«الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي»... كنوز العرب في بلاد القياصرة

موسوعة ترصد للمرة الأولى مخطوطات عربية في المكتبة الروسية

«الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي»... كنوز العرب في بلاد القياصرة
TT

«الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي»... كنوز العرب في بلاد القياصرة

«الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي»... كنوز العرب في بلاد القياصرة

صدر أخيراً، عن مؤسسة «وعي للدراسات والأبحاث» كتاب جديد للباحث محمود حمو الحمزة تحت عنوان «الاستشراق الروسي والعالم الإسلامي»، وهو يتناول بشكل موسع وشامل بالرصد والتحليل دراسات من تاريخ الاستشراق والاستعراب العلمي في روسيا.
وقد وضّح الكتاب بأن مدرسة الاستشراق (الاستعراب) في روسيا تتمتع بتاريخ عريق وسمعة علمية قيمة؛ لأنها أنصفت العلوم العربية وقيمتها بموضوعية وحياد علمي. لذلك كرس هذا الكتاب للحديث عن تاريخ الاستشراق الروسي على مدى أكثر من 300 سنة، وعن العلاقات الروحية بين روسيا والمشرق العربي الإسلامي والمسيحي خلال ألف سنة. وسلّط الضوء على تاريخ دراسة المخطوطات العلمية العربية ودور المستشرقين الروس وإسهاماتهم في إحياء التراث العلمي العربي والإسلامي.
يهدف الكتاب وفقاً للمؤلف إلى اطلاع العالم على الدور الهائل للمستعربين الروس في دراسة التراث العربي والإسلامي في القرون الوسطى. ويعدّ رسالة للمهتمين بالتراث والثقافة للتعرف على أشهر المستعربين والباحثين الروس في تاريخ وفلسفة العلوم العربية والاهتمام بتلك البحوث القيمة التي نشرت بالمئات، ولم يصل إلا النادر منها إلى القارئ العربي، فضلاً عن أنه مهّد لنشر الدراسات العلمية المتعلقة بتاريخ الرياضيات العربية في القرون الوسطى والتي عمل عليها المؤلف خلال 20 سنة في معهد تاريخ العلوم والتكنولوجيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية.
ركز الفصل الأول المكرس للعلاقات الثقافية القديمة بـين روسيا والمشرق العربـي الإسلامـي على: اهتمام الروس بالمشرق العربي في عهد الإمبراطور بطرس الأول وعن بدايات مدرسة الاستعراب وتشكلها في القرن التاسع عشر وعن تأثيـر التـراث العربـي والإسلامـي في الثقافة الروسية، ودور التـرجمة في التفاعل الثقافي بـين العرب والروس، وكذلك تأثـر الأدباء الروس بالثقافة العربـية والإسلامـية مثل بوشكين، وليرمنتوف، وتولستوي، وبونين وتـيخونوف، وتجسد ذلك أيضاً في ترجمات القرآن الكريم إلى الروسية.
كما تضمن هذا الفصل العلاقات الروحية المسيحية بـين روسيا والمشرق العربـي، فتم عرض لمحة عن تاريخ العلاقات الروحية بين روسيا والمشرق العربي والاهتمام الثقافي لروسيا القيصرية بالأراضي المقدسة وبلاد الشام وعن رحلة البطريـرك مكاريوس بطريـرك أنطاكية ودمشق إلى روسيا وكتابة كراتشكوفسكي عنها، وتضمن هذا الفصل أيضاً معلومات تاريخية مهمة عن دخول الإسلام والمسيحية إلى روسيا وتطرق إلى موضوع فكري وسياسي حساس بالنسبة للمفكرين والكتاب الروس وهو الهُوية الروسية بين الشرق والغرب.
وحمل الفصل الثاني عنوان: تاريخ الروس في الأبحاث والمؤلفات العربية، وتناول الحديث عن أصول الروس على ضوء أعمال مؤرخين العرب، وكذلك رسالة أحمد بن فضلان كأقدم مرجع عن تاريخ الروس.
في حين احتل الفصل الثالث حيزاً كبيراً في هذا الكتاب، وقد كرس لتاريخ الدراسات الاستعرابية في روسيا، وتضمن دراسة لمدرسة الاستعراب الروسية في القرون 18 و19 و20، وخاصة في مرحلة اغناطيوس كراتشكوفسكي أبرز مؤسسي مدرسة الاستشراق في روسيا. واستعرض الكاتب في هذا الفصل سير حياة أشهر المستعربـين الروس مثل: كاظم بـيك، بـيـريـزين، غيـرغاس، روزين، بارتولد، كريمسكي، كراتشكوفسكي، دانتسيغ، غرانده، بيغوليوفسكايا، بيليايف، يوشمانوف، بيلكين، كوفاليوف، دولينينا، فرولوفا، غأبوتشيان، ميدفيدكو (وابنه وحفيده)، شيخ سعيدوف، بولشاكوف، بريماكوف، خالدوف، لاندا، بروزوروف، بياتروفسكي، نعومكين، فرولوف، ريزفان.
وقد تضمن الفصل السير الذاتية لشخصيات أدبية عربية مؤثِّرة في الاستعراب الروسي، مثل: الشيخ محمد عياد الطنطاوي، وكلثوم عودة - فاسيليفا، وبندلي صليبا الجوزي، وميخائيل نعيمة، ومكي أحمد بن حسين المكي، وجرجس إبراهيم مرقص، وعبد الله قلزي، وميخائيل يوسف عطايا، وفضل الله صروف، وأنطوان خشّاب، وسليم نوفل، وتوفيق جبران قزما. كما تم التعريف بالمتحف الآسيوي (الذي أصبح لاحقاً معهد المخطوطات الشرقية في سان بطرسبورغ) ومعهد لازاريف للغات الشرقية في موسكو (الذي أصبح جزءاً من معهد الدراسات الشرقية في موسكو).
أما الفصل الرابع وعنوانه تاريخ الاستعراب العلمـي في روسيا، فقد احتوى على أقسام تتعلق بمدرسة الاستعراب العلمـي في روسيا، ومؤسسها يوشكيفيتش، والنتائج الأساسية لمدرسة تاريخ العلوم العربـية في روسيا، ودراسة الفلك والطب والفلسفة والمـيكانـيكا العربـية، وإسهام المستعربـين الروس في دراسة المخطوطات العلمـية العربـية من خلال دراسات ماتفييفسكايا حول تطور مفهوم العدد وأعمالها الأخرى. واحتوى هذا الفصل على تعريف بالمخطوطات النادرة لابن الهيثم، التي عثر عليها في جامع مدينة كويبشيف الروسية.
كما تم الحديث بالتفصيل عن الموسوعات الروسية المكرسة لتاريخ العلوم العربية في القرون الوسطى. وخاصة المدرسة السوفياتـية في تاريخ الرياضيات وكتاب يوشكيفيتش عن الرياضيات في البلاد الإسلامـية وكتاب ماتفيفسكايا حول تاريخ علماء الرياضيات والفلك في العالم الإسلامـي ومؤلفاتهم في القرون الوسطى.
واحتوى الفصل الرابع على السير الذاتية لأشهر مؤرخي الرياضيات العربـية في روسيا: يوشكيفيتش، روزنفيلد، ماتفييفسكايا، روجانسكايا.
وقدم الفصل الخامس عرضاً موسعاً لخزائن المخطوطات العربـية في مكتبات روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة: في معهد المخطوطات الشرقية فرع سان بطرسبورغ، والمكتبة الوطنـية الروسية (سان بطرسبورغ)، والمكتبة العلمـية في جامعة سان بطرسبورغ، والمكتبة العلمـية لجامعة قازان (مكتبة لوباتشيفسكي)، ومعهد الاستشراق التابع لأكاديمـية العلوم في جمهورية أوزبكستان، ومخطوطات العلوم الرياضية والفيـزيائية.
وتضمن الفصل السادس لمحة عن تاريخ العلوم العربية في المغرب العربي والأندلس والتواصل العلمي مع المشرق العربي.
وقد كرس الفصل السابع لموضوع فكري فلسفي يتعلق بمكانة العلم العربـي وأسباب تراجعه. وتضمن: أهمـية التراث العلمي العربي والإسلامي في الرياضيات، وتدهور العلم العربـي وإمكانـية استعادته، وتقدم العلوم في الحضارة العربـية الإسلامـية، وأهم الإسهامات الرياضية للعلماء العرب، بالإضافة إلى كيفية انتقال العلوم العربـية وتأثيـرها في النهضة الأوروبية. وتم التوقف عند أهم عوامل تدهور العلم العربـي وأسباب عدم تحوله إلى العلم الكلاسيكي الحديث. وأخيراً، تناول الفصل أقساماً مثل: النظرة إلى العالم العربـي، ووضع التعليم العالي وحرية البحث، وعلاقة العلم بالدين. وكذلك عن التفكيـر الرياضي – كنموذج للمعرفة العلمـية، وعن الرياضيات العربـية والشعر في القرون الوسطى.
والكاتب من مواليد الحسكة في سوريا عام 1954. وقد حصل على دكتوراه في الرياضيات في موسكو ودرّس في العديد من الجامعات العربية والأجنبية. وله أكثر من 70 بحثاً علمياً في الرياضيات البحتة وفي تاريخ الرياضيات العربية في القرون الوسطى.
كما ألّف عدداً من الكتب الجامعية في الرياضيات وكتاباً في تاريخ الرياضيات وتطورها الفلسفي. وصدر للمؤلف سابقاً معجمان في مصطلحات الرياضيات (روسي - عربي وإنجليزي - عربي).
ولتوضيح أهمية الموسوعة؛ قال الحمزة لـ«الشرق الأوسط»، إن الكتاب يعد الأول من نوعه الذي يتناول تاريخ الاستشراق الروسي بهذا الحجم والشمولية؛ إذ تطرق إلى تاريخ الاستشراق من بداياته في عهد الإمبراطور بطرس الأكبر، وتعرض لدخول الإسلام إلى روسيا قبل ألف عام، ودخول المسيحية إلى روسيا أيضاً من الشرق.
كما استعرض المدارس الاستشراقية في كازان وسان بطرسبورغ وموسكو، وغيرها من عواصم الاستشراق القديمة والجديدة في الفضاء السوفياتي السابق. وعرض أهم خزائن الكتب والمخطوطات العربية في روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة، متناولاً كمية من المخطوطات الموجودة في مكتبات كازان وطشقند وسان بطرسبورغ وموسكو.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الكتاب اهتم بعرض سير ذاتية لأكثر من عشرين من أبرز المستشرقين الروس، وهذا عمل يجري جمعه للمرة الأولى في مرجع موحد باللغة العربية. فضلاً عن ذلك، فقد تناول الأدباء والمفكرين العرب الذين عملوا في روسيا وتركوا بصمات مهمة على علوم الاستشراق فيها.
وقال الحمزة، إن العنصر الآخر المهم هو كون الكتاب شمل تاريخ الاستعراب العلمي في روسيا، وهذا أمر لم تكن الدراسات في السابق تطرقت إليه حتى في الداخل الروسي.
ولفت إلى تضمين الكتاب فصلاً طريفاً حول المعرفة الرياضية كنموذج للتفكير. وفي هذا الفصل تم التطرق إلى علوم الرياضيات العربية وحضورها في مدارس الشعر.
كما توقف عند تأثير الإسلام على الأدباء الروس بشكل تفصيلي مستفيداً من دراسات مهمة سبق أن قدمها مؤلفون، أبرزهم المصرية مكارم الغمري.
عموماً، وفقاً للحمزة، فإن أبرز ما لفت انتباهه في سعيه إلى إعداد الكتاب هو حجم الأعمال والأبحاث العلمية التي قدمها الباحثون الروس من ترجمات لمخطوطات علمية ودراسات تاريخية، وكذلك وضع تعليقات علمية عليها، ويصل عددها إلى مئات عدة. إضافة إلى التاريخ الغني لمدرسة الاستشراق الروسية الذي يمتد إلى ثلاثة قرون (منذ عهد الإمبراطور بطرس الأول القرن الـ18م).
وأضاف «تولدت لدي رغبة كبيرة في الكتابة عن جنود العلم والمعرفة المجهولين في روسيا، عرفاناً بالجميل لهم لقاء جهودهم العلمية الصادقة وإنصافهم للتراث العلمي العربي والإسلامي وإبراز أثره على الأدب الروسي الكلاسيكي وعلى الحضارة الأوروبية، حيث كرسوا عقوداً من عمرهم لدراسة المخطوطات العربية وتعريف القارئ الروسي بمساهمات عشرات العلماء العرب والمسلمين ودورهم في ترجمة التراث اليوناني والحفاظ عليه من الضياع وتمكينه من الانتقال إلى أوروبا من خلال حملة ترجمة هائلة إلى اللغة اللاتينية بدأت في القرن الـ12 الميلادي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.


علاج فعّال لمرضى التهاب الجيوب الأنفية الحاد

التهاب الجيوب الأنفية يسبب أعراضاً مثل احتقان الأنف والصداع (جامعة جورج تاون)
التهاب الجيوب الأنفية يسبب أعراضاً مثل احتقان الأنف والصداع (جامعة جورج تاون)
TT

علاج فعّال لمرضى التهاب الجيوب الأنفية الحاد

التهاب الجيوب الأنفية يسبب أعراضاً مثل احتقان الأنف والصداع (جامعة جورج تاون)
التهاب الجيوب الأنفية يسبب أعراضاً مثل احتقان الأنف والصداع (جامعة جورج تاون)

كشفت دراسة أميركية أن استخدام مضاد حيوي بسيط وشائع قد يكون كافياً لعلاج حالات التهاب الجيوب الأنفية الحاد غير المعقد لدى البالغين، دون الحاجة إلى اللجوء إلى أدوية أقوى.

وأوضح باحثون من مستشفى ماس جنرال بريغهام أن هذه النتائج تعزز التوجه نحو استخدام علاجات فعالة بأقل قدر ممكن من التدخل الطبي، بما يحقق التوازن بين فاعلية العلاج وسلامة المرضى على المدى الطويل. ونُشرت الدراسة، السبت، بدورية «JAMA Network Open».

والتهاب الجيوب الأنفية هو حالة طبية تنتج عن التهاب أو تورم في الأنسجة المبطنة للجيوب الهوائية حول الأنف والعينين والجبين، وغالباً ما ينجم عن عدوى فيروسية أو بكتيرية أو عن حساسية مزمنة. ويؤدي هذا الالتهاب إلى انسداد فتحات الجيوب وتراكم المخاط، ما يسبب أعراضاً مثل احتقان الأنف، والصداع، وألم أو ضغط في الوجه، وانخفاض حاسة الشم، وإفرازات أنفية سميكة. وفي معظم الحالات تكون الإصابة بسيطة وتتحسن تلقائياً أو بالعلاج الداعم، بينما قد تتطلب بعض الحالات مسكنات أو بخاخات أنفية، ولا تُستخدم المضادات الحيوية إلا عند تأكيد وجود عدوى بكتيرية.

واعتمد الباحثون على تحليل بيانات أكثر من 521 ألف مريض تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عاماً، شُخّصوا بالتهاب الجيوب الأنفية الحاد. وقارنت الدراسة بين مضادين حيويين شائعين هما: «أموكسيسيلين» وحده، ومزيج «أموكسيسيلين - كلافولانات»، نظراً لكونهما من أكثر العلاجات وصفاً لهذه الحالة، رغم عدم وجود إجماع طبي واضح حول الأفضل منهما في الحالات غير المعقدة.

ويُعد «أموكسيسيلين» الخيار القياسي والأبسط، بينما يحتوي المزيج على مادة «كلافولانات» التي تُضاف لتوسيع فاعليته ضد بعض أنواع البكتيريا المقاومة. وكان الهدف من المقارنة تحديد ما إذا كانت إضافة مادة «كلافولانات» تقدم فائدة علاجية حقيقية في الحالات البسيطة، أم أن «أموكسيسيلين» وحده يكفي، خصوصاً في ظل اختلاف التكاليف والآثار الجانبية ومخاطر مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، وهي مشكلة صحية عالمية متزايدة.

وتلقى المرضى أحد العلاجين بجرعات يومية قياسية. وأظهرت النتائج أن معدلات الشفاء كانت متقاربة للغاية بين المجموعتين، دون وجود فروق تُذكر بين استخدام «أموكسيسيلين» وحده أو المزيج الدوائي. وأشار الباحثون إلى أن مادة كلافولانات تعمل على تثبيط إنزيم تنتجه بعض البكتيريا لمقاومة أموكسيسيلين، إلا أن هذا الإنزيم لا تنتجه جميع البكتيريا المسببة لالتهاب الجيوب الأنفية، ما يفسر عدم وجود فائدة إضافية واضحة للمزيج في الحالات غير المعقدة.

ورغم تقارب النتائج، أظهرت الدراسة أن المرضى الذين تلقوا العلاج الأقوى كانوا أكثر عرضة بشكل طفيف للإصابة بعدوى ثانوية، مثل الالتهابات الفطرية أو البكتيرية، مقارنة بمن تلقوا أموكسيسيلين فقط. وأضافوا أن «أموكسيسيلين» ومزيج «أموكسيسيلين - كلافولانات» يمثلان نحو 45 في المائة من الوصفات الطبية لعلاج التهاب الجيوب الأنفية الحاد، ما يجعل تحديد الخيار الأمثل أمراً مهماً من الناحية الطبية والصحية.