إيقاف ضخ الغاز الروسي لأوروبا «لأجل مفتوح»... وبدء السحب من المخزونات قبل الشتاء

«نورد ستريم1 المعطّل» محدد أساسي في معدلات النمو الاقتصادي للقارة العجوز

استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)
استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)
TT

إيقاف ضخ الغاز الروسي لأوروبا «لأجل مفتوح»... وبدء السحب من المخزونات قبل الشتاء

استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)
استمرار إغلاق خط أنابيب «نورد ستريم1» يضع أوروبا في ورطة اقتصادية (أ.ف.ب)

قررت روسيا استمرار إغلاق خط أنابيب نورد ستريم1، «لأجل مفتوح»، والذي كان مقررا إعادة فتحه أمس السبت، بعد صيانة غير مجدولة لمدة 3 أيام، وهو ما يجبر دول الاتحاد الأوروبي على بدء السحب من المخزونات، التي لم تمتلئ بنسب كفاية لتأمين احتياجات موسم الشتاء.
فبينما تعاني الدول الأوروبية من معدلات تضخم مرتفعة تقلل من فرص تحقيق مستهدفات نمو اقتصادي يضمن استمرار الرفاهية المالية للأسر والمستهلكين، تواجه القارة العجوز خطوات روسية متسارعة، من المتوقع أن تحدد المنحنى الذي على أساسه ستتجه دول الاتحاد اقتصاديا، إما هبوطا أو استقرارا لا أكثر.
ترتبط كل دولة أوروبية اقتصاديا بروسيا حسب درجة اعتمادها على الغاز الروسي، وهو ما يوضح أن الاقتصاد الألماني سيكون الأكثر تأثرا بكل إجراء روسي بشأن الغاز يتخذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وحكومته، ثم فرنسا الأقل تأثر وإيطاليا وإسبانيا. وتبرز هنا المجر التي تهادن موسكو في موقفها من الحرب على أوكرانيا، ما يشير إلى أنها ستكون مستقرة اقتصاديا خلال الفترة المقبلة، نظرا لضمان استمرار ضخ الغاز الروسي.
ولا بد هنا من ذكر اقتراب موسم الشتاء على القارة العجوز، الذي قد يأتي قارسا، وهو ما قد يتطلب توفير الغاز بنسب أعلى للتدفئة، بجانب استمرار المصانع والشركات، الأمر الذي يزيد الضغوط على المخزونات، التي لم تمتلئ بنسب كفاية لتأمين كل ذلك.

محبس الغاز الروسي

كانت الدول الأوروبية تنتظر استئناف الغاز الروسي عبر خط أنابيب نورد ستريم1، أمس السبت، بعد إغلاقه 3 أيام، غير أن إعلان غازبروم الروسية يوم الجمعة، أنّ خط أنابيب الغاز «نورد ستريم» الذي يربط روسيا بشمال ألمانيا، سيتوقّف «تماماً» حتى يتم إصلاح التوربين، من دون تحديد موعد نهائي.
ورفض المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين)، ديمتري بيسكوف، استبعاد إمكانية أن تسبب أعمال الصيانة في خط غاز «نورد ستريم 1» مزيدا من الاضطراب في عمليات توريد الغاز الطبيعي لأوروبا. وقال بيسكوف إنه لا توجد احتياطيات تقنية، بحسب ما ذكرته وكالة أنباء «إنترفاكس» الروسية. وأضاف المتحدث: «هناك توربين واحد فقط يعمل»، مشددا على أن شركة «غازبروم» الروسية العملاقة ليست مسؤولة عن عدم ضمان الاعتماد على «نورد ستريم 1». وكان بيسكوف قال في وقت سابق: «ستتمكن غازبروم من الوفاء بالتزاماتها رغم العقبات القانونية والتقنية التي أثقلت بها أوروبا كاهل الشركة، جراء العقوبات التي تم فرضها على روسيا بسبب حرب أوكرانيا».
ربط البعض هذه الخطوة بإعلان مجموعة الدول السبع يوم الجمعة، الموافقة على تحديد سقف لسعر نفط روسيا، وهي من أكبر منتجي الخام في العالم.
واعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أنه «حان الوقت» لتحديد سقف لسعر الغاز المستورد عبر خط الأنابيب من روسيا، ممّا يدعم تطبيق إجراء دعا إليه رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي.
وتحديد سعر للنفط الروسي يستهدف في الأساس دولا غير أوروبية، لأن دول الاتحاد الأوروبي منها من خفضت من شراء النفط الروسي إلى صفر ومنها بدرجات كبيرة، وهذا يوضح أن خطوات التسعير تستهدف في الأساس المشترين من آسيا، خاصة الصين والهند، وهما أول وثالث أكبر مستهلك للخام في العالم، على التوالي، ما يوسع من مستويات الصراع الاقتصادي.

استعدادات أوروبا

أكد المفوض الأوروبي لشؤون الاقتصاد باولو جنتيلوني، أمس السبت، أن الاتحاد الأوروبي «على استعداد جيد» في حال الوقف الكامل لإمدادات الغاز الروسي، بفضل التخزين وإجراءات اقتصاد الطاقة.
وقال للصحافيين على هامش المنتدى الاقتصادي الذي نظمه «البيت الأوروبي - أمبروسيتي» في تشرنوبيو على بحيرة كومو، «نحن على استعداد جيّد لمقاومة استخدام روسيا المفرط لسلاح الغاز».
وأضاف: «لسنا خائفين من قرارات (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، نطالب الروس باحترام العقود، ولكن إذا لم يفعلوا ذلك فنحن مستعدّون للرد». وأشار جنتيلوني إلى أنّ «تخزين الغاز (في الاتحاد الأوروبي) بلغ حالياً حوالى 80 في المائة، بفضل تنويع مصادر الإمدادات» حتى وإن اختلف الوضع بين دولة وأخرى.
وقال المفوّض الأوروبي إن بروكسل «فعلت الكثير في الأشهر الأخيرة»، ولكن «اليوم يمكن القيام بالمزيد».
من جانبه، قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، وفق وكالة فرانس برس: «نؤيّد مبدأ تحديد سقف لسعر الغاز»، مشيداً بتصريح فون دير لايين في هذا الصدد. لكنه أكد، على هامش منتدى اقتصادي، أنه «كي يكون تحديد سقف لسعر الغاز فعّالاً، يجب أن تكون هناك مشتريات مشتركة».
واعتبر الوزير أيضاً أن مشروعاً مكلفاً بالنسبة لفرنسا هو «الفصل بين أسعار الغاز وهو طاقة أحفورية، وأسعار الكهرباء وهي طاقة خالية من الكربون»، ويجب ألا «ينتظر إصلاح سوق الطاقة، لأن ذلك سيستغرق أشهراً».
وأشار إلى أن باريس تتمنى أن يحصل «الفصل في الأسابيع أو الأشهر المقبلة (...) يجب التحرك الآن، يجب الفصل نهائياً الآن بين أسعار الغاز وأسعار الكهرباء».
ولدى سؤاله عن احتمال القطع الكامل للغاز الروسي، أكد لومير أن «فرنسا مستعدة جيّداً» معتبراً أن «الغاز يُستخدم كسلاح» من جانب روسيا، و«قد توقعنا ذلك، لن يشكل مفاجأة».
وأوضح أن نسبة «تخزين الغاز تتجاوز اليوم 90 في المائة (في فرنسا). سنحافظ على هدفنا ملء المخزونات بنسبة 100 في المائة وقد سرّعنا (عملية) تنويع الإمدادات».

ألمانيا تشكك في التبرير الروسي

وأمام التطورات في سوق الغاز، شككت الوكالة الاتحادية للشبكات في ألمانيا في التبرير الروسي لعدم استئناف توريدات الغاز عبر خط نورد ستريم1. وكتبت الوكالة في تقريرها المنشور أمس السبت عن وضع إمدادات الغاز أن «العيوب المزعومة من الجانب الروسي ليست سببا تقنيا لوقف التشغيل».
كانت غازبروم أعلنت، مساء أمس الجمعة، على نحو مفاجئ استمرار وقف تدفق الغاز عبر خط نورد ستريم 1 حتى إشعار آخر، وذكرت غازبروم أن سبب التوقف هو تسرب زيت في محطة ضاغط بورتوفايا وقالت إنه لا يمكن تدفق أي غاز حتى وقف هذا التسريب.
وكانت شركة سيمنس انرجي الألمانية، منتجة التوربينات المعنية بهذا العطل، شككت أيضا في الرواية الروسية. وقالت الشركة في بيان إن اكتشافا من هذا النوع لا يعد سببا تقنيا لإيقاف التشغيل، وقالت إن مثل هذه التسريبات لا تؤثر في العادة على عمل التوربين ويمكن سد التسريب في التوربين وهو في مكانه، مشيرة إلى أن هذه عملية روتينية تتم في إطار أعمال الصيانة. وأضافت أن حدوث مثل هذا النوع من التسريبات لم يكن يؤدي إلى وقف التشغيل في الماضي. ورأت الوكالة أن وضع إمدادات الغاز متوتر بوجه عام، وقالت إن استمرار تردي الموقف ليس مستبعدا «غير أن إمدادات الغاز في ألمانيا مستقرة في اللحظة الراهنة، ولا يزال أمن الإمدادات في ألمانيا مضمونا في الوقت الحالي».

أوكرانيا لعرض تصدير الكهرباء لألمانيا

تعتزم أوكرانيا دعم ألمانيا في محاولتها لإنهاء اعتمادها على واردات الطاقة الروسية، من خلال تزويد أكبر اقتصاد في أوروبا بفائض الكهرباء لديها.
وقال رئيس وزراء أوكرانيا دينيس شميهال، وفق وكالة الأنباء الألمانية، «حاليا، تصدر أوكرانيا الكهرباء إلى مولدوفا ورومانيا وسلوفاكيا وبولندا. لكننا على استعداد تام لتوسيع صادراتنا لتشمل ألمانيا». وقال شميهال: «لدينا كمية كافية من الكهرباء في أوكرانيا، بفضل محطات الطاقة النووية»، مضيفا أنه سيثير القضية خلال زيارته للعاصمة الألمانية برلين.
يأتي هذا في الوقت الذي حذرت فيه شركات إنتاج الكهرباء في منطقة نهر الراين في ألمانيا من احتمالات تراجع إنتاج محطاتها الحرارية بسبب نقص إمدادات الفحم الذي تستخدمه على خلفية انخفاض منسوب المياه في النهر ما يقلص الكميات التي يتم نقلها بالمراكب النهرية إلى المحطات.
وتخوض ألمانيا معركة ضد انخفاض منسوب المياه في النهر والمنافسة على الملاحة النهرية في مجاريها المائية المختلفة في ظل موجة جفاف تتعرض لها البلاد وتهدد قدرة محطات الكهرباء على تكوين مخزونات كافية من الفحم قبل حلول فصل الشتاء.
ويأتي تراجع كميات الفحم التي تصل إلى المحطات في الوقت الذي أعادت فيه الحكومة الألمانية تشغيل محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم لمواجهة النقص في إمدادات الغاز الطبيعي القادمة من روسيا والتي تعتبر المصدر الرئيسي للغاز بالنسبة لألمانيا.
وأصدرت محطات الكهرباء التي تشغلها شركتا إن بي.دبليو وتريانيل تحذيرات بالقول إنها تواجه مشكلات في الإمدادات حيث تواجه محطة لونين التابعة لشركة تريانيل احتمال خفض الإنتاج مطلع الأسبوع المقبل. كما أعلنت محطة هايلبرون التابعة لشركة إن بي.دبليو على نهر نيكار تضررها من نقص إمدادات الفحم لكنها لم تحدد طبيعة التأثير، حسبما أفادت وكالة بلومبرغ للأنباء.
وارتفعت أسعار العقود الآجلة للفحم في أوروبا خلال تعاملات اليوم الجمعة بنسبة 2.2 في المائة إلى 320 دولارا للطن وهو سعر قياسي للفحم، ويعادل ثلاثة أمثال السعر في بداية العام الحالي.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030» من العراقة إلى الريادة

قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
TT

السياحة السعودية: نهضة اقتصادية مذهلة تقودها «رؤية 2030» من العراقة إلى الريادة

قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)
قوارب تعبر بين أشجار المورينغا في جزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)

لم تكن السياحة في السعودية يوماً مجرد نشاط عابر، بل هي امتداد لثقافة ضاربة في القدم، حيث كانت أرضها ملتقى لطرق التجارة التاريخية ومقراً لأطهر البقاع. ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل هذا الإرث من حيز استقبال الحجاج والمعتمرين إلى فضاء سياحي رحب وشامل، مستفيداً من موقع استراتيجي وتنوع طبيعي وثراء ثقافي جعل المملكة اليوم واحدة من أكثر الوجهات جذباً للعالم.

هندسة المنظومة

بدأ بناء القطاع السياحي الحديث من خلال إصلاحات هيكلية جذرية هدفت إلى إيجاد بيئة عمل متكاملة. فقد أسست المملكة وزارة السياحة لتنظيم القطاع، والهيئة السعودية للسياحة لبناء الهوية التسويقية «روح السعودية»، وصندوق التنمية السياحي الذي تولى مهمة استقطاب الاستثمارات وتعزيز القدرات التمويلية للمشاريع الكبرى. وتكاملت هذه الجهود مع كيانات متخصصة مثل «الهيئة السعودية للبحر الأحمر» لتطوير السياحة الساحلية، و«البرنامج الوطني للربط الجوي» الذي عمل على ربط المدن السعودية بالعالم لضمان تدفق السائحين بانسيابية عالية.

تمكين الوصول وابتكار التجربة الرقمية

تُمثِّل التأشيرة السياحية الإلكترونية حجر الزاوية في هذا الانفتاح، حيث توسَّعت لتشمل مواطني 66 دولة، مما سهل دخول ملايين السياح. وبالتوازي مع ذلك، صدر نظام السياحة الجديد ليدعم المستثمرين عبر تسهيل التراخيص، ويدعم الكفاءات الوطنية عبر برامج مثل «رواد السياحة».

ولم تكتفِ المملكة بالجانب التنظيمي، بل أطلقت حلولاً ذكية مثل المرشدة السياحية الافتراضية «سارة»، مما يعكس التزام الدولة بتقديم تجربة سياحية رقمية متطورة تتماشى مع تطلعات الجيل الجديد من المسافرين.

عائلة تزور حي طريف التاريخي في الدرعية (وزراة السايحة)

طموحات تتخطى الأرقام

لقد أثبتت الأرقام نجاعة هذا التحول؛ فبعد أن كان المستهدف هو 100 مليون سائح بحلول 2030، تم تحقيق هذا الرقم قبل موعده بخمس سنوات، ليُرفع سقف الطموح إلى 150 مليون سائح. وفي عام 2025، سجَّلت المملكة قفزة تاريخية بوصول عدد السياح (محليين ووافدين) إلى 123 مليوناً، من بينهم 29.3 مليون سائح من الخارج، مما وضعها ضمن أهم 15 دولة سياحية عالمياً، مع إنفاق سياحي إجمالي تجاوز 304 مليارات ريال (80 مليار دولار). هذا النمو لم يكن مجرد أرقام، بل ترجم إلى تقدم المملكة 11 مرتبة في تصنيف السياح الدوليين لتستقر في المرتبة 14 عالمياً، مما جعلها ضمن أهم 15 وجهة سياحية على خريطة العالم.

سيَّاح في رحلة «هايكنغ» في سودة عسير جنوب السعودية (وزارة السياحة)

سياحة الأعمال والرياضة

أصبحت المملكة اليوم الحاضنة الكبرى لأحداث لا يمكن تفويتها؛ فمن سياحة الأعمال والمؤتمرات التي استضافت منتدى «فورتشن» العالمي ومعرض الدفاع ومؤتمر «ليب»، إلى السياحة الرياضية التي شهدت استضافة «رالي داكار» و«فورمولا 1» وبطولات التنس العالمية (ماسترز 1000). وتتوج هذه الرحلة بالفوز التاريخي باستضافة «إكسبو 2030» في الرياض، والترقب العالمي لاستضافة «كأس العالم 2034»، وهي أحداث ستدفع بالقطاع السياحي إلى آفاق غير مسبوقة من النمو والتمكين للمجتمعات المحلية.

استشراف المستقبل

مع افتتاح وجهات أيقونية مثل «العلا» و«الدرعية» و«نيوم» ومشروع «البحر الأحمر» وأولى رحلات «أرويا كروز»، تتهيأ المملكة لمرحلة جديدة تتجاوز فيها السياحة كونها قطاعاً اقتصادياً لتصبح جسراً ثقافياً عالمياً. إن هذا التطور يضمن تمكين المواطن السعودي وتوليد فرص عمل مستدامة، مما يحوِّل المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية استغلال المقومات التاريخية لبناء اقتصاد سياحي حديث وقوي ينافس أعرق الوجهات العالمية.


تداولات متباينة في سوق الأسهم السعودية... و«بترورابغ» يقفز 10 %

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

تداولات متباينة في سوق الأسهم السعودية... و«بترورابغ» يقفز 10 %

مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في السوق المالية السعودية (رويترز)

تراجع مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي) بشكل طفيف، في مستهل تداولات أولى جلسات الأسبوع، بنسبة 0.04 في المائة، ليستقر عند 11105.6 نقطة، في ظل سيولة بلغت 1.4 مليار ريال (373 مليون دولار).

وضغط سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، على أداء السوق بتراجعه 0.3 في المائة إلى 27.14 ريال، فيما انخفض سهم «أديس» بنسبة 1.2 في المائة ليصل إلى 18.34 ريال.

في المقابل، سجل سهم شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» ارتفاعاً بلغ 10 في المائة، وصل بسعره إلى 12.65 ريال، وهو الأعلى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وذلك بعد إعلان الشركة النتائج المالية للربع الأول.

كما حقق سهما «البحري» و«سابك» مكاسب لافتة بنسبة 3.4 و2.3 في المائة لتصل أسعارهما إلى 34.44 و58.6 ريال على التوالي.

وعلى صعيد القطاع المصرفي، سجل سهم مصرف «الراجحي» ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة إلى 68.9 ريال، بينما تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 0.15 في المائة ليستقر عند 39.72 ريال.


البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
TT

البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)
مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

أكد القطاع المصرفي السعودي مكانته بوصفه عموداً فقرياً للاقتصاد الوطني، مُسجِّلاً فصلاً تاريخياً جديداً غير مسبوق مع انطلاقة عام 2026. وللمرة الأولى في تاريخها، نجحت البنوك الـ10 المدرجة في اقتناص صافي أرباح بلغ 6.4 مليار دولار (23.95 مليار ريال) خلال الرُّبع الأول فقط، محققةً نمواً سنوياً بنسبة 7.6 في المائة، لتبرهن المصارف المحلية على قدرة فائقة في تحويل الزخم الاقتصادي الذي تولده «رؤية 2030» إلى مكاسب مالية مستدامة.

لم يكن هذا الأداء القياسي وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بأداء استثنائي للمصارف الكبرى وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، و«بنك البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

وقد تربع مصرف «الراجحي» على قمة الهرم الربحي بنمو قفز إلى 14.3 في المائة، مُحقِّقاً 6.75 مليار ريال. وهو ربح أرجعه المصرف إلى ارتفاع صافي الدخل من التمويل والاستثمار بنسبة 18.4 في المائة، وارتفاع إجمالي العوائد على التمويل والاستثمار، وإجمالي دخل العمليات بنسبة 14.4 في المائة، وارتفاع رسوم الخدمات المصرفية وتحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض في مصروف الاستهلاك.

وفي المركز الثاني، جاء «البنك الأهلي السعودي» بصافي ربح بلغ 6.42 مليار ريال بنسبة نمو بلغت 6.66 في المائة. وأوضح البنك أن نمو صافي أرباحه يعود إلى ارتفاع الدخل من التمويل والاستثمارات بنسبة 3.1 في المائة ليصل إلى 14.8 مليار ريال؛ نتيجة ارتفاع الدخل من محفظة التمويل بنسبة 4.4 في المائة، وارتفاع دخل العمليات التشغيلية، وانخفاض مصاريف العمليات التشغيلية؛ نتيجة انخفاض في إيجارات ومصاريف المباني وصافي مخصص الانخفاض لخسائر الائتمان المتوقعة بالصافي.

أما «بنك الرياض»، فقد حافظ على مركزه الثالث بأرباح ناهزت 2.61 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 5.1 في المائة. وردَّ البنك ذلك إلى ارتفاع دخل العمليات؛ نتيجة زيادة دخل المتاجرة، وصافي دخل العمولات الخاصة وانخفاض في خسائر بيع استثمارات مقتناه لغير أغراض المتاجرة، قابلها انخفاض في صافي دخل الأتعاب والعمولات، وإيرادات العمليات الأخرى، ودخل توزيعات الأرباح، وصافي دخل تحويل العملات الأجنبية، وقابل ذلك انخفاض مصاريف العمليات؛ نتيجة انخفاض صافي مخصص الانخفاض في خسائر الائتمان والأصول المالية الأخرى، وإيجارات ومصاريف المباني والعمليات الأخرى.

وعلى أساس ربعي، واصل القطاع المصرفي السعودي تحقيقه لأرقام قياسية جديدة في صافي الأرباح، حيث نمت الأرباح في الرُّبع الأول بنسبة 1.26 في المائة، مقارنةً بالرُّبع الرابع من 2025، الذي سجَّل فيه أرباحاً وصلت إلى 6.31 مليار دولار (23.66 مليار ريال).

أحد فروع بنك «الراجحي» في السعودية (البنك)

تحليل الأداء التاريخي

وأرجع محلل الأسواق المالية وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا الأداء التاريخي إلى 4 أسباب رئيسية: استمرار ارتفاع أسعار الفائدة مما دعم صافي هامش الربح، ونمو الإقراض العقاري وتمويل الشركات المرتبط بالمشروعات الكبرى، وتحسُّن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنة بفترات سابقة، وقوة الإنفاق الحكومي والمشروعات المرتبطة بـ«رؤية 2030»، ما عزَّز النشاط الاقتصادي وخلق فرص تمويل جديدة.

وأشار إلى أنَّ نتائج الرُّبع الأول من 2026 تعكس متانة القطاع المصرفي السعودي، مدعوماً بنمو متوازن في معظم البنوك، وعلى رأسها مصرفي «الراجحي» و«البنك الأهلي السعودي». وقال: «هذا الأداء يؤكد قوة نموذج الأعمال المصرفي في المملكة، وقدرته على الاستفادة من البيئة الاقتصادية الإيجابية، مع استمرار الطلب على التمويل من الأفراد والشركات»، لافتاً إلى أنَّ القطاع المصرفي حقَّق خلال العام الماضي أرباحاً تجاوزت 95 مليار ريال بزيادة 16 في المائة عن العام الذي سبقه.

وتوقَّع الخالدي أن يحافظ القطاع المصرفي السعودي على أدائه القوي خلال 2026، لكن بوتيرة نمو أكثر اعتدالاً، موضحاً في الوقت نفسه أنَّ أي توجه لخفض أسعار الفائدة قد يضغط نسبياً على الهوامش، «إلا أنَّ ذلك قد يقابله تحسُّن في الطلب على التمويل، كما ستظل المشروعات الحكومية والإنفاق الرأسمالي محركاً رئيسياً للنمو».

وأشار الخالدي إلى أنَّ القطاع المصرفي مرشح للاستمرار في تحقيق أرباح جيدة، مع بقاء التنافسية مرتفعة، والتركيز على الكفاءة التشغيلية، وتنويع مصادر الدخل، مضيفاً: «نحن أمام قطاع قوي، لكن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة استقرار ونمو متزن أكثر من كونها قفزات استثنائية، إلا أنه سوف يتعدى أرباح العام الماضي 2025، ويصل إلى حاجز الـ100 مليار ريال (26.6 مليار دولار) وأكثر، ويكون تاريخياً هذا الإنجاز غير المسبوق».

البنوك... والزخم الاقتصادي

من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد للدراسات»، محمد حمدي عمر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الأرباح القياسية التي حقَّقتها المصارف السعودية تعكس الدور الجوهري للقطاع بوصفه أحد أبرز المستفيدين من زخم الاقتصاد المحلي. وأوضح أنَّ نمو الأرباح بنسبة 7.6 في المائة لم يكن نتيجة عوامل دورية عابرة، بل جاء مدفوعاً بمزيج من العوامل التشغيلية والهيكلية المستدامة، وفي مقدمتها استمرار نمو الائتمان بفضل تمويل المشروعات الكبرى المرتبطة بـ«رؤية 2030»، مثل «نيوم» ومشروعات البنية التحتية، فضلاً عن الانتعاش المستمر في التمويل العقاري وتمويل الأفراد، مما عزَّز حجم الأصول المدرة للدخل.

هامش الفائدة

كما أشار عمر إلى أنَّ البنوك استفادت من تحسُّن صافي هامش الفائدة، رغم بوادر التراجع في أسعار الفائدة عالمياً، وذلك بفضل قدرتها على إعادة تسعير الأصول بوتيرة أسرع من الخصوم خلال الفترات الماضية. وشدَّد على أهمية تنوع مصادر الدخل الذي لعب دوراً محورياً في تخفيف الاعتماد على دخل الفوائد، خصوصاً مع ارتفاع إيرادات الرسوم والخدمات في مجالات المدفوعات، وإدارة الأصول، والخدمات الرقمية، بالإضافة إلى الانضباط في التكاليف وتحسُّن جودة الأصول الذي انعكس في انخفاض نسب التعثر وتراجع مخصصات الائتمان. ولفت عمر إلى أنَّ النضج الرقمي بات يؤتي ثماره بشكل ملموس في رفع الكفاءة التشغيلية، لا سيما لدى البنوك الكبرى.

وفي قراءته للمستقبل، لاحظ عمر أنَّ التفاوت في نسب النمو بين البنوك يعكس اختلاف استراتيجيات المحافظ التمويلية وهياكل الودائع. وتوقَّع استمرار الأداء القوي للقطاع خلال عام 2026 مدعوماً بالطلب على التمويل والإنفاق الرأسمالي الحكومي، رغم الضغوط المحتملة على الهوامش في حال بدأت دورة خفض أسعار الفائدة وما قد يتبعها من تراجع تدريجي في هوامش الربح وإعادة تسعير الودائع.

واختتم عمر بالإشارة إلى أن تحسُّن بيئة الأعمال غير النفطية سيعزِّز جودة الأصول، مؤكداً أنَّ القطاع المصرفي يظلُّ في موقع قوة بفضل متانة الاقتصاد الكلي، وإن كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً نحو نمو أكثر استدامة، وتوازناً يتطلب مراقبة دقيقة لمستويات السيولة وتطورات أسعار الفائدة.