قراءة جديدة لأشكال «الموال الشعبي» العربي

كتاب مصري حديث يسلط الضوء عليها

درويش الأسيوطي (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «أشكال الموال الشعبي في مصر»
درويش الأسيوطي (الشرق الأوسط) غلاف كتاب «أشكال الموال الشعبي في مصر»
TT

قراءة جديدة لأشكال «الموال الشعبي» العربي

درويش الأسيوطي (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «أشكال الموال الشعبي في مصر»
درويش الأسيوطي (الشرق الأوسط) غلاف كتاب «أشكال الموال الشعبي في مصر»

الفنون الشعبية هي «التعبير الصادق عن روح الشعوب ووجدانها عبر العصور؛ فما بين القصص والملاحم والغناء والأزجال والمواويل وغيرها تروي هذه الفنون لحظات محنة الجماعة كما لحظات انتصاراتها، وتخلد صفحات من حياتها وعاداتها وتقاليدها وقيمها الجمالية»، وفي كتاب جديد للشاعر وباحث التراث الشعبي المصري درويش حنفي المعروف باسم درويش الأسيوطي صدر حديثاً كتاب يرصد أحد قوالب الإبداع الشعبي الشفاهي العربي وهو الدور أو الموال متناولاً أشكاله وخصائصه.
يعد الكتاب استكمالاً لسلسلة أعمال تتجاوز العشرة كتب لابن قرية الهمامية بمحافظة أسيوط (جنوب مصر) تبحر جميعها في أعماق التراث الشعبي وخصوصية المكان؛ ومن أبرز أعماله كتاب «أفراح الصعيد الشعبية» بجزأيه الصادرين عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، والذي جمع فيهما أغاني الصعيد والحجاج والمدائح التي تغنيها النساء بمناسبة الحج وزيارة قبر الرسول (عليه الصلاة والسلام) بالمدينة المنورة، كما تناول ليالي الحنين واستقرار المسلم على الحج.
أما في كتابه «طبيخ الصعايدة»، الذي صدر أخيراً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، فنتعرف على أنواع الطعام في التراث الشعبي في الصعيد، وتخزين الحبوب، ووصفات مختلفة من مطبخ الصعايدة وأدواته.
يقول الأسيوطي لـ«الشرق الأوسط»: إن «صعيد مصر بيئة شديدة الثراء والإلهام لأي كاتب شغوف بالتراث والحضارة والعراقة، ولذلك أستطيع التأكيد على أنه يمثل كنزاً حقيقياً أدعو المبدعين إلى النهل منه».
«يا ليل يا عين»... جملة يعرفها جيداً عشاق الطرب، تجتذب آذانهم وتحضرها للاستماع إلى الموال الذي يبدأ بها في الغالب، لتتآلف مع المقام الموسيقي وتحقق الانسجام بين المستمعين والمغني والآلة التي تصاحبه أو تبطن له، لكن اللافت أنه في مصر لم يعد هذا التعلق يقتصر على كبار السن أو الأفراح والمناسبات الشعبية كما كان في السابق؛ فقد أدت الحفلات التي يقدمها المنشدون والمطربون المنتمون للفن الفلكلوري في المراكز الثقافية والأوبرا على ما يبدو إلى تعلق الشباب بها أيضاً، إلى حد أنه لم يعد من الغريب أن تجدها كفقرة فنية في أعراس الطبقة الراقية في القاهرة.
يساهم ذلك الانتشار في زيادة أهمية كتاب «أشكال الموال الشعبي في مصر» لدرويش الأسيوطي؛ لأنه يشبع شغف القارئ بمعرفة تاريخ الموال ومفهومه وألوانه المختلفة، كما أنه يمنع في الوقت نفسه الخلط بينه وبين أي قوالب إبداعية شعبية أخرى عبر الإبحار في عالمه وجذوره، إضافة إلى الدور التوثيقي للكتاب وحفظ هذا الفن من الاندثار.
يقول الأسيوطي: «ربما صدر العديد من الكتب التي احتفت بالموال، لكنه لم يكن موضع تأصيل ممنهج أو محل دراسة خاصةً، حتى أن البعض صار يخلط بين الموال وعناصر أخرى من تراثنا الشفاهي كفن الواو والنميم، وقد اخترت تناول الموال كنص أدبي له بنيته وأشكاله ومقوماته الخاصة».
في الفصل الأول نتعرف على المفهوم الصحيح للموال كقالب للموسيقى الغنائية العربية التقليدية، فيه يظهر المغني قدراته في الأداء ومساحة صوته، ويلفت الكاتب إلى أن «الموال فن غنائي شعبي في كل الدول العربية، ويؤدى عادة إما بطريقة السرد الإلقائي أو السرد الموقع، لكن بشكل عام يعتمد هذا الفن على الارتجال والبراعة في استعراض الانتقالات اللحنية والتطريب».
ورغم أن الكتاب بحسب عنوانه قد يوحي باقتصار التناول على الموال في مصر وحدها، إلا أن الأسيوطي احتفى بتتبع جذوره وأنواعه في المنطقة العربية أيضاً، باعتبار أنه لا يمكن فصل الجزء من الكل والتطور عن البدايات.
ويوضح: «مما لاشك فيه أن التراث العربي مدين بالموال للعراق، وعاصمة الرشيد بغداد، ففي أروقتها نشأ فن «المواليا» الجد الأول لكل المواويل العربية على اختلاف أشكالها».
ويذهب بعض الدارسين وفق الكاتب إلى أن أول من ابتكر «المواليا» إحدى جواري البرامكة؛ فقد قيل بأن الخليفة هارون الرشيد لما نكب البرامكة حظر أن يذكرهم أحد، إلا أن جارية لهم كانت تقف بقصورهم المهدمة وترثيهم بشعر عامي اللغة تختمه بقولها: «يا موالياه»... ومن هنا جاء الاسم.
وعبر صفحات الكتاب نتعرف كيف أسهم الشعب العراقي (كما أسهمت كافة الشعوب العربية) في تطوير الموال، ليصير واحداً من فنون العامة في مصر والشام والجزيرة العربية والمغرب العربي، بعد أن صبغه كل شعب بعناصره الثقافية الموروثة الخاصة به، لذلك ليس من الغريب أن نكتشف أن الموال في كل الدول العربية يتشابه من حيث إنه يأتي على «بحر البسيط» وفي استخدام اللغة المحكية أو العامية في صياغته.
وفي عودة إلى الموال في مصر يقول الأسيوطي في كتابه: «لقد أغرم المصريون بأنواع من المواويل دون الأخرى، وابتدعوا ما سمي باسمهم، فالمصريون عشقوا الشكل الرباعي، حتى أن بعض المناطق استخدمت هذا النوع في صياغة السير والقصص الشعبية، كما كان للدور السبعاوي حظ وافر من الاهتمام المصري».
ويتابع: «ابتدع المصريون كذلك «الشكل السداسي الأعرج» والمسمى بـ(المصري) كما شاع الموال القصصي في مصر وكثر مبدعوه، ومنهم من صنع قصة شعرية من حكاية حسن ونعيمة، أو شفيقة ومتولي، أو ناعسة وأيوب، أو ياسين وبهية، أو قيس وليلي، أو عزيزة ويونس، كما عرفنا «موال الدرس» قاتل مأمور البداري المتعاون مع الإنجليز وموال أدهم الشرقاوي وغير ذلك».
وفي النهاية يؤكد الكاتب أن «الموال الشعبي لا يزال حياً في مصر، يأخذ بألباب العامة والنخب، وقد يطغى جديد الغناء على الموال لكنه حين يحضر فإنه يستقطب الأسماع».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


خطابات العيد في السودان... السلام يتقدّم على لغة البنادق

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطابات العيد في السودان... السلام يتقدّم على لغة البنادق

قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)
قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تحول لافت في الخطاب السياسي المصاحب للحرب السودانية، بدت رسائل التهنئة بعيد الأضحى الصادرة عن قادة الجيش و«قوات الدعم السريع» أقل ميلاً إلى التصعيد العسكري، وأكثر اقتراباً من مفردات السلام والاستقرار وعودة النازحين واللاجئين، وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في أبريل (نيسان) 2023.

وعكست خطابات العيد هذا العام تغيراً نسبياً في طبيعة الخطاب العام لدى طرفي القتال، بعد أشهر طويلة طغت خلالها لغة الحسم العسكري والوعيد، إذ ركزت الكلمات الرسمية على الأمن ووحدة البلاد ومعالجة التداعيات الإنسانية للحرب، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية الرامية إلى دفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية توقف القتال المستمر منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

وجاءت خطابات المعايدة بعد يوم واحد فقط من كلمة رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، التي تحدث فيها عن الانفتاح على السلام وإنهاء الحرب، في مؤشر اعتبره مراقبون تحولاً نسبياً في الخطاب الرسمي تجاه الأزمة، التي تسببت في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وخلال أدائه صلاة عيد الأضحى بمدينة المتمة بولاية نهر النيل، جدد البرهان تهنئته للسودانيين بالمناسبة، معرباً عن أمله في أن يعيد الله العيد على البلاد وهي «تنعم بمزيد من الأمن والاستقرار والازدهار».

ورغم تمسك البرهان بخطاب الحرب، عبر حديثه عن «تطهير كامل أراضي البلاد من التمرد»، فإن كلمته ركزت بصورة أكبر على قضايا الأمن والاستقرار ووحدة البلاد، مشيداً بدور سكان المنطقة فيما وصفه بـ«نصرة السودان والتصدي للمؤامرات»، وهو ما عَدّه متابعون تحولاً جزئياً في أولويات الخطاب الرسمي، الذي ظل طوال الأشهر الماضية قائماً على التعبئة العسكرية والتصعيد.

الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السوداني متحدثاً في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

وفي السياق ذاته، قال عضو مجلس السيادة رئيس هيئة أركان الجيش الفريق أول ركن ياسر العطا، في خطاب مقتضب بمناسبة العيد، إن السودانيين يتطلعون إلى «مزيد من الأمن والأمان والاستقرار»، موجهاً تهانيه إلى المواطنين داخل السودان وخارجه، وإلى اللاجئين السودانيين في دول المهجر، معرباً عن أمله في «عودة عاجلة إلى الوطن». وأشاد العطا بالقوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة، كما حيا قتلى الجيش، لكنه تجنب استخدام لغة تصعيدية مباشرة أو إطلاق تهديدات بمواصلة الحرب، مكتفياً بالإشارة إلى أن «النصر بات قريباً».

الفريق ركن شمس الدين كباشي خلال حفل تخرج مقاتلين جدد في مدينة القضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

أما عضو مجلس السيادة ومستشار القائد العام للجيش الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، فقد أدى صلاة العيد في إحدى ثكنات الجيش بمدينة أم درمان، واكتفى بتبادل التهاني مع المصلين، متمنياً أن يعيد الله المناسبة على السودان بـ«الأمن والاستقرار والسلام»، من دون الإدلاء بأي تصريحات سياسية أو عسكرية، في خطوة بدت مختلفة عن خطاباته السابقة التي اتسمت بلهجة أكثر حدة تجاه «قوات الدعم السريع».

في المقابل، خصص قائد «قوات الدعم السريع» الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) خطابه المطول، للحديث عن «السلام والعدالة والمواطنة المتساوية»، مؤكداً أن مستقبل السودان يجب أن يقوم على «دولة تتسع للجميع».

قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

ووصف حميدتي الحرب بأنها «معركة تاريخية» بين ما اعتبره مشروع الحركة الإسلامية ومشروع «السودان الجديد»، نافياً أن يكون الصراع «صراعاً على السلطة أو النفوذ»، ومؤكداً أن قواته تسعى إلى «بناء دولة المواطنة المتساوية». كما دعا إلى إعادة تأسيس الجيش السوداني على «أسس مهنية وقومية جديدة»، بعيداً عن «التسييس» الذي قال إن المؤسسة العسكرية عانت منه خلال العقود الماضية.

وشدد قائد «الدعم السريع» على رفض «العنصرية والقبلية والتهميش»، وتعهد بالعمل على بناء دولة تقوم على الحقوق المتساوية، إلى جانب مواصلة الجهود لتأمين الغذاء والدواء والخدمات الأساسية للمتضررين من الحرب، داعياً المجتمع الدولي ودول الجوار إلى دعم ما وصفه بـ«المشروع الوطني الجديد» في السودان.

ورغم استمرار الاتهامات المتبادلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» بشأن الانتهاكات الواسعة وجرائم الحرب، فإن خطابات عيد الأضحى هذا العام بدت أقل حدة مقارنة بالمناسبات السابقة، وأكثر ميلاً إلى استخدام مفردات السلام والاستقرار وعودة المدنيين إلى مناطقهم، في وقت تتعاظم فيه المخاوف من اتساع رقعة الأزمة الإنسانية وتفاقم معاناة السكان.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، قُتل آلاف المدنيين، بينما اضطر ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، وسط تحذيرات أممية متكررة من خطر المجاعة وانهيار الأوضاع الإنسانية في عدد من المناطق، مع استمرار تعثر جهود التسوية السياسية ووقف إطلاق النار.

 

 


الجنوب الليبي يطلب مزيداً من الدعم الأممي لمواجهة «التهميش»

نائبة المبعوثة الأممية أولريكا ريتشاردسون خلال زيارة إلى الجنوب الليبي الاثنين الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية أولريكا ريتشاردسون خلال زيارة إلى الجنوب الليبي الاثنين الماضي (البعثة الأممية)
TT

الجنوب الليبي يطلب مزيداً من الدعم الأممي لمواجهة «التهميش»

نائبة المبعوثة الأممية أولريكا ريتشاردسون خلال زيارة إلى الجنوب الليبي الاثنين الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية أولريكا ريتشاردسون خلال زيارة إلى الجنوب الليبي الاثنين الماضي (البعثة الأممية)

عاد الجنوب الليبي إلى واجهة الاهتمام الأممي هذا الأسبوع عقب سلسلة زيارات ولقاءات مكثفة أجرتها بعثة الأمم المتحدة مع قيادات محلية وحكومية في المنطقة، وسط مطالب متزايدة بتعزيز الدعم الدولي لمواجهة ما يوصف بـ«التهميش» المزمن الذي امتد لعقود.

وجاءت زيارة نائبة المبعوثة الأممية والمنسقة المقيمة في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون، التي استمرت عدة أيام، وشملت لقاءات مع مسؤولين محليين وقيادات تنفيذية في الجنوب، لتعكس، وفق متابعين، اهتماماً دولياً متنامياً بملفات المنطقة، وتشابك أزماتها المعيشية والحدودية والقبلية.

عميد بلدية تهالة الليبية حسن بلال خلال لقاء مع مسؤولين بـ«الهلال الأحمر» للتنسيق بشأن التقلبات المناخية (الصفحة الرسمية للبلدية)

وفي هذا السياق، رأت حواء زايد، عضوة الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة، أن هذه التحركات تُمثل «انعكاساً لاهتمام دولي متزايد بالأوضاع في الجنوب الليبي، الذي يعاني منذ سنوات أزمات أمنية وتهميشاً اقتصادياً واجتماعياً، بما يستدعي مزيداً من الدعم الدولي»، وفق ما صرحت به لـ«الشرق الأوسط».

وأضافت حواء زايد، وهي إحدى ممثلات الجنوب الليبي، أن لقاء نائبة المبعوثة الأممية مع نائب رئيس حكومة «الوحدة» عن المنطقة الجنوبية سالم الزادمة، إلى جانب اجتماعاتها مع عمداء بلديات الجنوب، «يكتسب أهمية خاصة، ويأتي في سياق اهتمام دولي ملحوظ بقضايا الجنوب الليبي وتحدياته المتراكمة».

وخلال أيام قليلة، تحوّلت مدن سبها ومرزق والقطرون وغات وأوباري والجفرة وبراك والبوانيس وبنت بية، إلى عناوين رئيسية في مباحثات أممية حملت رسائل متعددة، عنوانها المعلن دعم التنمية والاستقرار، في حين قرأ فيها مراقبون محاولة لتوسيع الانخراط الدولي في الجنوب، وربط مشكلاته المزمنة بمسار التسوية السياسية الذي تعمل الأمم المتحدة على إعادة إحيائه.

وقادت نائبة مبعوثة للأمم المتحدة وفداً دولياً، خلال الأيام القليلة الماضية، ضم ممثلين عن وكالات ومنظمات عالمية، في زيارة وصفت بأنها الأوسع إلى الجنوب منذ سنوات؛ حيث ركزت اللقاءات مع عمداء البلديات والقيادات المحلية على قضايا المياه، وتدهور الخدمات الصحية، ومخاطر التغير المناخي، وضعف البنية التحتية، واحتياجات النازحين واللاجئين، إضافة إلى ملف الأمن الحدودي والأنشطة غير المشروعة.

عميد بلدية سبها حفاف الأسود في لقاء مع نائبة المبعوثة الأممية أولريكا ريتشاردسون الأحد الماضي (صفحة البلدية)

وفي سبها، ناقش الوفد مع مسؤولي المنطقة العسكرية الجنوبية والبلديات تحديات التهريب، والاتجار في البشر والجريمة العابرة للحدود، وهي ملفات لطالما جعلت الجنوب ساحة مفتوحة لتقاطعات أمنية وإقليمية معقدة. لكن اللافت في الاجتماعات لم يكن فقط التركيز على التهديدات الأمنية، بل الإصرار المحلي على أن جذور الأزمة تتعلق بالتهميش التنموي، وضعف حضور الدولة أكثر من أي شيء آخر.

وبدا واضحاً، من خلال كلمات عمداء البلديات وممثلي المكونات الاجتماعية، أن الجنوب يُحاول استثمار الزخم الأممي لإعادة طرح مطالبه القديمة، المتعلقة بتوزيع الموارد، وتحسين الخدمات، وتوسيع المشاركة في مؤسسات الدولة، في وقت يشعر فيه كثير من سكان فزان بأنهم ظلوا خارج حسابات الحكومات المتعاقبة في شرق البلاد وغربها.

وحسب بيان الأمم المتحدة، فقد «خلصت المناقشات إلى دعم تنموي أكثر تنسيقاً ومنهجية، وتعزيز قدرات البلديات، وتوسيع التعاون بقيادة البلديات في منطقة فزان لمعالجة التحديات المشتركة، وتحسين ظروف المعيشة للمجتمعات المحلية».

وفي مرزق، التي استقبلت لأول مرة منذ أكثر من عقد زيارة أممية بهذا المستوى، حملت اللقاءات دلالات سياسية تتجاوز بُعدها الخدمي، إذ شدد المشاركون المحليون على ضرورة أن يكون الجنوب حاضراً «بشكل كامل» في أي حوار وطني، أو ترتيبات سياسية مقبلة، في إشارة إلى مخاوف متزايدة من أن تستمر التسويات الليبية محصورة بين القوى التقليدية في طرابلس وبنغازي، دون تمثيل فعلي لفزان.

عناصر من «الهلال الأحمر» خلال عمليات إجلاء مواطنين جرّاء السيول في غات (الهلال الأحمر)

وسبق أن عاشت مدينة مرزق سنوات من الصراعات القبلية والاشتباكات المسلحة، وما رافقها من نزوح واسع وتدهور للخدمات، قبل أن تطوي صفحة العنف بمصالحة قبلية، ثم مشروعات إعادة إعمار شملت ترميم المنازل والمرافق وتحسين البنية التحتية.

غير أن عضوة الحوار المُهيكل تقول إن «لقاءات الزيارة الأممية الأخيرة، وما صاحبها من زخم سياسي ودبلوماسي، تظل بحاجة إلى ترجمتها إلى برامج دولية حقيقية على الأرض، بالنظر إلى تعقيدات الجنوب الليبي ومشكلاته الممتدة منذ عقود».

وعبرت حواء زايد عن الأمل في أن «يكون الاهتمام الدولي هذه المرة مختلفاً وأكثر جدية، خصوصاً أن الجنوب شهد في السابق زيارات وتحركات لمسؤولين أمميين ودوليين، لكنها لم تُحقق نتائج ملموسة على الأرض، سواء فيما يتعلق بتحسين الأوضاع الأمنية أو معالجة التهميش التنموي والخدمي».

يشار إلى أن أولريكا ريتشاردسون ناقشت مع نائب رئيس حكومة «الوحدة» للمنطقة الجنوبية، سالم الزادمة، تعزيز التنمية المتوازنة في ليبيا عبر توزيع عادل للموارد، وتفعيل الحوكمة المحلية وتوسيع فرص الشباب. كما شدد الجانبان على تحسين الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم والمياه والطاقة، ودعم الفئات الهشة والالتزام بحقوق الإنسان.

كما برز اهتمام دولي متزايد بالجنوب، بعد لقاء الزادمة بالسفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز؛ حيث جرى بحث دعم مشروعات التنمية وتحسين الخدمات، مع تأكيد لندن استمرار دعمها للمسار السياسي وجهود الأمم المتحدة.

في هذه الأثناء، تشهد مناطق في الجنوب الغربي الليبي، الخميس، استنفاراً حكومياً وإنسانياً إثر موجة أمطار غزيرة وسيول جارفة، تركزت في مدينتي غات وتهالة، ما دفع السلطات المحلية إلى إعلان حالة تأهب، ورفع درجات الاستعداد تحسباً لأي تطورات ميدانية.

عنصر تابع لفريق الطوارئ لـ«الهلال الأحمر» خلال عملية رصد مواقع جريان السيول في بلدية غات بالجنوب (الهلال الأحمر الليبي)

وأفادت مصادر محلية بنزوح عدد من العائلات في تهالة، بدءاً من الأربعاء، بدعم من غرفة عمليات الهلال الأحمر، عقب دعوات عاجلة لإخلاء بعض الأحياء خشية وصول السيول، في إطار إجراءات احترازية لحماية السكان.

وفي غات، تسببت الأمطار في جريان الأودية، وغمر بعض الطرقات، وسط تحذيرات للسكان في المناطق المنخفضة والمزارع من الاقتراب من مجاري السيول، فيما أعلن الهلال الأحمر عن نزوح 250 عائلة من عدد من الأحياء.

من جهتها، أعلنت لجنة طوارئ حكومية تابعة للحكومة المُكلفة من البرلمان عن رفع درجة الجاهزية في غات وتهالة والمناطق المجاورة، مع استمرار التنسيق بين الجهات المختصة لمتابعة الوضع والتعامل مع أي طارئ، في حين شاركت وحدات من قوات «الجيش الوطني» في عمليات دعم وإنقاذ المتضررين.

وتبقى حالة الترقب مسيطرة على مناطق الجنوب الليبي، مع استمرار التحذيرات من التقلبات الجوية والسيول، بعدما توقع المركز الوطني للأرصاد الجوية امتداد فرص هطول الأمطار حتى يوم الجمعة.


«القوائم السوداء»... هل تكفي لمكافحة التهرب الضريبي في ليبيا؟

رئيس مصلحة الضرائب في غرب ليبيا خلال اجتماع لمناقشة تسوية مديونية الجهات العامة لدى المصلحة في عام 2024 (الصفحة الرسمية للمصلحة)
رئيس مصلحة الضرائب في غرب ليبيا خلال اجتماع لمناقشة تسوية مديونية الجهات العامة لدى المصلحة في عام 2024 (الصفحة الرسمية للمصلحة)
TT

«القوائم السوداء»... هل تكفي لمكافحة التهرب الضريبي في ليبيا؟

رئيس مصلحة الضرائب في غرب ليبيا خلال اجتماع لمناقشة تسوية مديونية الجهات العامة لدى المصلحة في عام 2024 (الصفحة الرسمية للمصلحة)
رئيس مصلحة الضرائب في غرب ليبيا خلال اجتماع لمناقشة تسوية مديونية الجهات العامة لدى المصلحة في عام 2024 (الصفحة الرسمية للمصلحة)

تلوّح السلطات في غرب ليبيا بتصعيد إجراءاتها ضد التهرب الضريبي، عبر إعداد «قائمة سوداء» للمخالفين، وإنشاء جهاز جديد باسم «الشرطة الضريبية»، في خطوة تعكس تشدداً رسمياً متزايداً تجاه ظاهرة تقول الحكومة إنها تستنزف موارد الدولة، وتحدّ من قدرتها على تعزيز الإيرادات غير النفطية.

ويأتي هذا التوجه في وقت يرى فيه متابعون للشأن الاقتصادي أن الإجراءات العقابية، رغم أهميتها، لن تكون كافية بمفردها لمعالجة الظاهرة، في ظل بيئة إدارية وسياسية معقدة، تتطلب إصلاحات أوسع، تشمل توحيد المؤسسات، وتعزيز الشفافية، وتطوير المنظومة الضريبية، والحد من البيروقراطية، بما يرفع كفاءة التحصيل ويقلص فرص التهرب، في بلد يعيش انقساماً سياسياً وأمنياً منذ أكثر من عقد.

وفي هذا السياق، كان إعلان رئيس مصلحة الضرائب في غرب البلاد، محمد إدريس، مؤخراً التوجه لإعداد قائمة تضم الأفراد والشركات المتهربة من سداد الالتزامات الضريبية، مع تشديد الإجراءات القانونية بحق المخالفين، مؤكداً في تصريحات محلية أن الهدف هو تعزيز الامتثال الضريبي وحماية المال العام. كما كشف عن إنشاء جهاز «الشرطة الضريبية» لمنح السلطات أدوات ضبطية وإجرائية أوسع في مواجهة التهرب.

مكتب ضرائب أبو سليم بالعاصمة طرابلس (مصلحة الضرائب في غرب ليبيا)

وسبق أن ذهب تقرير برلماني سابق صدر عن مجلس النواب في الاتجاه ذاته؛ إذ دعا من ضمن توصياته بشأن الموازنة العامة للبلاد العام الماضي إلى تشديد الرقابة على التهرب الضريبي والجمركي، وتفعيل العقوبات الرادعة. لكن الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري أوضح أن «القوائم السوداء والعقوبات الأخرى، رغم وجاهتها النظرية، تصطدم بواقع معقد يتداخل فيه الفساد مع ضعف مؤسسات الدولة، ما يجعل مواجهة التهرب الضريبي والجمركي أكثر صعوبة».

ويضرب الفيتوري مثلاً على هذه الصعوبات بـ«الانتشار الواسع للفواتير المزورة والإقرارات المالية الوهمية التي تحتاج إلى جهد جبار في تتبعها، لا يتلاءم مع الأوضاع الراهنة في البلاد»، وفق رؤيته التي تحدث بها لـ«الشرق الأوسط».

ويتسق هذا التقييم مع مؤشرات الفساد التي تضع ليبيا في مراتب متأخرة عالمياً؛ إذ تراجعت إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 في 2024، وفق تقارير دولية، ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالنزاهة الإدارية.

ويضيف الفيتوري، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، أن «الانقسام السياسي بين حكومتين متنافستين يفاقم صعوبة فرض أي إجراءات رقابية أو عقابية، في ظل غياب سلطة موحدة قادرة على التنفيذ والمتابعة»، علماً أنه توجد مصلحتان للضرائب، إحداهما يترأسها إدريس في غرب البلاد، والأخرى يترأسها سراج الشلماني شرقاً.

ووفقاً لآخر تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الليبي، فقد رُصد عدم التزام عدد من المصارف التجارية وفروعها في المنطقتين الشرقية والجنوبية بتحويل الإيرادات الضريبية المحصّلة إلى حساب الإيرادات العامة للدولة لدى مصرف ليبيا المركزي، ما يعكس استمرار ثغرات في منظومة التحصيل المالي.

ورغم هذا الواقع، تشير بيانات رسمية إلى أن الإيرادات الضريبية في ليبيا ارتفعت إلى نحو 4 مليارات دينار خلال عام 2025، مقارنة بـ2.5 مليار دينار في 2024، غير أن هذه الزيادة تبقى محدودة أمام هيمنة العائدات النفطية التي تشكل أكثر من 85 في المائة من إجمالي إيرادات الدولة، بما يعادل 116.8 مليار دينار في العام الماضي، في حين تظل مساهمة الضرائب محدودة للغاية عند نحو 2.9 في المائة فقط.

وتتوزع مصادر الجباية الضريبية في ليبيا بين ضرائب الدخل على الأفراد، وأرباح الأعمال، والغرامات، إضافة إلى رسوم «الدمغة» والعقارات.

سراج الشلماني مدير الضرائب في شرق ليبيا خلال اجتماع بمدينة بنغازي في أبريل الماضي (مصلحة الضرائب في شرق ليبيا)

ومنذ سنوات تتزايد التحذيرات الأكاديمية من اتساع الظاهرة، في ظل تحديات بنيوية تواجه المنظومة الضريبية. وخلص مؤتمر علمي نظمته جامعة سرت إلى أن تعقيد النظام الضريبي، وضعف الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية، من أبرز أسباب التهرب، مشيراً إلى دور الاقتصاد الموازي، وضعف الثقافة الضريبية في تغذية الظاهرة.

كما خلصت دراسة أكاديمية أعدها أستاذ القانون بجامعة طرابلس منصور الفيتوري حامد إلى أن غياب العدالة الضريبية، وضعف الضمانات القانونية للممولين، يساهمان بشكل مباشر في تفشي التهرب.

وتضيف الدراسة أن ضعف الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية، وتعقيد الإجراءات، والاعتماد على سياسات تقليدية، تشكل بيئة خصبة لاستمرار التهرب، داعية إلى تحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز حقوق الممولين، إلى جانب تشديد الرقابة وتطبيق القانون.

وهنا يقول المحامي الليبي محمد بن دردف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن التقديرات الجزافية التي تفرضها الجهات الضريبية على الممولين، لا سيما العاملين في القطاع الخاص، غالباً ما تتجاوز حجم مداخيلهم الفعلية، الأمر الذي يفاقم الأعباء المالية عليهم، مشيراً إلى أن هذه الممارسات تدفع كثيرين إلى اللجوء للتهرب الضريبي باعتباره «سلوكاً عاماً» فرضته الضغوط الاقتصادية وغياب آليات التقدير العادلة، ومحذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يوسع فجوة الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية.

ويرى أكاديميون ومراقبون أن أي نجاح في تقليص التهرب الضريبي سيظل مرهوناً بقدرة ليبيا على توحيد مؤسساتها، وبناء نظام ضريبي أكثر كفاءة وعدالة، في ظل الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.

كما أوصى مؤتمر جامعة سرت العلمي بتسريع التحول الرقمي في التحصيل، وتطوير الأنظمة المحاسبية، وتوسيع الدفع الإلكتروني، إلى جانب تدريب الكوادر الضريبية وتعزيز حملات التوعية.

ويخلص الفيتوري إلى أن «القوانين والمنظومة الضريبية المعمول بها في ليبيا لا تزال تستند إلى تشريعات، تعود إلى عهد النظام السابق برئاسة معمر القذافي»، عادّاً أن ذلك «يفرض الحاجة إلى مراجعة شاملة للهيكل الضريبي بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية الراهنة في البلاد». وأوضح أن «طبيعة الأعمال والأنشطة الاقتصادية، إلى جانب شريحة الممولين الخاضعين للضرائب، شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يتطلب تحديث التشريعات الضريبية لتواكب الواقع الاقتصادي الجديد، وتحقق قدراً أكبر من العدالة والكفاءة».

ووفق تشريع ليبي صادر في عهد القذافي، يُعاقب المتهرب ضريبياً بغرامة لا تقل عن أربعة أمثال قيمة الضريبة المستحقة، في حين يُلزم المتأخر عن السداد بدفع غرامة مالية تتراوح بين 500 دينار و10 آلاف دينار ليبي بحسب مدة التأخير وحجم المخالفة.