السلطة والمفارقة والشر في فلسفة محفوظ الروائية

فيصل دراج يفسر كيف عالج نجيب الفلسفة

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

السلطة والمفارقة والشر في فلسفة محفوظ الروائية

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

يبدو كتاب د.فيصل دراج «الشر والوجود... فلسفة نجيب محفوظ الروائية» الصادر مؤخراً عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة مشروعاً أساسه تحقيق الالتئام لمسيرة الكاتب الذي طوَّر الرواية العربية بينما كان يطور روايته خلال خمسين عاماً.
من الطبيعي، مع مكانة الكاتب أن يحظى بعدد من الدراسات لم يحظَ بها كاتب عربي آخر، وبينها دراسات غالي شكري وإبراهيم فتحي المهمة، لكن الكثير من الدراسات اتجهت إلى تقسيم الإنتاج المحفوظي إلى حقب محددة استناداً إلى النهج الفني: حقبة تاريخية، واقعية، رمزية، وتجريبية، حتى بات هذا التقسيم طريقة مستقرة لعالم نجيب محفوظ، دون أن تنعدم بالطبع المعالجات التي تبحث عن المضمون الفلسفي.
في دراسته الجديدة يتخذ دراج مساراً مختلفاً؛ فالأساس عنده البحث في الفلسفة، أو الفلسفات التي عالجها محفوظ روائياً، وبعدها في الأولوية يقع التحقيب الفني، الذي لم يكن صارماً بالمناسبة، حيث عاود محفوظ زيارته للحقبة الفرعونية في وقت متقدم، «أمام العرش» 1983، و«العائش في الحقيقة» 1985، لكن عبر كل الانتقالات الفنية كان لدى محفوظ سؤاله الفلسفي، المفتوح على آفاق رحبة لا تقبل بالانغلاق. هكذا كان هذا الروائي الواحد متعدداً، ولهذا -يقول دراج- لن يكون الناظر إلى الرواية العالمية عادلاً إن لم يتوقف أمام رواية نجيب محفوظ المصرية والعربية والكونية في آن.
يقع كتاب دراج في 326 صفحة من القطع الكبير. وبشكل شخصي أعرف أن الناقد الكبير كان يراكم ملاحظاته عبر أكثر من عشرين عاماً، عندما بدأ حلمه بهذا الكتاب الذي تحقق أخيراً.

لديه سؤال
بدأ محفوظ كتابته السردية بالمجموعة القصصية «همس الجنون» عام 1983، أعقبتها روايات: «عبث الأقدار»، و«رادوبيس»، و«كفاح طيبة»، أوحت بأن الروائي الشاب يستلهم رواية جورجي زيدان التاريخية، لكنه كان ينفيه بكتابة أكثر عمقاً.
اختياره الزمن الفرعوني أملاه استعصاء الواقع ونزعة فرعونية صعدت في ثلاثينات القرن العشرين، أفصح عن منظور قومي يشدّ المصريين إلى أمجادهم، وأشبع الماضي الفرعوني بإشارات مشرقة تنطوي على «سماوي يراه الفرعون دون غيره ومجد أرضي ناصع الوجوه»، لكن كان لديه سؤال ينتمي إلى الأزمنة الحديثة موضوعه الاغتراب السياسي.
هجس محفوظ في روايته الأولى بسؤالين: كيف يولَد نهوضٌ حديث من مجد قديم؟ وهل يستوي المجد في نظام يسوسه فرد مستبد؟ وسرعان ما غادر المرحلة الفرعونية زاحفاً بأسئلته إلى زمن حديث عالجه في رواية «القاهرة الجديدة» 1946، مستعيضاً عن الاستهلال المتفائل في «عبث الأقدار» باستهلال يوازيه اتخذت فيه الجامعة المصرية التي تنشر الأنوار مكان الفرعون: «لاح قرص الشمس فوق القبة الجامعية الهائلة، كأنه منبثق إلى السماء، أو عائد بعد طواف». وفي مواجهة سلطة العلم رسم السلطة الفاسدة بمجاز مطاردة القيم، حيث حشد الروائي في الفضاء السلطوي نخبة عالية النفوذ، لها وجه خارجي براق يستند إلى الاحتجاب.
تتخذ السلطة أشكالاً متعددة في روايات محفوظ، وفي ملاحقته لثنائية الاستبداد والفساد، ترتحل السلطة من وجوه الزعماء والنخب المسيطرة إلى مختلف أشكال الفتوة بوصفها السلطة في ممارستها العارية.
يتوقف دراج مليّاً أمام «حضرة المحترم» 1975، التي يصفها بـ«نص بالغ الإتقان» استثمر فيه خبرة متراكمة وتحليلاً نافذاً لتحولات العالمين الداخلي والخارجي للإنسان السلطوي، حيث العبودية السعيدة التي تساوي السلطة بالحياة، يقدس الأولى ويختصر الثانية في طموح جشع، كلما تحقق غدا أكثر تطلباً، لكن الموت يأتي فجأة ليعصف بآخر ما تبقى من حياة.

المفارقة أصلاً محفوظيّاً
تبدو المفارقة، أصلاً ثابتاً في ملامح الكتابة المحفوظية يعلن عن نظره للعالم، حتى كاد يضع قاعدة «لا رواية بلا مفارقة». وحَّد من البداية بين السلطة وتقنية المفارقة. ضدٌّ يواجه ضده، يُبطل الضد الثاني فعلاً قصده الضد الأول، ويستولد من الضد الآخر فعلاً لم يسعَ إليه. ومن هذه المواجهة يرتسم الفعل الروائي وينغلق. وتعلن المفارقة عن هشاشة الإرادة الإنسانية.
في «عبث الأقدار» يبني محفوظ مفارقته على التباين بين قوة جيش جرار لفرعون عظيم، يجرد قواه لمنازلة طفل وليد، بناءً على أسطورة أن ذلك الطفل سيقوّض سلطة الفرعون. المنازلة بين السلطة الكبيرة وطفل بلا قوة يتوسطها طرف ثالث غامض مجهول يمد الضعيف بقوة منتصرة.
يسري نسغ المفارقة في روايات مختلفة الموضوعات في الكثير من رواياته من بينها: «القاهرة الجديدة»، و«خان الخليلي»، والثلاثية، تلك المفعمة بالمفارقات: المفارقة البالغة بين شقيقين شديدي التباين ثم يستحضر الموت الشقيق الجميل ويرفعه من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع (في إشارة إلى موت فهمي برصاص الإنجليز) وفي الأختين نرى الجمال وضده، سخاء الطبيعة وتقتيرها. يبدو الموت مختصاً في الجميل، دون أن يربط محفوظ المفارقة بقانون العقاب، لكنه يراها أحد أبعاد الوجود غير القابلة للتفسير.
ينطوي المفهوم المحفوظي للمفارقة على رؤية تمزج بين العبث والمخادعة، تحتضن المفاجأة واللامتوقع. ويتعرف عليها بشر اختبروا الحياة يرتكنون إلى ذكائهم، وهو يقترب في هذا من رؤية الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد الذي قال: «لا تقابل المفارقة في الطبيعة البشر الطبيعيين الأقرب إلى السذاجة، فهي تفصح عن نفسها فقط لإنسان وعى معنى المفارقة».
لا تنفصل المفارقة عن تطور الوعي الحديث الذي قوامه «فرد واعٍ لأهدافه قادر على توليد أسلوب يمايزه عن غيره» مع أنها موجودة في شكلها البلاغي منذ سقراط، لكن صعودها كان في القرن الثامن عشر الذي شهد النظرية الرومانسية في الأدب.
وحسب دراج فقد انتسبت حداثة محفوظ بمفارقة صدرت عن بصيرته. لم يكن مأخوذاً بالتجديد الأدبي الذي قال به شليغل ولم يقتنع بمثالية هاينه ولا تداخل الوعي واللاوعي الفرويدي، بل من تحديقته في السلطات الحاكمة التي فرضت عليه أكثر من قناع. لم يقاسم نيتشه تصوره عن تداعي العالم، وإنما جاءت معرفته من بصيرة تجعل من المعرفة فعلاً مقاوماً.

عتمة الوجود
رغم تقسيم الكتاب إلى سبعة أبواب، يندرج تحت كل باب منها ما بين مقال (فصل) وأربعة تنظر في كثير من أعمال محفوظ، فإن المؤلف يعود إلى التذكير بين وقت وآخر، بالرواية الأولى، كأن كل شيء كان هناك منذ البداية لدى كاتب لديه تصور متماسك عن الوجود مع ذلك لم ينغلق داخله، مواصلاً مساءلته بين عمل وآخر، واختبار ما يمكن أن يضيء شيئاً من عتمة الوجود، متحاوراً مع رؤى فلاسفة وروائيين آخرين.
يرى دراج في الثلاثية محاولة لفهم الزمن والشر وعتمة الوجود، بطموح الوصول إلى تصور شامل للوجود، فاتسعت الرواية لما اختبره في روايات سابقة: الصدفة، المفارقة، والسلطة، واصفاً جيلاً عدّ السياسة حقيقة الوجود الأصيل، مشاطراً إحدى شخصيات روايته أزمة روحية فكرية ترجم بها طوراً من قلقه. وأطلق الموت في أشكال تحتمل الطفل والشاب والشابة والكهل والعجوز، وبقدر ما أعطى الموت حرية اختيار واسعة، اتخذ من الزمن بطلاً روائياً نرى فعله في الوجوه، في المشية وفي تبدل الأمكنة، كما لو كان الزمن جوهر الوجود، بينما جعل التعدد يقاسمه البطولة: تعدد الطباع، والأعمار، والميول، والشر من وجوه معروفة ووجوه تبقى غامضة.

فكرة الاضمحلال
لطالما ربط النقد بين «الثلاثية» وبين «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، و«آل بودنبروك» لتوماس مان، من باب النوع الأدبي (رواية الأجيال). في هذا الكتاب يقيم دراج مقارنته بين الروايات الثلاث حول فكرة الاضمحلال والتداعي.
يَعبر المؤلف تشابهات «الثلاثية» و«الإخوة كارامازوف» كون كل منهما تعالج حياة عائلة بمصائرها المتطرفة، ليصل إلى ما يفرقهما؛ وبرأيه فقد أضاء محفوظ على الفضول المعرفي ومحدودية المعرفة، بينما ذهب الروائي الروسي إلى خواء الروح في غياب الإيمان. وبينما رسم دوستويفسكي إنساناً ضائعاً يحاكي الشيطان، كان محفوظ يصدر عن وحدة الإرادة اليقظة، مصوراً شغف الإتقان، متوغلاً في المعرفة والمساءلة، دون أن يحاكي أحداً.
وأما عن الالتقاء بين الثلاثية و«آل بودنبروك» مان، فيعبر دراج شكلانية المشابهة إلى تشاطر أثر الزمن والوعي المأساوي بعنف الوجود بين توماس مان ونجيب محفوظ.

الاغتراب السياسي
بعد الثلاثية كانت مرحلة سياسية جديدة قد فرضت تحولات اجتماعية تأملها محفوظ بوعي نقدي ورد عليها بتحولات في كتابته. «انتقل بعد أفول السلطة الملكية من زمن اجتماعي منفتح على احتمالات متعددة، إلى زمن سلطوي يصادر التعدد، ويفرض ذاته زمناً وحيداً. سار مع الزمن الجديد منقسماً، يحنّ إلى ماضٍ لا يرضى عنه، ويعيش حاضراً لا يقبل به».
تكشف «اللص والكلاب» وجه الاغتراب كاملاً بدءاً من اللاتوازن في العنوان «اللص»، تسمية عارية لـ«سعيد مهران»، في مقابل تسمية مجازية «الكلاب» لأعدائه. يعيش الإنسان في رواية محفوظ الجديدة اغتراباً سياسياً يتوالد في اغتراب حقوقي، واغتراب وجودي يمحو العلاقة بين الفرد والمعنى، ويمتد حتى إلى اغتراب لغوي يوائم الكبت ويخشى الإفصاح.
وقد اتخذ الاغتراب وجوهاً مختلفة من رواية إلى أخرى. في مستهل «السمان والخريف» نقرأ: «وقف القطار ولكنه لم يجد أحداً بانتظاره»، يبدأ «عيسى» وحيداً، لم يعرف السجن الصغير الذي دخله «سعيد مهران»، لكنه يحمل سجناً كبيراً في نفسه. فيما حاولت «ميرامار» احتواء اغتراب ساخر عنوانه الانفصال: انفصال الشيخ عن شبابه الوفديّ، والبنت عن قريتها، والشاب عن وعوده، وانفصال القول عن الفعل. ولا يشذ «أنيس» في «ثرثرة فوق النيل» عن صورة المهزوم الذي يقتات اغترابه.
سقوط الفردية لدى محفوظ يحدث بيد سلطة تحذف الفرد وتستبقي جموعاً سديمية، وتستبدل بالمواطن الفعلي مواطناً افتراضياً.
يتساءل فيصل دراج: هل قام محفوظ بترحيل دراسته للفلسفة إلى كتاباته الروائية أم أن روايته أنتجت فلسفتها؟
وحسبه فإن محفوظ لم يتوقف عن متابعة فضوله الفلسفي خارج الجامعة، مضيفاً إليه خبرة أسئلة تخصه وخبرة حياة، ذلك لأن النص المحفوظي ينطلق من حياة البشر الذين أنطقهم في رواياته. لهذا لا يمكن إرجاع النص إلى فلسفة جاهزة، كأن يقال رواية وجودية أو نفسية، ذلك لأن الفلسفة في النص المحفوظي لا تسقط عليه من الخارج، وفي الوقت ذاته لا تتطابق فلسفة النص مع فلسفة كاتبه لأن ذلك يُسقط البعد الروائي ومعنى الكتابة متعددة الأزمنة، ويترك الروائي شفافاً تصالحت لغته مع أفكاره. وهو كلام فقير المعنى.
كل نص لدى محفوظ يمنح القارئ سطحاً حكائيّاً مكشوفاً لا يسمح باقتراب فلسفي ولا يتضمن مقولات قابلة للمساءلة، لكنه ينطوي على غموض ونقاط عمياء تتيح قراءة مغايرة، تستقرئ الشر والتباس الوجود الذي يكتنف حياة البشر في شكله السلطوي الظاهر وفي شكله الغامض. وقد لازمت منظوره للعالم كآبة واسعة، أتت بها خصائصه الفردية قبل التجربة، دون أن يتخلى عن الأمل بقدرة الإنسان على بناء مدينته الفاضلة تتويجاً لدلالات العدل والحرية، كما جاء في نهاية «ملحمة الحرافيش».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
TT

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)
توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

تجسد مشروعات التوسعة السعودية للحرمين الشريفين شاهداً على الدعم الكبير الذي توليه القيادة السعودية لخدمة ضيوف الرحمن، كما تعكس ريادة المؤسسات الأكاديمية السعودية في توظيف الابتكار لصناعة الحلول الواعية للتوقعات، مما يجعل التوسعة الثالثة نموذجاً عالمياً في «أنسنة» الفراغات المعمارية وتسخير الابتكار لخدمة ملايين الطائفين والركع السجود.

وقد سجَّلت جامعة الملك سعود حضوراً بارزاً في ذاكرة العمارة الإسلامية، بعد أن أصدرت الهيئة السعودية للملكية الفكرية 4 براءات فكرية لصالح الجامعة وفريق عملها، تتعلق بالفكرة التصميمية والأسس الهندسية لأكبر مشروع توسعة شهده المسجد الحرام في تاريخه.

ويأتي هذا الإصدار تتويجاً للتوجيه السامي الذي تبنى مقترح الجامعة قاعدةً للتوسعة الثالثة، في تجسيد لتكامل القرار القيادي مع الخبرة العلمية الوطنية. فمنذ اللحظة التي بارك فيها الملك عبد الله بن عبد العزيز هذه التصاميم في جدة عام 2008، انطلقت ورشة عمل وطنية كبرى قادها فريق فني رفيع من أساتذة الجامعات السعودية، حيث تلاقت الرؤى الأكاديمية مع الحلول التقنية لإنتاج مشروع معماري يوازن بين قدسية المكان ومتطلبات العصر.

وشمل تسجيل المصنفات الفنية للمشروع لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية أربعة عناصر رئيسة هي: تصميم مبنى التوسعة الثالثة للحرم المكي، وساحات الصلاة الشمالية، ومباني المداخل الشمالية، إضافة إلى التخطيط العام والامتداد المستقبلي للتوسعة.

لمحة مختصرة عن التصميم الأساس

التصميم الابتدائي لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (جامعة الملك سعود)

يقوم التصميم الأساس للمشروع على 3 كتل حلقية مركزها الكعبة المشرفة، تتوسطها بوابة الملك عبد الله، وتفصل بينها مسارات إشعاعية تنطلق من مركز الكعبة المشرفة، مكشوفة للسماء، مع جسور تربط الكتل في الأدوار العلوية.

وترتكز فكرة التصميم، التي أعدها فريق عمل جامعة الملك سعود برئاسة عميد كلية العمارة والتخطيط آنذاك الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن سعد المقرن، على مجموعة من المبادئ أبرزها احترام مركزية الكعبة المشرفة، وإتاحة رؤيتها من أماكن الصلاة المفتوحة، إضافة إلى إبراز محاور الحركة الرئيسة المتجهة مباشرة نحوها.

وتحقق ذلك من خلال توظيف محاور إشعاعية مستقيمة تنطلق من مركز الكعبة وتتقاطع مع حلقات دائرية حولها، مما يقسِّم المشروع إلى قطاعات دائرية تشكل الكتل البنائية الرئيسة، وتشمل المبنى الرئيس الذي يتكون من ثلاثة أجزاء تقع بين أربعة محاور إشعاعية تمثل مسارات الحركة الأساسية.

كما يتضمن التصميم الأفنية الخارجية المفتوحة الواقعة شمال وجنوب المبنى الرئيس، والمصاطب المتدرجة ومباني المرافق الخدمية الواقعة شمال هذه الأفنية، إضافة إلى الساحات الخارجية المحيطة بالمشروع من الجهات الشرقية عند ساحة المسعى ومنطقة المروة، والغربية عند ساحة باب العمرة وشارع أم القرى.

وبناءً على دراسات فريق التطوير التابع لوزارة التعليم العالي، تم اقتراح تمييز الكتلة الوسطى التي تضم بوابة الملك عبد الله، وتطوير الفراغات الداخلية المفتوحة، وتحويل المسارات الإشعاعية المكشوفة إلى مسارات مغلقة في جميع الأدوار، إضافة إلى تطوير العلاقة مع مبنى الحرم القائم من جهة الكعبة المشرفة، طبقاً لرؤية جامعة الملك سعود في تحقيق الامتداد المستقبلي للمشروع.

والتزاماً بصلب التوجيه السامي الكريم، أُعدت المخططات النهائية ونُفّذت أعمال المشروع وفقاً للتصميم الأساس والمعتمد من المقام السامي وتطويراته.

رؤية مستقبلية للتوسعات

التطوير المطور لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (فريق تطوير المشروع)

تجاوز المقترح الأساس الذي قدمته جامعة الملك سعود والمعتمد للتوسعة الثالثة للحرم المكي الشريف نطاق هذه المرحلة، ليطرح تصوراً أوسع يمثل رؤية مستقبلية لمشروعات توسعة الحرم. فقد اقترح إعادة تكرار وحدات الفكرة التصميمية الأساسية على مراحل تبدأ بامتداد الكتل الثلاثة لمبنى التوسعة باتجاه الكعبة المشرفة، ثم تكرار هذه الكتل أربع مرات باتجاه بوابتي الملك فهد والملك عبد العزيز، مع الالتزام بالفكرة التخطيطية والتصميمية للمرحلة الأولى، القائمة على المحاور الإشعاعية للحركة والقطاعات الحلقية للمباني، التي يختلف عمقها وفقاً للوضع العمراني القائم للمباني المحيطة بالحرم.

وتجسد هذه الرؤية مرونة الفكرة التصميمية وقدرتها على استيعاب التوسعات المستقبلية عند الحاجة، بما يحقق تناغماً وتكاملاً بين مراحل توسعة الحرم المختلفة والمشروعات المجاورة له.

الجامعات السعودية تتضامن لتطوير المقترح

مسقط أفقي لفكرة الأساس لمبنى التوسعة السعودية الثالثة (جامعة الملك سعود)

وجَّهت القيادة السعودية وزير التعليم العالي بتكوين فريق مهني عالي التأهيل لتطوير المقترح الأساس للتوسعة الثالثة للمسجد الحرام، مع منحه الصلاحية للاستعانة بالخبراء المحليين والدوليين من العالم الإسلامي وخارجه عند الحاجة.

وبناءً على ذلك، شكَّل وزير التعليم العالي فريقاً مختاراً من أساتذة الجامعات السعودية، ووفَّر لهم التسهيلات الإدارية والفنية، مع تفريغهم للعمل على تطوير التصاميم والإشراف على تنفيذ التوسعة السعودية الثالثة.

وتكوَّن الفريق الفني برئاسة البروفسور صالح بن حامد السيد من جامعة الملك سعود، في حين ترأس الفريق المعماري الدكتور سمير بن محمود زهر الليالي من جامعة الدمام (جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل حالياً)، وترأس الفريق الإنشائي البروفسور يوسف بن عبد الله السلوم من جامعة الملك سعود.

كما ترأس فريق الحركة والحشود البروفسور عبد الرحيم بن حمود الزهراني من جامعة الملك عبد العزيز، وفريق الكهروميكانيكا والمرافق الصحية الدكتور إبراهيم بن عمر حبيب الله من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بينما ترأس فريق البيئة والاستدامة الدكتور خالد بن محمد الجماز من جامعة الملك سعود، إضافة إلى فرق استشارية داعمة جرى الاستعانة بها عند الحاجة، مع توفير الدعم اللوجيستي اللازم لعملها.

وعملت هذه الفرق بتناغم كبير وروح الفريق الواحد، تحت إشراف لجنة عليا ضمت وزير التعليم العالي والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، إلى جانب الرئيس التنفيذي للشركة المنفذة.

وكانت «الشرق الأوسط» قد نشرت، عبر حلقات عدّة في عام 2023، القصة الكاملة لتصميم التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام.


توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)
أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)
TT

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)
أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ تصفها البيانات الرسمية لوزارة الداخلية بأنها خادشة للحياء وتتنافى مع القيم المجتمعية، وسط تساؤلات عن الحدود الفاصلة بين الحرية في التعبير وبين الممارسات التي تتعارض مع ثوابت وقيم المجتمع وتدخل دائرة التجريم.

من الأخبار المتواترة خلال الأشهر الأخيرة أن إدارة حماية الآداب بوزارة الداخلية المصرية رصدت قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية.

تكرار هذه الوقائع والأخبار يكاد يضعها في حيز الظاهرة، التي عادة ما يكون سببها الرغبة في زيادة نسبة المشاهدات على صفحات «سوشيالية» لتحقيق أرباح مادية. بحسب اعترافات الموقوفين وفق بيانات «الداخلية المصرية».

ومن هذه الحالات ضبط فتاة بقسم شرطة بدر بالقاهرة وبحوزتها هاتفان محمولان، وبمواجهتها اعترفت بنشرها مقاطع الفيديو لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.

كما تم ضبط فتاة بدائرة قسم شرطة الدخيلة بالإسكندرية، وبفحص هاتفها المحمول تبين احتواءه على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامي، وبمواجهتها اعترفت بنشرها مقاطع الفيديو المشار إليها على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح، كما تم ضبط صانعتي محتوى بالمنوفية (دلتا مصر) لقيامهما بنشر مقاطع فيديو تتضمن قيامهما بالرقص بصورة خادشة للحياء والتلفظ بألفاظ خارجة تتنافى مع القيم المجتمعية، لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية، وفق اعترافهما.

ضبط صانعتي محتوى (وزارة الداخلية)

«تتبعت وزارة الداخلية في الفترة الأخيرة مجموعة كبيرة من (البلوغرز) أصحاب الفيديوهات التي تمس قيم المجتمع، وهذا معناه أن هناك توجهاً للحفاظ على القيم والأخلاق في المجتمع المصري، ولا يعني تقييد حرية المواطنين ولكن يجب لهذه الحرية ألا تتعدى إلى الإضرار بقيم المجتمع وهويته وثقافته، خصوصا مع تأثيرها على الشباب الذين تصل نسبتهم إلى ما بين 60 إلى 65 في المائة، وفق الخبير في إدارة المخاطر الأمنية الدكتور إيهاب يوسف، رئيس جمعية الشرطة والشعب.

مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «دور وزارة الداخلية لا يقتصر على ضبط الجرائم بعد وقوعها بل يمتد لحماية المجتمع من الجريمة قبل وقوعها»، وأكد أن «من مفاهيم الأمن القومي الحفاظ على طبيعة الشعب وأخلاقياته ومنظومة القيم والمبادئ والأسس الراسخة في المجتمع».

وعن طريقة ضبط الحالات المخالفة وتقييمها يقول إن «هذا يحدث بعد بلاغات أو من خلال إدارة الرصد بوزارة الداخلية، فحين ترى الأجهزة الأمنية أمرا خارجاً عن الإطار الطبيعي تعرضه على النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات المناسبة، فإذا رأت النيابة العامة أنها جريمة تحيلها إلى المحكمة وإن رأت أنها ليست جريمة تخلي سبيل المتهم/ المتهمة».

ووصلت حالات القبض على «بلوغرز» بسبب نشر فيديوهات توصف بأنها «خادشة للحياء» وتتعدى على القيم الاجتماعية، إلى أكثر من مائة حالة، منذ إطلاق ما أسماه مصدر أمني في تصريحات لمواقع محلية بـ«حملة تطهير السوشيال ميديا».

وهو ما وصفته عالمة الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، بالردع القانوني لحماية الأخلاق والقيم المجتمعية، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «تجريم أفعال (البلوغرز الراقص) وسلوكياتهم وألفاظهم يعود إلى كونهم قرروا تجاوز كل الحدود الأخلاقية والمجتمعية من أجل تحقيق المشاهدات والأرباح حتى لو على حساب أشياء منكرة ومرفوضة اجتماعياً، خصوصاً أنهم خرجوا للمجال العام بمفردات الحياة الخاصة، ونسوا أن المجال العام له قواعده الاجتماعية التي نحرص عليها سواء بالملابس أو الألفاظ أو طريقة العرض».

وتستند معظم حالات التوقيف إلى نصوص تشريعية تُجرِّم الأفعال المخلَّة بالآداب العامة، سواء في قانون العقوبات أو في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي أشار إلى تجريم نشر محتوى يخالف قيم الأسرة المصرية. كما يُستند أحياناً إلى قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961 في بعض التكييفات القانونية، وفق الخبيرة الحقوقية هبة عادل، رئيسة مبادرة محاميات مصريات لحقوق المرأة. والتي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «تطبيق هذه النصوص يجب أن يظل منضبطاً بضوابط القانون الجنائي المستقرة، وفي مقدمتها مبدأ الشرعية، الذي يقتضي أن تكون الجريمة محددة تحديداً دقيقاً لا لبس فيه، وألا يمتد التجريم إلى نطاق تقديري واسع يتعلق بالذوق العام أو الانطباعات الشخصية».

ودعت هبة للتفريق بين محتوى يتضمن تحريضاً صريحاً على فعل مجرَّم، وبين تعبير فردي أو استعراض فني قد يثير الجدل المجتمعي دون أن يستوفي أركان الجريمة.

مؤكدة أن «القانون الجنائي لا يُعنى بتقويم السلوك الأخلاقي بقدر ما يختص بحماية المصالح الجوهرية للمجتمع من اعتداء واضح ومحدد، كما أن الدستور المصري يكفل حرية التعبير».

ضبط فتاة لنشرها مقاطع «خادشة للحياء» (وزارة الداخلية)

وانتشرت ظاهرة مقاطع الفيديو التي تواجه إدانة وتسببت في توقيف الكثير من الحالات على منصتين بشكل أوسع هما «تيك توك» و«إنستغرام» بينما تقل مساحة هذا المحتوى على «فيسبوك» و«إكس» وفقاً للضوابط والمعايير التي تضعها تلك المنصات وتشديد الرقابة على المحتوى من منصة إلى أخرى، وفق خبراء.

وهو أمر يرجعه الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي إلى ما أسماه «اقتصاد اللايف» والهدايا الرقمية وخوارزميات المنصات المختلفة وفقاعات الترشيحات التي خلقت حوافز قوية للبحث عن الإثارة والانتشار السريع؛ «ما قد يدفع البعض لتجاوز الخطوط الرمادية وقيم المجتمع والقانون بحثاً عن المشاهدات وتحقيق الأرباح»، على حد تعبيره.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كثير من صناع المحتوى لا يدركون أن ما يُنشر قد يندرج تحت طائلة قوانين مثل (مكافحة جرائم تقنية المعلومات) أو مواد قانونية تتعلق بالآداب العامة؛ والفجوة هنا ليست فقط أخلاقية بل معرفية؛ فما يعتبره البعض حرية شخصية، قد يراه آخرون تجاوزاً صريحاً؛ ومع اتساع الفضاء الرقمي، أصبح المحتوى موجَّهاً لجمهور متنوع ثقافياً وعُمرياً، ما يضاعف حساسية التقييم».

وعدَّ فتحي قضايا توقيف «البلوغرز» تعيدنا إلى طرح سؤال حول وظيفة «السوشيال ميديا» في مصر، فهل هي مجرد منصة تعبير، أم ساحة صراع على القيم العامة؟

وأثارت حالات كثيرة جدلاً مجتمعياً واسعاً، كما تم توقيف أكثر من حالة وخضعت للمحاكمة وصدرت ضدها أحكام في هذا الشأن على مدى السنوات الماضية، وصلت للحبس بين سنة و3 سنوت، وبينما تعرضت بعض الحالات للسجن بالفعل لمدد تراوحت بين سنة و3 سنوات، إلا أن حالات أخرى تمكنت من الخروج بكفالة أو الحصول على براءة من الاتهامات المنسوبة إليها.

وحذَّرت عالمة الاجتماع هدى زكريا من «انتشار تلك الظاهرة وجذب آخرين إليها من ضعاف النفوس الذين قد يتأثرون بهن ويحاولون تقليدهن، مما يؤدي إلى سقوط أخلاقي في المجتمع وهي جريمة»، وفرَّقت بين من يرقصون في الأفراح أو حتى في الأفلام والمسلسلات ومن يرقصون فيما اعتبرته مجالاً عاماً يتعرض لصدمة بعد التجاوزات والمخالفات التي تقوم بها «البلوغرز»

ويرى الخبير القانوني هيثم عمر أن «انتشار (السوشيال ميديا) وتعدد منافذها من (تيك توك) و(فيس بوك) و(يوتيوب) وغيرها وارتباط التعامل على هذه المنصات بكسب الأموال خلق حالة من التهافت على نشر الفيديوهات التي تجلب المال، وتسابق أفراد بمجتمعات عربية في إظهار فيديوهات مسيئة دون النظر لقيم أو حساب مدى تأثير مثل هذه الفيديوهات على المجتمع وأفراده، ويشكل أحد الجرائم التي يعاقب عليها القانون مثل السب والقذف والتحريض على الفسق والفجور».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة هي المسؤولة عن الحفاظ على القيم ويجب أن تتصدى لخروج البعض من مستخدمي (السوشيال ميديا) عن إطار الاحترام والتحريض علي الفسق والفجور وإثارة الغرائز بل والأكثر استخدام (البلوغرز) صغار السن في غسيل أموال وهو أمر مخالف للقانون».

ضبط صناع محتوى (وزارة الداخلية)

ومن القضايا التي نشرتها «الداخلية» المصرية اتخاذ الإجراءات القانونية حيال صانعة محتوى لقيامها بغسل الأموال المتحصلة من نشاطها غير المشروع في إنشاء وإدارة صفحة بمواقع التواصل الاجتماعي واستخدامها في نشر مقاطع فيديو تتضمن الاعتداء على قيم ومبادئ المجتمع.

وتظل المسافة الفاصلة بين حرية التعبير والخروج عن القانون في هذه القضايا هي الأكثر جدلا في رأي المتخصصين الذين اقترحوا حلولاً لها، فبينما دعت الخبيرة الحقوقية هبة عادل إلى «معالجة رشيدة لهذه الظاهرة تتطلب وضوحاً تشريعياً، وتفسيراً قضائياً منضبطاً، وحواراً مجتمعياً مسؤولاً، يفرق بين ما يهدد المجتمع فعلاً، وما يندرج في نطاق التنوع التعبيري الذي تحتمله المجتمعات الحديثة»، أشار الخبير «السوشيالي» إلى التجارب العالمية التي تؤكد أن الحظر وحده لا ينهي الظاهرة، بل قد ينقلها إلى منصات أخرى. ويرى أن «الحل الأكثر استدامة غالباً لمواجهة تلك الظاهرة يكون في توعية رقمية مبكرة؛ وإرشادات واضحة من المنصات نفسها؛ وتفعيل آليات تصنيف المحتوى ورقابة العمر؛ وفتح نقاش مجتمعي حقيقي حول الحدود بين الحرية والمسؤولية».


الأمير ويليام ينشر صورة نادرة لوالدته الأميرة ديانا بمناسبة عيد الأم

الأمير ويليام في سن الثانية مع والدته الراحلة ديانا (قصر كنسينغتون/إكس)
الأمير ويليام في سن الثانية مع والدته الراحلة ديانا (قصر كنسينغتون/إكس)
TT

الأمير ويليام ينشر صورة نادرة لوالدته الأميرة ديانا بمناسبة عيد الأم

الأمير ويليام في سن الثانية مع والدته الراحلة ديانا (قصر كنسينغتون/إكس)
الأمير ويليام في سن الثانية مع والدته الراحلة ديانا (قصر كنسينغتون/إكس)

في لفتة مؤثرة بمناسبة عيد الأم، نشر أمير ويلز الأمير ويليام صورة نادرة وغير منشورة سابقاً لوالدته الراحلة الأميرة ديانا من الأرشيف الخاص للعائلة الملكية البريطانية، مستحضراً ذكراها وإرثها الإنساني الذي لا يزال حاضراً في قلوب الملايين حول العالم؛ حسبما أوردته «سكاي نيوز».

وتعود الصورة إلى عام 1984، حيث يظهر الأمير ويليام وهو في الثانية من عمره إلى جانب والدته في حقل من الزهور المتفتحة، من بينها زهور الخشخاش الحمراء، وذلك في المقر الريفي للعائلة الملكية هايغروف في مقاطعة غلوسيسترشاير. ويُعد هذا المنزل من أبرز مساكن العائلة الملكية البريطانية، وقد ارتبط بسنوات طفولة الأميرين ويليام وهاري والعديد من ذكريات العائلة.

ونشر الأمير ويليام الصورة عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة برسالة قال فيها: «أتذكر أمي، اليوم وكل يوم. أفكر في كل من يستحضر ذكرى شخص عزيز عليه اليوم. عيد أم سعيد».

ويليام وتشارلز وهاري في صورة بطاقة عيد الميلاد للعائلة الملكية عام 1994 (شاترستوك)

وتحمل الصورة طابعاً عاطفياً خاصاً، إذ تشبه صورة أخرى شهيرة للملك تشارلز الثالث مع ابنيه ويليام وهاري في حقل من زهور الخشخاش في هايغروف، التي ظهرت في بطاقة عيد الميلاد للعائلة الملكية عام 1994. وتُظهر تلك الصور جانباً من اللحظات العائلية الخاصة التي عاشها أفراد العائلة الملكية بعيداً عن الأضواء.

وكان الأمير ويليام في الخامسة عشرة من عمره عندما توفيت والدته الأميرة ديانا في الساعات الأولى من يوم 31 أغسطس (آب) 1997 إثر حادث سيارة مأساوي وقع داخل نفق جسر ألما (Pont de l'Alma) في باريس، في حادثة هزّت العالم وأثارت موجة حزن واسعة.

ورغم رحيلها المبكر عن عمر 36 عاماً، ظل تأثير الأميرة ديانا حاضراً بقوة حتى اليوم. فقد عُرفت بأعمالها الخيرية ودفاعها عن قضايا إنسانية عدَّة، من بينها دعم مرضى الإيدز وحملاتها الدولية للتوعية بمخاطر الألغام الأرضية. كما عُرفت بقربها من الناس وبأسلوبها الإنساني البسيط، مما أكسبها لقب «أميرة القلوب».

بطاقة أعدّتها الأميرة شارلوت تكريماً لـ«الجدة ديانا» عام 2021 (قصر كنسينغتون/إكس)

ويحرص الأمير ويليام وزوجته كاثرين، أميرة ويلز، على إبقاء ذكرى ديانا حاضرة في حياة أبنائهما الثلاثة: الأمير جورج، والأميرة شارلوت، والأمير لويس. وكان ويليام قد كشف في وقت سابق أن أطفاله يصنعون بطاقات خاصة كل عام في عيد الأم تكريماً لما يسمونه حب «الجدة ديانا».

وفي عام 2021 نشر قصر كنسينغتون بعض هذه البطاقات، التي تضمنت رسائل طفولية مؤثرة. فقد كتبت الأميرة شارلوت في إحدى البطاقات: «عزيزتي الجدة ديانا، أفكر فيك في عيد الأم. أحبك كثيراً. بابا يفتقدك».

أما الأمير جورج فكتب رسالة عبَّر فيها عن حبه الكبير لها، مؤكداً أنه يفكر بها دائماً ويرسل لها كثيراً من الحب.

وفي سياق الاحتفال بعيد الأم هذا العام، شاركت العائلة المالكة البريطانية أيضاً مجموعة من الصور التاريخية عبر منصة «إكس»، من بينها صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية مع طفليها تشارلز وآن في قلعة بالمورال عام 1953، قبل ولادة الأميرين أندرو وإدوارد. كما نُشرت صورة أخرى تجمع الملكة الراحلة بوالدتها الملكة إليزابيث، الملكة الأم، إضافة إلى صورة للملكة كاميلا مع والدتها الراحلة روزاليند شاند.

وأرفقت الصور برسالة جاء فيها: «نتمنى عيد أم هادئاً ومباركاً لجميع الأمهات في كل مكان، ولكل من يفتقد أمه اليوم».

بطاقة عيد الأم التي أعدّها الأمير لويس عام 2021 (قصر كنسينغتون/إكس)

ويظل عيد الأم مناسبة تستحضر الذكريات العائلية العميقة، ليس فقط لدى عامة الناس، بل حتى داخل أروقة العائلة الملكية، حيث تبقى ذكرى الأميرة ديانا حاضرة في قلوب أبنائها وأحفادها، وفي ذاكرة ملايين الأشخاص حول العالم.