أزمة مغربية ـ تونسية بعد استقبال سعيّد لزعيم «البوليساريو»

رئيس السنغال تأسَّف لغياب المغرب عن قمة «تيكاد»... ورئيس غينيا بيساو انسحب احتجاجاً

الرئيس التونسي مستقبلاً زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية في مطار قرطاج الدولي أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس التونسي مستقبلاً زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية في مطار قرطاج الدولي أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

أزمة مغربية ـ تونسية بعد استقبال سعيّد لزعيم «البوليساريو»

الرئيس التونسي مستقبلاً زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية في مطار قرطاج الدولي أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس التونسي مستقبلاً زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية في مطار قرطاج الدولي أول من أمس (إ.ب.أ)

قرر المغرب الاستدعاء الفوري لسفيره لدى تونس للتشاور، وعدم المشاركة في قمة «تيكاد» الثامنة التي انطلقت أشغالها أمس بتونس، وذلك عقب استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد زعيم جبهة «البوليساريو» الانفصالية، في إطار منتدى التعاون الياباني- الأفريقي (تيكاد). وقال بيان لوزارة الخارجية المغربية، صدر مساء أول من أمس، إنه بعد أن تضاعفت المواقف والتصرفات السلبية في الآونة الأخيرة تجاه المملكة المغربية ومصالحها العليا، فإن موقف تونس في إطار عملية «تيكاد» يؤكد عداءه الصارخ. مضيفاً أن «ترحيب رئيس الدولة التونسية بزعيم الميليشيا الانفصالية عمل خطير وغير مسبوق، ويجرح بشدة مشاعر الشعب المغربي وقواه الحية». كما أوضح البيان أن القرار المغربي لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على الروابط المتينة بين الشعبين المغربي والتونسي، وأن عدم المشاركة في قمة «تيكاد» الثامنة لا يشكك في التزام المغرب بمصالح أفريقيا، وعملها داخل الاتحاد الأفريقي، كما أنه لا يشكك في التزام المملكة في إطار «تيكاد».
وأعرب الرئيس السنغالي ماكي سال، رئيس الاتحاد الأفريقي، عن أسفه لانعقاد الدورة الثامنة من منتدى «تيكاد» في غياب المغرب «العضو البارز في الاتحاد الأفريقي، لعدم وجود توافق في الآراء حول قضية تتعلق بالتمثيلية»، وأعرب عن أمله في «إيجاد حل دائم لهذا المشكل في المستقبل، لما فيه حسن سير شراكتنا في أجواء هادئة».
ومن جهته، غادر رئيس غينيا بيساو، والرئيس الحالي للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس)، أومارو سيسوكو إمبالو، قاعة المؤتمر، احتجاجاً على مشاركة «البوليساريو» التي فرضتها تونس، حسبما ذكرت مصادر دبلوماسية حضرت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر.
وتوالت أمس في المغرب ردود الفعل الغاضبة، الصادرة عن الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية، إزاء استقبال الرئيس التونسي للأمين العام لجبهة «البوليساريو» الانفصالية. وقال حزب «التجمع الوطني للأحرار»، متزعم الائتلاف الحكومي، إنه تابع «الخطوة العدائية» التي أقدم عليها الرئيس سعيد، والمتمثلة في استقبال «زعيم الكيان الوهمي». واستنكر بشدة هذه الخطوة، معتبراً أن هذا الفعل العدائي غير المسبوق «يؤكد بالملموس مسلسل التهور الذي أدخل فيه الرئيس سعيد للأسف الشقيقة تونس، عبر اتخاذ قرارات مجانية مفرطة في العداء للدول الصديقة التي لن تفيد الشعب التونسي في شيء». واعتبر الحزب أن النظام التونسي «عبر هذه الخطوة المتهورة، وغير محسوبة العواقب، يصطف اليوم مع أعداء المملكة، وداعمي الميولات الانفصالية في المنطقة، وهو ما من شأنه أن يزيد من هوة الخلافات الإقليمية بشكل خطير، ويؤثر على استقرار المنطقة التي تتوق شعوبها إلى تحقيق الاستقرار وتكريس الديمقراطية».
من جهته، قال حزب «الأصالة والمعاصرة» (غالبية) إنه على أثر الخطوة «المستفزة» التي أقدم عليها الرئيس التونسي، وما حملته من «انحياز غير مقبول للدعاوى المعادية للوحدة الترابية وللسيادة الوطنية للمملكة المغربية، فإن الحزب يستنكر هذا الموقف الشاذ الذي لم يأتِ صدفة؛ بل جاء نتيجة لعدد من الخطوات غير المفهومة الصادرة عن الرئاسة التونسية في السنوات الأخيرة، والتي تجسدت في عديد من الإشارات السلبية، والمواقف المعادية للمصالح العليا للمملكة المغربية»؛ معتبراً أن ما قامت به الرئاسة التونسية «لا يعد فقط ضرباً خطيراً للعلاقات التاريخية التي ظلت تجمع البلدين الشقيقين؛ بل يعتبر طعناً من الخلف لحليف ظل وفياً للدفاع عن أمن تونس ووحدتها الترابية، واستقرارها السياسي وتقدمها الاقتصادي... وضرباً عميقاً لكل جهود إحياء المغرب العربي».
من جانبه، عبَّر حزب «الاستقلال» (مشارك في الحكومة) عن تفاعله مع الحدث، من خلال تدوينة لأمينه العام نزار بركة، جاء فيها: «يبدو أن حكام تونس الجدد، وليس الشعب التونسي، قد انعرجوا عن نهجهم الودي الراسخ تجاه بلادنا، وتنكروا فجأة لما يجمع بين بلدينا من حسن جوار، واحترام متبادل لشؤون كل بلد على حدة، دون تدخل أو إقحام للنفس. وحزب (الاستقلال) لا يمكنه إلا أن يشجب بشدة هذا الانقلاب السافر في موقف بلد شقيق، نكن له كل التقدير، ونتمنى له استعادة الاستقرار والتقدم، تجاه قضية وحدتنا الترابية، وما صاحبه من سلوكيات استفزازية استعراضية تخدش شعور المغاربة قاطبة. ولا يمكن لموقف من هذا القبيل أن يغير حقيقة مغربية الصحراء، ومصداقية وواقعية مخطط الحكم الذاتي الذي تقترحه بلادنا، ولكنه يؤشر للأسف على أن حكام تونس الجدد اختاروا الاصطفاف إلى جانب الهشاشة».
بدوره، أصدر قسم العلاقات الدولية بحزب «العدالة والتنمية» المعارض (مرجعية إسلامية) بياناً أدان فيه هذا التصرف الذي اعتبره «عدائياً تجاه المغرب»، مؤكداً أن هذه الخطوة «تشكل ضربة جسيمة للعلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين، وموقفاً معادياً ومنحازاً ضد قواعد حسن الجوار والشراكة، وخيارات البناء المغاربي الوحدوي، ويخدم مخططات التجزئة والتقسيم». واعتبر الحزب أن ما قام به الرئيس التونسي «لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على عدالة وقوة الموقف المغربي في موضوع مغربية الصحراء»، المستند على حقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا وأدلة الشرع والقانون.
في سياق ذلك، قال حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» (معارضة برلمانية) إنه تلقى بغضب شديد ما أقدم عليه رئيس الجمهورية التونسية من استقبال رسمي «لزعيم ميليشيات البوليساريو». واعتبر أن ما أقدمت عليه الرئاسة التونسية هو بمثابة «طعنة في ظهر المغرب» الذي ظل حريصاً على استقرار تونس وأمنها، وكان الداعم الأول لها حينما كانت تمر من ظرفية قاسية. وقال إن هذه السابقة لم يفكر في اقترافها أي من رؤساء الجمهورية التونسية من العقلاء الذين كانوا حريصين على استقرار المنطقة وتجنيبها التوترات.
بدوره، وصف حزب «الحركة الشعبية» (معارضة برلمانية) استقبال زعيم «البوليساريو» في تونس بأنه «خطوة خطيرة غير محسوبة العواقب»، واستنكر بشدة «هذا الفعل العدائي الصادر عن الرئيس التونسي؛ لأنه يضرب في الصميم علاقات الصداقة التاريخية التي ظلت تجمع بين المملكة المغربية والجمهورية التونسية». واعتبر الحزب في بيان له أن الرئيس التونسي «يكون بهذه المغامرة قد حشر نفسه في زاوية خصوم المملكة المغربية». كما عبر نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» (معارضة برلمانية)، عن إدانته «بشدة»، لما عده «خطوة حمقاء أقدم عليها الرئيسُ التونسي»، باستقباله «للرئيس المزعوم للجمهورية الوهمية».
من جانبها، أدانت «نقابة الاتحاد الوطني للشغل» استقبال الرئيس التونسي لزعيم انفصاليي «البوليساريو»، ودعت النقابات التونسية للتعبير عن رفضها لسلوك الرئيس. وأكد الاتحاد في بيان له أنه تلقى باستغراب كبير السلوك غير المسبوق للرئيس التونسي، الذي قرر في خطوة انفرادية مستهجنة تخصيص استقبال لممثل «الكيان الانفصالي الوهمي».
وفي تونس، توالت أيضاً ردود الأفعال المنددة باستقبال الرئيس التونسي بصفة رسمية لزعيم «البوليساريو» في مطار تونس قرطاج الدولي، وجاءت في مجملها معبرة عن استنكار ورفض لما أقدمت عليه الرئاسة التونسية، وعدم مراعاتها وتقديرها لانعكاسات هذه الخطوة على العلاقات التي تجمع بين دول اتحاد المغرب العربي.
وندد غازي الشواشي، رئيس حزب «التيار الديمقراطي» المعارض، بخطوة الرئيس سعيد، وقال: «إنه يتجه لتدمير علاقات تونس مع الدول الشقيقة والصديقة، والإضرار بمصالحها الدبلوماسية والاقتصادية». ومن ناحيته، اعتبر عبد الوهاب الهاني، رئيس حزب «المجد»، أن استقبال زعيم «البوليساريو»، يعد «انحرافاً خطيراً وخروجاً غير مسبوق عن ثوابت الدبلوماسية التونسية، وهو بمثابة انتحار سياسي للرئيس قيس سعيد، وسيعرّض المصالح العليا لتونس، ويضر بمصداقيتها بين الدول»؛ مشيراً إلى أن هذه الخطوة «ترقى إلى حد الغباء الدبلوماسي في فهم التوازنات السياسية الإقليمية»، على حد قوله.
وضجت أمس مواقع التواصل الاجتماعي بالمنشورات المُنددة بهذا الاستقبال، وكانت مصحوبة بصور تُوثق استقبال الرئيس سعيد للطائرة التابعة للرئاسة الجزائرية، وذهبت بعض التعليقات إلى حد اعتبار ما جرى «إعلانا صريحاً للعداوة مع المغرب»، بينما رأى البعض الآخر أنها «أتت بفعل ضغوط من الجزائر وحلفائها في الاتحاد الأفريقي».
وفي مقابل الغضب المغربي، أعربت تونس عن استغرابها الشديد لما ورد في بيان المملكة المغربية من «تحامل غير مقبول على الجمهورية التونسية»، وقررت بدورها دعوة سفيرها في الرباط حالاً للتشاور. بينما أوضحت الخارجية التونسية أن «تونس حافظت على حيادها التام في قضية الصحراء، التزاماً بالشرعية الدولية، وهو موقف ثابت لن يتغير إلى أن تجد الأطراف المعنية حلاً سلمياً يرتضيه الجميع».


مقالات ذات صلة

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

الولايات المتحدة​ إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

إشادة أميركية بالتزام العاهل المغربي «تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي مايك روجرز، مساء أول من أمس في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا ترحيب مغربي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية

ترحيب مغربي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية

أعلن بيان للديوان الملكي المغربي، مساء أول من أمس، أن الملك محمد السادس تفضل بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، على غرار فاتح (أول) محرم من السنة الهجرية ورأس السنة الميلادية. وجاء في البيان أن العاهل المغربي أصدر توجيهاته إلى رئيس الحكومة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتفعيل هذا القرار الملكي. ويأتي هذا القرار تجسيداً للعناية الكريمة التي يوليها العاهل المغربي للأمازيغية «باعتبارها مكوناً رئيسياً للهوية المغربية الأصيلة الغنية بتعدد روافدها، ورصيداً مشتركاً لجميع المغاربة دون استثناء».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا أعضاء «الكونغرس» الأميركي يشيدون بالتزام العاهل المغربي بـ«تعزيز السلام»

أعضاء «الكونغرس» الأميركي يشيدون بالتزام العاهل المغربي بـ«تعزيز السلام»

أشاد وفد من الكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، مايك روجرز، مساء أمس، في العاصمة المغربية الرباط، بالتزام الملك محمد السادس بتعزيز السلام والازدهار والأمن في المنطقة والعالم. وأعرب روجرز، خلال مؤتمر صحافي، عقب محادثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج، ناصر بوريطة، عن «امتنانه العميق للملك محمد السادس لالتزامه بتوطيد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، ولدوره في النهوض بالسلام والازدهار والأمن في المنطقة وحول العالم»، مبرزاً أن هذه المحادثات شكلت مناسبة للتأكيد على الدور الجوهري للمملكة، باعتبارها شريكاً للول

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا حزبان معارضان يبحثان تدهور القدرة الشرائية للمغاربة

حزبان معارضان يبحثان تدهور القدرة الشرائية للمغاربة

عقد حزبا التقدم والاشتراكية اليساري، والحركة الشعبية اليميني (معارضة برلمانية) المغربيين، مساء أول من أمس، لقاء بالمقر الوطني لحزب التقدم والاشتراكية في الرباط، قصد مناقشة أزمة تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بسبب موجة الغلاء. وقال الحزبان في بيان مشترك إنهما عازمان على تقوية أشكال التنسيق والتعاون بينهما على مختلف الواجهات السياسية والمؤسساتية، من أجل بلورة مزيد من المبادرات المشتركة في جميع القضايا، التي تستأثر باهتمام الرأي العام الوطني، وذلك «من منطلق الدفاع عن المصالح الوطنية العليا للبلاد، وعن القضايا الأساسية لجميع المواطنات والمواطنين».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا عائلات مغربية تحتج لمعرفة مصير أبنائها المفقودين والمحتجزين

عائلات مغربية تحتج لمعرفة مصير أبنائها المفقودين والمحتجزين

دعت «تنسيقية أسر وعائلات الشبان المغاربة المرشحين للهجرة المفقودين» إلى تنظيم وقفة مطلبية اليوم (الخميس) أمام وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي بالرباط، تحت شعار «نضال مستمر من أجل الحقيقة كاملة وتحقيق العدالة والإنصاف»، وذلك «لتسليط الضوء» على ملف أبنائها المفقودين والمحتجزين ببعض الدول. وتحدث بيان من «التنسيقية» عن سنوات من المعاناة وانتظار إحقاق الحقيقة والعدالة، ومعرفة مصير أبناء الأسر المفقودين في ليبيا والجزائر وتونس وفي الشواطئ المغربية، ومطالباتها بالكشف عن مصير أبنائها، مع طرح ملفات عدة على القضاء. وجدد بيان الأسر دعوة ومطالبة الدولة المغربية ممثلة في وزارة الشؤون الخارجية والتع

«الشرق الأوسط» (الرباط)

مصر تُطبق إجراءات «استثنائية» لتقليل تداعيات حرب إيران

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة يوم الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة يوم الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر تُطبق إجراءات «استثنائية» لتقليل تداعيات حرب إيران

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة يوم الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع الحكومة يوم الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

أعلنت الحكومة المصرية تطبيق إجراءات «استثنائية» لمدة شهر اعتباراً من 28 مارس (آذار) الجاري للحد من تداعيات حرب إيران، ضمن حزمة إجراءات عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، في إطار مواجهة التحديات الحالية بعد القفزة في أسعار المحروقات عالمياً.

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي، الأربعاء، إن أساس الحركة الاقتصادية يتمثل في الطاقة ممثلة بالمنتجات البترولية. وأشار إلى أن فاتورة استيراد الغاز ارتفعت من 560 مليون دولار شهرياً إلى مليار و650 مليوناً، مع استمرار زيادة أسعار النفط العالمية وزيادات مطَّردة في أسعار السولار.

وأعلن مدبولي إيقاف إنارة الإعلانات على الطرق، وخفض الإنارة الداخلية للشوارع لأقل مستوى ممكن مع التأكيد على الالتزام الكامل باشتراطات الأمن والسلامة، بالإضافة إلى تطبيق قرار بإغلاق الحي الحكومي في السادسة مساءً وإطفاء الأنوار فيه بالكامل.

وأوضح أن القرارات شملت إغلاق المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساءً على أن يكون الإغلاق في العاشرة يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع؛ مؤكداً أن هذه القرارات «ضرورية من أجل ترشيد استهلاك الكهرباء».

وقال إنه سيتم الاكتفاء بتطبيق القرار لمدة شهر لمتابعة الأوضاع واتخاذ الإجراءات بناءً على التطورات «في ظل الأزمة التي تواجه العالم». كما لفت إلى أن هناك إجراءات تجري مناقشتها، منها إمكانية تطبيق نظام العمل من المنزل يوماً أو يومين أسبوعياً لبعض الجهات في القطاعين العام والخاص.

الحكومة المصرية تقرر إغلاق المحال ومراكز التسوق مبكراً (وزارة التموين)

وطبقت الحكومة المصرية أخيراً زيادة في أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة بعد القفزة في أسعار النفط بعد اندلاع حرب إيران.

ويرى وكيل «لجنة القوى العاملة» بمجلس النواب، إيهاب منصور، أن قرارات الحكومة يمكن تفهمها في إطار إجراءات الترشيد العاجلة؛ لكنه قال إن ما أعلنه رئيس الوزراء لم يتضمن أي معلومات تفصيلية عن الوفر الناجم عن هذه القرارات من الناحية المالية استناداً لإحصائيات تعتمد على أعداد المحال والمراكز التجارية والمطاعم والمقاهي التي سيتم إغلاقها مبكراً، بالإضافة إلى وضعية أعداد العاملين فيها بعد هذه المواعيد.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «رئيس الوزراء لم يوضح ما إذا كان سيسمح لمحلات الطعام على سبيل المثال بالاستمرار في العمل عبر إتاحة خدمة التوصيل من عدمه، وغيرها من الأمور التفصيلية المرتبطة بالكشف عما سيتم توفيره بكل إجراء يتم اتخاذه، وتوضيح تبعات التعامل مع المتضررين المحتملين منه».

ويتابع: «الحديث عن ترشيد إنارة الشوارع أمر لا يُتوقع أن يؤدي لوفر كبير في ظل المشكلات الموجودة بالأساس في الإضاءات».

ويؤكد منصور أن إيقاف إضاءة الإعلانات على سبيل المثال أمر سيضر بصناعة الإعلانات بشكل كبير؛ نظراً لاعتماد غالبية شركات الدعاية والإعلان على الإعلانات المضيئة، وهو أمر قال إنه لم يتم الحديث عن طريقة التعامل مع تداعياته، معرباً عن أمله في إصدار الحكومة بيانات توضيحية تستند لأرقام وإحصائيات.

ارتفاع سعر أنبوبة الغاز نتيجة الحرب الإيرانية (محافظة الجيزة)

ويشير عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي» محمد أنيس إلى وجود اتجاه عالمي لاتخاذ إجراءات تقشفية مرتبطة بترشيد استخدام الطاقة بشكل كبير لضغط الإنفاق بما يقلل من معدلات الاستهلاك الطبيعية، ويلفت إلى أن الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تزال في إطار الترشيد المقبول والمطبق بشكل اعتيادي في العديد من الدول الكبرى.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر يمكن التغلب عليه بتعديل النمط الاستهلاكي المرتبط بالتردد على المحلات والأماكن العامة والانتهاء مبكراً».

ويلفت إلى أن الحكومة المصرية ليس لديها بدائل كثيرة يمكن أن تعوِّل عليها لمعالجة تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً بسبب الحرب، مضيفاً أن كل المؤشرات الحالية لا تشير لاحتمالية عودة الأسعار قريباً لما كانت عليه قبل اندلاع حرب إيران.


«قوة استقرار غزة» في مأزق عقب تأجيل إندونيسي للانتشار المحتمل

أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة» في مأزق عقب تأجيل إندونيسي للانتشار المحتمل

أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب)

قررت جاكرتا إرجاء نشر قواتها في قطاع غزة ضمن قوات الاستقرار الدولية، بعد حديث إسرائيلي عن أنها سوف تنتشر في مايو (أيار) المقبل، وأن وفوداً ستأتي بعد أسبوعين لاستطلاع الأوضاع.

ذلك القرار الذي اتخذته إندونيسيا بسبب التصعيد بالشرق الأوسط، سيقود إلى أزمة وقد تتخذ دول أخرى قرارات مماثلة بتعليق انتشارها، وفق خبراء عسكريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، وتوقعوا أن يكون القرار مؤقتاً حال تم تحقيق دفعة حقيقية في مسار اتفاق وقف إطلاق النار بغزة والتهدئة في المنطقة.

و«قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم ترَ النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

رئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينية المكلّفة إدارة شؤون قطاع غزة علي شعث يوقع بيان مهمة اللجنة الوطنية لإدارة القطاع (حسابه عبر منصة إكس)

وأفادت وكالة الأنباء الإندونيسية (أنتارا)، الأربعاء، بأن وزير الدولة براسيتيو هادي، أعلن، عقب اجتماع تنسيقي عُقد في وزارة الدفاع، أن إندونيسيا أوقفت نشر 8000 جندي من قوات حفظ السلام في غزة بسبب تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط.

وقال براسيتيو للصحافيين في جاكرتا: «كل شيء معلق»، مشيراً إلى تصاعد الوضع الأمني الإقليمي كسبب رئيسي للتأجيل غير المحدد للانضمام إلى مهمة قوة تحقيق الاستقرار الدولية.

وهذه الخطوة تعد تراجعاً جديداً لجاكرتا، حيث أكد وزير الدفاع الإندونيسي، شافري شمس الدين في 12 مارس (آذار) الحالي أن قرار بلاده إرسال قوات للمشاركة في قوة الأمن الدولية المزمع نشرها في قطاع غزة سيبقى مرتبطاً بالتطورات داخل مجلس السلام.

وأوضح شمس الدين أن جاكرتا كانت قد طرحت في وقت سابق إمكانية إرسال نحو 20 ألف جندي، لكنها باتت حالياً تخطط لنشر نحو 8 آلاف عنصر بشكل تدريجي، مشيراً إلى أن دولاً أخرى تعهدت بإرسال قوات بأعداد أقل.

جنود من الجيش الإندونيسي يشاركون في مناورات بمقاطعة سومطرة الجنوبية (رويترز)

الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، يعتقد أن القرار الإندونيسي سببه الخوف من وقوع خسائر في الجنود بالقطاع جراء اضطراب الأوضاع في القطاع وعدم استقرارها في المنطقة، لافتاً إلى أنه مع هدوء الأوضاع يمكن مخاطبتها من واشنطن وتعود للمشاركة.

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء عادل العمدة، أن تعليق إندونيسيا جاء بسبب اعتبارات عدة، أهمها عدم وجود ضمانات موجودة بشأن الانتشار المحتمل، وعدم وضوح الرؤية بشأن اليوم التالي في قطاع غزة، وبالتالي لا تريد الانخراط في مهمة عالية المخاطر.

ويعتقد أن هذا التعليق سيدخل القوات تحت ضغط مأزق كبير، حيث إنه من الوارد أن تنسحب دول أخرى أو تعلق مشاركتها.

ويأتي التأجيل الإندونيسي بعد أيام من إعلان «هيئة البث» الإسرائيلية الرسمية، مساء السبت، أن إسرائيل تستعد لبدء نشر قوة دولية في قطاع غزة اعتباراً من مايو المقبل، التي تضم نحو 5 آلاف جندي من إندونيسيا، إضافة إلى عشرات الجنود من كازاخستان والمغرب وألبانيا وكوسوفو.

وهذه التطورات تأتي وسط إعلان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان الأربعاء، رصد 2073 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وحتى 18 مارس 2026، بين 973 عملية قصف واستهداف، و750 حادثة إطلاق نار، و263 عملية نسف منازل، و87 توغلاً عسكرياً داخل المناطق السكنية.

ويعتقد العمدة أن حديث إسرائيل لن يجد مساره للواقع في ظل استمرارها في جعل الاتفاق هشاً واستمرار خروقاتها وعدم تنفيذ التزاماتها، مشيراً إلى أنه من المتوقع أن يتأخر انتشار قوات استقرار غزة بسبب ما تفعله إسرائيل بالقطاع والتصعيد بالمنطقة بسبب حرب إيران.

بينما يؤكد فرج على أهمية تنفيذ اتفاق غزة المتعثر حالياً، خاصة أن هناك بنوداً لم تحسم بعد، مثل انسحاب إسرائيل، مشيراً إلى أن القوات ستدخل في موعد لاحق حال التوافق على القضايا حتى لا تكون هناك مخاطرة كبيرة وتكلفة أكبر للدول في حال استمرار عدم الاتفاق.


مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)
وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)
TT

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)
وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

دعت الحكومة المصرية، الأربعاء، إلى وقف «فوري» للسجالات الإعلامية التي دارت على بعض المنصات خلال الفترة الأخيرة، والتي تناولت العلاقات بين مصر وعدد من الدول العربية بشكل سلبي، مؤكدة أن استمرار هذا الخطاب يسيء إلى الروابط التاريخية ويهدد حالة التماسك بين الشعوب العربية.

وحذرت «وزارة الدولة للإعلام» والهيئات الإعلامية المتمثلة في «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» و«الوطنية للصحافة» و«الوطنية للإعلام»، في بيان مشترك، من محاولات استغلال هذه الأجواء من قِبل جماعات معادية، في مقدمتها جماعة (الإخوان)، لبث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية العربية».

وفي تحرك وصفه إعلاميون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» بأنه كان ضرورياً وجاء في توقيت دقيق، حذر البيان مما يجري ترويجه من «شائعات وأكاذيب وإساءات متبادلة واختلاق مواقف ووقائع تستهدف إشعال الفتنة بين الأشقاء»، مطالباً بضرورة «التوقف عن المشاركة في هذه الملاسنات وعدم الانسياق وراء ما يحاك من مؤامرات للإضرار بالتماسك والتلاحم بين دولنا وشعوبنا».

وأعلنت الجهات الأربع المعنية بدء تفعيل الأدوات القانونية المتاحة لضبط الأداء الإعلامي، والمحاسبة عن «أي تجاوزات من شأنها الإضرار بمصالح الدولة أو الإساءة إلى الدول الشقيقة أو مسؤوليها»، داعية الدول العربية إلى اتخاذ إجراءات مماثلة وفقاً للقوانين المعمول بها لديها، «بما يضمن احتواء هذه الأزمة الإعلامية ومنع تفاقمها، والحفاظ على حالة التوازن والاستقرار في العلاقات بين الدول».

وشدد البيان على أن «ما يجمع مصر بعدد من الدول العربية، من بينها السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان والعراق والأردن، علاقات أخوة راسخة على المستويات كافة، سواء الرسمية أو الشعبية».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره السعودي في الرياض بجولته الخليجية هذا الأسبوع (الخارجية المصرية)

واعتبر البيان أي محاولات للمساس بهذه العلاقات «جريمة تستهدف الإضرار بمصالح هذه الدول فرادى وبالمصلحة القومية للأمة العربية، وهي محاولات آثمة ومرفوضة من جميع الوجوه الأخلاقية والقومية والوطنية».

مَن المستفيد؟

الكاتب الصحافي عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة «الشروق» المصرية ووكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، قال إن التحرك الرسمي جاء في توقيت دقيق «مستهدفاً وقف حالة التمدد التي شهدتها السجالات الإعلامية خلال الأيام الماضية، بعدما تحوّلت إلى أداة لبث الفتنة بين المصريين ودول الخليج»، في وقت لا توجد فيه، حسب معلوماته من مصادر سياسية مصرية، أي أزمة حقيقية.

وأضاف، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات المصرية - الخليجية مستقرة وقوية، حتى لو كانت هناك بعض التباينات، مستندة إلى تاريخ طويل من الشراكة والمصالح المشتركة».

وأشار إلى وجود قلة في الجانبين تحاول تصدير صورة مغايرة، «مستغلة سرعة الانتشار على مواقع التواصل لتحقيق تأثير أكبر من الحجم الحقيقي، إضافة إلى مصلحة إسرائيلية وإيرانية للإساءة لهذه العلاقات»، وفق تعبيره.

ومضى قائلاً: «هذا المشهد المريب يطرح تساؤلاً واضحاً حول المستفيد من تصعيد هذه الأجواء»، محذراً من الانجرار وراء دعوات تستهدف الوقيعة بين مصر ودول الخليج «لأن هناك أدواراً خارجية تسعى لإشعال الموقف وتعمل على إضعاف التماسك العربي».

سلطان عُمان خلال استقباله وزير الخارجية المصري في جولته الخليجية هذا الأسبوع (الخارجية المصرية)

وتتمثل أهمية التحرك المصري، وفق تصريحات حسين، في محاصرة التدوينات قبل أن تتوسع، والحد من الأصوات التي اكتسبت حضوراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون أن تستند إلى حقائق، مشدداً على أن المواجهة لا تقتصر على الإجراءات الرسمية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى وعي عام».

«وأد محاولات الفتنة»

وترى عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً ليلى عبد المجيد أن البيان الإعلامي المشترك بين عدد من الجهات المصرية «يتسم بقدر كبير من المسؤولية في التعامل مع ظاهرة السجالات الإعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أنها لم تعد تمر بشكل عابر».

وأكدت أن هذه السجالات «تحوّلت إلى تحدٍّ حقيقي يهدد استقرار المنطقة العربية، في ظل ما يجري في بعض المنصات من تصعيد وحديث عن أمور غير موجودة من الأساس، بما يخدم في النهاية مصالح أطراف تسعى لإشعال التوتر داخل الإقليم، وتضر بمصالح الوحدة العربية في مثل هذه الظروف».

واستطردت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «مثل هذا التصعيد الإعلامي يؤدي إلى حالة من البلبلة بين الشعوب، ويسهم في إثارة الضغائن بشكل غير مبرر، رغم أن الواقع السياسي بين الدول العربية، وعلى رأسها العلاقات المصرية - الخليجية، واضح ومستقر ولا يعاني أزمات حقيقية».

وشددت على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركاً مشتركاً بين الدول العربية، سواء على المستوى الإعلامي أو المؤسسي عبر تواصل الجهات الإعلامية في الدول العربية مع مسؤولي المنصات لوقف مثل هذه الهجمات.

وناشد البيان المصري «نخب المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي الدول العربية الشقيقة القيام بدورهم في وأد هذه الفتنة، وقطع الطريق على الدسائس»، مؤكداً أن مثل هذه الأزمات تستغلها «قوى الشر» والجماعات الإرهابية لبث الفرقة بين مصر والشعوب العربية.