مليار دولار، يليه جيف بيزوس، مؤسس «أمازون»، بثروة تُقدّر بـ259 مليار دولار.


عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
TT

عن الرقص الصباحي وغسل الصحون... مساعدة الملكة إليزابيث تكشف بعضاً من كواليسها

أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)
أعلن الملك تشارلز أن سيرة والدته الذاتية باتت قيد الإعداد (أ.ف.ب)

سالت أطنانٌ من الحِبر عن الملكة التي جلست على العرش 70 عاماً. صدرت مئات الكتب التي فصّلت سيرة إليزابيث الثانية، لكن أغرب ما في الأمر ألّا سيرة من بينها كانت رسمية أو أنها صدرت عن قصر باكينغهام . طوَت أشهَرُ ملكات بريطانيا عقوداً من الحُكم من دون أن تفكّر في تدوين سيرتها، تاركةً للتاريخ أن يرويَها.

ليس سوى بعد 4 سنوات على رحيلها، حتى كلّف ابنُها الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي بكتابة سيرتها الرسمية الأولى. كياي (51 عاماً)، عملت عن قُرب مع العائلة البريطانية المالكة، ومن المرتقب أن تسجّل حوارات مع عدد من أفرادها ومع أصدقاء الملكة والخدَم لإنجاز عملها. كما ستُمنح إذناً خاصاً بالوصول إلى الأرشيف الملَكيّ، من أجل الاطّلاع على أوراق إليزابيث الخاصة والرسمية.

من اللافت أنّ العاهل البريطاني أصرّ على أن تكون كاتبة سيرة أمّه أنثى، وهو اختار كياي لكونها خبيرة في الشؤون الملَكيّة البريطانية وقد ألّفت كتباً عنها، كما أنها أمينة صندوق «المجموعة الملَكيّة» وعضو في «لجنة إحياء ذكرى الملكة إليزابيث».

اختار الملك تشارلز المؤرّخة آنا كياي لكتابة سيرة والدته الملكة إليزابيث (قصر باكنغهام)

الملكة وزينة الصيصان والشوكولاته

بانتظار السيرة الرسمية التي ليس من المتوقع أن تصدر خلال وقتٍ قصير، تنتشرُ بين حينٍ وآخر خفايا وتفاصيل من كواليس حياة الملكة إليزابيث، كتلك التي كشفتها مساعدتُها الخاصة أنجيلا كيللي في حوار مع مجلة «فانيتي فير» الأميركية نُشر في نهاية مارس (آذار) الماضي.

تحدّثت كيللي عن روح النكتة لدى الملكة، وعن اهتمامها بالموضة، وعن عاداتها الصباحيّة. مرَّت كذلك على الخلافات العائلية، من دون أن تغفل استذكار إليزابيث الجدّة التي أحبّت الاعتناء بأحفادها وأولادهم.

أنجيلا كيللي مساعدة الملكة إليزابيث ومنسّقة أزيائها (مجموعة الصور الملَكيّة)

خلال إجازة عيد الفصح، كانت تنتقل الملكة إلى قصر وندسور، حيث اعتادت تزيين مقرّ إقامتها بالصيصان الملوّنة وبالبيض المصنوع من الشوكولاته. أما صيفاً في بالمورال، فكانت تتفرّغ لعائلتها. تقول كيللي التي لطالما رافقتها: «أحبّت أن تقوم بدور الجدّة. كانت تأخذ أحفادها في نزهات سيراً أو ركوباً على الخيل». وتتذكّر كيللي كيف أن الملكة كانت تصرّ على غسل الصحون شخصياً بعد كل مأدبة شواء كانت تقيمها للعائلة أو حتى لرئيس الحكومة. تضيف: «كانت الملكة مليئة بالحيويّة وجدّة مرِحة جداً».

وفق مساعدتها كانت تصرّ الملكة على غسل الصحون بعد مآدب الشواء العائلية (أ.ف.ب)

الملكة تغنّي وترقص

انضمّت أنجيلا كيللي إلى فريق عمل الملكة إليزابيث عام 1994، بعد سنتَين من لقائهما الأول في مقرّ السفير البريطاني في ألمانيا حيث كانت تعمل مدبّرة منزل. أُعجبت الملكة بسلوك كيللي التي دُعيت إلى تقديم طلب عمل في قصر باكنغهام. وتُخبر الموظفة السابقة أنها حينذاك لم تكن تملك ثمن ثوبٍ جديد ترتديه إلى مقابلة العمل، فاضطرّت إلى بيع غسّالتها لشراء واحد.

تسلَّقت كيللي سلالم القصر بتأنٍ إلى أن أصبحت المساعدة الخاصة ومستشارة أزياء الملكة. ولم تتوقف الأمور عند حدود العلاقة المهنية، بل تحوَّلت ابنة الخيّاطة وعامل ميناء ليفربول المولودة عام 1957 إلى كاتمة أسرار ملكة إنجلترا، كما كانت ترى فيها «الصديقة المفضّلة». واتّضح مع مرور الوقت أنهما تتشاركان بعض الخصال، كالاهتمام بالموضة، وحسّ الفكاهة، ومنح الأولوية للواجب قبل أي شيء آخر.

ارتاحت سيدة العرش لكيللي إلى درجة أنها كانت تتصرف على طبيعتها أمامها، وتتخلّى عن صرامة البروتوكول الخاص بالتاج. وتروي المساعدة السابقة أنّ الملكة إليزابيث كانت تستمع كل صباح إلى برنامج الإعلامي تيري ووغان على «راديو 2»، وكلما كانت تُبَثّ أغنية Dancing Queen (ملكة الرقص) لفريق «آبا»، كانت تتمايل يميناً ويساراً وتغنّي. وتضيف كيللي: «كانت الملكة تحب الغناء وكان صوتها جيداً».

كانت تبدأ الملكة بعض صباحاتها بالرقص والغناء (أ.ف.ب)

صانعة «اللوك» الملوّن

يشهد ستيوارت بارفن، أحد مصمّمي أزياء الملكة إليزابيث، للدور المحوَري الذي لعبته أنجيلا كيللي في الكواليس وللعلاقة المميزة التي جمعتها بالملكة. يقول إنّ الأخيرة كانت «تشعر بارتياحٍ وثقة أكبر بوجودها خلال جلسات القياس، لأنها كانت تجعل كل شيءٍ يبدو أسهل».

ومع مرور السنوات، استطاعت أنجيلا كيللي إقناع الملكة إليزابيث بإدخال تعديلات جذريّة إلى هندامها. يُنسَب إليها الفضل في جعلها تتخلّى عن التنّورة الطويلة وتعتمد الفساتين والقبّعات ذات الألوان الفاقعة والجريئة.

كانت لأنجيلا كيللي اليد الطولى في إقناع الملكة بارتداء الفساتين ذات الألوان الجريئة (رويترز)

أزمة تاج ميغان

غالباً ما كانت تنتعل أنجيلا أحذية الملكة الجديدة كي توسّعها لها، تفادياً لإيذاء قدمَيها لاحقاً عند انتعالها لوقتٍ طويل. ولم يقتصر الأمر على الأحذية بل انسحب على الحليّ والمجوهرات. يروي أندرو فورد، المراقب المالي السابق للعائلة البريطانية المالكة، كيف أنه أصيب بالدهشة يوم دخلت أنجيلا مكتبه وهي تضع عقداً من لآلئ الملكة، ليتّضح أنها فعلت ذلك بطلبٍ من إليزابيث نفسها، لأنّ اللؤلؤ يجب أن يكون قريباً من الجلد دائماً تفادياً لاصفراره.

ويوم اشتعل الخلاف حول التاج الذي ستضعه ميغان ماركل في زفافها، وقفت كيللي سداً منيعاً في وجه الأمير هاري واحتدمَ السجال بينهما، منعاً لإخراج أي تاج من مجموعة الملكة خارج القصر من أجل تجربته عند مصفف الشعر.

زفاف الأمير هاري وميغان ماركل عام 2018 (رويترز)

أنجيلا «البندقيّة»

منحُ الملكة إليزابيث الضوءَ الأخضر لأنجيلا كيللي بفعلِ ارتياحها لها وثَّقتها بها، أزعجَ الدوائر الملَكيّة وعدداً من أفراد العائلة المالكة. ومَن كانت من المفترض أن تكتفي بدورها كمُساعدة للملكة، تحوَّلت إلى صديقتها المقرّبة وإلى شخصٍ نافذ داخل القصر.

يكشف موظِّف سابق في باكنغهام لـ«فانيتي فير» أنه «كان بوسعِ أنجيلا أن تُنجِح أو تُفشِل المسيرة المهنية لأي عاملٍ في القصر، لأنها كانت تحظى بثقة الملكة»، إلى درجة أنه أُطلق عليها لقب AK 47 نسبةً إلى البندقية الهجومية، وذلك بسبب قدرتها على إخراج الناس من القصر، حيث كانت محطّ تبجيلٍ وخوف في أنٍ معاً.

أنجيلا كيللي في الصفوف الأمامية مع الملكة إليزابيث خلال أسبوع لندن للموضة (إنستغرام)

ثياب الرحلة الأخيرة

تروي أنجيلا كيللي أنَّ علاقتها بالملكة إليزابيث ترسَّخت بقوة ما بين عامَي 2020 و2021، خلال الحَجر الذي فرضته جائحة كورونا. أمضت كيللي كل تلك المدّة إلى جانب الملكة في قصر وندسور، من ضمن فريق ضيّق جداً من المساعدين. وتخبر كيف أنها كانت تصفّف شخصياً شعر إليزابيث في تلك الفترة.

«عندما كانت تشعر بتوعّك، لم تكن جلالتها ترغب في أن يعلم أحد بذلك»، سرٌ آخر كشفته كيللي عن شخصية الملكة إليزابيث الصلبة. وهي التي رافقتها حتى آخر ساعات حياتها، أَلبَستها لرحلتها الأخيرة من قصر بالمورال في اسكوتلندا حيث توفيت إلى قصر باكنغهام حيث أمضت معظم سنواتها الـ96.