ماركيز: أنا طفل خجول يحتمي بالعزلة التي يوفرها الأدب ليصنع السحر

كتاب عن ذكريات طفولته وسنوات الصبا وروايته الأشهر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماركيز: أنا طفل خجول يحتمي بالعزلة التي يوفرها الأدب ليصنع السحر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

لم يكن «ماركيز» مجرد كاتب حصل على جائزة نوبل، بل هو ظاهرة أدبية شديدة العمق اتخذت من أميركا اللاتينية، وكولومبيا تحديداً، نافذة أطل منها هذا المبدع الاستثنائي على الروح الإنسانية في كل مكان. وعلى غير ما هو معتاد في معظم ما نشر عنه، يحكي هو بنفسه في كتاب «ماركيز - لن أموت أبداً» عن ذكريات طفولته وسنوات الصبا والمراهقة في بيت جدته، فضلاً عن الحكايات والملابسات الخاصة بتأليف وصدور عدد من أشهر رواياته مثل «مائة عام من العزلة».
الكتاب من تأليف الكاتب الكولومبي «كونرادو زولواجا»، وهو أيضاً محرر ثقافي وأستاذ لمادة الأدب في العديد من الجامعات، وصدرت ترجمته عن دار «العربي» بالقاهرة لسمير محفوظ بشير، مراجعة وتحرير هدى فضل. يقول ماركيز: إن اسمي أيها السنيور هو جابريل جارثيا ماركيز، آسف أنا أيضاً لا أحب هذا الاسم لأنه عبارة عن خيط من أسماء عادية لم أتمكن قط من الارتباط به، ولدت في بلدة أراكاتاكا في كولومبيا، من مواليد برج الحوت، وزوجتي اسمها مرسيدس وهما - زوجتي وبلدتي - أهم شيئين في حياتي ﻷنني بسببهما تمكنت من استخدام الكتابة للنجاة أو على الأقل النجاة حتى الآن»، ويضيف: «أنا كاتب لأنني إنسان خجول، إن صنعتي هي السحر لكن طول المدة التي استغرقتها في صناعة سحري تصيبني بالاضطراب فأضطر إلى أن أحتمي بالعزلة التي يوفرها لي الأدب».
في كنف الجد
كان أقوى دوافع ماركيز للقيام بأي شيء هو أن يحبه أصدقاؤه أكثر ومن أجل هذا الهدف وحده برع في أثناء طفولته في الرسم على حائط ورشة صائغ الفضة ثم برع في الخدع السحرية، وفي مراهقته أصبح لاعب بيانو وأكورديون ماهراً ثم بائع موسوعات وشاعراً وصانع أفلام وحكاءً للقصص ثم كاتباً لها.
نشأ ماركيز في بيت جده لأن أباه ركض وراء أحلامه فاستقال من وظيفته وقرر أن يستقر في مدينة «بارانكيا» بوصفه صيدلياً خبيراً في تحضير الأدوية منزلياً. أصر الجدان أن يظل جابرييل معهما في «أراكاتاكا» ولمدة سبعة أعوام كان تحت رعاية جده «باباليلو»، الكولونيل من حرب الألف يوم. ربته جدته «مينا» أيضاً فنشأ وحوله قريباتها وبنات زوجها غير الشرعيات أو إخوته وشارك في تربيته أيضاً الخدم وهم من هنود الـ«جواخيراس» والذين عوملوا وكأنهم أفراد من العائلة. كان من ضمن الذين نشأ وسطهم أيضاً مجموعة من النسوة كن مسؤولات عن المطبخ ويصنعن له الحلوى على شكل حيوانات ويدرن كل شؤون المنزل، بما في ذلك ميزانية البيت.

حول تلك الحقبة في حياته، يقول: «أؤمن أن الفضل في طريقتي في التفكير يعود إلى النسوة في عائلتي وكل الذين عملوا في خدمتنا وأثروا في طفولتي جميعهم تمتعوا بشخصيات قوية وقلوب رحيمة وعاملوني بتقائية جعلتني أشعر وكأن الجنة قد وجدت على الأرض». كانت النساء اللاتي تعاملن معه ذوات تأثير كبير فيه منذ أيام طفولته كما كن مسؤولات عن العديد من أقوى اعتقاداته مثل أن النساء هن اللاتي يحافظن على تماسك العالم بقبضاتهن الحديدية. ولكن يبدو أن تلك العلاقة لم تكن وردية طوال الوقت، فعندما اكتشف أن لديه موهبة الرسم، قرر فجأة أن يرسم على جدران المنزل فغضبت نساء المنزل ومنعن من فعل ذلك. هنا اشتعل غضب جده ﻷنهن منعنه من الرسم فأمر، وكان حينها جالساً في ورشة صائغ الذهب والتي كان يستخدمها أيضاً مكتباً له، أن يدهن أحد الجدران باللون الأبيض وأن يشتروا لحفيده الألوان، فقد آمن بأن هذا الطفل سيصبح رساماً. ومن مظاهر اعتزازه وحبه لحفيده أنه كان يجلسه إلى جانبه على رأس المائدة وباقي الضيوف على الجانبيين.
الصعلوك الشاب
اعترف ماركيز بأنه يدين بالفضل للكاتب الأميركي ويليام فوكنر خلال حواره الشهير مع كاتب البيرو الأشهر «ماريو بارجاس يوسا» بعد ثلاثة أشهر من صدور «مائة عام من العزلة» قائلاً: «إن الأسلوب الفوكنري مؤثر وفعال عند حكي أي قصة واقعية في دول أميركيا اللاتينية، وهو ما اكتشفناه في فوكنر دون أن نعي هذا الاكتشاف، وهو أننا رأينا الواقعية وأردنا وصفها وأدركنا بأن الأساليب الأوروبية لم تسعفنا في ذلك، ولا حتى الأساليب الإسبانية التقليدية، فجأة وجدنا أن الأسلوب الفوكنري هو المناسب لحكي القصة الواقعية».
لم يتأثر ماركيز بأسلوب فوكنر فقط، بل يبدو أنه أعجب بفكرة البوهيمية والصعلكة التي تنطوي عليها نصائحه في الحياة عندما قال ذات مرة ساخراً: «إن الفن لا يهتم بالمكان الذي سيعبر عنه وإذا كنت تقصدني بكلامك فإن أفضل وظيفة عرضت علي هي أن أكون مديراً لبيت سيئ السمعة، أرى أن هذه هي أفضل بيئة يمكن لفنان أن يعمل بها فهي توفر له حرية اقتصادية كاملة فيتحرر من خوفه من الجوع ويجد فوق رأسه سقفاً وليس عليه القيام بشيء سوى بعض الحسابات البسيطة وأن يذهب شهرياً إلى الشرطة ويدفع الإتاوة».
عاش ماركيز في شبابه حياة الصعلكة، حيث قضى عدة أشهر في فندق رخيص أطلق عليه هو وأصدقاؤه اسم «ناطحة السحاب» اعتاد رهن مخطوطاته لدى مكتب استقبال الفندق عندما لا يكون معه المال الكافي لتغطية نفقاته حتى أن بعض الفتيات سيئات السمعة أشفقن عليه وسمحن له بأن يشاركهن معجون الأسنان والصابون.
في تلك الفترة، بدا الشاب الموهوب وكأنه يبحث عن نفسه، فالتحق بالعمل الصحافي مراسلاً لإحدى الجرائد كما وقع في غرام السينما، وكان جاداً في دراسة الفن السابع. غطى ماركيز المحرر الصحافي وهو في إيطاليا الحالة الصحية المتدهورة للبابا «بيوس الثاني عشر» في الفاتيكان، وغطى كذلك ما حدث في مؤتمر جنيف 1954 الذي حضره ممثلون للدول الأربع العظمى. ملأت تلك الأحداث وقت المراسل الكولومبي في البداية، بالإضافة إلى شعوره بخيبة الأمل عندما اكتشف أن المراعي خارج باريس لا تختلف كثيراً في خضرتها عن مرتفعات بلاده في بوغوتا. بعد مرور عدة أسابيع رحل إلى البندقية لتغطية حدث استولى على كل اهتمامه وهو مهرجان البندقية السادس عشر للفن السينمائي، حيث قضى أسبوعين يشاهد الأفلام في كل الأوقات صباحاً وحتى وقت متأخر من الليل. كان مبهوراً بكل ما يراه لدرجة أنه شاهد القليل من تلك المدينة التي تتحمل بشكل عجيب موجات وتحركات القوارب الميكانيكية في قنواتها المختلفة. سارع بالتوجه إلى روما حيث حضر عروض مركز الأفلام التجريبية الإيطالي، وظل لعشرة أعوام اللاحقة شغوفاً بالكتابة للسينما لكنه حين يسجل نفسه للدراسة في استوديوهات «شينشيتا» شعر بالملل من الجانب الأكاديمي فصرف نظر عن الموضوع برمته.
الرواية الأشهر
وينتقل المؤلف إلى سرد كواليس وملابسات عدد من روايات ماركيز الشهيرة ومنها «مائة عام من العزلة» بعد أن أصبح كاتباً معروفاً ومتزوجاً، غير أن لعنة الظروف المادية السيئة ظلت تلاحقه. تسلمت زوجته «مرسيدس» مسؤولية إدارة المنزل بالكامل بالخمسة آلاف دولار التي أعطاها لها زوجها، كما باعت السيارة التي اشتروها بأموال الجائزة التي حصل عليها عن روايته «في ساعة نحس» لتنفق على المنزل. بعد مرور عام وتصف وبعد انتهاء ما كان معها من أموال اضطرت إلى أن تلجأ إلى مصادر أخرى مثل إقناع الجزار وصاحب البيت بأن تتعامل معهم بالآجل. وبحلول الوقت الذي انتهى فيه ماركيز من كتابة الرواية كانا في حالة مادية صعبة لدرجة أنهما اضطرا أن يقسما صفحاتها الـ600 لنصفين ثم رهنا آخر ما يمتلكان من أثاث منزلي ليتمكنا من إرسالها إلى «بونيس آيرس» حتى أن «مرسيدس» قالت: «لا ينقصنا الآن سوى أن تفشل هذه الرواية».
وحول الأسلوب الذي اتبعه ماركيز في إنجاز «مائة عام من العزلة»، فهو يختلف عن «هيمنغواي»، الذي كان يفضل أن يكتب وهو واقف على قدميه وأن يكتفي بنقل وزنه من ساق إلى أخرى، وعندما سئل عن سبب قيامه بذلك أجاب: «كي أتعب سريعاً فلا أكتب أي هراء» أما «فوكنر» فقال إن كل ما يحتاج إليه هو الورق والقلم والشراب والسجائر. أما ماركيز فكانت لديه طريقة عملية وفعالة ساعدته على أن يظل متصلاً بالقصة وألا يفقد ترابطها أو زخمها. كانت إحدى الصعوبات التي واجهته في أثناء كتابته تلك الرواية هي أن يربط ما كتبه في الليلة السابقة بما سيكتبه صباح اليوم التالي، لذلك توصل إلى أن الطريقة الوحيدة التي ستساعده على الربط بين كل شيء هو ألا يكتب كل ما لديه من أفكار مرة واحدة وهو شيء مشابه لاستراتيجية هيمنغواي بأنه ليس من الحكمة أن «تفرغ البئر ماءها»، وهو ما فعله ماركيز. لم يكتب كل ما لديه من أفكار وأحداث اكتفى بكتابة أفكاره المكتملة لكي يستطيع أن يركز بعدها على جعل الأفكار الأخرى المتناثرة داخله متكاملة وصالحة للكتابة. وبهذه الطريقة استطاع الكاتب الكولومبي صاحب نوبل أن يكتشف وسيلة فعالة ورائعة بعد أن يظل يكتب لست ساعات صباحاً يتوقف عن الكتابة في فترة الظهر ليستريح بعدها ويصحح ما كتبه بخط اليد صباحاً ثم يعود إلى الكتابة بعدها حتى وقت متأخر من الليل ثم يتوقف ويعود إلى العمل صباحاً مجدداً، وفي الصباح يطبق كل التصحيحات والملاحظات التي كتبها يدوياً في اليوم السابق وبعدها يبدأ عمل اليوم الجديد بسلاسة نسبية.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

جانب من لقاء الرئيس الموريتاني مع ائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء الرئيس الموريتاني مع ائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

جانب من لقاء الرئيس الموريتاني مع ائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء الرئيس الموريتاني مع ائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

رفض الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، أن يتدخل في جلسات التحضير للحوار الوطني، التي وصلت إلى طريق مسدود، بسبب خلاف بين المعارضة والموالاة حول إدراج نقاش عدد المأموريات الرئاسية في الدستور.

وكانت الأغلبية الرئاسية الحاكمة قد طلبت إدراج نقطة المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار المرتقب، وهو ما رفضته المعارضة بشدة، معتبرة أن حصر عدد المأموريات الرئاسية في اثنتين فقط، هو أمرٌ بموجب مادة دستورية محصنة وغير قابلة للنقاش، لأنها صمام أمان للتناوب والتداول السلمي على السلطة.

وتقول المعارضة إن الأغلبية الرئاسية تسعى لنقاش عدد المأموريات من أجل تعديل الدستور، وفتح الباب أمام ترشح ولد الغزواني لولاية رئاسية ثالثة في الانتخابات الرئاسية لعام 2029، خصوصاً أن أصواتاً في الأغلبية لا تخفي هذه الرغبة.

لا أريد الترشح

طُرح موضوع المأموريات الرئاسية خلال اجتماع عقده ولد الغزواني في القصر الرئاسي، أمس (الخميس)، مع وفد من مؤسسة المعارضة الديمقراطية، لنقاش الأوضاع الاقتصادية للبلد بعد إجراءات تقشف اتخذتها الحكومة بسبب أزمة الطاقة، الناتجة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)

وقال ولد الغزواني حين طرح عليه الموضوع، إنه لا يرغب في الترشح لولاية رئاسية ثالثة، ولم يأمر أي أحد بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك، لكنه في الوقت ذاته رفض أي تدخل في جلسات الحوار، مؤكداً أنه لن يأمر بحذف أي نقطة يريد طرفٌ ما طرحها للنقاش.

وأكد ولد الغزواني أن الحوار، الذي يجري التحضير له منذ أكثر من عام، كان من أبرز صفاته «ألا يقصي أي طرف، ولا يستبعد أي موضوع»، وذلك في إشارة ضمنية إلى أن الأغلبية الرئاسية لها الحق في إدراج ما تريد من مواضيع.

وشدد ولد الغزواني على أن «التداول بين المشاركين في الحوار يجب أن يكون هدفه تقوية البلد، وتعزيز المشتركات بين مكوناته، وتوطيد الوحدة الوطنية، وترقية التجربة الديمقراطية»، وأوضح أنه «ليس من مقتضيات الحوار أن تكون هناك جهة مصرة على أمر معين، وجهة أخرى ترفضه تحت أي ظرف».

ويشكل موضوع المأموريات الرئاسية إحدى أكثر النقاط حساسية في الساحة السياسية الموريتانية، منذ أن حصرها دستور 2006 في ولايتين، مدة كل واحدة منهما 5 سنوات، ويرى محللون أن الرئيس حين يعلن رغبته في الترشح فهو يخالف الدستور، وسيواجه تصعيد المعارضة والشارع، أما حين يعلن عدم ترشحه فسيضعفه ذلك سياسياً، حين ينشغل عنه الناس بالبحث عن خليفته.

تعطل الحوار

أعلنت مؤسسة المعارضة الديمقراطية، التي تضم أحزاب المعارضة الممثلة في البرلمان، أول من أمس (الأربعاء)، تعطل الجلسات التمهيدية للحوار الوطني، وأرجعت ذلك إلى إدراج مواضيع ظلت خارج نطاق التداول في الوثائق المتبادلة بين المعارضة وأحزاب الأغلبية خلال الفترة الماضية.

وجاء التعطل بعد جلستين فقط، وفي كل جلسة يشتعل الخلاف بين المعارضة والموالاة حول إدراج نقاش عدد المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار، وقالت مؤسسة المعارضة إن «مجرد الاقتراب من مناقشة هذه النقطة من شأنه الإجهاز على المكاسب الديمقراطية القليلة التي تحققت في البلاد».

سيدة موريتانية تدلي بصوتها في الانتخابات السابقة (أ.ف.ب)

وعبرت مؤسسة المعارضة الديمقراطية عن أسفها لتعطل جلسات الحوار، مشيرة إلى أنها لا تزال «حريصة على إنجاح الحوار السياسي».

وهيمن موضوع تعليق جلسات الحوار الوطني على مجريات لقاء جمع ولد الغزواني في القصر الرئاسي بممثلي قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، حيث أكد ولد الغزواني مخاطباً المعارضة، أن «الحوار هو حواركم، وحوار كل من يسعى لمصلحة البلد وتعزيز وحدته الوطنية، وتطوير تجربته الشخصية».

ونفى ولد الغزواني بشدة أن يكون لديه أي غرض شخصي، أو هدف خاص من وراء هذا الحوار، وقال: «صحيح أنني من دعا لهذا الحوار، وندب كل الأطراف السياسية للمشاركة فيه، لكن هذا لا يعني أن الحوار حواري، أو أن لي فيه غرضاً شخصياً أو هدفاً خاصاً».

ورفض ولد الغزواني أي تصريحات، أو إشارة قد تصدر عن بعض السياسيين لربط الحوار به شخصياً، أو إظهار أن في مشاركتهم في الحوار ميزة له هو شخصياً، أو استجابة لرغبته، رافضاً بشدة تعليق الحوار، واللجوء له شخصياً عند أي نقطة خلافية.

وطلب ولد الغزواني من كل المشاركين في الحوار «المضي قدماً للتغلب على الخلافات عبر النقاش الناضج، والتداول الواعي».

ويحكم ولد الغزواني (69 عاماً) موريتانيا منذ 2019، وأعيد انتخابه 2024، وبموجب الدستور الحالي للبلاد، لا يمكنه الترشح للانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2029.


مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفترق طرق أميركي ــ عراقي

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه بأنها بطائرة مسيّرة في 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الأميركية ـ العراقية مفترق طرق جديداً بعد تحذيرات حادة أطلقتها سفارة واشنطن في بغداد، أمس (الخميس)، شملت دعوة الرعايا الأميركيين إلى مغادرة العراق «فوراً»، والتنبيه إلى احتمال هجمات تنفذها ميليشيات متحالفة مع إيران خلال 24 إلى 48 ساعة.

وتزامن التصعيد الدبلوماسي مع إعلان مكافأة قدرها 3 ملايين دولار مقابل معلومات عن منفذي الهجمات على المنشآت الأميركية، ومع ضربات جوية استهدفت مواقع لفصائل مسلحة في الأنبار ونينوى من دون خسائر بشرية معلنة.

وقال مستشار سابق لدى الحكومة العراقية، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن التحذير الصادر عن السفارة الأميركية «يُمثل مؤشراً إلى تراجع الثقة بقدرة بغداد على اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الفصائل المسلحة»، مضيفاً أن السياسة الأميركية «انتقلت من منح الحكومة مساحة للتحرك إلى ممارسة ضغط مباشر عليها لإظهار موقف واضح».

في المقابل، شدد ائتلاف «إدارة الدولة» على رفض انتهاك السيادة العراقية، ومنع استخدام أراضي البلاد للاعتداء على دول الجوار.


من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تتواصل الضربات لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة في عدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا قد يمهد لقيود جديدة تجاه الجماعة، التي تصنفها دول عربية «إرهابية».

تلك التحركات ضد «الإخوان» سلّط إعلام مصري الضوء عليها بكثافة، وعدّها خبراء «خطوة للأمام متأخرة أوروبياً، واستكمالاً لحصار أنشطتها في العالم». وتوقعوا «عمليات ترحيل للعناصر المتورطة في أعمال عنف من دول أوروبية للقاهرة لمحاسبتهم قضائياً».

وأفادت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الأربعاء، بأن «هولندا تتحرك لحظر (الإخوان)»، لافتة إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وتحدث الموقع الإلكتروني لصحيفة «الأخبار» الرسمية بمصر، الثلاثاء، عن أن هناك «مخاوف تتنامى للقيادات والكوادر والعناصر (الإخوانية) الهاربة بدولة هولندا من قيام أجهزتها الأمنية بإرجاء النظر في منح الحاصلين منهم على حقّ اللجوء السياسي للجنسية الهولندية. الأمر الذي قد يهدد بترحيل عدد منهم خارج الأراضي الهولندية».

وتأتي المخاوف مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس (آذار) الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، وصوّت كل من حزب «الاتحاد» (يمين وسط) وحزب «Plus 50» (وسط) لصالح الاقتراح، ما منحه أغلبية بـ76 مقعداً من أصل 150 مقعداً، ولم يدخل حيز التنفيذ بعد في ظل دراسة الحكومة آلياته.

الخبير الأمني المصري، اللواء فاروق المقرحي، يرى أن «هذه خطوة للأمام متأخرة لحصار خطر تلك الجماعة»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الحراك يجب أن تتبعه قرارات بترحيل عناصر تلك الجماعة، لمحاسبتهم بالقانون على جرائمهم في حق مصر وشعبها».

فيما يضيف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حظر فروع جماعة (الإخوان) من واشنطن، ثم تحرك أمستردام، وإمكانية امتداده لدول أوروبية أخرى، يعكس نجاعة القاهرة في ملاحقة (الإخوان) وتنامي القناعات العربية والدولية بخطر تلك الجماعة».

ويتوقع أديب أن يصل الحظر إلى دول أوروبية أخرى تباعاً، مثل ألمانيا وبلجيكا، حتى يتم إدراج «الإخوان» على «قوائم الإرهاب»، ويتم التعامل معها كـ«القاعدة» و«داعش» باعتبارهما تنظيمين متطرفين وإرهابيين.

ووفق تقرير حديث لـ«مركز تريندز للبحوث» في الإمارات، فإن موافقة البرلمان الهولندي تعدّ تطوراً لافتاً يعكس تنامي الوعي الأوروبي بمخاطر الإسلام السياسي، ومحطة مفصلية في مسار المواجهة الأوروبية.

ويشير التقرير إلى أن التحرك الهولندي في هذا التوقيت يستفيد من زخم دولي غير مسبوق، دشّنته الإدارة الأميركية، مطلع عام 2026، عبر سلسلة من قرارات التصنيف الإرهابي التي شملت فروعاً رئيسية للجماعة في الشرق الأوسط؛ لتنتقل المواجهة من مربع المراقبة السلبية إلى مربع المواجهة المباشرة والتفكيك المؤسسي ونهاية سياسة الاحتواء.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، صنّفت واشنطن جماعة «الإخوان» بمصر، رفقة فرعيها في الأردن ولبنان، باعتبارها «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

ووافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية، لإضافة جماعة «الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان»، «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، و«تنتشر الجماعة في واشنطن وأوروبا تحت لافتات إسلامية، لا ترفع اسم الجماعة صراحة»، بحسب مراقبين.

ويأتي هذا الحراك الأوروبي مع خطوات مصرية لتجفيف منابع الجماعة وملاحقة عناصرها، وأحدثها قبل أيام مع بثّ وزارة الداخلية اعترافات قيادي بحركة «حسم» الإرهابية بشأن مخططات تخريبية كانت تستعد الحركة للقيام بها ضد الدولة المصرية.

ويعتقد المقرحي أن الضربات، التي تلاحق الجماعة أميركيا وأوروبياً وعربياً، ستجعل «الإخوان» تنغلق على نفسها، خاصة أن الضربات الأمنية في مصر متواصلة ضد عناصرها، ولم يغلق ملفهم، ولن يغلق مهما مرت السنوات.

ويؤكد أديب أن «قرارات الحظر ستؤدي إلى فرض قيود صارمة على الجماعة، تشمل حركة الأموال، وتنقل القيادات، والأنشطة والفعاليات التي يقومون بها»، كما يشير إلى أن «أوروبا، التي كانت تمثل ملاذاً لهذه التنظيمات وتوفر لها منصات إعلامية وحاضنة، سوف تشهد قيوداً حقيقية على بقائهم وعملهم، ما سيؤثر بشكل عام على نشاطهم، وتدفع لترحيل عناصر منهم إلى مصر»، وفق رأيه.