صندوق النقد الدولي: السعودية تجني ثمار شفافية السياسات الاقتصادية والمالية

رئيس البعثة لدى المملكة أمين ماطي لـ «الشرق الأوسط» : دعم استراتيجيات الاستثمار سيدفع بالابتكار ويرفع الإنتاجية الوطنية

السعودية مرشحة لأعلى معدلات نمو الاقتصاد عالمياً بحسب توقعات صندوق النقد  وفي الإطار أمين ماطي رئيس بعثة الصندوق لدى المملكة (أ.ف.ب)
السعودية مرشحة لأعلى معدلات نمو الاقتصاد عالمياً بحسب توقعات صندوق النقد وفي الإطار أمين ماطي رئيس بعثة الصندوق لدى المملكة (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: السعودية تجني ثمار شفافية السياسات الاقتصادية والمالية

السعودية مرشحة لأعلى معدلات نمو الاقتصاد عالمياً بحسب توقعات صندوق النقد  وفي الإطار أمين ماطي رئيس بعثة الصندوق لدى المملكة (أ.ف.ب)
السعودية مرشحة لأعلى معدلات نمو الاقتصاد عالمياً بحسب توقعات صندوق النقد وفي الإطار أمين ماطي رئيس بعثة الصندوق لدى المملكة (أ.ف.ب)

مع توقعات صندوق النقد الدولي الذي أفصح عن أن الاقتصاد السعودي يعد أحد أعلى معدلات النمو بين أكبر الاقتصادات بنسبة 7.6 في المائة، أكد أمين ماطي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى السعودية، أن المملكة تجني ثمار شفافية السياسات الاقتصادية والمالية والإدارة الجيدة لـ«أزمة كوفيد-19» ونجاعة الإصلاحات الاقتصادية التي أدت لزيادة الوظائف ومواصلة تحسين مستويات المعيشة فضلا عن النمو المتصاعد.
وقال ماطي في حوار لـ«الشرق الأوسط» إن رؤية المملكة التي تدعمها استراتيجية الاستثمار الوطني وصندوق الاستثمار العام تعزز تحويل الاقتصاد، بما في ذلك زيادة مساهمة القطاع غير النفطي، مدفوعة بالرقمنة وسرعة نمو قطاع السياحة مع الدور المتنامي للرقمنة والحكومة والتجارة الإلكترونية، مشيرا إلى أن الرقمنة بجانب مشاريع المدن الذكية، والاتصال الفائق والذكاء الصناعي والروبوتات المتقدمة والتحليلات الذكية والأنظمة القابلة للتطوير، تعدّ أولويات تعزز الابتكار وترفع الإنتاجية.
وتوقع ماطي، أن يحقق الاقتصاد السعودي، معدل نمو 3.7 لعام 2023، بينما تواجه العالم أسباب مبطئة لنمو الاقتصاد، مع عوامل الخطر التي تكون متوازنة على نطاق واسع في المرحلة الحالية، مشيرا إلى أن التنفيذ الكامل للجهات الحكومية المعنية باستراتيجية الاستثمار الوطنية، ستعزز النمو بدرجة أعلى مما يتوقعه صندوق النقد الدولي.
وتابع «السعودية أخذت تتعافى بقوة في أعقاب الركود العميق الناجم عن الوباء، بينما تعمل سياسات الاقتصاد الكلي السليمة، والإصلاحات الهيكلية التحويلية المؤيدة للأعمال التجارية، وزيادات أسعار النفط والإنتاج، على تعزيز تعافي المملكة»، متوقعا نموا أبطأ للاقتصاد العالمي، في ظل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي مايلي نص الحوار:

> كيف تنظرون إلى تصنيف السعودية كأسرع اقتصاد نام لعام 2022 عالميا؟
- السعودية تتمتع باقتصاد ناشئ كبير، وهي عضو بمجموعة العشرين. تعافت بشكل جيد من وباء كورونا ونتوقع أن يسجل اقتصادها أحد أعلى معدلات النمو بين أكبر الاقتصادات، بنسبة 7.6 في المائة وفقا لتقديراتنا. تشير بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول والربع الثاني لهذا العام أيضا، إلى هذا الاتجاه للنمو المرتفع لعام 2022. وسيكون هذا أعلى معدل نمو للمملكة منذ 11 عاما. هذا أمر مشجع لأنه يسمح للاقتصاد، بخلق المزيد من الوظائف ومواصلة تحسين مستويات المعيشة.
> برأيك ما الأسباب التي جعلت السعودية تحقق أكبر نمو اقتصادي في عام 2022؟
- السعودية أخذت تتعافى بقوة في أعقاب الركود العميق الناجم عن الوباء، بينما تعمل سياسات الاقتصاد الكلي السليمة، والإصلاحات الهيكلية التحويلية المؤيدة للأعمال التجارية، والزيادات الحادة في أسعار النفط والإنتاج، على تعزيز تعافي السعودية. أضف إلى ذلك، كان النمو الإجمالي قويا عند 3.2 في المائة في عام 2021، مدفوعا على وجه الخصوص بانتعاش القطاع غير النفطي، مدعوما بزيادة فرص العمل للمواطنين السعوديين، وخاصة النساء. كما أكدت الأرقام الأخيرة من الربع الثاني هذا النمو القوي مدعوما بإنتاج النفط وأسعاره، ولكن ترافق أيضا مع نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
هذه هي ثمرة الإدارة الجيدة لأزمة كوفيد والإدارة الثابتة للإصلاحات الاقتصادية. نتوقع أن يظهر هذا الاتجاه في الناتج المحلي الإجمالي الذي بدأ في نهاية عام 2021 بالكامل لعام 2022، وبالتالي شرح أرقام النمو المرتفعة التي نتوقعها لعام 2022.

> ما توقعاتك للنمو الاقتصادي العالمي المستقبلية بشكل عام والمملكة بشكل خاص عام 2023؟
- من المتوقع أن يكون النمو الاقتصادي العالمي أبطأ، مما كان متوقعا في السابق. أعقب الانتعاش المؤقت في عام 2021 تطورات قاتمة على نحو متزايد في عام 2022 مع انكماش الإنتاج العالمي في الربع الثاني من هذا العام بسبب عدة عوامل، بما في ذلك تباطؤ الصين الذي كان أسوأ مما كان متوقعا وسط تفشي وإغلاق كورونا، والتداعيات السلبية من الحرب في أوكرانيا، والإنفاق الاستهلاكي الأميركي دون التوقعات وتضخم أعلى من المتوقع، خاصة في الولايات المتحدة والاقتصادات الأوروبية الكبرى، ما أدى إلى تشديد الأوضاع المالية العالمية.
توقعات فريق العمل بالصندوق، تتنبأ بأن يتباطأ النمو العالمي من 6.1 في المائة العام الماضي إلى 3.2 في المائة في عام 2022، أي أقل بمقدار 0.4 نقطة مئوية عن تقرير آفاق الاقتصاد العالمي في أبريل (نيسان) 2022. في العام المقبل، من المتوقع أن تنعكس السياسة النقدية المضادة للتضخم، حيث ينمو الناتج العالمي بنسبة 2.9 في المائة فقط، وتتجه المخاطر بشكل كبير إلى الاتجاه الهبوطي.
سيكون لهذا بالطبع تداعيات دولية، بما في ذلك السعودية. ومن المتوقع أن يرتفع النمو في المملكة بشكل كبير إلى 7.6 في المائة في عام 2022 على الرغم من تشديد السياسة النقدية والضبط المالي، والتداعيات المحدودة حتى الآن من الحرب في أوكرانيا. بالنسبة لعام 2023، ونتوقع كذلك أن يصل النمو في المملكة إلى 3.7 في المائة، ويعزى ذلك في الغالب إلى النمو المستمر في إجمالي الناتج المحلي غير النفطي، على الرغم من انخفاض نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي.
على المدى المتوسط، من المتوقع أن يتسارع النمو، حيث إن استمرار تنفيذ أجندة الإصلاح يؤتي ثماره. المخاطر على التوقعات متوازنة. على الجانب الإيجابي، يمكن أن يؤدي التنفيذ الناجح لاستراتيجية الاستثمار الوطني وإصلاحات سوق العمل، أو زيادة إنتاج النفط إلى تحسين التوقعات. على الجانب السلبي، تنبع المخاطر الرئيسية من الضغوط لإنفاق مكاسب النفط غير المتوقعة والانحراف عن أجندة الإصلاح، والضغوط التضخمية، وطفرة COVID الأخرى (المحلية أو الخارجية)، وانخفاض أسعار النفط بسبب انخفاض النشاط العالمي، إذا كان للحرب في أوكرانيا آثار دائمة، و تباطؤ مفاجئ في الصين.
> إلى أي مدى ستنعكس مشاريع المدن الذكية التي يمثلها «ذا لاين» و«نيوم» على زيادة وتيرة النمو في آفاق التحول الرقمي في القطاعين العام والخاص السعوديين؟
رؤية 2030، التي تدعم استراتيجية الاستثمار الوطني وصندوق الاستثمار العام ستقومان بتعزيز التحول الاقتصادي، بما في ذلك زيادة مساهمة القطاع غير النفطي، مدفوعة بالرقمنة وسرعة نمو قطاع السياحة.
إن الدور المتنامي للرقمنة والحكومة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية، لديه القدرة على تعزيز الإنتاجية، بالنظر إلى الشباب والسكان المتمرسين في مجال التكنولوجيا والجهة التنظيمية الوطنية المنشأة حديثًا لقطاع الحكومة الرقمية. أضف إلى ذلك تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، حيث تسارعت الرقمنة خلال الوباء بما في ذلك من خلال الخدمات الصحية عبر الإنترنت والمحاكم الافتراضية والتعلم عن بعد والمنصة المالية عبر الإنترنت للمشتريات العامة تُعرف باسم «اعتماد».
تتميز العديد من مشاريع المدن الذكية أيضًا بالرقمنة كركيزة أساسية، بما في ذلك من خلال اتصال ( الجيل الخامس 5G) الفائق والذكاء الصناعي والروبوتات المتقدمة والتحليلات الذكية والأنظمة القابلة للتطوير - كلها أولويات يمكن أن تعزز الابتكار وترفع الإنتاجية.
يعكس قطاعا الضيافة والترفيه أيضًا التحول الملحوظ للمملكة، خلال الأعوام الـ5 الماضية مع افتتاح المطاعم والمقاهي. ما سيتطلب جذب السياحة واستدامتها مزيدا من الاستثمارات التي تخطط السلطات للقيام بها.
ستعتمد مكاسب التحول الرقمي على تنفيذ أجندة الإصلاح الهيكلي، التي ينبغي أن تستمر في التركيز على النمو الذي يقوده القطاع الخاص، والذي يدعمه صندوق الاستثمارات العامة، ويتم تنفيذه مع التركيز على الكفاءة وتحفيز الاستثمار الخاص.
فيما يتعلق بالنمو، فإنه بالنسبة لدينا فإن التوقعات بناء على المشاريع الأساسية، بأن يتحقق معدل نمو 3.7 لعام 2023، على المدى المتوسط، ستظل قوية، حيث تتوقف على عوامل الخطر التي تكون متوازنة على نطاق واسع في المرحلة الحالية. يمكن أن يؤدي التنفيذ الكامل للجهات الحكومية المعنية باستراتيجية الاستثمار الوطنية، إلى تعزيز النمو بدرجة أعلى مما هو بين يدي فريق العمل ذي الصلة بصندوق النقد الدولي.
> ما أثر ذلك في تعزيز اقتصاد المعرفة وتنويع الاقتصاد وتنافسية المنتجات السعودية غير النفطية في الأسواق العالمية؟
- التنويع الاقتصادي هو أمر أساسي للتنمية الاقتصادية، لا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي، التي تعتمد في الغالب على الهيدروكربونات. وهذا يستلزم تحركًا نحو هيكل إنتاجي وتجاري أكثر تنوعا، وبالتالي أيضا قاعدة إيرادات متنوعة.
من الظواهر ذات الصلة التحول الهيكلي، أي إعادة تخصيص عوامل الإنتاج نحو قطاعات أكثر إنتاجية. إلى جانب التنويع، يمكن أن يعزز ذلك الإنتاجية ويخلق فرص عمل ويوفر أساسا للنمو المستدام والشامل.
تميل الاقتصادات، إلى النمو من خلال ترقية سلال صادراتها للتركيز على الصناعات المتطورة، أي الصناعات التي تؤدي إلى مكاسب الإنتاجية والتداعيات وزيادة تعقيدها، مما يمثل المعرفة الإنتاجية للاقتصاد. على أساس البلدان المختلفة، هناك ارتباط ديناميكي بين تطور منتجات التصدير والنمو الاقتصادي.
في العقدين الماضيين، عززت السعودية مكانتها كلاعب عالمي في تصدير النفط والكيماويات، وهذه الأخيرة كانت نتيجة ثانوية لقطاعها النفطي القوي. كما تمكنت المملكة من التنويع في بعض المنتجات المتطورة، وقادت مقارنات دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال تطوير ميزة نسبية في السلع المتطورة مثل البتروكيماويات.
سيتوقف التنويع الناجح على استمرار تنفيذ أجندة الإصلاح الطموح، مع تقليل أوجه القصور التي تصاحب السياسات الصناعية وضمان توافر العمالة الماهرة.
> كيف تنظرون إلى التعاون بين صندوق النقد الدولي والسعودية، وما هو تقييمك للإصلاحات المالية السعودية؟
- كان التعاون بين صندوق النقد الدولي والسعودية ممتازا بل ويتحسن باستمرار على مر السنين، حيث سعت المملكة إلى الإصلاح على نطاق واسع مع تحسين شفافية سياستها الاقتصادية والمالية، من خلال المشاركة الكبيرة في قضايا السياسة الاقتصادية. السعودية شريك مهم لصندوق النقد الدولي، الذي يقدر قوة مساهمة المملكة في التعاون الدولي. على وجه الخصوص، تلعب المملكة دورا مهما في سوق النفط العالمية وهي مساهم رئيسي في المناقشات في مجموعة العشرين ودول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تقدم أيضا دعما كبيرا.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.