لماذا تخلت تركيا الآن عن رفضها تطبيع علاقاتها مع سوريا الأسد؟

موسكو تدفع منذ فترة طويلة باتجاه عودة الاتصالات بين أنقرة ودمشق

سوريون يتظاهرون ضد تركيا بعد مواقف أنقرة الأخيرة (رويترز)
سوريون يتظاهرون ضد تركيا بعد مواقف أنقرة الأخيرة (رويترز)
TT

لماذا تخلت تركيا الآن عن رفضها تطبيع علاقاتها مع سوريا الأسد؟

سوريون يتظاهرون ضد تركيا بعد مواقف أنقرة الأخيرة (رويترز)
سوريون يتظاهرون ضد تركيا بعد مواقف أنقرة الأخيرة (رويترز)

أثارت الاستدارة «الحادة» في موقف تركيا تجاه النظام السوري، التي كشفت عنها تصريحات متتابعة من جانب الرئيس رجب طيب إردوغان ومساعديه والوزراء في حكومته العديد من التساؤلات عن الأسباب والتوقيت ودوافع هذا التحول بعد 11 سنة من الموقف الصلب الرافض لأي حوار مع دمشق. إذ عادة ما يسبق حملة التصريحات الانطلاق في الاتصالات وجهود التطبيع بين تركيا والدول التي ترغب في تحسين العلاقات معها. بداية... لا يمكن فصل التطورات الأخيرة في السياسة الخارجية لتركيا عن الوضع الداخلي بشقيه السياسي، المتمثل في دخول تركيا مرحلة الاستعداد للانتخابات الرئاسة والبرلمانية المقررة في 18 يونيو (حزيران) 2023، والضغوط التي يتعرض لها إردوغان وحكومته في الملف السوري وتحديدا فيما يتعلق بحل مشكلة اللاجئين السوريين الذين تتصاعد موجات الرفض الداخلي لبقائهم، والاقتصادي المتمثل في أزمة خانقة كان حزب العدالة والتنمية الحاكم وصل إلى السلطة بسبب أزمة مثيلة لها شهدتها البلاد في عام 2001، وخشيته من أن يرحل بسبب غياب الحلول للأزمة كما جاء بسبب قدرته على حل أزمة مشابهة. وهناك منظور آخر يتعلق بمراجعات السياسة الخارجية، ومحاولة تركيا كسر عزلتها في فترة تشهد تغيرات عالمية وإقليمية لا تستطيع أنقرة مواجهتها في ظل أزمات في علاقاتها مع محيطها الإقليمي، ومع جميع الدوائر المهمة كالاتحاد الأوروبي الذي تسعى لعضويته والولايات المتحدة المحكومة بملفات خلافية مزمنة تتصاعد تارة وتخبو أخرى.
في كواليس أنقرة، اشتعلت حرب بين حكومة رجب طيب إردوغان وأحزاب المعارضة التركية التي ترغب في الإجهاز على السلطة لأنها ترى الفرصة مواتية جداً للصعود إلى الحكم في الانتخابات المقبلة، وإنهاء حقبة 21 سنة من حكم إردوغان وحزبه.
وجرى، بالفعل، توظيف ورقة العلاقات مع الجارة سوريا وورقة اللاجئين و«خطأ» سياسة إردوغان وحكومته تجاهها. ووسط كل ذلك كان يدور حديث عن اتصالات على مستوى أجهزة الاستخبارات والأمن تجري في الخفاء وتسرب أخبارا عنها، بحساب، على مدى 5 سنوات، إلا أن أحداً لم يتخيل قول إردوغان بأن هدف بلاده ليس هزيمة النظام السوري بل وجوب تصعيد الاتصالات معه إلى أعلى المستويات.
بعض المحللين، يعتبر أن الاستدارة، التي عكستها التصريحات ليست استدارة سينتج عنها تطبيع قريب مع دمشق بقدر ما هي حركة سريعة من إردوغان لنزع السيف من يد خصومه، والوصول إلى أبعد مما كانوا يعدون به الناخب التركي... ليبرز في المقدمة على طريقة «بيدي لا بيد عمرو». وهذا أسلوب أجاده إردوغان طيلة عقدين من الزمان وأثبت نجاعته في كسب المعارك ضد المعارضة.
بدأت حملة التصريحات التي كشفت عن جهود التقارب التركي مع نظام الأسد بتصريح لوزير الخارجية مولود جاويش أوغلو عن إجرائه حديثاً قصيراً مع وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، على هامش الاجتماع رفيع المستوى لـ«مجموعة دول عدم الانحياز»، بمناسبة الذكرى الستين لتأسيسها الذي عقد في بلغراد خلال أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.
وأكد جاويش أوغلو أن الدفع باتجاه الحوار بين أنقرة ودمشق جاء من جانب روسيا، وأن الرئيس فلاديمير بوتين «يقترح على تركيا، منذ زمن بعيد، التواصل مع الرئيس السوري بشار الأسد وأن بوتين والمسؤولين الروس قالوا منذ فترة طويلة دعونا نوصلكم بالنظام». وأردف «كانت هناك لقاءات بين أجهزة المخابرات في البلدين لفترة... الآن بدأت مرة أخرى... لمناقشة قضايا مهمة في هذه الاجتماعات».
وتابع الوزير التركي «علينا أن نصالح المعارضة والنظام في سوريا بطريقة ما وإلا فلن يكون هناك سلام دائم... يجب أن تكون هناك إدارة قوية لمنع انقسام سوريا، والإرادة التي يمكنها السيطرة على كل أراضي البلاد لا تقوم إلا من خلال وحدة الصف».
- غضب واحتجاجات
كلام جاويش أوغلو أشعل ثورة غضب واحتجاجات من جانب السوريين في المناطق التي تسيطر عليها القوات التركية والفصائل الموالية لها في شمال سوريا وصلت إلى حد إحراق علم تركيا. وهو ما استنكرته المعارضة السياسية والعسكرية التركية وتعهدت مع أنقرة بمحاسبة المسؤولين عنه. واتفقت المعارضة وأنقرة على أن ثمة تحريضاً على المظاهرات من جانب النظام وميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي صعدت تركيا هجماتها ضدها في شمال وشرق سوريا بعدما تراجعت عن شن عملية عسكرية ضدها في منبج وتل رفعت بسبب ممانعتي واشنطن وموسكو.
ثم جرى الحديث عن احتمال إجراء اتصال هاتفي بين إردوغان والأسد، استبعدت أنقرة حدوثه في الوقت الحالي. وبعد ذلك خرجت أنباء من إيران عن لقاء محتمل بين إردوغان والأسد على هامش «قمة مجموعة شنغهاي» المقرر عقدها في مدينة سمرقند بأوزبكستان في سبتمبر (أيلول) المقبل، لكن جاويش أوغلو نفى هذه الأنباء كما نفى توجيه دعوة للأسد للمشاركة في القمة، لكنه أكد أيضاً استعداد أنقرة للحوار مع النظام السوري بلا شروط.

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو

تصريحات التقارب مع النظام في دمشق، لم تتوقف عند جاويش أوغلو، بل امتدت إلى الرئيس إردوغان، الذي طالما تهجم شخصياً على الأسد. وحدث تحول في لهجة إردوغان وأعلن، الأسبوع الماضي، أن هدف بلاده في سوريا ليس تحقيق النصر على الأسد، بل محاربة الإرهاب، مؤكداً أن الحوار مع النظام السوري يجب أن «يصل إلى أعلى المستويات».
- طمأنة المعارضة
حقاً الكلام المتتابع عن الحوار والتطبيع مع الأسد أقلق أوساط المعارضة السورية، من نكث أنقرة بوعودها لها والضغط عليها من أجل التنازل للنظام من أجل التخلص من «صداع» أكراد سوريا وتهديداتهم لحدود تركيا الجنوبية.
من أجل ذلك، عقد جاويش أوغلو اجتماعا مع قادة المعارضة السورية، الأربعاء الماضي، وسط توالي الكلام عن الحوار مع النظام والتأكيد على ضرورة التصالح أو تحقيق التوافق معه من أجل تحقيق السلام الدائم في سوريا. واستهدف اللقاء الذي عقد بمقر الخارجية التركية وحضره رئيس «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» سالم المسلط، ورئيس «هيئة التفاوض» بدر جاموس، ورئيس «الحكومة المؤقتة» عبد الرحمن مصطفى، تقديم رسالة طمأنة للمعارضة بشأن الدعم التركي. وأكد جاويش أوغلو، عقب اللقاء، أن تركيا تقدر وتدعم مساهمة المعارضة السورية في العملية السياسية في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 لعام 2015، الذي ينص على وقف فوري لإطلاق النار في جميع أنحاء سوريا وبدء مفاوضات سياسية وتشكيل حكومة وحدة خلال سنتين تليها انتخابات.
- ضغوط روسيا
الاعتقاد السائد الآن في أوساط المعارضة السورية هو أن ضغوط روسيا على تركيا هي التي أدت إلى رضوخ أنقرة للحوار وإعادة العلاقات مع دمشق. وهو اعتقاد يتبناه ساسة أتراك كبار مثل رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي يرأس حاليا حزب «المستقبل» المعارض. فقد انتقد داود أوغلو، ما وصفه بـ«انجرار حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان وراء المطالب الروسية» وإعادة العلاقات مع النظام السوري، وتسليمه اللاجئين قبل تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
وعبر داود أوغلو، الذي كان وزيراً لخارجية تركيا عندما اندلعت الحرب الداخلية في سوريا، عن انزعاجه من التقارب الذي تبديه أنقرة حالياً مع الأسد، والاستدارة التي قام بها إردوغان. وقال داود أوغلو، خلال فعالية لحزبه في أنقرة تحت عنوان «مشكلة الهجرة غير النظامية ومقترحات الحل بتوجيه من عقل الدولة وضمير الأمة» منتقداً «لقد تحولوا جميعاً، وليس جاويش أوغلو فقط؛ بل إردوغان وحليفه رئيس حزب (الحركة القومية) دولت بهشلي؛ لأن بوتين يريد ذلك، بينما لا يقوم النظام السوري بأي خطوات مقابلة، تماماً كما في العلاقات مع مصر. إذا تطورت العلاقات بهذا الشكل، فإن تركيا ستعاني من ذلك».
عموماً، يرى محللون أن تغييرات كثيرة على المستويين الإقليمي والدولي دفعت تركيا لاتخاذ هذه الخطوة، من بينها أن بين هذه التغيرات «الحرب الأوكرانية الروسية، وظهور نظام عالمي جديد بعد كوفيد - 19 سواءً على الصعيد الاقتصادي أو السياسي والعسكري، وظهور تكتلات جديدة في المنطقة والعالم، واكتشاف تركيا أنها لا يمكن أن تبقى بمعزل عن هذه التغيرات وبخاصة مع الدول المجاورة، وإدراكها أن علاقاتها مع دول الجوار لم تكن بالمستوى المطلوب لانغلاقها على نفسها... ولذا تحركت لتقليص الخلافات في علاقاتها مع دول المنطقة والعالم.
ويضيف معلقون أن السياسة التركية الجديدة حيال بالملف السوري تشي بأن حكومة إردوغان ترغب في إحداث اختراق حقيقي يحسن حظوظها في البقاء على رأس السلطة قبل انتخابات العام المقبل، كون الملف السوري ينعكس على تركيا ومصالحها في الداخل والخارج.
- مطالب متبادلة
المفهوم أن لا صفقات في العلاقات بين الدول بلا ثمن، وفي هذا الإطار كشفت مصادر تركية عن مطالب متبادلة بين أنقرة والنظام السوري من أجل إعادة فتح قنوات الاتصال وتطبيع العلاقات.
المصادر التي تحدثت إلى صحيفة «تركيا» القريبة من الحكومة، قالت إن النظام السوري طرح 5 مطالب على أنقرة تحقيقها قبل فتح قنوات الاتصال بين الجانبين، تتلخص في إعادة محافظة إدلب إلى إدارة دمشق، ونقل جمارك معبر كسب الحدودي، مع معبر باب الهوا إلى سيطرته، وترك السيطرة الكاملة على الممر التجاري بين معبر باب الهوا وصولاً إلى دمشق، بالإضافة إلى الطريق التجاري الواصل بين شرق سوريا - دير الزور والحسكة، وطريق حلب - اللاذقية الدولي (إم 4) للنظام، وعدم دعم تركيا العقوبات الأوروبية والأميركية ضد رجال الأعمال والشركات الداعمة للنظام.
أما تركيا فطالبت النظام السوري، بالمقابل، بتطهير مناطق ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، أكبر مكونات «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بالكامل، والقضاء التام على التهديد الإرهابي على الحدود، والاستكمال التام لعمليات التكامل السياسي والعسكري بين المعارضة ودمشق، والعودة الآمنة للاجئين.
وفي وسط هذا السيل من والمواقف أعلنت دمشق أنه لا حوار قبل الانسحاب التركي الكامل من الأراضي السورية والتوقف عن دعم الجماعات الإرهابية في سوريا. وأكد على هذا المطلب وزير الخارجية فيصل المقداد خلال مباحثاته في موسكو الأسبوع الماضي. وبدوره، جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف موقف بلاده الرافض لأي عمل عسكري تركي في شمال سوريا.

وزير الداخلية التركي سليمان صويلو (رويترز)

في المقابل، لا ترى تركيا أن النظام قادر على حماية الأراضي السورية أو القضاء على «التنظيمات الإرهابية» في شمال البلاد، كما أعلن ذلك مراراً وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو.
وللعلم، تحدثت تقارير عن استعداد تركيا للخروج من منطقة شرق الفرات وشمال سوريا، بشرط أن يلتزم النظام بالقضاء تماما على وجود الميليشيا الكردية على حدود تركيا، والتي تقول أنقرة إنها تلقت دعما من الغرب، وبخاصة من الولايات المتحدة التي تعتبر «الوحدات» حليفا وثيقيا في الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا.
- أين يتوزع السوريون في تركيا؟
> أعلنت إدارة الهجرة التركية في أبريل (نيسان) الماضي، أن عدد السوريين تحت «الحماية المؤقتة» في تركيا بلغ 3 ملايين و762 ألفا و686 سوريا يتوزعون في 32 ولاية من ولايات تركيا الإحدى والثمانين.
سجلت تركيا زيادة كبيرة في عدد اللاجئين السوريين منذ العام 2012 إذ سجلت حينها دخول 14234 سوريا، وكانت أكبر زيادة في عدد اللاجئين السوريين عام 2013، إذ سجل 224655 سوريا في ذلك العام.
تأتي ولاية إسطنبول في المرتبة الأولى من حيث عدد السوريين المقيمين فيها بنحو 542 ألفا و602. تليها غازي عنتاب بـ462 ألفا و897، فهطاي بـ433 ألفا و142، فشانلي أورفا بـ430 ألفا و3 سوريين، فأضنة بـ256 ألفا و468، فمرسين بـ242 ألفا و935، فبورصة بـ184 ألفا و363، فإزميربـ149 ألفاً و839، فقونية بـ123 ألفا و627 سوري، فكيليس بـ107 آلاف و214، وتضم ولايات أخرى 829 ألفا و610 سوريين.
- مخاوف السوريين بين التقارب مع النظام وسجالات الانتخابات
> وسط كل الزخم على الساحة السياسية التركية إزاء الملف السوري، ما بين مساعي التقارب بين أنقرة ودمشق، أو التناطح بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، يجد السوريون في تركيا أنفسهم في مأزق.
فهم عالقون بين مخاوف التطبيع مع النظام والاتفاق على إعادتهم بعد الحصول على ضمانات – لا يثقون بها، بشأن أمنهم وحمايتهم -، وبين الضغوط الهائلة في الداخل التركي والنداءات المتصاعدة والوعود بإعادتهم إلى بلادهم بعد انتخابات 2023 حال فوز المعارضة بها.
المخاوف تؤرق نحو 3.7 مليون سوري، قلة قليلة منهم تعيش في مخيمات قرب حدود بلادهم، والغالبية العظمى منتشرة في الولايات والمدن التركية حيث أسس كثيرون حياة مستقرة تشي بأن فكرة العودة لم تعد تخطر على البال.
وفعلاً لا تمر لحظة بلا سجالات في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي حول وجود السوريين في تركيا، ومشاركة من حصلوا منهم على الجنسية التركية في الانتخابات المقبلة... ودورهم في صنع المستقبل بعدما أصبحوا مواطنين أتراكا.
ولا يتوقف السجال على أوساط المجتمع التركي، بل بات يمثل ارتدادا لحملات انطلقت منذ أكثر من سنة ضد ما يروج له على أنه «الخطر السوري» أو حتى «الاحتلال». ويتبنى أوميت أوزداغ، رئيس حزب «النصر» التركي القومي المتشدد، حملة مناهضة لبقاء السوريين بالبلاد، في دعوة تثير الانقسام بين مؤيد ورافض لوجود السوريين، وامتدادا إلى من يرون أنه ما كان على تركيا أن تفتح أبوابها إلا للنساء والأطفال والعجائز... ورفض استقبال من هم في سن تمكنهم من البقاء في بلادهم للحرب بدلا من التسكع على الشواطئ وفي شوارع تركيا.
ولقد تجدد السجال بين أوزداغ ووزير الداخلية التركي سليمان صويلو حول مسألة المجنسين السوريين، إذ أكد صويلو أن عدد السوريين المجنسين لا يزيد عن 211 ألفا يحق لـ120 ألفا فقط منهم التصويت في الانتخابات المقبلة. بينما يدعي أوزداغ أن أعداد السوريين الحاصلين على الجنسية حتى يوليو (تموز) الماضي بلغ مليونا و476 ألفا و368 سوريا، من دون أن يوضح مصدر البيانات التي حصل منها على هذه الأرقام.
وحدهم السوريون هم من يتحملون تبعات التصريحات المستمرة بحقهم والتي ساهمت، إلى حد بعيد، في تأجيج خطاب الكراهية والعنصرية بحقهم في الشارع التركي.
ومع استمرار الحديث عن اللاجئين السوريين ومشاكلهم ونمط حياتهم المختلف - بمن فيهم أولئك الحاصلون على الجنسية التركية – صار كثيرون منهم يسعون إلى مغادرة تركيا نحو أوروبا وطلب اللجوء في دولها، وأصبحت صربيا التي يمكن دخولها بجواز السفر التركي بسهولة من الوجهات التي يقصدها آلاف السوريين كمعبر إلى أوروبا.
في المقابل، قسم كبير من السوريين الحاصلين على الجنسية التركية يعيشون في قلق وترقب انتظاراً للانتخابات التركية ونتيجتها، وغالبيتهم يعتقدون أن المعارضة ستلغي، حال فوزها بالانتخابات، الجنسيات الاستثنائية التي حصلوا عليها. وكان ناشطون أتراك أطلقوا حملة على منصات التواصل الاجتماعي لمنع السوريين الحاصلين على الجنسية التركية من المشاركة الاقتراع بعدما كشفت إحصائيات وزارة الداخلية عن أن غالبية السوريين يعيشون في مدينة إسطنبول، تليها غازي عنتاب وهطاي وشانلي أورفا وأضنة ومرسين.


مقالات ذات صلة

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

العالم العربي أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

أنقرة تستبق «رباعي موسكو» بمطالبة دمشق بموقف واضح تجاه قضايا التطبيع

استبقت تركيا انعقاد الاجتماع الرباعي لوزراء خارجيتها وروسيا وإيران وسوريا في موسكو في 10 مايو (أيار) الحالي في إطار تطبيع مسار العلاقات مع دمشق، بمطالبتها نظام الرئيس بشار الأسد بإعلان موقف واضح من حزب «العمال الكردستاني» والتنظيمات التابعة له والعودة الطوعية للاجئين والمضي في العملية السياسية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي درعا على موعد مع تسويات جديدة

درعا على موعد مع تسويات جديدة

أجرت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا (جنوب سوريا) اجتماعات عدة خلال الأيام القليلة الماضية، آخرها أول من أمس (الأربعاء)، في مقر الفرقة التاسعة العسكرية بمدينة الصنمين بريف درعا الشمالي، حضرها وجهاء ومخاتير ومفاوضون من المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية سابقاً وقادة من اللواء الثامن المدعوم من قاعدة حميميم الأميركية. مصدر مقرب من لجان التفاوض بريف درعا الغربي قال لـ«الشرق الأوسط»: «قبل أيام دعت اللجنة الأمنية التابعة للنظام السوري في محافظة درعا، ممثلةً بمسؤول جهاز الأمن العسكري في درعا، العميد لؤي العلي، ومحافظ درعا، لؤي خريطة، ومسؤول اللجنة الأمنية في درعا، اللواء مفيد حسن، عد

رياض الزين (درعا)
شمال افريقيا مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

مشاورات مصرية مع 6 دول عربية بشأن سوريا والسودان

أجرى وزير الخارجية المصري سامح شكري اتصالات هاتفية مع نظرائه في 6 دول عربية؛ للإعداد للاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب بشأن سوريا والسودان، المقرر عقده، يوم الأحد المقبل. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، في إفادة رسمية، الخميس، إن شكري أجرى اتصالات هاتفية، على مدار يومي الأربعاء والخميس، مع كل من وزير خارجية السودان علي الصادق، ووزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، ووزير خارجية العراق فؤاد محمد حسين، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف. وأضاف أن «الاتصالات مع الوزراء العرب تأتي في إطار ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

الأردن يوسّع مشاورات «عودة سوريا»

أطلق الأردن سلسلة اتصالات مع دول عربية غداة استضافته اجتماعاً لبحث مسألة احتمالات عودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومشاركتها في القمة المقبلة المقرر عقدها في المملكة العربية السعودية هذا الشهر. وقالت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط»، إن اجتماع عمّان التشاوري الذي عُقد (الاثنين) بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن وسوريا، ناقش احتمالات التصويت على قرار عودة سوريا إلى الجامعة العربية ضمن أنظمة الجامعة وآليات اعتماد القرارات فيها. وفي حين أن قرار عودة سوريا إلى الجامعة ليس مقتصراً على الاجتماعات التشاورية التي يعقدها وزراء خارجية مصر والسعودية والعراق والأردن، فإن المصادر لا تستبعد اتفاق

شؤون إقليمية الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

الأسد ورئيسي يتفقان على «تعاون استراتيجي طويل الأمد»

بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أمس (الأربعاء) زيارة لدمشق تدوم يومين واستهلها بجولة محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد تناولت تعزيز العلاقات المتينة أصلاً بين البلدين. وفيما تحدث رئيسي عن «انتصارات كبيرة» حققتها سوريا، أشار الأسد إلى أن إيران وقفت إلى جانب الحكومة السورية مثلما وقفت هذه الأخيرة إلى جانب إيران في حرب السنوات الثماني مع إيران في ثمانينات القرن الماضي. ووقع الأسد ورئيسي في نهاية محادثاتهما أمس «مذكرة تفاهم لخطة التعاون الاستراتيجي الشامل الطويل الأمد». وزيارة رئيسي لدمشق هي الأولى التي يقوم بها رئيس إيراني منذ 13 سنة عندما زارها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».