إلسا مورانته وألبرتو مورافيا... علاقة متهاوية لم تفلح في إنقاذها مئات الرسائل

تعارض شبه فصامي بين حياته العاطفية وأدبه الإباحي

إلسا مورانته  -  مورافيا في مكتبه
إلسا مورانته - مورافيا في مكتبه
TT

إلسا مورانته وألبرتو مورافيا... علاقة متهاوية لم تفلح في إنقاذها مئات الرسائل

إلسا مورانته  -  مورافيا في مكتبه
إلسا مورانته - مورافيا في مكتبه

«أنت مثل الأطفال، تجري وراء كل الأشياء، قبل أن تعود إلى مكانك وتهرب من جديد. كل أولئك النساء لسن سوى لا شيء. لا أحد يحبك، والأكيد أن أحداً لن يحبك بالفعل»، قد يكون هذا الجزء من الرسالة التي بعثت بها إلسا مورانته إلى الكاتب الإيطالي الشهير ألبرتو مورافيا عام 1938، أي بعد سنتين اثنتين من تعارفهما، هو التعبير الأبلغ عن الترنح السريع لعلاقتهما العاطفية من جهة، وعن الطبع العصبي والقسوة المفرطة اللذين ميزا شخصية مورانته من جهة أخرى. صحيح أن مورافيا كان محاطاً في تلك الفترة بالكثير من المعجبات، وأن علاقته بالرسامة البلجيكية ليلو فيو، لم تكن خافية على أحد، ولكن الصحيح أيضاً أنه شغف بإلسا منذ لقائهما الأول، وأن زواجه منها بعد سنوات لم ينقص بأي حال من منسوب ذلك الشغف المحموم، بل زاده توهجاً واضطراماً، فيما راحت من جهتها تضرب بمشاعره عرض الحائط، باحثة عن ضالتها العاطفية خارج سريرها الزوجي.
ولد ألبرتو بنكيرليه، وهو الاسم الأصلي لمورافيا، في العاصمة الإيطالية روما عام 1907 لعائلة ميسورة الحال، حيث كان والده كارلو بنكيرليه، المتحدر من البندقية، رساماً ومهندساً معمارياً ومهتماً بالأدب. ولعل إصابة ألبرتو بسل العظام وهو بعدُ في العاشرة، واستعانته اللاحقة بالعكاز، هي الحادثة الأكثر تأثيراً على حياته بكاملها، حيث اضطر إلى الاكتفاء بالشهادة المتوسطة قبل أن يترك مقاعد الدراسة بشكل نهائي. إلا أن ذلك الحدث لم يمنعه بأي حال من التهام كل ما يقع بين يديه من كتب ومؤلفات، حيث قرأ بإمعان أعمال دانتي وشكسبير وبودلير ورامبو وفرويد وكافكا وبروست وإليوت ودوستويفسكي، مبدياً إعجاباً خاصاً بهذا الأخير. على أن الموهبة الواضحة التي تمتع بها الكاتب منذ يفاعته، لم تشفع له لدى الناشرين الذين رفضوا نشر باكورته الروائية «اللامبالون»، بدعوى أنها «ضباب من الكلام»، قبل أن تحقق إثر نشرها عام 1929 نجاحاً منقطع النظير.
أما إلسا مورانته، التي التقى بها مورافيا عام 1936، بوساطة من الرسام كابو غروسي، فلم تكن بعيدة بالمقابل عن عالم الكتابة الأدبية، إلا أنها لم تحقق شهرتها الواسعة إلا بعد مرور سنوات عدة على ارتباطها بصاحب «الانتباه». ومع أن مورافيا قد شعر بانجذاب خاص إلى مورانته منذ لقائهما الأول، إلا أن ذلك لم يمنعه من تقديم بورتريه دقيق لملامحها وشخصيتها «المحيرة»، إذ يقول «كانت تعيش وحدها وتموت من الوحدة والجوع. كان شعرها أبيض منذ مراهقتها. وهو يشبه نبتة فطر كبيرة معلقة على وجه مستدير. وكانت مصابة بقصر النظر، ولها عينان جميلتان ونظراتها حالمة مثل نظرات قصيري النظر. أما فمها فكان كبيراً ويوحي بالدلع، ووجهها طفولي».
على أن انضواء مورافيا ومورانته في مؤسسة الزواج، سرعان ما أماط اللثام عن التباينات الكثيرة التي تفصل بين الطرفين. ومع أن ألبرتو قد زعم، في رسائله إلى زوجته، التي جمعتها أليساندرا غرانديليس تحت عنوان «بمجيئكِ قد تكتمل سعادتي»، ونقلها إلى العربية نبيل المهايني، بأنه أحب مورانته ولكنه لم يقع في غرامها، إلا أن من يمعن النظر في الرسائل، سيكتشف بشكل ملموس مدى الحب الجارف الذي كان يكنه الكاتب للمرأة التي اقترن بها، وكيف أنه على امتداد علاقتهما الصعبة ظل يطالبها بما يشبه التوسل، بأن لا تتركه وحيداً إلى مصيره القاتم. واللافت في الأمر أن كلا الطرفين راح في الفترة السابقة على الزواج يرشق الآخر بالتهم نفسها، محملاً إياه المسؤولية الكاملة عما يعترض علاقتهما من مصاعب. فمورافيا يعترف لصديق له بحبه لإلسا، لكنه لا يتوانى عن اتهامها بالأنانية والغيرة، قبل أن يضيف قائلاً «أرجوك أن تدرك أنني قادر على الاحتفاظ بحبي لها، ما لم تكن أنانية بهذا الشكل. أنا أعرف كم الحب مهم بالنسبة للرجل، ولكن ما يهمني أيضاً هو الحفاظ على نفسي دون أي قيد، وأني أفضل النوم على قارعة الطريق، على أن أنام على سرير من العذاب».
أما إلسا مورانته، فلا تتوانى عن انتقاد مورافيا الذي يسرف في تلميع صورته على حسابها، حيث تكتب في مذكراتها بأنه «مزيج من أخيل وهاملت»، ثم تضيف قائلة: «إنه يسافر إلى باريس من أجل انتصاراته الشخصية. وأنا؟ إني أعاني من وحدة رهيبة، إني أنهار». لكنها لا تتردد من ناحية أخرى في إظهار غيرتها من نجاحاته، فتكتب في رسالة أخرى: «كم أرغب في أن أكون قد كتبتُ كل ما كتبتَه أنت. كما أنني أرغب رغبة شديدة في أن أكون أنت». غير أن تلك البداية الصعبة للعلاقة لم تمنع الطرفين من تجاوز مخاوفهما المتبادلة، واتخاذ قرارهما النهائي بالزواج عام 1941، حيث يعترف الزوج بأنه اكتفى بشراء باقة الزنبق، فيما لم تكن العروس تملك المال لشراء خاتم الزفاف.
غير أن فترة الصفاء الوادعة التي حكمت العلاقة بين الطرفين لم تتجاوز السنتين الأوليين من الزواج، حيث أمكن للعواطف «الطازجة» وحدها أن تتكفل بتجاوز المصاعب الناجمة عن ضيق ذات اليد وتواضع المنزل الزوجي، وحيث كان الزوجان يسيران مغتبطين في شوارع روما. وفيما كانت إلسا تجر قطاً سيامياً بواسطة الجنزير، كان ألبرتو يسير إلى جانبها وقد وضع بومة على أحد كتفيه. والأرجح أن ما ساعد الزوجين على إطالة فترة التفاهم والانسجام، لم يكن الحب وحده، بل مطاردتهما الشرسة من قبل النظام الفاشي الذي كان آنذاك في ذروة استشرائه، والذي وضعهما بسبب مواقفهما المنددة ببطشه على قائمة المطلوبين. ووفقاً للمثل القائل «رب ضارة نافعة»، فقد تبين أن فترة الهروب إلى قرية مالابارته النائية، قد بدت على شظفها، فردوس مورافيا المفقود، والفترة الوحيدة التي حظي فيها مع زوجته بالهدوء والسعادة الحقيقية والبعد عن المنغصات.
ومع أن شغف مورافيا الشديد بسيغموند فرويد وفتوحاته المعرفية المتعلقة بعلم النفس، قد قاده على المستوى النظري إلى اعتبار الحب «نوعاً من المرض، وتوسعاً غير عادي للأنا»، فإن ما يستوقفنا في هذا المجال هو أن إلسا هي التي استثمرت بمكر واضح نظرية زوجها المتعلقة بثقل المؤسسة المرهق وحاجة طرفيها إلى الحرية، لتدخل في غير علاقة غرامية، غير آبهة بمشاعر صاحب «السأم»، الذي لم يسأم رغم الطعنات المتلاحقة، من محاولة استعادة الزوجة الحرون، التي أشاحت بقلبها عنه. ومن المفارقات الغريبة أيضاً، أن يكون أحد أكثر كتاب الغرب إباحية، وصاحب روايتي «أنا وهو» و«امرأة من روما»، الذي اتهمه الفاتيكان بالفحش وترويج الرذيلة، مطالباً بمنع العديد من أعماله، هو في الوقت ذاته العاشق الموله، الذي ظل على امتداد ثلاثة عقود ونصف العقد يطارد زوجته بالرسائل، حتى أثناء هجرها له وارتمائها في أحضان سواه. في حين تقع إلسا في غرام المخرج السينمائي لوكينو فيسكونتي عام 1949، لم يعمد الزوج رغم تعاسته إلى تقريعها، بل راح يحدثها عن الكوابيس التي كانت تداهمه في ليل مكابداته الطويل. وحين دخلت في علاقة أخرى عاصفة مع الرسام الأميركي الشاب بيل مورو، إثر زيارتها إلى نيويورك عام 1959، لم تُظهر لزوجها، الذي لم يعمد إلى تطليقها أبداً، أي شعور بالذنب. لا بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين اتهمت مورافيا بأن معاملته الفظة لمورو، كانت واحدة من الأسباب التي عجلت في موته المفاجئ إثر نوبة قلبية حادة.
«الزواج من الأدباء ليس إلا آفة»، كتبت إلسا لإحدى صديقاتها عام 1945، أي بعد سنوات أربع على ارتباطها الرسمي بمورافيا، متناسية أن هذا القول لا يصيب زوجها وحده، بل يصيبها أيضاً في الصميم، وهي الكاتبة المرموقة التي لقيت أعمالها الأدبية والروائية مثل «أكاذيب وشعوذات» و«التاريخ»، نجاحاً باهراً في الأوساط الثقافية الإيطالية. كما لقي كتابها «العالم الذي تم إنقاذه من الصبية»، الذي تنتقد فيه بشكل لاذع ثورة الطلاب الشهيرة عام 1968، ردود فعل واسعة ومتباينة على المستويين الأوروبي والعالمي. وقد يكون الموقف السلبي من تلك الثورة، أحد القواسم القليلة التي جمعت بين الزوجين المتباعدين، خصوصاً أن مورافيا قد وضع ما يجري في إطار الصراع الضاري بين الأجيال، متهماً جيل الشبان بأنه يتعامل مع الأجيال التي سبقته من منطلق النبذ والإلغاء، وكأنها «لم توجد البتة».
ولعل أكثر ما يلفت في رسائل مورافيا إلى زوجته، هو إصراره الدائم على أن يتجرع كأس تنكرها له بأقصى ما يملك من الصبر والأناة. ومع أنه كان أحد أكثر كتاب العالم شغفاً بالسفر، وشبيهاً بعاصفة لا تهدأ، فإن ذلك لم يساعده على نسيان إلسا، بل كان يكرر في رسائله لها عبارات من مثل «أنا لا أستطيع الحياة من دونك»، أو «لا أريد الانفصال عنك، وأنت أكثر الذين أحببتهم في العالم». وحين قررت الانفصال النهائي عنه، بعد وفاة مورو، ظل يذيل تواقيعه على الرسائل بعبارة «حبيبك ألبرتو»، أو ما شابهها. ومع أن يأسه من عودة مورانته قاده إلى البحث عن ضالة عاطفية بديلة مع الكاتبة داتشا مارييني، إلا أن ذلك لم يخفف أبداً من ألمه الممض ووحشته المتمادية. والأدل على ذلك أنه أثناء رحلة له إلى أفريقيا بصحبة داتشا وبازوليني، يكتب لإلسا «كنت أشعر في روما بحزن رهيب، وأشعر هنا أيضاً في آخر العالم كلما فكرت بك. إنني لا أستطيع تحمل عباراتك القائلة (لا أبداً، وعلى الإطلاق). لقد انقضى من حياتنا ثلثاها، وفي هذه العبارات طعم الموت. وهذه هي المرة الأولى التي أفكر فيها بالموت».
لم يمت مورافيا من الحب بالطبع. لكن قيام إلسا بمحاولة للانتحار نجت بأعجوبة منها، ليس أمراً بلا دلالة، لأنه كشف بشكل ملموس عن هشاشتها المستترة خلف قناع ظاهري من الصلابة. ومع ذلك فإن نجاتها من الانتحار لم توفر لها ملاذاً من الموت طويل الأمد، حيث لم تلبث أن قضت بنوبة قلبية بعد سنتين اثنتين من تلك الحادثة. أما صاحب «العصيان» فقد آثر التحامل على جراحه ليتزوج، بعد انفصاله عن داتشا مارييني، من الكاتبة كارمن لليرا عام 1986، التي اتصلت به لإجراء مقابلة مطولة لصالح إحدى الصحف، ثم رافقته بعد ذلك حتى لحظة رحيله عن هذا العالم عام 1990.
لن يُعثر فيما بعد على الرسائل التي كتبها مورافيا إلى لليرا، والتي جرى تمزيقها لأسباب غامضة. لكن رسائله إلى إلسا مورانته ستظل شاهداً حياً وبالغ الدلالة على الثلم العميق الذي تركه في قلب الكاتب، سعيه المستحيل لاستعادتها من براثن الفقدان. وإذا كانت إلسا بالنسبة له هي حبه الأعظم وخيبته الكبرى في الآن ذاته، فقد بدت من بعض وجوهها، الصورة الرمزية لمدينته روما، الساحرة والمتهالكة والمليئة بالتناقضات، التي وصفها بقوله «لم يعد بالإمكان التعرف إلى روما. روما لن تكون عاصمة أبداً. لقد كتبت عنها بوصفها مدينة للحب، لكنها تحولت إلى مكان للكراهية، وأنا بالتأكيد أعيش فيها كمدينة غريبة عني».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)
تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)
TT

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)
تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تنقّلت تيما زلزلي بين برامج تلفزيونية مختلفة، فاستهلّت مسيرتها عبر تقديم نشرات الطقس على شاشة «الجديد»، قبل أن تنتقل إلى نشرات الأخبار، ومن ثم إلى البرامج الحوارية. ومؤخراً، أطلت عبر شاشة «لنا تي في» في برنامج «المصير»، حيث استضافت شخصيات فنّية وغيرها ضمن حوارات اتّسمت بالحدّة. إلا أن هذه التجربة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما غادرت المحطة على خلفية سوء تفاهم بين الطرفين.

وتوضح، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أنّ أسلوب «القصف» في «المصير» لم يكن ينسجم مع شخصيتها. وتقول: «كنت أشعر كأنني أؤدي دوراً لا يشبهني خلال الحوارات. فطبيعتي بعيدة عن الأسلوب الحادّ في المحاورة، وأميل إلى السلاسة والحديث الهادئ». وتتابع: «قد لا أكرّر هذه التجربة، لكنني استمتعتُ بخوضها. فكلما تنوّعت تجارب المقدّم التلفزيوني، أضافت إلى رصيده المهني وخبراته».

تجد التلفزيون صاحب تاريخ طويل وعريق (صور تيما زلزلي)

وتشير إلى أنها، خلال تنقّلها من برنامج إلى آخر، لم تكن تبحث عن هوية تلفزيونية محدّدة لها. وتوضح: «التقديم التلفزيوني يستهويني، لذلك لا أربط نفسي بنوعية المادة التي أقدّمها. فأنا أحب العمل في المجال السياسي كما في الفنّي والترفيهي».

وتصف قناة «الجديد»، التي شكّلت إطلالتها الأولى، بأنها كانت بيتها الثاني. وتقول: «كانت المحطة الأساسية في حياتي المهنية، ومنها نهلت خبرة وتعرّفتُ إلى طبيعة العمل الإعلامي. هناك تكوّنت لدي صورة شاملة عن مختلف أنواع البرامج، وأصبحت قادرة على الانخراط في أي منها. ومع ذلك، لا أزال أعدُّ نفسي هاوية، وأحتاج إلى مزيد من التجارب لأصل إلى مصاف نجوم الإعلام».

مع الممثلة ورد الخال في أحد برامجها التلفزيونية (صور تيما زلزلي)

وترى أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها. وتتابع: «كنت أُضطر أحياناً في (المصير) إلى مقاطعة الضيف مهما بلغت نجوميته، وهو أمر لم يرقَ لي، لأنه لا يشبهني».

وتؤكد أن التنقّل بين المحطات لا يزعجها، موضحة: «لم أخض تغييرات كثيرة، فقناة (الجديد) شكّلت المرحلة الأهم في مسيرتي. لاحقاً انتقلت إلى قناة (لنا تي في) بهدف تنظيم وقتي والتفرّغ لتربية ابنتي. لا أسعى إلى التنقّل بذاته، لكنني لا أتردّد في خوض تجربة جديدة إذا كان العرض مناسباً».

وتصف تجربتها في تقديم نشرات الأخبار بالممتازة، مشيرة إلى أنها طوّرت لغتها العربية بمساعدة أستاذة متخصّصة، كما وسَّعت خلفيتها الثقافية والسياسية. وتقول: «كانت عليَّ متابعة الأحداث باستمرار، وإجراء بحوث، لا سيما حول الحرب اللبنانية. وعندما تولّيت هذه المهمة، واكبت حرب الجنوب عام 2024 بكلّ تفاصيلها، خصوصاً أنّ العمل تطلَّب البثّ المباشر».

ورغم تراجع نسب مشاهدة التلفزيون، ترى أنّ للمشهد بعداً مختلفاً، وتوضح: «يلجأ الناس إلى الشاشة الصغيرة في أوقات الأزمات والحروب، في حين يتّجهون إلى المنصّات الرقمية في أيام السلم. كما نفتقد اليوم برامج جاذبة تستقطب المُشاهد كما في السابق، وقد تراجعت الدراما اللبنانية التي كانت تستقطب بدورها نسب مُشاهدة عالية».

وعمّا إذا كان التلفزيون بالنسبة إليها يمثّل خياراً أكثر أماناً من المنصّات الإلكترونية، تجيب: «لو خُيّرت بين الاثنين، لاخترت التلفزيون فوراً. فلا يزال يحظى بنسبة مشاهدة كبيرة، لا سيّما لدى المغتربين اللبنانيين الذين يجدون فيه آخر صلة وصل تربطهم بوطنهم الأم. كما أنه يمتلك تاريخاً عريقاً يصعب مقارنته بالمنصّات الرقمية. صحيح أنّ هذه الأخيرة توفّر انتشاراً أوسع، لكن متعة العمل في التلفزيون لا تُضاهى. وبرأيي، لن تُقفل أبواب القنوات التلفزيونية مهما حصل، بينما يبقى مصير المنصّات مفتوحاً على المجهول، ولا نعرف ما الذي ينتظر هذه الظاهرة في المستقبل أو مدى قدرتها على الاستمرار». وتستدرك: «مع ذلك، لن يكون هذا الموقف عائقاً أمام خوضي تجربة العمل على المنصّات إذا ما توفّرت الفرصة».

ومن بين البرامج التي قدّمتها: «ألو تيما»، و«مشوار مع الحياة»، وهما من البرامج الحوارية ذات الطابع الفنّي، إذ استضافت نخبة من نجوم لبنان والعالم العربي، من بينهم جورج خباز، وعابد فهد، وراغب علامة. أمّا عن البرنامج الذي تحلم بتقديمه مستقبلاً، فتقول: «أميل إلى البرامج المشابهة لـ(ستار أكاديمي) الخاصة باكتشاف المواهب الفنّية. لطالما أعجبتني تجربة الإعلامية هيلدا خليفة، ولا أمانع خوض تجربة مماثلة. وأتمنّى عودة العصر الذهبي للتلفزيون اللبناني، الذي شهد هذا النوع من البرامج».


هل الأشباح مجرّد اهتزازات؟ دراسة تُفسّر ظاهرة «البيوت المسكونة»

حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)
حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)
TT

هل الأشباح مجرّد اهتزازات؟ دراسة تُفسّر ظاهرة «البيوت المسكونة»

حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)
حين يبدو كلّ شيء عادياً... إلا إحساسك (شاترستوك)

بيَّنت دراسة جديدة أنّ الاهتزازات المُنبعثة من الأنابيب المتهالكة وأنظمة التهوية في المباني القديمة قد تكون وراء إضفاء تأثير «البيوت المسكونة».

وأفادت بأنّ الأصوات ذات التردُّد المنخفض جداً، التي لا يستطيع البشر سماعها، لكنها قد ترفع مستويات هرمونات التوتّر في الجسم، يمكن أن تُقدّم تفسيراً علمياً للمواقع «المسكونة».

تأتي هذه الموجات، التي يقلّ تردّدها عن 20 هيرتزاً، من مصادر طبيعية مثل العواصف، أو من صنع الإنسان مثل حركة المرور، وقد تؤدّي إلى زيادة سرعة الانفعال وارتفاع مستويات هرمون «الكورتيزول». وبيّنت النتائج أنّ التعرض القصير لهذه الموجات «دون السمعية» قد يبدّل المزاج ويرفع مستويات التوتّر.

وقال رودني شمالتز، أحد مؤلفي البحث الذي نقلته «الإندبندنت» عن دورية متخصّصة في علوم السلوك العصبي: «قد يزور شخص مبنى يُعتقد أنه مسكون، فيشعر بالاضطراب من دون أن يرى أو يسمع شيئاً غير طبيعي».

ويرى الباحثون أن هذه الموجات مرجَّحة الوجود في المباني القديمة، خصوصاً في الأقبية، حيث تولّد الأنابيب وأنظمة التهوية اهتزازات منخفضة التردُّد. وأوضح شمالتز أنّ هذه الظاهرة شائعة في البيئات اليومية، قرب أنظمة التهوية وحركة المرور والآلات الصناعية، وقد تُفسَّر خطأً على أنها ظواهر خارقة.

وشملت الدراسة 36 مشاركاً جلسوا بمفردهم في غرفة مع تشغيل موسيقى هادئة أو مثيرة للقلق، فيما بثَّت مكبرات صوت مخفية موجات دون سمعية بتردُّد 18 هيرتزاً لنصفهم. وطُلب منهم تقييم مشاعرهم، مع جمع عيّنات من اللعاب قبل التجربة وبعدها.

وأظهرت النتائج ارتفاع مستويات الكورتيزول لدى المشاركين الذين تعرّضوا لهذه الموجات، إضافةً إلى شعورهم بانفعال أكبر واعتقادهم بأنّ الموسيقى أكثر حزناً، رغم عدم قدرتهم على تمييز سبب ذلك.

وأكد الباحثون أنّ البشر قد يستشعرون هذه الموجات من دون وعي مباشر بها، في حين تبقى آلية تأثيرها الدقيقة غير مفهومة تماماً. ويأمل العلماء في توسيع البحوث لدراسة آثار التعرض الطويل لها، خصوصاً أنّ ارتفاع الكورتيزول لفترات ممتدة قد يؤثر سلباً في الصحة.

وخلص الباحثون إلى أنّ ما يُفسَّر أحياناً على أنه نشاط خارق قد يكون في الواقع نتيجة اهتزازات غير مسموعة، ناتجة عن البيئة المحيطة.


السعودية تقدم معرض «خيال حتمي: الخرائط... الفن... وملامح عالمنا» في البندقية

«معركة كوتشين» كيو زيغي (الفنان وغاليري كونتينوا)
«معركة كوتشين» كيو زيغي (الفنان وغاليري كونتينوا)
TT

السعودية تقدم معرض «خيال حتمي: الخرائط... الفن... وملامح عالمنا» في البندقية

«معركة كوتشين» كيو زيغي (الفنان وغاليري كونتينوا)
«معركة كوتشين» كيو زيغي (الفنان وغاليري كونتينوا)

تتألق السعودية في «بينالي فينيسيا»، عبر جناحها الوطني، وأيضاً عبر معرض منفصل تقيمه وزارة الثقافة يدور حول الخرائط بعنوان «خيالٌ حتميٌّ: الخرائط، الفن، وملامح عالمنا» يُقام في مبنى «الأبازيا»، أحد المباني التاريخية بمدينة البندقية الإيطالية.

يُشرف على تنظيم المعرض قيِّمُون فنِّيُّون بقيادة سارة المطلق وأورورا فوندا، وبالتعاون مع القيِّمَين الفنيَّين المساعدَين زايرا كارير، والدكتورة أمينة دياب.

«خريدة العجائب وفريدة الغرائب» لسراج الدين بن الوردي (مكتبة جامعة ليدن)

ويتضمَّن المعرض مجموعة منتقاة من التحف والمجموعات المُستعارة مثل الخرائط، والمخططات التاريخية والمعاصرة، إلى جانب أعمال فن الخرائط التي تستعرض تطور علم الخرائط (الكارتوغرافيا) عبر العصور، حيث تبرز الخريطة بوصفها وثيقةً معرفية وعملاً بصرياً يجمع بين الدقة العلمية والحس الفني، وتُسلِّط الضوء على دورها في توثيق التحولات الجغرافية والتاريخية، وفي رسم ملامح المكان والهوية عبر الزمن.

«سجل منسوج» رينا سايني كالات (معرض فنون نيو ساوث ويلز)

يجمع المعرض خرائط من مجموعات عالمية تعود إلى العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث، في حوار مباشر مع أعمال فنية معاصرة، وقِطع أثرية تعود إلى القرن الأول الميلادي، ومخطوطات زخرفية من القرن الـ18 من شبه الجزيرة العربية، التي تكشف عن تاريخ طويل من التجارة والتبادل الثقافي الذي شكَّل ملامح المنطقة.

كما يأخذ المعرض زوّاره في رحلة عبر أقاليم طبعتها حالة من التحوّل الدائم، حيث يقدم خرائط تاريخية تمتدُّ من القرن الـ13 إلى الوقت الحاضر، بوصفها عدسات تتيح النظر في العالم من حولنا وتُشكِّل تصوّرات تتداخل فيها المعتقدات، والأساطير، والمعرفة العلمية.

وائل شوقي: مخيّم مشروع الخليج (وائل شوقي-ليسون غاليري)

يأتي هذا المعرض ضِمن الفعاليات الثقافية التي تُنظِّمها وزارة الثقافة بمدينة البندقية، في أثناء انعقاد بينالي الفنون، خلال الفترة من 6 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، وذلك في إطار جهودها لتعزيز حضور الثقافة السعودية بالمحافل الدولية، وتعريف الجمهور الدولي بما تزخر به من إرثٍ ثقافي وطني.