توقعات العلاقة الروسية ـ الصينية في عالم «ما بعد الحرب الأوكرانية»

سياسة «التوجه شرقاً» أمام اختبار تحويل الشراكة الاستراتيجية إلى تحالف عسكري

الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)
الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)
TT

توقعات العلاقة الروسية ـ الصينية في عالم «ما بعد الحرب الأوكرانية»

الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)
الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)

حملت العبارات القاسية ضد الولايات المتحدة، التي استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أيام، وهو يتحدث عن انتهاء «حقبة الهيمنة» وبناء عالم متعدد الاقطاب و«آليات جديدة» لضمان الأمن الدولي، إشارة لافتة إلى مستوى الرهان الروسي على الصين في مواجهة التحديات الكبرى الماثلة حالياً أمام روسيا. فالانتقاد القوي لـ«وقاحة» السياسة الأميركية التي تجلّت في زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إلى تايوان، لم يحمل فقط رسالة إلى واشنطن، بل كان موجهاً أيضاً إلى الصين «الحليف اللدود» لروسيا الذي يواجه اليوم بدوره التحديات التي طرحتها تلك الزيارة.
انتهاء عهد الهيمنة الأميركية، وبناء عالم متعدد الأقطاب، مع مبدأ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، شكّلت جميعها على مدى سنوات المنطلقات المشتركة للشراكة الروسية الصينية على الساحة الدولية. وهذا منحى بدا أنه يتجه نحو التعزيز أكثر، على خلفية استراتيجية «التوجه شرقاً» التي انتهجتها موسكو ردّاً على القيود الغربية غير المسبوقة، ومحاولات عزلها وحصارها. بيد أن العلاقة مع «الشريك الصيني» تنطوي على تحديات كثيرة؛ خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، وهو ما أظهرته تطورات الوضع خلال الأشهر الأخيرة.
اقرأ محادثات بين بوتين وشي غداً بشأن القضايا «الأكثر إلحاحاً»

- صراع أوكرانيا

منذ أعلنت روسيا والصين نفسيهما شريكين استراتيجيين عام 1996، أصبح الصراع الروسي الأوكراني هو التحدي الدولي الأكثر حدة في تاريخ العلاقات الثنائية، وكذلك الاختبار السياسي الأكثر صعوبة الذي واجهته الصين. على خلفية هذا الصراع، تعرّضت الصين لضغوط سياسية غير مسبوقة من الولايات المتحدة. وعنه يقول خبراء روس إن هذا الضغط يختلف كلياً عن سياسة «دق إسفين» بين بكين وموسكو، التي اتبعتها واشنطن قبل الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي حين أن سياسة «دق الإسفين» كانت تهدف فقط إلى تحييد روسيا عن المواجهة الأميركية مع امتداد النفوذ الصيني، فإن بكين أصبحت الآن تتعرض لضغط وتهديد مباشرين، بهدف إجبارها على الذهاب إلى الجانب المعادي لروسيا والانضمام إلى عقوبات واشنطن والاتحاد الأوروبي.

- تحديات أمام بكين

من ناحية ثانية، رغم اتفاق موسكو وبكين في التوجهات الأساسية للسياسة الدولية، وجدت بكين نفسها أمام خيارات صعبة عند اندلاع الحرب في أوكرانيا. وهناك إشارات عدة إلى أنها كانت تعوّل على تحقيق موسكو انتصاراً سريعاً يقلّص تبعات هذه الحرب، ويريح بكين من تبني مواقف حاسمة، وبالأخص في مجالات العلاقات مع أميركا على الصعد الاقتصادية. وفضلاً عن نشوء وضع مماثل في العلاقات الصينية الأوروبية، واجهت بكين أيضاً تحدياً في علاقتها مع أوكرانيا، التي تلعب دوراً مهماً في بناء «مبادرة الحزام والطريق الصينية»، وهي جزء من ممر النقل الأوراسي.
مع هذا، سادت توقعات في بداية الحرب أن الموقف الحذر الذي التزمته بكين لن يطول أمده، بل سيتحول تدريجياً لصالح موسكو. ولا شك أن العقوبات الاقتصادية الواسعة النطاق التي فرضتها واشنطن وبروكسل على موسكو فتحت على مزيد من الفرص لتطوير التعاون الاقتصادي بين الصين وروسيا.
ثم إن سياسة موسكو «التوجه شرقاً» وفّرت أيضاً فرصاً مهمة لبكين، برزت من خلال الزيادة غير المسبوقة في الاعتماد على صادرات النفط الروسي. ولكن في المقابل، فرض الوضع الجديد قيوداً ومخاطر جدية لبكين.

- المصالح واستقرار العلاقات

هنا يرى خبراء روس أن العلاقات الروسية الصينية ظلت مستقرة، رغم الوضع المتغير بسرعة في العالم، لأسباب عدة، أبرزها أنها تقوم على مصالح مشتركة واسعة وعميقة. وبهذا المعنى، يمكن للنموذج المختار للعلاقات بين الجانبين أن يلعب دوراً مهماً، ويبدو أنه الأمثل، كونه نموذج «شراكة استراتيجية»، وليس نموذج «تحالف». وهو يساهم في الحفاظ على استقرار العلاقات الصينية الروسية ومساحة كاملة للتعاون من دون أن يلزم أي جانب بإدخال تعديلات كبرى على سياساته.
وفي الوقت ذاته، يدرك الجانبان أن خطر فقدان الأسواق في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو دول أخرى، نتيجة التدابير التقييدية ضد روسيا، عامل خطر برز من خلال تحذير رجال الأعمال الصينيين بشأن ضرورة ضبط العلاقات مع روسيا في إطار محدد. وحقاً، بعد مرور شهر واحد على اندلاع الحرب الأوكرانية، قال السفير الصيني لدى روسيا، تشانغ هانوي، خلال اجتماع مع رجال الأعمال الصينيين الذين يعيشون في موسكو، إن على الشركات الصينية في روسيا أن «تنتهز الفرصة وتسد الثغرات الناشئة في السوق الروسية».
يبدو التعويل الروسي على هذا الأمر كبيراً. ولا يخفي قطاع الأعمال الروسي الحاجة الماسة إلى توسيع الحضور الصيني في مجالات مثل الصناعات العالية التقنية (كالسيارات والأجهزة المنزلية... إلخ)، والمشروعات في قطاع التجزئة والخدمات (بشكل أساسي في مجال الفنادق). كما تتطلب مشروعات التعدين المتطورة بعد انسحاب الشركات الغربية من روسيا استثمارات وتكنولوجيا كبيرة.
ولكن رغم اللهجة المتفائلة للأوساط الدبلوماسية، يرى قطاع الأعمال الروسي أنه يجب ألا تكون هناك توقعات مبالغ فيها من جذب الشركات الصينية الكبرى، وتلك المتخصصة بالتقنية العالية. إذ تستغرق عملية الموافقة على أي مشروع من هذا القبيل - لو في حالة مستقرة ويمكن التنبؤ بها - عدة أشهر، إن لم يكن عدة سنوات.
وعموماً، تميل الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى اتخاذ موقف الانتظار والترقب والمراقبة، ليس فقط بسبب تقلبات سعر صرف الروبل، بل أيضاً بانتظار جاهزية روسيا لاستيعاب المستثمرين الأجانب.

- شروط قديمة جديدة

الحساب الأساسي للصينيين منذ 8 سنوات – مع موجة العقوبات الأولى التي أعقبت ضم القرم في العام 2014 - هو أن روسيا يجب أن تمنح الصين «شروطاً خاصة ومميزة». وهذا يعني وفقاً لخبراء اقتصاديين في روسيا الحصول على ضمانات حكومية للمعاملات الاستثمارية، والقبول بدخول الصين إلى الصناعات الاستراتيجية (الموانئ والتعدين)، وتبسيط إجراءات تسجيل القوى العاملة من الصين، والاستيراد المعفى من الرسوم للمعدات والآلات لتنفيذ المشروعات الاستثمارية، وأخيراً عدد من المزايا غير المعلنة للمستثمرين من البلدان الأخرى.
طيلة 8 سنوات لم يحصل الصينيون على هذه التنازلات. بل برز الاستياء بسبب ذلك في بعض الحالات بشكل مباشر، من خلال الإشارات في محادثات خاصة إلى أن «روسيا حصلت من الصين بعد تدهور العلاقات مع الغرب أكثر مما تلقته الصين من روسيا».
وحقاً، لا يتوقع خبراء أن يتغير الوضع بشكل جذري خلال المرحلة المقبلة، على الرغم من حاجة موسكو الماسة إلى توسيع الحضور الاقتصادي والاستثماري الصيني في روسيا. وفي طليعة الأسباب...
1 - أن هذا لا يلبي مصالح روسيا التي لا تريد التحول من تبعية صناعية وتكنولوجية للغرب إلى تبعية للصين في هذا المجال. ثم إنها تسعى وفقاً لتعهدات عدة أطلقها الرئيس فلاديمير بوتين بحماية الصناعات الاستراتيجية من الوقوع تحت سيطرة رأس المال الأجنبي، والتركيز على أولوية استخدام المتخصصين المحليين وتوطين الإنتاج. وهذه هي «الركائز» التي تُبنى عليها سياسة الاستثمار الحالية في موسكو.
2 - أنه سيظل لدى رأس المال الصيني خيار الاستثمار في البلدان التي توجد فيها «دولة» أضعف بكثير وتعجز عن إملاء قواعدها على الشركاء الأجانب على الرغم من انخفاض مستوى القوة الشرائية للسكان. وراهناً يعمل الصينيون في مثل هذه البلدان بشكل مريح أكثر من روسيا.
3 – وهو لا يقل أهمية عن سابقيه، يكمن في المخاوف الروسية على المدى البعيد من زيادة تغلغل القوى البشرية الصينية في مناطق الشرق الروسي. وهذا خطر داهم نظراً للأزمة الديمغرافية الخانقة التي تعاني منها روسيا في هذه المناطق (أي شرق سيبيريا).
بصفة عامة، يتوقع الخبراء على المدى القصير أنه سيكون هناك مزيد من السلع الصينية في متاجر روسيا، ستحل محل المنتجات الغربية. وعلى المدى الاستراتيجي الأوسع سيكون من الممكن تنفيذ مشروعين أو 3 مشروعات رئيسية من نوع خطوط إمدادات «يامال». ومع ذلك، لن تشهد روسيا جذباً جماعياً للمستثمرين الصينيين. ولن يكون هناك تأثير لذلك بأي حال من الأحوال على قوة الشراكة الاستراتيجية الروسية الصينية.

- شراكة أم تحالف

على مدى السنوات العشر الماضية، اتخذ النقاش حول إنشاء تحالف عسكري شامل بين موسكو وبكين أبعاداً واسعة. ولقد نص الإعلان المشترك الذي أعقب زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لروسيا في يونيو (حزيران) 2019 على ما يلي: «تم تطوير المبادئ الأساسية التي توجّه الأطراف في العلاقات الثنائية (...) الامتناع عن إقامة تحالفات أو محاور أو توجيه السياسات ضد أطراف ثالثة». وهكذا سُمي رفض التحالف بـ«المبدأ الأساسي» للعلاقات الثنائية، في وضع كانت فيه روسيا والصين فعلياً في حالة حرب اقتصادية ومواجهة عسكرية سياسية مع الولايات المتحدة.
في السياق ذاته، قال الرئيس بوتين في اجتماع «نادي فالداي» في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، رداً على سؤال حول إمكانية إنشاء تحالف عسكري بين روسيا والصين: «لقد انطلقنا دائماً من حقيقة أن علاقاتنا وصلت هذه الدرجة من التفاعل والثقة، ومن الناحية النظرية من الممكن تماماً تخيل مثل هذا الشيء».
وبدورها، اعتبرت وزارة الخارجية الصينية العلاقات الروسية الصينية «أعلى من علاقات التحالف». وعلى خلفية الأزمة الأوكرانية، أكدت وزارة الخارجية الصينية أن التعاون مع موسكو «ليست له حدود».
ثم إن «معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون» الروسية الصينية لعام 2001 (التي مُددت في عام 2021) تضمنت معياراً سمح بالتحوّل السريع للعلاقات إلى «تحالف عسكري» بحكم الأمر الواقع. إذ تنص المادة 9 من الوثيقة على ما يلي: «في حالة نشوء وضع يرى أحد الأطراف المتعاقدة أنه قد يشكل تهديداً للسلام أو يعطل السلام أو يؤثر على مصالح أمنه، وكذلك في حالة وجود تهديد بالعدوان على أحد الأطراف المتعاقدة، يتصل الطرفان المتعاقدان على الفور أحدهما بالآخر ويتشاوران بهدف القضاء على التهديد الذي نشأ».
وبالفعل، أنجز كثير من الأعمال التحضيرية على صعيد التقارب العسكري. وتجري روسيا والصين سنوياً، منذ زمن، تمارين عسكرية كبرى، وعددها وتعقيدها يتزايدان باطراد. ويستمر التعاون العسكري التقني النشط بين الجانبين، وسط خلفية الأزمة الأوكرانية، في مجال تدريب العسكريين.

- عن عناصر التباعد

في مقابل كل ذلك، يشير خبراء إلى أن مستوى قابلية التشغيل البيني والمعايير الفنية التي تحققت داخل «ناتو» مثلاً، غير وارد بين روسيا والصين. إذ يستخدم الجانبان عناصر مختلفة في كثير من أنواع الأسلحة وأنظمة الاتصالات والتحكم، كما تختلف مقارباتهما لتكتيكات الحرب اختلافاً كبيراً.
ثم هناك عنصر آخر يعرقل إمكانية بناء حلف عسكري، وهو ينطلق من خطاب السياسة الخارجية الراسخ للبلدين وخصائص سياستهما الداخلية. إذ أمضت كل من موسكو وبكين عقوداً بعد «الحرب الباردة» في انتقاد التحالفات العسكرية والسياسية من حيث المبدأ باعتبارها «من بقايا ماضٍ مظلم وعامل مزعزع للاستقرار على الساحة الدولية». وكانت موسكو تفعل ذلك في سياق محاربة توسع «ناتو»، بينما تحاول بكين إحياء منظومة التحالفات الأميركية في المحيط الهادي وتعزيزها. ولهذا يبدو تشكيل تحالف روسي صيني صعباً للغاية من دون التخلي العلني عن عدد من المبادئ التوجيهية الأساسية للسياسة الخارجية للبلدين والتغيير الكامل في خطاب سياستهما الخارجية.
أخيراً، رغم كل ما سبق، يرى خبراء أن المستقبل قد يحمل مفاجآت، خاصة مع تدهور العلاقات الأميركية الصينية والتأزم العسكري والسياسي المحتمل في تايوان. إذ قد تبدأ الأمور في الانزلاق نحو الهاوية بسرعة... وخلال السنوات القليلة المقبلة قد ينشأ وضع يختفي فيه خطاب السياسة الخارجية القديم من تلقاء نفسه.

مرفأ شنغهاي (رويترز)

- نظرة إلى تاريخ تطور العلاقات التجارية الاقتصادية

> بعد وفاة الزعيم السوفياتي الأسبق جوزيف ستالين تدهورت العلاقات بين الاتحاد السوفياتي والصين. وأدى «الانقسام السوفياتي الصيني» إلى نزاع حدودي في جزيرة دامانسكي، أسفر عن جمود العلاقات في الفترة بين الستينات والثمانينات من القرن الماضي. ثم انطلقت جولة جديدة من العلاقات التجارية في أواخر الثمانينات، ولم تلبث العلاقات التجارية أن تعززت مع انهيار الاتحاد السوفياتي.
في ذلك الوقت، بدأ استيراد السلع الاستهلاكية المختلفة بنشاط إلى الشرق الأقصى وسيبيريا، لكنها توغلت تدريجياً في أجزاء أخرى من البلاد. ويقول عالم الصينيات يوري إلياخين أن «الصين ألبست روسيا الثياب والأحذية».
أيضاً، حينئذٍ - كما يتذكر العالم - كانت الشركات الخاصة تعمل بنشاط، وتزايد عدد الطائرات المحمّلة بكثافة بالإلكترونيات الاستهلاكية والملابس والأحذية ولعب الأطفال، في حين لم يكن بين السلع المقدمة لروسيا أي سلع ذات تقنية عالية تقريباً.
ويزيد خبير آخر، هو ألكسندر جابيف، إنه في أواخر التسعينات، اشترت الصين نحو 50 في المائة من الأسلحة التي أنتجها الاتحاد الروسي، وساعد في ذلك أن الصين كانت تحت العقوبات بعد «أحداث ميدان تيانانمين» عام 1989. ولم تكن لديها إمكانية الوصول إلى مصادر أسلحة متقدمة أخرى. ووفقاً ليوري إلياخين، في النصف الأول من التسعينات، دفعت الصين ثمن الأسلحة عبر تقديم السلع الاستهلاكية بنظام المقايضة من خلال شركات مرخصة كانت غالباً ما كانت مملوكة للجيش الروسي. بعدها تحولت بكين تدريجياً إلى الدفع بالعملة الأجنبية. وكانت هناك أيضاً تجارة في الموارد الطبيعية، وكان النفط ينقل بكميات صغيرة نسبياً عن طريق سكك الحديد لانعدام بنية تحتية مماثلة لخطوط الأنابيب الأوروبية. وفي عام 1998، بلغ حجم التجارة بين الجانبين 5.4 مليار دولار، لكن كانت الصادرات من روسيا ضعف الواردات من الصين.
اقرأ «العم شي»... على خطى ماو ودين
في عام 2001، وقّعت روسيا والصين اتفاقية حول «حسن الجوار والصداقة والتعاون». ونصت موادها الـ25 على العمل المشترك للبلدان في عدد من المجالات؛ التجارة، والاقتصاد، والمجال العسكري - التقني، والطاقة، ومكافحة الإرهاب. وأرسى هذا الاتفاق الأساس للنمو السريع للعلاقات، كما جذبت السياسة الاقتصاد معها، إذ ازداد حجم التجارة بشكل حاد. وتطور التعاون في مجال الطاقة بسرعة، بما في ذلك في الصناعة النووية. كذلك ارتفع حجم التبادل التجاري من بضع عشرات من المليارات من الدولارات بسرعة إلى ما قيمته 100 مليار دولار، وجرى توقيع اتفاقيات حول التعاون في قطاع النفط وإمدادات الغاز.
ثم عام 2014، ساهمت العقوبات الأوروبية في تحول أكثر نشاطاً لروسيا نحو الشرق. ومُد خط أنابيب غاز سيبيريا الذي يجلب الغاز من حقلين جديدين في شرق سيبيريا، حيث الموارد منهما تذهب فقط إلى السوق الصينية، وأطلقت مشروعات الغاز الطبيعي المسال. وعموماً، في عام 2013 استحوذت الصين على نحو 10.5 في المائة من حجم التجارة الروسية، قبل ارتفاع النسبة بنهاية عام 2021 إلى نحو 18 في المائة.
أيضاً، بلغ حجم التجارة الثنائية في نهاية عام 2021 إلى مستوى قياسي هو 140 مليار دولار، وبهذا احتلت الصين مكان الاتحاد الأوروبي كأكبر شريك اقتصادي تجاري لروسيا.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

العالم زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمزيد من التصريحات بشأن مكالمة هاتفية جرت أخيراً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أول محادثة مباشرة بين الزعيمين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في كييف، الجمعة، بعد يومين من الاتصال الهاتفي، إنه خلال المكالمة، تحدث هو وشي عن سلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها «بما في ذلك شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا على البحر الأسود)» وميثاق الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

تبرأت الصين، اليوم (الجمعة)، من اتهامات وجهها خبراء من الأمم المتحدة بإجبارها مئات الآلاف من التيبتيين على الالتحاق ببرامج «للتدريب المهني» تهدد هويتهم، ويمكن أن تؤدي إلى العمل القسري. وقال خبراء في بيان (الخميس)، إن «مئات الآلاف من التيبتيين تم تحويلهم من حياتهم الريفية التقليدية إلى وظائف تتطلب مهارات منخفضة وذات أجر منخفض منذ عام 2015، في إطار برنامج وُصف بأنه طوعي، لكن مشاركتهم قسرية». واكدت بكين أن «التيبت تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والوحدة العرقية وموحّدة دينياً ويعيش الناس (هناك) ويعملون في سلام». وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أن «المخاوف المز

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

أثار كتاب التاريخ لتلاميذ المدارس الصينيين الذي يذكر استجابة البلاد لوباء «كورونا» لأول مرة نقاشاً على الإنترنت، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). يتساءل البعض عما إذا كان الوصف ضمن الكتاب الذي يتناول محاربة البلاد للفيروس صحيحاً وموضوعياً. أعلن قادة الحزب الشيوعي الصيني «انتصاراً حاسماً» على الفيروس في وقت سابق من هذا العام. كما اتُهمت الدولة بعدم الشفافية في مشاركة بيانات فيروس «كورونا». بدأ مقطع فيديو قصير يُظهر فقرة من كتاب التاريخ المدرسي لطلاب الصف الثامن على «دويين»، النسخة المحلية الصينية من «تيك توك»، ينتشر منذ يوم الأربعاء. تم تحميله بواسطة مستخدم يبدو أنه مدرس تاريخ، ويوضح

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.