«مليونير الأنفاق» بغزة.. يواجه أوقاتًا صعبة

سويري كان يختار أكثر الأماكن فخامة.. لكنه اليوم يعمل في مقهى بـ5 دولارات في اليوم

عمليات تهريب داخل أحد أنفاق غزة (غيتي)
عمليات تهريب داخل أحد أنفاق غزة (غيتي)
TT

«مليونير الأنفاق» بغزة.. يواجه أوقاتًا صعبة

عمليات تهريب داخل أحد أنفاق غزة (غيتي)
عمليات تهريب داخل أحد أنفاق غزة (غيتي)

عندما كان محمد سويري ثريا اشترى لحبيبته هاتفا جوالا حتى يتمكنا من تبادل الرسائل النصية سرا. لقد كان «مليونير أنفاق»، وهو واحد من آلاف الفلسطينيين الذين أصبحوا أثرياء بين عشية وضحاها بمعايير غزة، أي أصبحوا يكسبون 18 دولارا يوميًا من خلال تهريب السلع عبر واحد من مئات الأنفاق التي توجد أسفل الأرض على الحدود بين غزة ومصر.
لم يكمل سويري دراسته الثانوية، وكان في السابعة عشرة من العمر حين بدأ العمل في أحد الأنفاق. والآن بات في الثالثة والعشرين من العمر، ويبيع كوب الشاي مقابل 25 سنتا، والقهوة التركي، والنسكافيه، في متنزه غزة أمام متجر آيس كريم حيث تناول آيس كريم بنكهة الفانيليا ذات يوم مقابل 1.25 دولار. في أفضل الأيام يربح سويري 5 دولارات، وبدلا من التواصل مع حبيبته عبر الرسائل النصية يرسل إليها خطابات خلسة. وقال سويري وهو يتنهد أمام منصة لبيع الشاي في متنزه الجندي المجهول: «لقد كنت أختار أكثر الأماكن فخامة». وقد تم إطلاق هذا الاسم على المتنزه تكريما للشهداء الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي إسلاميين منذ تسع سنوات. وأضاف قائلا: «لقد أصبحت أبحث عن الزبائن، وكنت يومًا في محلك. أنت تسخر مني الآن لأنني أبيع الشاي»، مشيرا إلى متجر بيع الآيس الكريم الذي يوجد على الجهة المقابلة في يوم غائم تماما.
وسويري من بين آلاف الرجال الذين باتوا عاطلين عن العمل العام الماضي بسبب الحملة الأمنية، التي شنتها السلطات المصرية على الأنفاق، واتهام حركة حماس التي تحكم غزة بتوفير ممر آمن لعبور المسلحين الهاربين من مصر. وزاد هذا العدد من معدل البطالة في غزة، والذي ارتفع إلى 44 في المائة منذ الحرب الإسرائيلية خلال الصيف الماضي. ويتم جلب كل أنواع السلع، مثل الأبقار الحية، وحيوانات الحدائق، والسيارات، والمياه الغازية، والإسمنت، عبر الأنفاق.
وانتعشت تجارة الأنفاق عقب فرض إسرائيل ومصر قيودا صارمة على التجارة والحركة عام 2007 لمعاقبة حماس على الاستيلاء على السلطة في غزة. وأصبح بعض رجال الأنفاق السابقين بائعين متجولين في هذا المتنزه، ومن بينهم سويري، الذي اقترض 65 دولارا من والدته من أجل إقامة هذه المنصة في ركن يحيط به أشجار. يعد المتنزه، وهو مساحة خضراء نادرة في غزة، مكانا للتجمع. تبدأ المظاهرات من هنا، وخلال الحرب أقام المئات من المشردين مخيمات في المتنزه. ويجذب المتنزه الأثرياء، والفقراء، والعاطلين عن العمل، والأمهات، اللاتي يدفعن عربات أطفالهن، والطلبة، والعاشقين، مما جعل هذا العمل مربحا جدا.
مهند سهران هو ابن شقيق سويري (13 عاما)، ويعمل «نادلا» معه، ويساعد في جذب الزبائن في متنزه الجندي المجهول. ويتقاضى 75 سنتا مقابل كل 10 مشروبات. وأحيانا يطلب مهند سعرا أكبر ويحصل هو على فرق السعر. أفضل زبائن سويري هو رجل عجوز يدعى أبو باسل، يرتدي بزة مهندمة وقبعة، ويجلس على مقعد قريب. وهناك نادل يعمل في منصة أخرى لبيع الشاي يغازل النساء ويحصل على أرقام هواتفهن، ويبيعها لأبو باسل مقابل 2.50 دولار على حد قول سويري. في كل الأحوال أبو باسل هو رجل وحيد يجذب القلوب.
في أحد الأيام الماضية كانت هناك سيدة تجلس على مقعد في مواجهة أبو باسل. بدأت محادثة معه؛ وقالت إن زوجها تزوج عليها امرأة أصغر منها سنا وهو الآن يتجاهلها تماما. وهي كانت تشكو منه دائما. وطلب أبو باسل فنجاني قهوة تركي، أعطى أحدهما للمرأة. وهرع مهند إليهما جالبا إياهما القهوة، لكن المرأة اشتكت من أنها ليست ساخنة كما ينبغي. وبالقرب منهما كان هناك طلبة جامعيون مسلمون ملتزمون يجلسون على جدار منخفض يتحدثون عن الاختبارات القادمة، وعيونهم متجهة نحو الأرض، حتى لا يرتكبوا خطيئة النظر إلى النساء. وأبعد قليلا، يحاول محمد الغول، وهو طفل في السادسة من العمر سنته الأمامية مفقودة، بيع الجرائد مقابل 25 سنتا للصحيفة. وقال بزهو وهو ينظر بإعجاب نحو شقيقه عبد الرحمن البالغ من العمر 13 عاما: «أنا أساعد أخي». وسأل: «هل تريد صحيفة؟». وكانت هناك ثلاث سيدات يتجهن نحو مقعد بالقرب من سويري، وبدا عليهن أنهن من رفح، المدينة التي تقع على الحدود مع مصر في جنوب غزة. وقال: «مقارنة برفح، هنا مثل باريس بالنسبة إليهن. لا توجد أي متنزهات في رفح، ولا تستطيع النساء البقاء خارج المنزل هكذا. يمكنهن البقاء هنا للمدة التي يردنها والمغازلة». وكان هناك رجل يرتدي قميصا ضيقا ويحاول الحديث مع واحدة من تلك النساء، كانت ترتدي غطاء رأس يتلاءم مع لون ملابسها. وبعد مرور ساعة أخرج هاتفه الجوال وبدا أنه ينقر على الأرقام، ثم ابتعد. وكان هناك زوجان يتجهان نحو مقعد آخر. كانت السيدة مغطاة من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ورفعت يد الرجل بخجل، وأخذت تشتمها وكأنها تشتم رائحة عطر. وسأل رجل نحيف يبيع سجائر سويري ما إذا كان لديه بعض الماء. ويدفع سويري 25 سنتا يوميا إلى متجر قريب من أجل ملء حاوية، فمياه الصنبور ملوثة وغير صالحة للشرب. وأخذ مهند يصب له كوبا، فشكره الرجل قائلا: «جزاك الله خيرا». وكانت هناك ثلاث فتيات يرتدين الزي المدرسي اشترين آيس كريم أصفر اللون من بائع متجول آخر. وكانت إحداهن تدعى ميسر، تبلغ من العمر 14 عاما، وقالت إنهن يذهبن مؤقتا إلى مدرسة قريبة من المتنزه، لأن مدرستهن تستخدم كملجأ لإيواء الفلسطينيين المشردين الذين لم يتمكنوا من العثور على منازل منذ أيام الحرب.
وأشارت ميسر إلى دبوس يحمل وجها باسما على ملابسها وقالت: «ابتسم أنت في غزة» باللغة الإنجليزية. وبدأت شحاذة تبلغ من العمر 15 عاما في الاقتراب ببطء نحو المتنزه، وأخذت تتجول بصحبة شقيقتيها الأصغر منها، وكان وجهاهما، وملابسهما الممزقة، وأرجلهما العارية، ملطخة بالطين والقذارة، في حين كانت أظافر أقدامهما مطلية باللون الزهري. واقتربت الشقيقة الكبرى من سويري وأخذت تصيح فيه معبرة عن غضبها، ثم تسلقت لوحة إعلانات بالقرب من منصة بيع الشاي الخاصة به، فأخذ يصيح بها: «ابتعدي»، فأجابت: «أستطيع أن أفعل ما يحلو لي فأبي كفيف، وأمي مريضة». وقالت شقيقتها الأصغر وهي تتنهد: «وهي حامل مرة أخرى». وقال سويري: «ينبغي على إسرائيل أن تسكب الوقود على غزة بالكامل وتشعل النيران بنا جميعا. لا ينبغي أن يعيش أحد هنا».

* خدمة واشنطن بوست خاص بـ {الشرق الأوسط}



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».