ماركيز: أنا طفل خجول يحتمي بالعزلة التي يوفرها الأدب ليصنع السحر

كتاب عن ذكريات طفولته وسنوات الصبا وروايته الأشهر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماركيز: أنا طفل خجول يحتمي بالعزلة التي يوفرها الأدب ليصنع السحر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

لم يكن «ماركيز» مجرد كاتب حصل على جائزة نوبل، بل هو ظاهرة أدبية شديدة العمق اتخذت من أميركا اللاتينية، وكولومبيا تحديداً، نافذة أطل منها هذا المبدع الاستثنائي على الروح الإنسانية في كل مكان. وعلى غير ما هو معتاد في معظم ما نشر عنه، يحكي هو بنفسه في كتاب «ماركيز - لن أموت أبداً» عن ذكريات طفولته وسنوات الصبا والمراهقة في بيت جدته، فضلاً عن الحكايات والملابسات الخاصة بتأليف وصدور عدد من أشهر رواياته مثل «مائة عام من العزلة».
الكتاب من تأليف الكاتب الكولومبي «كونرادو زولواجا»، وهو أيضاً محرر ثقافي وأستاذ لمادة الأدب في العديد من الجامعات، وصدرت ترجمته عن دار «العربي» بالقاهرة لسمير محفوظ بشير، مراجعة وتحرير هدى فضل. يقول ماركيز: إن اسمي أيها السنيور هو جابريل جارثيا ماركيز، آسف أنا أيضاً لا أحب هذا الاسم لأنه عبارة عن خيط من أسماء عادية لم أتمكن قط من الارتباط به، ولدت في بلدة أراكاتاكا في كولومبيا، من مواليد برج الحوت، وزوجتي اسمها مرسيدس وهما - زوجتي وبلدتي - أهم شيئين في حياتي ﻷنني بسببهما تمكنت من استخدام الكتابة للنجاة أو على الأقل النجاة حتى الآن»، ويضيف: «أنا كاتب لأنني إنسان خجول، إن صنعتي هي السحر لكن طول المدة التي استغرقتها في صناعة سحري تصيبني بالاضطراب فأضطر إلى أن أحتمي بالعزلة التي يوفرها لي الأدب».
في كنف الجد
كان أقوى دوافع ماركيز للقيام بأي شيء هو أن يحبه أصدقاؤه أكثر ومن أجل هذا الهدف وحده برع في أثناء طفولته في الرسم على حائط ورشة صائغ الفضة ثم برع في الخدع السحرية، وفي مراهقته أصبح لاعب بيانو وأكورديون ماهراً ثم بائع موسوعات وشاعراً وصانع أفلام وحكاءً للقصص ثم كاتباً لها.
نشأ ماركيز في بيت جده لأن أباه ركض وراء أحلامه فاستقال من وظيفته وقرر أن يستقر في مدينة «بارانكيا» بوصفه صيدلياً خبيراً في تحضير الأدوية منزلياً. أصر الجدان أن يظل جابرييل معهما في «أراكاتاكا» ولمدة سبعة أعوام كان تحت رعاية جده «باباليلو»، الكولونيل من حرب الألف يوم. ربته جدته «مينا» أيضاً فنشأ وحوله قريباتها وبنات زوجها غير الشرعيات أو إخوته وشارك في تربيته أيضاً الخدم وهم من هنود الـ«جواخيراس» والذين عوملوا وكأنهم أفراد من العائلة. كان من ضمن الذين نشأ وسطهم أيضاً مجموعة من النسوة كن مسؤولات عن المطبخ ويصنعن له الحلوى على شكل حيوانات ويدرن كل شؤون المنزل، بما في ذلك ميزانية البيت.

حول تلك الحقبة في حياته، يقول: «أؤمن أن الفضل في طريقتي في التفكير يعود إلى النسوة في عائلتي وكل الذين عملوا في خدمتنا وأثروا في طفولتي جميعهم تمتعوا بشخصيات قوية وقلوب رحيمة وعاملوني بتقائية جعلتني أشعر وكأن الجنة قد وجدت على الأرض». كانت النساء اللاتي تعاملن معه ذوات تأثير كبير فيه منذ أيام طفولته كما كن مسؤولات عن العديد من أقوى اعتقاداته مثل أن النساء هن اللاتي يحافظن على تماسك العالم بقبضاتهن الحديدية. ولكن يبدو أن تلك العلاقة لم تكن وردية طوال الوقت، فعندما اكتشف أن لديه موهبة الرسم، قرر فجأة أن يرسم على جدران المنزل فغضبت نساء المنزل ومنعن من فعل ذلك. هنا اشتعل غضب جده ﻷنهن منعنه من الرسم فأمر، وكان حينها جالساً في ورشة صائغ الذهب والتي كان يستخدمها أيضاً مكتباً له، أن يدهن أحد الجدران باللون الأبيض وأن يشتروا لحفيده الألوان، فقد آمن بأن هذا الطفل سيصبح رساماً. ومن مظاهر اعتزازه وحبه لحفيده أنه كان يجلسه إلى جانبه على رأس المائدة وباقي الضيوف على الجانبيين.
الصعلوك الشاب
اعترف ماركيز بأنه يدين بالفضل للكاتب الأميركي ويليام فوكنر خلال حواره الشهير مع كاتب البيرو الأشهر «ماريو بارجاس يوسا» بعد ثلاثة أشهر من صدور «مائة عام من العزلة» قائلاً: «إن الأسلوب الفوكنري مؤثر وفعال عند حكي أي قصة واقعية في دول أميركيا اللاتينية، وهو ما اكتشفناه في فوكنر دون أن نعي هذا الاكتشاف، وهو أننا رأينا الواقعية وأردنا وصفها وأدركنا بأن الأساليب الأوروبية لم تسعفنا في ذلك، ولا حتى الأساليب الإسبانية التقليدية، فجأة وجدنا أن الأسلوب الفوكنري هو المناسب لحكي القصة الواقعية».
لم يتأثر ماركيز بأسلوب فوكنر فقط، بل يبدو أنه أعجب بفكرة البوهيمية والصعلكة التي تنطوي عليها نصائحه في الحياة عندما قال ذات مرة ساخراً: «إن الفن لا يهتم بالمكان الذي سيعبر عنه وإذا كنت تقصدني بكلامك فإن أفضل وظيفة عرضت علي هي أن أكون مديراً لبيت سيئ السمعة، أرى أن هذه هي أفضل بيئة يمكن لفنان أن يعمل بها فهي توفر له حرية اقتصادية كاملة فيتحرر من خوفه من الجوع ويجد فوق رأسه سقفاً وليس عليه القيام بشيء سوى بعض الحسابات البسيطة وأن يذهب شهرياً إلى الشرطة ويدفع الإتاوة».
عاش ماركيز في شبابه حياة الصعلكة، حيث قضى عدة أشهر في فندق رخيص أطلق عليه هو وأصدقاؤه اسم «ناطحة السحاب» اعتاد رهن مخطوطاته لدى مكتب استقبال الفندق عندما لا يكون معه المال الكافي لتغطية نفقاته حتى أن بعض الفتيات سيئات السمعة أشفقن عليه وسمحن له بأن يشاركهن معجون الأسنان والصابون.
في تلك الفترة، بدا الشاب الموهوب وكأنه يبحث عن نفسه، فالتحق بالعمل الصحافي مراسلاً لإحدى الجرائد كما وقع في غرام السينما، وكان جاداً في دراسة الفن السابع. غطى ماركيز المحرر الصحافي وهو في إيطاليا الحالة الصحية المتدهورة للبابا «بيوس الثاني عشر» في الفاتيكان، وغطى كذلك ما حدث في مؤتمر جنيف 1954 الذي حضره ممثلون للدول الأربع العظمى. ملأت تلك الأحداث وقت المراسل الكولومبي في البداية، بالإضافة إلى شعوره بخيبة الأمل عندما اكتشف أن المراعي خارج باريس لا تختلف كثيراً في خضرتها عن مرتفعات بلاده في بوغوتا. بعد مرور عدة أسابيع رحل إلى البندقية لتغطية حدث استولى على كل اهتمامه وهو مهرجان البندقية السادس عشر للفن السينمائي، حيث قضى أسبوعين يشاهد الأفلام في كل الأوقات صباحاً وحتى وقت متأخر من الليل. كان مبهوراً بكل ما يراه لدرجة أنه شاهد القليل من تلك المدينة التي تتحمل بشكل عجيب موجات وتحركات القوارب الميكانيكية في قنواتها المختلفة. سارع بالتوجه إلى روما حيث حضر عروض مركز الأفلام التجريبية الإيطالي، وظل لعشرة أعوام اللاحقة شغوفاً بالكتابة للسينما لكنه حين يسجل نفسه للدراسة في استوديوهات «شينشيتا» شعر بالملل من الجانب الأكاديمي فصرف نظر عن الموضوع برمته.
الرواية الأشهر
وينتقل المؤلف إلى سرد كواليس وملابسات عدد من روايات ماركيز الشهيرة ومنها «مائة عام من العزلة» بعد أن أصبح كاتباً معروفاً ومتزوجاً، غير أن لعنة الظروف المادية السيئة ظلت تلاحقه. تسلمت زوجته «مرسيدس» مسؤولية إدارة المنزل بالكامل بالخمسة آلاف دولار التي أعطاها لها زوجها، كما باعت السيارة التي اشتروها بأموال الجائزة التي حصل عليها عن روايته «في ساعة نحس» لتنفق على المنزل. بعد مرور عام وتصف وبعد انتهاء ما كان معها من أموال اضطرت إلى أن تلجأ إلى مصادر أخرى مثل إقناع الجزار وصاحب البيت بأن تتعامل معهم بالآجل. وبحلول الوقت الذي انتهى فيه ماركيز من كتابة الرواية كانا في حالة مادية صعبة لدرجة أنهما اضطرا أن يقسما صفحاتها الـ600 لنصفين ثم رهنا آخر ما يمتلكان من أثاث منزلي ليتمكنا من إرسالها إلى «بونيس آيرس» حتى أن «مرسيدس» قالت: «لا ينقصنا الآن سوى أن تفشل هذه الرواية».
وحول الأسلوب الذي اتبعه ماركيز في إنجاز «مائة عام من العزلة»، فهو يختلف عن «هيمنغواي»، الذي كان يفضل أن يكتب وهو واقف على قدميه وأن يكتفي بنقل وزنه من ساق إلى أخرى، وعندما سئل عن سبب قيامه بذلك أجاب: «كي أتعب سريعاً فلا أكتب أي هراء» أما «فوكنر» فقال إن كل ما يحتاج إليه هو الورق والقلم والشراب والسجائر. أما ماركيز فكانت لديه طريقة عملية وفعالة ساعدته على أن يظل متصلاً بالقصة وألا يفقد ترابطها أو زخمها. كانت إحدى الصعوبات التي واجهته في أثناء كتابته تلك الرواية هي أن يربط ما كتبه في الليلة السابقة بما سيكتبه صباح اليوم التالي، لذلك توصل إلى أن الطريقة الوحيدة التي ستساعده على الربط بين كل شيء هو ألا يكتب كل ما لديه من أفكار مرة واحدة وهو شيء مشابه لاستراتيجية هيمنغواي بأنه ليس من الحكمة أن «تفرغ البئر ماءها»، وهو ما فعله ماركيز. لم يكتب كل ما لديه من أفكار وأحداث اكتفى بكتابة أفكاره المكتملة لكي يستطيع أن يركز بعدها على جعل الأفكار الأخرى المتناثرة داخله متكاملة وصالحة للكتابة. وبهذه الطريقة استطاع الكاتب الكولومبي صاحب نوبل أن يكتشف وسيلة فعالة ورائعة بعد أن يظل يكتب لست ساعات صباحاً يتوقف عن الكتابة في فترة الظهر ليستريح بعدها ويصحح ما كتبه بخط اليد صباحاً ثم يعود إلى الكتابة بعدها حتى وقت متأخر من الليل ثم يتوقف ويعود إلى العمل صباحاً مجدداً، وفي الصباح يطبق كل التصحيحات والملاحظات التي كتبها يدوياً في اليوم السابق وبعدها يبدأ عمل اليوم الجديد بسلاسة نسبية.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


حظر السلاح... هل تفتح واشنطن ثغرة في جدار حرب السودان؟

Senior Advisor to the US President for Arab and African Affairs, Masad Boulos (AFP)
Senior Advisor to the US President for Arab and African Affairs, Masad Boulos (AFP)
TT

حظر السلاح... هل تفتح واشنطن ثغرة في جدار حرب السودان؟

Senior Advisor to the US President for Arab and African Affairs, Masad Boulos (AFP)
Senior Advisor to the US President for Arab and African Affairs, Masad Boulos (AFP)

ألقت الولايات المتحدة بحجر في بركة الحرب السودانية الراكدة، بإعلان نيتها توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ أكثر من عقدين ليشمل كامل السودان، في تحرك يبدو أنه يستهدف الانتقال من سياسة العقوبات المحدودة إلى محاولة مباشرة لتقليص قدرة طرفَي الحرب على الاستمرار في القتال، ودفعهما إلى إعادة حساب تكلفة الحسم العسكري مقابل العودة إلى التفاوض، وهي خطوة تبدو محفوفة بالمخاطر، لكنها في المقابل تبين عزم واشنطن على حسم حرب أصبحت توصف بأنها أكبر وأكثر الأزمات الإنسانية في العالم.

مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، قال أمام مجلس الأمن قبل أيام، إن المقترح الأميركي يشمل الطائرات المسيّرة وتقنياتها ومكوناتها، إلى جانب تعزيز عمل لجنة خبراء العقوبات المكلفة برصد الانتهاكات.

وينتهي نظام حظر الأسلحة الحالي الخاص بدارفور في 12 سبتمبر (أيلول)، ما يجعل الأسابيع المقبلة اختباراً لقدرة واشنطن على بناء توافق داخل مجلس الأمن حول توسيع نطاق الحظر. لكن روسيا التي أبدت تحفظات واضحة، أعلنت أنها لن تقبل بأي إجراءات قد تؤثر في قدرات الجيش السوداني، في حين اتخذت الصين موقفاً حذراً من توسيع العقوبات، وهو ما يجعل تمرير المشروع بصيغته الحالية غير مضمون.

وتنظر واشنطن إلى الحظر المقترح باعتباره أداة ضغط أكثر منه مجرد إجراء عقابي. ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، ترى الإدارة الأميركية أن تضييق وصول الأسلحة إلى المتحاربين يمكن أن يدفعهما إلى العودة إلى طاولة التفاوض، في وقت حذرت فيه مسؤولة الأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو من استمرار اعتماد الأطراف على الحل العسكري، ومن التدفق المتواصل للأسلحة المتطورة.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

غير أن تصريحات رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان تعكس، في المقابل، استمرار الرهان على الحسم؛ فقد قلّل البرهان من تأثير العقوبات المحتملة، وقال إن الحديث عنها لن يؤثر في السودان أو يضعف عزيمة القوات المسلحة، مؤكداً أن الجيش سيواصل القتال حتى استعادة جميع المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع».

ويكشف هذا التباين جوهر المعركة السياسية المحيطة بالمقترح الأميركي؛ فواشنطن تريد إقناع طرفَي الحرب بأن استمرار تدفق السلاح لن يبقى مفتوحاً، في حين لا تزال القيادة العسكرية السودانية تتحدث بلغة استعادة الأرض عسكرياً، وينطبق الأمر ذاته على «الدعم السريع»، التي تواصل بدورها تعزيز مواقعها والاعتماد على شبكات الإمداد والسلاح والمسيّرات.

وتقوم الفرضية الأميركية على أن استمرار القدرة على إعادة التسليح يطيل عمر الحرب؛ فما دام يعتقد كل طرف أنه يستطيع تعويض خسائره والحصول على مزيد من المسيّرات والذخائر والوقود والتمويل، يظل دافعه إلى تقديم تنازلات محدوداً. أما إذا أصبحت عمليات الإمداد أكثر صعوبة وتكلفة، فقد تتغير الحسابات العسكرية تدريجياً لمصلحة التسوية.

مقاتلون منشقون عن «قوات الدعم السريع» يستسلمون للجيش السوداني في أم درمان على مشارف الخرطوم (أ.ب)

وشهدت الحرب السودانية خلال الأشهر الأخيرة توسعاً كبيراً في استخدام المسيّرات، التي لم تعد تستهدف الخطوط الأمامية فقط، بل وصلت إلى مدن وأسواق ومنشآت كهرباء ومياه ومرافق صحية. وقالت ديكارلو إن الأسلحة المتطورة، بما فيها المسيّرات، أصبحت عاملاً أساسياً في رفع تكلفة الحرب على المدنيين.

ومن هذه الزاوية، يمكن لتقييد تدفق المسيّرات ومكوناتها والذخائر والأسلحة الثقيلة أن يحقق مكسباً إنسانياً مباشراً عبر خفض عدد الهجمات بعيدة المدى، وتقليص الخسائر بين المدنيين، والحد من موجات النزوح وتعطيل المستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه، إلى جانب تحسين فرص وصول المساعدات الإنسانية. غير أن نجاح الخطة الأميركية يبقى مرهوناً بالتنفيذ؛ فالحظر المفروض على دارفور منذ 2005 لم يمنع تدفق السلاح إلى الإقليم، ما يكشف محدودية القرارات الأممية عندما لا تصاحبها آليات رقابة وإنفاذ فعالة.

ترحيب المعارضة

ورحبت قوى مدنية سودانية معارضة بالمقترح الأميركي، مع ضرورة ربطه بمسار سياسي شامل. وقال خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف «صمود»، إن الضغط على طرفي الحرب ينبغي أن يكون جزءاً من «حزمة متكاملة» لإنهاء القتال واستعادة المسار المدني، لا مجرد إجراء عقابي منفصل. أما ياسر عرمان، رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، فحذر من أن تؤدي الإجراءات الجزئية إلى «إدارة الحرب بدلاً من إنهائها»، داعياً إلى خريطة طريق مشتركة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، توقف القتال وتحافظ على وحدة السودان.

وسيكون الاختبار الحقيقي لجدية واشنطن هو قدرتها على الانتقال من قرار في مجلس الأمن إلى ملاحقة شبكات الإمداد، بما يشمل الرحلات الجوية والطرق البرية والوسطاء والشركات والأفراد الذين يسهّلون شراء السلاح ونقله إلى السودان.

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

ولا يبدو أن واشنطن تراهن على الحظر وحده لإنهاء الحرب؛ فالأرجح أن المقترح يأتي ضمن محاولة أوسع لرفع تكلفة استمرار القتال بالتوازي مع الدفع نحو مسار تفاوضي. ويقول مسؤولون أميركيون إن الغاية ليست منح النصر لطرف على آخر، بل تقليص قدرة الطرفين على مواصلة حرب مفتوحة بلا أفق. ومع ذلك، فإن جدية التحرك الأميركي ستقاس في النهاية بمدى استعداده للضغط على الداعمين، وليس فقط على المتحاربين السودانيين. فإذا استمر وصول السلاح، فلن يكون توسيع الحظر أكثر من إطار قانوني محدود الأثر. أما إذا اقترن بآليات مراقبة وعقوبات وضغط دبلوماسي متزامن لفتح باب التفاوض، فقد يتحول إلى إحدى أقوى أدوات الضغط الدولية منذ اندلاع الحرب.

وفي جوهره، يضع المقترح الأميركي معادلتين متناقضتين في مواجهة مباشرة: واشنطن تريد جعل مواصلة الحرب أكثر صعوبة وتكلفة، في حين يصر طرفا الصراع على القتال حتى استعادة كامل الأراضي. وبين الموقفين، يبقى المدنيون الطرف الأكثر استفادة من أي إجراء ينجح فعلياً في تقليل تدفق أدوات القتل، ولو قبل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.


الرئيس التونسي يندد بـ«أعمال مدبرة» وراء أزمة انقطاع الماء والكهرباء

يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
TT

الرئيس التونسي يندد بـ«أعمال مدبرة» وراء أزمة انقطاع الماء والكهرباء

يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)
يُعاني التونسيون من انقطاعات متكررة في مياه الشرب فيما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية (إ.ب.أ)

ندد الرئيس التونسي قيس سعيّد بـ«أعمال مدبّرة» تهدف إلى «تأجيج الأوضاع»، بعد تصاعد أزمة انقطاع المياه والكهرباء، التي أثّرت على معيشة التونسيين منذ بداية الصيف، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي، أدّت درجات حرارة استثنائية قاربت 50 درجة مئوية في بعض المناطق إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه، ما دفع السلطات إلى فرض انقطاعات.

وأكد سعيّد، الذي يحتكر السلطات في البلاد منذ صيف عام 2021، في بيان نشرته الرئاسة، الخميس، أن الانقطاعات الطويلة للمياه والكهرباء التي قد تتجاوز عشر ساعات متتالية في بعض المناطق، بما فيها تونس العاصمة، «لا يمكن اعتبارها مجرّد أحداث عابرة أو حالات معزولة».

وترأس سعيّد اجتماعاً ضمّ رئيسة حكومته سارة الزعفراني الزنزري والوزراء المعنيين، إضافة إلى رؤساء شركتي الكهرباء والمياه الحكوميتين. وقال إنّ «الأبحاث أثبتت أن انقطاع الماء والكهرباء في كثير من المناطق لم يكن نتيجة أعطاب عادية، بل نتيجة أعمال مدبّرة».

وعادت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى نشر إعلانات عن قطع التيار لفترات معينة خلال اليوم، بهدف تخفيف الضغط على شبكتها في غالبية مناطق البلاد، بما فيها إقليم تونس الكبرى الذي يقطنه نحو ثلاثة ملايين نسمة.

ويُعاني التونسيون أيضاً من انقطاعات متكررة في مياه الشرب، إذ إن جزءاً كبيراً من التزود بالمياه يستلزم عمليات ضخ مستمرة. كما تشهد أسواق البلاد ندرة في التزود بقوارير المياه المعدنية التي يستهلكها التونسيون بشكل كبير خلال فصل الصيف. وفي المساحات التجارية الكبرى، يُشترط شراء ست قوارير حداً أقصى للشخص الواحد.

وقال سعيّد إن «أعداء الوطن ومن والاهم باتوا مكشوفين أمام الشعب التونسي»، مشدداً على أنه «ما دامت الجبهة الداخلية متماسكة، وما دام الوعي متواصلاً، رغم كل محاولات التأجيج، فستتحطم كلّ هذه المخطّطات الإجراميّة مهما كان مأتاها».


موريتانيا: توقيف لواء متقاعد دعا لإسقاط النظام

اللواء المتقاعد لبات ولد معيوف (إعلام محلي)
اللواء المتقاعد لبات ولد معيوف (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: توقيف لواء متقاعد دعا لإسقاط النظام

اللواء المتقاعد لبات ولد معيوف (إعلام محلي)
اللواء المتقاعد لبات ولد معيوف (إعلام محلي)

أوقفت شرطة الجرائم السيبرانية في موريتانيا، أمس (الأربعاء)، اللواء المتقاعد في الجيش الموريتاني لبات ولد معيوف، قبل أن تحيله إلى الدرك الوطني، دون كشف ملابسات التوقيف، ولا أسبابه، وهو الذي اشتهر بمواقفه المعارضة للسلطة.

وينشطُ ولد معيوف في صفوف حزب «موريتانيا إلى الأمام»، وهو حزب سياسي معارض حصل على الترخيص العام الماضي، وله مواقف معارضة شديدة الراديكالية، وأغلب مناضليه من الشباب الرافضين للأوضاع في البلد.

وأصدر الحزب بياناً صحافياً ندد فيه باستدعاء اللواء المتقاعد، الذي هو عضو مكتبه التنفيذي، من طرف شرطة الجرائم السيبرانية، وقال الحزب إن الاستدعاء يأتي بعد مشاركة اللواء المتقاعد في «بث إعلامي».

وأضاف الحزب أن توقيف اللواء المتقاعد «يعتبر تصعيداً خطيراً، واستفزازاً غير مقبول يستهدف حرية التعبير، والعمل السياسي»، كما حمل السلطات «كامل المسؤولية عن سلامة اللواء، وعن أي تبعات قد تترتب على هذا الإجراء»، داعياً إلى «الإفراج الفوري عنه».

إسقاط النظام

وأكدت مصادر خاصة أن اللواء المتقاعد يخضع للتحقيق إثر شكوى تقدم بها وكيل الجمهورية في نواكشوط الغربية، على خلفية مقابلة أجراها مؤخراً مع منصة إعلامية دعا فيها إلى إسقاط النظام الحاكم في موريتانيا.

وقال ولد معيوف في هذه المقابلة إنه «وجه دعوة للمعارضة من أجل تعليق مشاركتها في الحوار، لأنه بلا فائدة في هذا التوقيت، وأرى أنه مجرد وسيلة لقتل الوقت، لا فائدة مرجوة منه للوطن»، مشيراً إلى أن الحوار فقد مصداقيته «لأن مناصري النظام يقيمون المهرجانات، والمبادرات للمطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس، للعصف بالمواد المحصنة من الدستور، والتي هي مكسب حقيقي لدى الموريتانيين».

وأضاف ولد معيوف: «طلبت من المعارضة أن تسقط النظام عن طريق توحيد صوتها، وأن تعمل بجهد موحد، ولديها طرق كثيرة لإسقاط النظام»، مشيراً إلى أن «النظام الذي يحكمنا جاء عن طريق الانقلاب، حين شارك في ثلاثة انقلابات؛ انقلاب عام 2005، و2008، وانقلاب 2009 الذي تم عبر انتخابات».

مسار عسكري حساس

أثارت هذه التصريحات الجدل في موريتانيا، خاصة أنها صدرت عن ضابط موريتاني رفيع سابق في القوات المسلحة، وأصبح بعد تقاعده صوتاً نقدياً بارزاً تجاه الأوضاع العسكرية والسياسية في البلاد، وهو نجل العقيد الراحل فياه ولد معيوف، أحد أبرز مؤسسي الجيش الموريتاني، وأحد أبطال حرب الصحراء في سبعينات القرن الماضي.

وشغل اللواء المتقاعد خلال مساره العسكري مناصب حساسة، من أبرزها قيادة التجمع العام لأمن الطرق، وإدارة الاستخبارات العسكرية، وقيادة كتيبة الأمن الرئاسي، خلال حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، ورُقّي إلى رتبة لواء في تلك الفترة قبل أن يحال للتقاعد.

الرئيس محمد ولد الغزواني (الرئاسة)

بعد تقاعده دعم ترشح سيدي محمد ولد ببكر للانتخابات الرئاسية عام 2019، ثم أصبح ينشر بانتظام مقالات ومنشورات نقدية حادة تجاه النظام الحاكم، من أبرزها دعوته للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الاستقالة عام 2021، وذلك بسبب ما سماه «حالة الفوضى، وانهيار القطاعات، ونهب الثروات»، واستدعي على أثر ذلك من طرف قيادة أركان الجيش، ثم استقبل من الرئيس ولد الغزواني، وغير موقفه، وأصبح موالياً للسلطة.

العودة للتصعيد

لكن سرعان ما عاد اللواء المتقاعد إلى مواقفه المعارضة العام الماضي، وأثار الجدل بتصريحات تزامنت مع عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حين وصف الجيش بأنه «مجرد واجهة»، مشيراً إلى أن الجيش يعاني من «نقص التسليح، والعدد والميزانية، والصيانة، واللوجستيك».

وانتقد ولد معيوف بشدة العرض العسكري، واعتبر أن «المعدات المعروضة رمزية بلا قدرة عملياتية حقيقية»، مؤكداً أن ذلك يثبته «تصنيف موريتانيا المتدني في مؤشرات القوة العسكرية العالمية»، على حد تعبيره.

كما أثار ولد معيوف الجدل بتصريحات حول السيادة الترابية.

ومؤخراً تركزت تصريحات اللواء على انتقاد الحوار الوطني الذي تسعى السلطات لتنظيمه نهاية العام الحالي ما بين الأطراف السياسية، وقال ولد معيوف إن الهدف من هذا الحوار هو «تمرير تعديلات دستورية تخدم السلطة».