ماركيز: أنا طفل خجول يحتمي بالعزلة التي يوفرها الأدب ليصنع السحر

كتاب عن ذكريات طفولته وسنوات الصبا وروايته الأشهر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماركيز: أنا طفل خجول يحتمي بالعزلة التي يوفرها الأدب ليصنع السحر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

لم يكن «ماركيز» مجرد كاتب حصل على جائزة نوبل، بل هو ظاهرة أدبية شديدة العمق اتخذت من أميركا اللاتينية، وكولومبيا تحديداً، نافذة أطل منها هذا المبدع الاستثنائي على الروح الإنسانية في كل مكان. وعلى غير ما هو معتاد في معظم ما نشر عنه، يحكي هو بنفسه في كتاب «ماركيز - لن أموت أبداً» عن ذكريات طفولته وسنوات الصبا والمراهقة في بيت جدته، فضلاً عن الحكايات والملابسات الخاصة بتأليف وصدور عدد من أشهر رواياته مثل «مائة عام من العزلة».
الكتاب من تأليف الكاتب الكولومبي «كونرادو زولواجا»، وهو أيضاً محرر ثقافي وأستاذ لمادة الأدب في العديد من الجامعات، وصدرت ترجمته عن دار «العربي» بالقاهرة لسمير محفوظ بشير، مراجعة وتحرير هدى فضل. يقول ماركيز: إن اسمي أيها السنيور هو جابريل جارثيا ماركيز، آسف أنا أيضاً لا أحب هذا الاسم لأنه عبارة عن خيط من أسماء عادية لم أتمكن قط من الارتباط به، ولدت في بلدة أراكاتاكا في كولومبيا، من مواليد برج الحوت، وزوجتي اسمها مرسيدس وهما - زوجتي وبلدتي - أهم شيئين في حياتي ﻷنني بسببهما تمكنت من استخدام الكتابة للنجاة أو على الأقل النجاة حتى الآن»، ويضيف: «أنا كاتب لأنني إنسان خجول، إن صنعتي هي السحر لكن طول المدة التي استغرقتها في صناعة سحري تصيبني بالاضطراب فأضطر إلى أن أحتمي بالعزلة التي يوفرها لي الأدب».
في كنف الجد
كان أقوى دوافع ماركيز للقيام بأي شيء هو أن يحبه أصدقاؤه أكثر ومن أجل هذا الهدف وحده برع في أثناء طفولته في الرسم على حائط ورشة صائغ الفضة ثم برع في الخدع السحرية، وفي مراهقته أصبح لاعب بيانو وأكورديون ماهراً ثم بائع موسوعات وشاعراً وصانع أفلام وحكاءً للقصص ثم كاتباً لها.
نشأ ماركيز في بيت جده لأن أباه ركض وراء أحلامه فاستقال من وظيفته وقرر أن يستقر في مدينة «بارانكيا» بوصفه صيدلياً خبيراً في تحضير الأدوية منزلياً. أصر الجدان أن يظل جابرييل معهما في «أراكاتاكا» ولمدة سبعة أعوام كان تحت رعاية جده «باباليلو»، الكولونيل من حرب الألف يوم. ربته جدته «مينا» أيضاً فنشأ وحوله قريباتها وبنات زوجها غير الشرعيات أو إخوته وشارك في تربيته أيضاً الخدم وهم من هنود الـ«جواخيراس» والذين عوملوا وكأنهم أفراد من العائلة. كان من ضمن الذين نشأ وسطهم أيضاً مجموعة من النسوة كن مسؤولات عن المطبخ ويصنعن له الحلوى على شكل حيوانات ويدرن كل شؤون المنزل، بما في ذلك ميزانية البيت.

حول تلك الحقبة في حياته، يقول: «أؤمن أن الفضل في طريقتي في التفكير يعود إلى النسوة في عائلتي وكل الذين عملوا في خدمتنا وأثروا في طفولتي جميعهم تمتعوا بشخصيات قوية وقلوب رحيمة وعاملوني بتقائية جعلتني أشعر وكأن الجنة قد وجدت على الأرض». كانت النساء اللاتي تعاملن معه ذوات تأثير كبير فيه منذ أيام طفولته كما كن مسؤولات عن العديد من أقوى اعتقاداته مثل أن النساء هن اللاتي يحافظن على تماسك العالم بقبضاتهن الحديدية. ولكن يبدو أن تلك العلاقة لم تكن وردية طوال الوقت، فعندما اكتشف أن لديه موهبة الرسم، قرر فجأة أن يرسم على جدران المنزل فغضبت نساء المنزل ومنعن من فعل ذلك. هنا اشتعل غضب جده ﻷنهن منعنه من الرسم فأمر، وكان حينها جالساً في ورشة صائغ الذهب والتي كان يستخدمها أيضاً مكتباً له، أن يدهن أحد الجدران باللون الأبيض وأن يشتروا لحفيده الألوان، فقد آمن بأن هذا الطفل سيصبح رساماً. ومن مظاهر اعتزازه وحبه لحفيده أنه كان يجلسه إلى جانبه على رأس المائدة وباقي الضيوف على الجانبيين.
الصعلوك الشاب
اعترف ماركيز بأنه يدين بالفضل للكاتب الأميركي ويليام فوكنر خلال حواره الشهير مع كاتب البيرو الأشهر «ماريو بارجاس يوسا» بعد ثلاثة أشهر من صدور «مائة عام من العزلة» قائلاً: «إن الأسلوب الفوكنري مؤثر وفعال عند حكي أي قصة واقعية في دول أميركيا اللاتينية، وهو ما اكتشفناه في فوكنر دون أن نعي هذا الاكتشاف، وهو أننا رأينا الواقعية وأردنا وصفها وأدركنا بأن الأساليب الأوروبية لم تسعفنا في ذلك، ولا حتى الأساليب الإسبانية التقليدية، فجأة وجدنا أن الأسلوب الفوكنري هو المناسب لحكي القصة الواقعية».
لم يتأثر ماركيز بأسلوب فوكنر فقط، بل يبدو أنه أعجب بفكرة البوهيمية والصعلكة التي تنطوي عليها نصائحه في الحياة عندما قال ذات مرة ساخراً: «إن الفن لا يهتم بالمكان الذي سيعبر عنه وإذا كنت تقصدني بكلامك فإن أفضل وظيفة عرضت علي هي أن أكون مديراً لبيت سيئ السمعة، أرى أن هذه هي أفضل بيئة يمكن لفنان أن يعمل بها فهي توفر له حرية اقتصادية كاملة فيتحرر من خوفه من الجوع ويجد فوق رأسه سقفاً وليس عليه القيام بشيء سوى بعض الحسابات البسيطة وأن يذهب شهرياً إلى الشرطة ويدفع الإتاوة».
عاش ماركيز في شبابه حياة الصعلكة، حيث قضى عدة أشهر في فندق رخيص أطلق عليه هو وأصدقاؤه اسم «ناطحة السحاب» اعتاد رهن مخطوطاته لدى مكتب استقبال الفندق عندما لا يكون معه المال الكافي لتغطية نفقاته حتى أن بعض الفتيات سيئات السمعة أشفقن عليه وسمحن له بأن يشاركهن معجون الأسنان والصابون.
في تلك الفترة، بدا الشاب الموهوب وكأنه يبحث عن نفسه، فالتحق بالعمل الصحافي مراسلاً لإحدى الجرائد كما وقع في غرام السينما، وكان جاداً في دراسة الفن السابع. غطى ماركيز المحرر الصحافي وهو في إيطاليا الحالة الصحية المتدهورة للبابا «بيوس الثاني عشر» في الفاتيكان، وغطى كذلك ما حدث في مؤتمر جنيف 1954 الذي حضره ممثلون للدول الأربع العظمى. ملأت تلك الأحداث وقت المراسل الكولومبي في البداية، بالإضافة إلى شعوره بخيبة الأمل عندما اكتشف أن المراعي خارج باريس لا تختلف كثيراً في خضرتها عن مرتفعات بلاده في بوغوتا. بعد مرور عدة أسابيع رحل إلى البندقية لتغطية حدث استولى على كل اهتمامه وهو مهرجان البندقية السادس عشر للفن السينمائي، حيث قضى أسبوعين يشاهد الأفلام في كل الأوقات صباحاً وحتى وقت متأخر من الليل. كان مبهوراً بكل ما يراه لدرجة أنه شاهد القليل من تلك المدينة التي تتحمل بشكل عجيب موجات وتحركات القوارب الميكانيكية في قنواتها المختلفة. سارع بالتوجه إلى روما حيث حضر عروض مركز الأفلام التجريبية الإيطالي، وظل لعشرة أعوام اللاحقة شغوفاً بالكتابة للسينما لكنه حين يسجل نفسه للدراسة في استوديوهات «شينشيتا» شعر بالملل من الجانب الأكاديمي فصرف نظر عن الموضوع برمته.
الرواية الأشهر
وينتقل المؤلف إلى سرد كواليس وملابسات عدد من روايات ماركيز الشهيرة ومنها «مائة عام من العزلة» بعد أن أصبح كاتباً معروفاً ومتزوجاً، غير أن لعنة الظروف المادية السيئة ظلت تلاحقه. تسلمت زوجته «مرسيدس» مسؤولية إدارة المنزل بالكامل بالخمسة آلاف دولار التي أعطاها لها زوجها، كما باعت السيارة التي اشتروها بأموال الجائزة التي حصل عليها عن روايته «في ساعة نحس» لتنفق على المنزل. بعد مرور عام وتصف وبعد انتهاء ما كان معها من أموال اضطرت إلى أن تلجأ إلى مصادر أخرى مثل إقناع الجزار وصاحب البيت بأن تتعامل معهم بالآجل. وبحلول الوقت الذي انتهى فيه ماركيز من كتابة الرواية كانا في حالة مادية صعبة لدرجة أنهما اضطرا أن يقسما صفحاتها الـ600 لنصفين ثم رهنا آخر ما يمتلكان من أثاث منزلي ليتمكنا من إرسالها إلى «بونيس آيرس» حتى أن «مرسيدس» قالت: «لا ينقصنا الآن سوى أن تفشل هذه الرواية».
وحول الأسلوب الذي اتبعه ماركيز في إنجاز «مائة عام من العزلة»، فهو يختلف عن «هيمنغواي»، الذي كان يفضل أن يكتب وهو واقف على قدميه وأن يكتفي بنقل وزنه من ساق إلى أخرى، وعندما سئل عن سبب قيامه بذلك أجاب: «كي أتعب سريعاً فلا أكتب أي هراء» أما «فوكنر» فقال إن كل ما يحتاج إليه هو الورق والقلم والشراب والسجائر. أما ماركيز فكانت لديه طريقة عملية وفعالة ساعدته على أن يظل متصلاً بالقصة وألا يفقد ترابطها أو زخمها. كانت إحدى الصعوبات التي واجهته في أثناء كتابته تلك الرواية هي أن يربط ما كتبه في الليلة السابقة بما سيكتبه صباح اليوم التالي، لذلك توصل إلى أن الطريقة الوحيدة التي ستساعده على الربط بين كل شيء هو ألا يكتب كل ما لديه من أفكار مرة واحدة وهو شيء مشابه لاستراتيجية هيمنغواي بأنه ليس من الحكمة أن «تفرغ البئر ماءها»، وهو ما فعله ماركيز. لم يكتب كل ما لديه من أفكار وأحداث اكتفى بكتابة أفكاره المكتملة لكي يستطيع أن يركز بعدها على جعل الأفكار الأخرى المتناثرة داخله متكاملة وصالحة للكتابة. وبهذه الطريقة استطاع الكاتب الكولومبي صاحب نوبل أن يكتشف وسيلة فعالة ورائعة بعد أن يظل يكتب لست ساعات صباحاً يتوقف عن الكتابة في فترة الظهر ليستريح بعدها ويصحح ما كتبه بخط اليد صباحاً ثم يعود إلى الكتابة بعدها حتى وقت متأخر من الليل ثم يتوقف ويعود إلى العمل صباحاً مجدداً، وفي الصباح يطبق كل التصحيحات والملاحظات التي كتبها يدوياً في اليوم السابق وبعدها يبدأ عمل اليوم الجديد بسلاسة نسبية.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


تسريب ملفات حكومية «حساسة» على «الدارك ويب» يستنفر الأجهزة الليبية

واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)
واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)
TT

تسريب ملفات حكومية «حساسة» على «الدارك ويب» يستنفر الأجهزة الليبية

واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)
واجهة مصرف ليبيا المركزي على ساحل البحر المتوسط في طرابلس (رويترز)

أقرَّ مصرف ليبيا المركزي بتسريب «عيِّنة من بياناته» على ما يُطلق عليه «الدارك ويب»، بعد عملية اختراق لمنظومة المصرف تمت قبل 3 أسابيع. وقال إنه على الرغم من حساسية وخصوصية هذه البيانات، فإنه سيتعامل مع هذا الأمر بأعلى درجات المهنية والشفافية.

ومنذ بدايات الشهر الجاري، أعلن «المصرف المركزي» رصد ما وصفه بـ«حادث سيبراني خطير» طال بعض أنظمته وخدماته التقنية؛ وقال حينها إنه «اتخذ إجراءات عاجلة لعزل الأنظمة المتضررة، والحد من أي آثار محتملة».

وفي أعقاب ذلك، نفت وزارة المالية في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة اختراق المنظومات المالية التابعة لها، وقالت في بيان رسمي، إن «البيانات والمعلومات الإدارية والمالية مؤمَّنة على مستوى عالٍ من درجات التأمين ضد الاختراق».

لقطة للملفات المتداولة عبر «الإنترنت المظلم»

وأمضى ليبيون ليلة الأحد أمام شاشات الحاسوب، لمتابعة بيانات وُصفت بـ«السرية»، تسربت عبر «الدارك ويب» أو «الإنترنت المظلم»، وتضمنت مراسلات مكتب المحافظ المركزي مع وزارات وأجهزة ليبية، ولجنة العطاءات، ونصوص محاضر اجتماعات مع شركات محلية.

وأظهر التسريب محاضر وملفات تعود إلى عامَي 2020 و2021، وتتعلق بعدد من المصارف الليبية الخاضعة لإشراف مصرف ليبيا المركزي، من بينها مصارف: «الإسلامي الليبي»، و«الوفاء»، و«الواحة»، و«الوحدة»، و«الأمان»، و«مصرف الأندلس»، و«السراي».

محاولات ابتزاز

وقال جهاز الأمن الداخلي بطرابلس، في ساعة مبكرة من صباح الاثنين، إنه تابع «الحادث السيبراني الذي استهدف بيانات المصرف المركزي، وما تبعه من نشر ملفات مسرَّبة عبر مواقع (الإنترنت المظلم)».

ووفقاً للجهاز: «أثبتت نتائج الفحص احتواء عدد من الملفات على برمجيات ضارة، وأدوات تستخدمها المجموعات الإجرامية الإلكترونية لاستهداف ضحاياها»، وقال إن تداول هذه الملفات «لا يقتصر على تسريب البيانات فحسب؛ بل يشكِّل وسيلة لنشر الإصابة الإلكترونية داخل المؤسسات والأجهزة التي تقوم بتحميلها أو تشغيلها، دون اتباع الإجراءات الفنية الآمنة».

وتداول ناشطون مهتمون بالشؤون التقنية والاقتصادية في ليبيا لقطات شاشة، قالوا إنها تُظهر نماذج من الملفات التي جرى تسريبها في «الهجوم السيبراني» على المصرف المركزي. وقال بعضهم إن الحجم الإجمالي للبيانات المعروضة يقارب 20.7 غيغابايت، وإن القراصنة يستخدمونها «ورقة ضغط في إطار محاولات الابتزاز».

ولفتوا إلى أن المعطيات الأولية تشير إلى أن التسريب لا يمس الحسابات الشخصية للأفراد، وإنما يتركز على وثائق وملفات ذات طابع إداري ورقابي شديد الحساسية.

وحسب النماذج المتداولة، تشمل الملفات المسرَّبة تقارير مرتبطة بالسيولة النقدية، ووثائق تخص إدارات المخاطر والامتثال والمتابعة.

محافظ المصرف المركزي يطلق خدمة بطاقات «فيزا» الدولية بالعملة الأجنبية في 17 يونيو 2026 (مكتب الدبيبة)

ومن قبيل طمأنة الليبيين، قال «المركزي» إن فِرَقَه الفنية، بالتعاون مع الشركات والخبراء الدوليين الاختصاصيين، تواصل أعمال التحقق والتحليل الفني، لتحديد طبيعة البيانات المنشورة وحجمها، بالإضافة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحديد الأثر المحتمل واحتوائه، والتعامل معه وفق أفضل الممارسات والمعايير الدولية.

الأمن السيبراني

واستغل الخبير الاقتصادي الليبي محمد الشحاتي هذه الحادثة، للتشديد على أنه «تزداد أهمية الأمن السيبراني مع توسع الخدمات الرقمية في المصارف، وقطاع النفط، والاتصالات، والإدارة الحكومية».

وذهب الشحاتي -في تصريح صحافي- إلى أن «مواجهة التهديدات لا تكون بالتركيز على (الويب المظلم) وحده؛ وإنما ببناء منظومة متكاملة تشمل تحديث البنية الرقمية، وتدريب العاملين»، مشدداً على أهمية «اعتماد معايير الأمن السيبراني، وإنشاء فرق متخصصة للاستجابة للحوادث، والتعاون مع المؤسسات الدولية وشركات الأمن الرقمي، لرصد أي بيانات ليبية قد تظهر في الأسواق الإلكترونية غير القانونية».

وأمام هذه الواقعة، دافع المصرف المركزي عن نفسه، وقال إن موقفه يستند إلى التزامه بالقوانين والتشريعات النافذة؛ وإنه يرفض رفضاً قاطعاً الدخول في أي مفاوضات أو مساومات، أو الاستجابة لأي مطالب تنطوي على ابتزاز ومخالفة للأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، ويتعامل مع هذه الحوادث وفق الإجراءات الرسمية المعمول بها.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مستقبلاً محافظ المصرف المركزي في نوفمبر 2025 (مكتب المنفي)

وبشأن حسابات العملاء، قال إن «الخدمات المصرفية الأساسية، وحسابات العملاء، واستقرار النظام المالي، مستمرة في العمل بصورة طبيعية، ولم تتأثر بهذا المستجد»، متعهداً باستمرار التحقيقات الفنية والجنائية بالتعاون مع الخبراء الدوليين، ومؤسسات أمنية محلية، بالتوازي مع تنفيذ إجراءات إضافية لتعزيز منظومة الأمن السيبراني، ورفع مستوى الجاهزية والمرونة التشغيلية.

برمجيات خبيثة

ومع تصاعد المخاوف الليبية من عملية الاختراق، قال جهاز الأمن الداخلي بالعاصمة، إن نتائج التحليل «تشير إلى أن المهاجمين استغلوا الملفات المسرَّبة لإخفاء برمجيات خبيثة داخلها، بحيث تبدو طبيعية، وكأنها تحتوي على بيانات حقيقية؛ بينما تتضمن مكونات ضارة قد تؤدي إلى اختراق الأجهزة، أو منح المهاجم وصولاً غير مصرح به إلى الأنظمة المستهدفة».

وحذَّر الجهاز الجهات السيادية والحكومية، والمصارف، والشركات العامة والخاصة كافة، من تحميل أو فتح أو استخراج أي ملف تم الحصول عليه من مواقع «الإنترنت المظلم» أو من مصادر غير موثوقة، مهما كانت المبررات، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر أمنية جسيمة.

كما أهاب الجهاز «بجميع موظفي الجهات العامة الذين حمَّلوا أياً من هذه الملفات، سواء على أجهزة العمل أو الأجهزة الشخصية المستخدمة للوصول إلى شبكات العمل، بسرعة التواصل مع إدارة تقنية المعلومات، أو فريق الأمن السيبراني في جهاتهم». وحضَّ على عدم محاولة حذف الملفات أو فحصها أو تشغيلها، وذلك لتمكين المختصين من اتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة «لاحتواء أي تهديد محتمل».

وأشار الجهاز إلى أن بعض البرمجيات الخبيثة الحديثة تعمل بصورة خفية، مما يبقيها داخل النظام لفترات زمنية طويلة، مما يسمح لها «بجمع المعلومات، واستطلاع بيئة الشبكة، وسرقة بيانات الاعتماد، قبل الانتقال إلى تنفيذ مراحل الهجوم اللاحقة، بما في ذلك تعطيل الأنظمة أو تشفير البيانات أو سرقتها».

وحذَّر جهاز الأمن الداخلي من أن «تداول هذه المستندات على مواقع التواصل الاجتماعي لغرض التشهير، يُعرِّض جهة النشر للمساءلة القانونية لاحقاً».


مصر تتضامن مع السعودية في حادث تحطم مروحية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تتضامن مع السعودية في حادث تحطم مروحية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر تضامنها مع المملكة العربية السعودية الشقيقة في حادث تحطم مروحية بمنطقة رأس تنورة، الذي أسفر عن عدد من الوفيات.

وأعربت مصر، في بيان لها، الاثنين، عن خالص تعازيها وصادق مواساتها للمملكة العربية السعودية الشقيقة، في ضحايا الحادث.

كما أشارت إلى «تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة في هذا المصاب الأليم»، معربة عن أصدق التعازي لأسر الضحايا، ومتمنيةً للمملكة وشعبها الشقيق دوام الأمن والسلامة.

وتقدّم الرئيس عبد الفتاح السيسي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، والشعب السعودي الشقيق، في ضحايا حادث سقوط الطائرة التابعة لشركة «أرامكو».

وقال السيسي، عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، الاثنين: «نسأل الله أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يُلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يحفظ المملكة العربية السعودية وشعبها من كل سوء ومكروه».

وأعلنت وزارة الطاقة السعودية، الأحد، سقوط طائرة مروحية تابعة لشركة «أرامكو السعودية» في محافظة رأس تنورة، مما أسفر عن مصرع جميع من كانوا على متنها، وعددهم 14 مواطناً سعودياً.


تعزيزات حول الأُبَيض السودانية وهجمات المسيّرات تذكّر بما سَبَق سقوط الفاشر

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية-رويترز)
عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية-رويترز)
TT

تعزيزات حول الأُبَيض السودانية وهجمات المسيّرات تذكّر بما سَبَق سقوط الفاشر

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية-رويترز)
عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية-رويترز)

منذ أن تسببت هجمات الطائرات المسيَّرة في توقف محطات الكهرباء والوقود والمياه في الأُبَيض بشمال إقليم كردفان بالسودان، باتت أقسام محمد تقطع طريقاً شاقة تحت الشمس اللافحة يومياً لجلب مياه عكرة من بئر بعيدة.

في الأسابيع الأخيرة، كثّفت «قوات الدعم السريع» هجماتها الجوية على الأُبَيض، مستهدفةً البنية التحتية المدنية ومرافق الكهرباء والوقود والطريق السريعة المؤدية إلى خارج المدينة، مع نشر تعزيزات عسكرية تعيد إلى الأذهان مشاهد ما قبل الهجوم على الفاشر في شمال دارفور نهاية العام الفائت. وقال خبراء الأمم المتحدة إن هذا الهجوم حمل سمات الإبادة الجماعية.

وتقول أقسام، التي تعيش مع أطفالها السبعة في مخيم الرحمانية على أطراف الأُبَيض، لوكالة الصحافة الفرنسية: «نسير لمسافات طويلة ونحمل المياه فوق رؤوسنا وهي أصلاً غير صالحة للشرب».

ومع انقطاع المياه بفعل تضرر المحطات، أفاد السكان وكالة الصحافة الفرنسية بأنهم أصبحوا يعتمدون على الآبار وشاحنات نقل المياه وبعض نقاط التوزيع.

وتضيف أقسام محمد، البالغة 35 عاماً: «ليست لدينا أي مساعدات. نحتاج إلى المياه والمواد الغذائية».

وتقع الأُبَيض، التي يبلغ عدد سكانها أصلاً نصف مليون وأصبحت تؤوي نحو 100 ألف نازح بسبب العنف في المناطق المجاورة، على طريق حيوية تربط إقليم دارفور الذي تسيطر عليه «قوات الدعم السريع» في الغرب بوسط وشرق السودان حيث مناطق سيطرة الجيش.

والأسبوع الماضي، أعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه من «حشد تعزيزات عسكرية كبيرة من (قوات الدعم السريع) حول مدينة الأُبَيض»، محذراً من «فظائع جماعية» وشيكة.

وتقول نهاد الطيب، الباحثة في منظمة مشروع بيانات ومواقع وأحداث النزاعات المسلحة (إيه سي إل إي دي)، إن تحركات عسكرية لـ«قوات الدعم السريع» رُصِدَت خلال الشهر المنصرم على بُعد نحو 60 كيلومتراً شرق الأُبَيض وجنوبها وغربها.

ويرى محللون أن من شأن الاستيلاء على المدينة أن يعزز سيطرة «قوات الدعم السريع» على غرب السودان، وربما يمهد الطريق للزحف نحو العاصمة.

وتضم الأُبَيض فرقة مشاة للجيش وقاعدة جوية وخط أنابيب نفط رئيسياً وسوقاً كبيرة للصمغ العربي، وهو سلعة سودانية استراتيجية.

وحسب الباحثة في الشؤون السودانية خلود خير، تتعلق السيطرة على الأُبَيض «بالسلطة والأرض والمال».

«كل شيء في أزمة»

أدت المعارك وقطع الطرق وتقييد الحركة إلى صعوبة كبيرة في الوصول إلى المدينة والتحقق من المعلومات بشكل مستقل.

وتُظهر لقطات نادرة صوّرها مراسل الصحافة الفرنسية في مخيم الرحمانية نساء منهكات يسرن ببطء تحت الشمس الحارقة، تتأرجح فوق رؤوسهن حاويات المياه البلاستيكية بعد أن انتظرن لساعات حول البئر للحصول على المياه.

وفي المخيم، تتكدس نحو 200 أسرة في مآوٍ واهية من القش والأقمشة الممزقة وألواح البلاستيك. ويُمضي الأطفال أوقاتهم تحت الظلال الضيقة التي تلقيها الأكواخ، فيما بدا بعضهم مرهقاً غير قادر على اللعب، وسار آخرون في صمت خلف أمهاتهم.

وفي خيمة من القش، تقول وسيلة محمد، البالغة 70 عاماً، لوكالة الصحافة الفرنسية: «ليس لدينا أي شيء. لا مياه ولا غذاء ولا فرش».

وعلى مدار الأسابيع الماضية، تضاءلت إمدادات المساعدات الإنسانية والغذائية التي تصل إلى المخيم، بسبب قطع الطرق وتدمير البنية التحتية.

ويقول أحد المتطوعين الإنسانيين إن «الاحتياجات تفوق الإمدادات» مؤكداً أن سكان المخيم يحتاجون إلى الرعاية الصحية والغذاء.

وفي أنحاء الأُبيض، يتردد باستمرار طنين الطائرات المسيَّرة «ولا أحد يعلم ماذا يحدث»، حسبما أفاد به آدم حسين لوكالة الصحافة الفرنسية، طالباً استخدام اسم مستعار خوفاً من كشف هويته.

ويقول، بينما سقطت طائرة مسيّرة بالقرب منه من دون أن تؤدي إلى إصابات: «كل شيء في الأُبَيض في أزمة ويتم استهداف المدنيين والبنية التحتية باستمرار».

وتؤكد خلود خير أن كثراً من السكان باتوا «محاصرين» فعلياً، في ظل تضاعف أسعار المياه وارتفاع تكاليف الغذاء بنسبة تصل إلى 300 في المائة، إضافةً إلى الارتفاع الكبير في أجور النقل.

وتقول: «لم يغادر الكثيرون لأنهم لا يملكون المال اللازم أو لأنهم لا يعرفون إلى أين يذهبون».

حصار شامل

وحذّر محمد رفعت، من المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، من أن المدينة تقترب من حصار شامل، حيث سيصبح المدنيون «قريباً غير قادرين على الخروج الآمن أو العودة الآمنة».

وأوضح لوكالة الصحافة الفرنسية أن منظمات الإغاثة علّقت أنشطتها في المدينة بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وصعوبة الوصول إليها، في حين تفوق الاحتياجاتُ الإنسانية حجم الإمدادات المخزنة مسبقاً.

وقال رفعت إن الأوضاع، في غياب المساعدات الفورية، قد تتطابق «في غضون أسابيع» مع ما شهدته مدينة الفاشر، حيث لم يبقَ المدنيون على قيد الحياة سوى اعتماداً على أعلاف الحيوانات خلال فترة حصار استمرت 18 شهراً.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 6000 شخص في الأيام الثلاثة الأولى لسقوط الفاشر، وحذرت دول غربية من خطر وقوع فظائع مماثلة في حال سقوط الأُبيض.

وصرح مصدر حكومي بأن الجيش حاول إبطاء تقدم «قوات الدعم السريع» ودمّر عتاداً تابعاً لها خلال تحركها الأسبوع المنصرم.

في المقابل اتهم مصدر مقرب من «قوات الدعم السريع» الجيش باستخدام المدنيين «دروعاً بشرية»، معتبراً أنه كان ينبغي إجلاؤهم.

ورغم اختلاف الطبيعة الديمغرافية في الأُبيض عن الفاشر، التي اتخذ العنف فيها طابعاً عرقياً، تُعرب نهاد الطيب عن مخاوفها من أن المدنيين في الأبيض «قد يواجهون مع ذلك عمليات نهب وعنف جنسي وهجمات تستهدف من يُتهمون بدعم الجيش».