عهد عون... اختصرته حروبه لنسف «اتفاق الطائف»

مع العد التنازلي لنهايته

عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء
عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء
TT

عهد عون... اختصرته حروبه لنسف «اتفاق الطائف»

عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء
عون مترئساً جلسة لمجلس الوزراء

رغم التقارير المتداولة خلال اليومين الأخيرة عن انفراج على صعيد تشكيل الحكومة العتيدة، يمكن القول أنه لم يسبق للبنان أن عايش عهداً رئاسياً استنزف سنواته الستّ بالصراعات السياسية والتعطيل الحكومي، كما فعل عهد الرئيس ميشال عون الذي شارف على نهايته. كذلك، وفق كثيرين، لم يسبق لرئيس جمهورية أن خلا سجلّه من أي انجاز كما هي مسيرة عون التي توّجت كما يقول هؤلاء بانهيار الدولة وتحلل مؤسساتها، ووصول الشعب اللبناني إلى حافة المجاعة. ويعزو هؤلاء أسباب الانهيار إلى دوافع متعددة أبرزها: خصومة عون التاريخية مع «اتفاق الطائف» والحروب السياسية التي خاضها لإسقاطه، وإلحاق لبنان بالمحور الإيراني، وصراعه المفتوح مع كلّ رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على عهده.
ثمّة في لبنان مَن يمنح عهد الرئيس ميشال عون، الآيل إلى الأفول، أسباباً تخفيفية، ويعتقد أنه ليس مسؤولاً وحده عن الواقع القائم. ويزعم أصحاب هذا الرأي أن «الانهيار أتى نتيجة تراكمات من العهود السابقة وفشل الحكومات المتعاقبة، وظروف داخلية وخارجية فجرّت الوضع». ولكن في المقابل، يحمّل آخرون «الرئيس القوي» المسؤولية وحده بفعل أدائه، ويعدّون الأيام والساعات التي يرون فيها مشهد مغادرته قصر بعبدا في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
الوزير السابق رشيد درباس يعبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه للحال التي وصلت إليها حال لبنان في عهد عون، ويتضرّع إلى الله أن «يمنح اللبنانيين الصبر لتمرير الـ80 يوماً المتبقية من هذا العهد بأقل الأخطار». ويذكّر درباس بأن «ما يسمّى بالرئيس القوي مارس صلاحيات رئيس الجمهورية بأضعف الحدود، علماً أن الرئيس لديه كلّ صلاحيات وأدوات الحكم... وهو يشبه الطاولة المستديرة التي يلتفّ حولها الجميع، لكن عندما يقدّم مصالح فريقه على مصلحة البلد وباقي المكوّنات يصبح متراساً للصراعات ويقفل كلّ الطرق التي تقود إلى الإنقاذ».
- مصادمة رؤساء الحكومات
وحقاً، لم يكتب تاريخ لبنان منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن اصطدم رئيس الجمهورية مع كلّ رؤساء الحكومات، لذا ثمّة من يعطي تفسيراً مغايراً لهذه المعضلة، فيؤكد سياسي مخضرم أن «أزمة عون الحقيقية هي مع اتفاق الطائف ومع الدولة التي رعته (في إشارة إلى المملكة العربية السعودية) وفرضته في أحلك الظروف». ويشير السياسي - الذي رفض ذكر اسمه - أن «الطائف يمثل إنجازاً تاريخياً، هو لم يوقف الحرب الأهلية في لبنان فحسب، بل ساهم في انتظام سياسة المنطقة، إذ أتى بمرحلة حساسة من مسار التاريخ فيها، وتزامن مع أزمة اجتياح صدام حسين للكويت ومع عاصفة الصحراء، وسقوط جدار برلين وانطلاق مؤتمر مدريد للسلام». واعتبر أن «التدخل السعودي الحاسم جاء في مرحلة بالغة الدقة، وأدى إلى بلورة توازنات سياسية على مستوى المنطقة ككل».
وفي استعراض السياق التاريخي لمسيرة عون، خصوصاً بعد عودته من منفاه الباريسي إثر خروج قوات النظام السوري من لبنان على دماء رفيق الحريري، يكتشف المتابعون أن هذه العودة أتت ضمن «صفقة» باتت فصولها معروفة وأهدافها محددة. وهنا يعرب درباس عن اعتقاده أن مشكلة عون وفريقه مع رؤساء الحكومات ومن يمثلون في المعادلة اللبنانية (الطائفة السنيّة) «عميقة جداً». ويعطي أمثلة حيّة على ذلك قائلاً «هؤلاء استهدفوا رفيق الحريري في قبره، ولاحقوا (رئيس الحكومة السابق) فؤاد السنيورة بشتّى التهم المضللة بما فيها كتاب «الإبراء المستحيل»، وأسقطوا سعد الحريري كرئيس للحكومة عندما كان يقابل باراك أوباما في البيت الأبيض، ووصفوا تمام سلام بالـ«داعشي» الذي يرتدي ربطة عنق، بل إنهم اصطدموا مع حسان دياب الذي أتوا به كخيار أساسي لهم... واليوم تتعمّق مشكلتهم مع نجيب ميقاتي».
ولا ينسى درباس كيف أن جبران باسيل «وفي ظلّ حكومة تمام سلام التي كانت تدير مرحلة الفراغ الرئاسي (بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان)، وفور حضوره إلى اجتماع مجلس الوزراء كان يبدأ الكلام دون أن يستأذن سلام، ويعتبر أن رئيس الحكومة يسطو على صلاحيات رئيس الجمهورية». ويختم الوزير درباس «المشكلة لدى البعض أنهم لا يريدون النظام الديمقراطي، بل أن تستتبّ السلطة بيد المستبدّ»، ويؤكد أن «هذا الفريق مستمرّ في حملة كراهية ضدّ الطائفة السنيّة، بما هي طائفة مؤسسة للدولة اللبنانية... وهذه الحملة لا تستهدف السنّة فحسب، بل صيغة لبنان الدولة والكيان».
- خيار «حلف الأقليات»
صحيح أن القاصي والداني يعرف سلوك عون منذ كان قائداً للجيش، ومن ثم رئيساً للحكومة العسكرية وتفرّده بكثير من القرارات التي كلّفت البلد أثماناً غالية، لكن لا يمكن فصل هذا السلوك عن تموضعه السياسي منذ دخل شريكاً في السلطة.
وهنا يشدد رئيس «لقاء سيّدة الجبل» النائب السابق فارس سُعَيد، على أن الرئيس عون «حسم خياره بالانخراط ضمن حلف الأقليات في المنطقة بمواجهة الغالبية السنيّة». ويلاحظ أن هذا الانخراط «ليس فقط خيار عون وحده، بل سبقه كثيرون من القوى المسيحية التي كانت ضمن مشروع أقلّوي في مقابل المشروع الآخر عند المسيحيين وهو العيش المشترك مع المسلمين».

عصام أبو جمرة  -  فارس سعيد  -  رشيد درباس  -  مصطفى علوش

ويؤكد سُعَيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع بروز قوّة إقليمية اسمها إيران استهدفت الوضعية السنيّة، واستمالت الأقليات العلوية والمسيحية وبعض الدروز في سوريا وبعض المسيحيين في لبنان، قرّر ميشال عون الالتحاق بهذا المحور»، داعياً الفريق المسيحي المناهض لعون إلى «الالتزام باتفاق الطائف ووثيقة العيش المشترك، وأن يكون لبنان جزءاً من النظام العربي وينفذ القرارات الشرعية الدولية».
للعلم، التسوية الرئاسية التي أوصلت عون إلى قصر بعبدا، أحدثت انشقاقاً داخل صفوف ما يعرف بقوى «14 آذار» وافتراقاً بين مكوّناتها. إذ اعتبر معارضو التسوية أن عون، الذي قام تاريخه على الحروب لا يمكن أن يوصل لبنان إلى برّ الأمان، مقابل رهان مؤيدي الاتفاق على دور وسطي للرئيس عون قادر على إعادة «حزب الله» إلى لبنان ووقف حروبه في المنطقة.
ولكن سرعان ما اكتشف أطراف التسوية عقم رهاناتهم التي تسببت بإيصال لبنان لما وصل إليه. ويقول النائب السابق مصطفى علّوش في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «هذا العهد ربما صادف أو تسبب بأسوأ مصير للبنان منذ بداية الحرب الأهلية (عام 1975)، والبعض يقول إنه أسوأ بكثير من زمن الحرب». ويضيف علّوش «شيء ما يميّز عون عن باقي رؤساء الجمهورية قبل الطائف وبعده، هو أنه الوحيد الذي لم يتفق مع أحد، لأنه وضع نفسه بالكامل بتصرف معسكر الممانعة وضمن المشروع الإيراني... وهو الرئيس الوحيد الذي سعى لتوريث صهره (جبران باسيل) رئاسة الجمهورية بأي ثمن، حتى لو كان الثمن القضاء على ما تبقى من الجمهورية»، مبدياً أسفه لأن «عهد عون أوصل لبنان إلى النكبات، ووجوده على رأس الدولة بات يشبه الحرب الأهلية».
- العداء لـ«اتفاق الطائف»
وبالفعل، ولّدت «حرب البيانات» بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة قناعة لدى خصوم عون - وحتى حلفائه - بأن المشكلة تكمن بـ«الرئيس القوي» الذي حارب كلّ رؤساء الحكومات، ولم يبالِ أن يمضي أكثر من نصف عهده بفراغ حكومي، ويذكّر النائب السابق فارس سُعَيد، بأن «مشكلة عون ليست مع نجيب ميقاتي، بل سبق وفجّر الخلافات حتى مع حسان دياب، لأنه يعتقد أن اتفاق الطائف أنزل المسيحيين درجة ورفع المسلمين درجة، ولذا يتحالف مع مكوّن شيعي أساسي هو «حزب الله» لإسقاط الطائف والعودة إلى ما قبله».
ويرى سُعَيد هنا أنه «لا بدّ من بلوَرة خيارات سياسية تكرّس اعتماد قرارات الشرعية العربية والشرعية الدولية». ثم يلفت إلى أن «اتفاق الطائف لم يُنهِ الحرب الأهلية التي اندلعت العام 1975 فقط، بل أنهى صراعاً سياسياً بدأ عام 1947، فبعد الطائف أقرّ المسلمون للمرة الأولى بنهائية الكيان اللبناني، وأقرّ المسيحيون بعروبة لبنان»، محذراً من أنه «إذا خرجنا من الطائف سندخل في المجهول».
لا شكّ أن علاقة رؤساء الجمهورية مع رؤساء الحكومات، شابها بعض الفتور والتباينات، لكن ذلك لم يؤدِ يوماً إلى تعطيل تشكيل الحكومة أو شلّ الحكومة وإدخال البلاد في تصريف الأعمال لأشهر طويلة. ولذلك يرفض النائب السابق علّوش تشبيه عهد عون بأي عهد آخر، معتبراً إياه «الأكثر سواداً في تاريخ لبنان، والمفارقة أنه حتى رئيس الحكومة الذي أتى من خلال التسوية الرئاسية (سعد الحريري)، لم يدُم شهر العسل بينهما الّا فترة قصيرة»، ويلفت إلى أن «عقدة عون شملت كلّ رؤساء الحكومات... وتجربة حسان دياب كانت سيئة للغاية، إذ أتى به عون بإرادة كاملة وسرعان ما بدأ التهكم عليه واستخدام وسائل الضغط بالترغيب والترهيب. ووصل به الأمر إلى إهانته شخصياً. كما أنه عندما أفشل مساعي سعد الحريري بتشكيل الحكومة ودفعه للاعتذار، هلل لتسمية نجيب ميقاتي كرئيس توافقي قادر على تدوير الزوايا، ومن ثمّ انفجر الخلاف إلى حرب مفتوحة».
- رأي أبو جمرة
أخيراً، لا تقتصر القراءة السلبية لسنوات حكم عون على خصومه الحاليين والسابقين، بل استشرفها مَن التصق به إبان حياته العسكرية وعند تسلّمه رئاسة الحكومة العسكرية بين العامين (1988 ــ 1990). إذ يصف نائب رئيس الحكومة الأسبق اللواء عصام أبو جمرة، عهد عون بـ«عهد الفراغ والمشاكل». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «مشكلة هذا الرجل ليست في نرجسيته وحنينه للعودة إلى ما قبل الطائف، بل بإلحاق لبنان بمحور إيران متخطياً إرادة أغلبية اللبنانيين، الذين يريدون الحياد وإبعاد لبنان عن المحاور الغربية والشرقية». ويستغرب أبو جمرة كيف حفل عهد عون بأربع سنوات من الفراغ الحكومي، والباقي أمضاها بالصراع على المحاصصة حتى أوصل لبنان إلى الفوضى. ويتابع «صحيح أن عون افتعل مشاكل مع رؤساء الحكومات المتعاقبين، لكنّ ممارساته أثبتت أنه ليس رجل مؤسسات بل رجل سلطة فاشل، ويكفي أنه طبع حياته بـ«مسيرة الفراغ» الممتدّة منذ العام 1988 حتى اليوم».
- ماذا خسر رئيس الجمهورية بعد الطائف؟
> لا خلاف على أن رئيس الجمهورية في لبنان خسر جزءاً مهمّاً من صلاحياته بعد «اتفاق الطائف»، إذ لم يعد الحاكم المطلق، وإن بقي صاحب قرار وتأثير كبيرين في المعادلة الوطنية بكثير من المحطات والاستحقاقات، ولذلك فإن الحرب السياسية مستمرّة على أمل استعادة الصلاحيات المقيّدة بموجب الدستور.
قبل «الطائف» كان رئيس الجمهورية صاحب السلطة المطلقة في لبنان، فهو من يمتلك صلاحية تشكيل الحكومات، بدءاً من تعيين الوزراء وتسمية رئيسهم وإقالة الحكومة عند الاقتضاء، والمقرر في المراسيم التي تصدرها الحكومة. ولكن بعده أخضع تشكيل الحكومة لمعايير مختلفة، تبدأ بدعوة رئيس الجمهورية النواب إلى استشارات نيابية مُلزِمة لتكليف رئيس لتشكيل الحكومة، وبعد التكليف يجري الرئيس المكلّف استشارات غير مُلزِمة مع النواب، ويشكّل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، ويوقعان معاً مرسوم تأليف الحكومة.
أيضاً لم يقتصر نفوذ الرئيس على السلطة التنفيذية، بل كان صاحب قوّة مقرّرة في عمل السلطة التشريعية، وله الحقّ في دعوة مجلس النواب إلى عقد جلسات استثنائية واقتراح القوانين التي يراها مناسبة لإدراجها على جدول أعماله، ويمكنه أيضاً حلّ البرلمان ولكن بموجب قرارٍ معللٍ وبموافقة الحكومة التي يعينها بنفسه. لكن بعد «الطائف» فقد الرئيس هذه الميزة، إنما أجاز له الدستور توجيه كتاب إلى المجلس يطلب فيه تحديد موقفه من مسألة معينة، كما فعل عون عندما طالب المجلس النيابي بإيجاد حلّ لتكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة، وعجز الأخير عن إنجاز هذه المهمّة بفعل رفض عون لكل التشكيلات التي كان يقدمها.
«دستور ما قبل الطائف» أعطى رئيس الجمهورية السلطة الأوسع، فهو بحكم الدستور يعدّ القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولديه سلطة مطلقة في إعطاء التوجيهات للجيش والقوى الأمنية لتنفيذ المهام، وظل ممتلكاً هذه الصفة بعد الطائف، لكنّ سلطة الأمر تخضع لمجلس الوزراء مجتمعاً كونه السلطة الإجرائية في البلاد، كما أن ترؤس رئيس الجمهورية جلسات مجلس الوزراء أثناء حضوره، حرمته من حقّ التصويت، بل أخذ دور المراقب والموجّه وليس المقرّر.
- «العهد القوي».. ولعنة الغرق في الفراغ
> عندما استفحل الفراغ في قصر بعبدا لعامين ونيّف، إثر انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، انقسم اللبنانيون بين رافض لانتخاب عون رئيساً للجمهورية، على اعتبار أن التفاهم معه مستحيل، بالاستناد إلى تجاربه السابقة، وبين مؤيد لانتخابه على قاعدة «أبغض الحلال»، وأن وجود أي رئيس أفضل من الفراغ، لكن سرعان ما اكتشف الفريق الثاني عقم رهاناته.
في الأشهر التي تلت انتخاب عون رئيساً، اكتشف الجميع أن الرجل لم يغادر تاريخه البعيد والقريب، ويرى متابعون أنه «يمارس السلطة وكأنه ما زال رئيساً للتيار الوطني الحرّ وحليفاً أساسياً لـ«حزب الله» ولصيقاً به، والمدافع عن دور سلاحه بالداخل والخارج».
ويلحظ المتابعون كيف أن الرئيس القوي «كرّس كلّ طاقاته وصلاحياته لترسيخ دور صهره جبران باسيل في اللعبة الداخلية، وتهيئة الظروف ليكون خليفته في رئاسة الجمهورية». ويقول هؤلاء «لتحقيق هذا الهدف أطلق (عون) يد جبران باسيل في عملية تشكيل الحكومات، إذ أنه بعد انتخابات العام 2018 وتكليف سعد الحريري تشكيل حكومة العهد الثانية، بقيت عملية التأليف معطلة لعشرة أشهر، إلى أن شكّلت حكومة نال فيها باسيل الثلث المعطل وبات صاحب السلطة المطلقة».
وإثر استقالة حكومة الحريري غداة اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر 2019 وتحت ضغط الشارع، حاول الحريري تشكيل حكومة من اختصاصيين ومن خارج منظومة أحزاب السلطة (يقول المتابعون)، لكنّ عون «رفض هذه الصيغة وأصرّ على حكومة سياسية أو تكنوقراط، ما دفع بالحريري للعزوف عن التشكيل. وبعدها استحدث عون بدعة «التأليف قبل التكليف» وراح يلتقي المرشحين لرئاسة الحكومة للاتفاق معهم مسبقاً على شكل الحكومة وأسماء الوزراء، وشملت هذه المشاورات أسماء عدة، أبرزهم الوزراء السابقون بهيج طبارة، محمد الصفدي وخالد قباني ورجل الأعمال سمير الخطيب، لكنهم رفضوا جميعاً الخضوع لشروط مسبقة، إلى أن وقع الخيار على وزير التربية السابق حسّان دياب، الذي قبل بمهمة تكليفه وشكّل حكومته بعد أربعة أشهر من المراوحة. لكن هذه الحكومة فشلت بتحقيق أي إنجاز للشعب المنتفض، لا بل عمّقت الأزمة المالية والاقتصادية، إلى أن استقالت إثر انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في الرابع من أغسطس (آب) 2020».
بعدها طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرة، تقضي بتشكيل «حكومة إنقاذ» من أصحاب الاختصاص، تعمل بمساعدة الدول الشقيقة والصديقة على معالجة آثار انفجار المرفأ، ووضع خطة اقتصادية في غضون أشهر قليلة، وجرى تكليف سفير لبنان في برلين مصطفى أديب لتشكيل الحكومة. ولكن بعد 40 يوماً من المحاولات، اعتذر أديب عن المهمة بعد اصطدامه بشروط عون و«حزب الله» التي تناقض مضامين مبادرة «الإنقاذ». ويضيف المواكبون لتلك المرحلة أن سعد الحريري «تلقف اعتذار مصطفى أديب، وسارع إلى تقديم نفسه مرشحاً طبيعياً لرئاسة الحكومة مجدداً، واشترط تشكيل حكومة تنسجم مع روحية المبادرة الفرنسية، ولكن بعد 10 أشهر على تكليفه وتقديم صيغ مختلفة للحكومة، رفضها عون كلها سارع الحريري إلى الاعتذار وتعليق عمله السياسي. وعلى الأثر كُلف نجيب ميقاتي من قبل فريق عون وحلفائه في الثنائي الشيعي، ولكن سرعان ما عصفت بحكومة ميقاتي الخلافات، وتسبّب بتعطيلها لأكثر من شهرين غداة فشلها في إقالة المحقق العدلي بجريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار. وبعد انتخابات مايو (أيار)، أعيد تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة بخلاف إرادة عون وفريقه، وها هو الفراغ الحكومي مستمرّ بعد مرور أربعة أشهر على الانتخابات، وقد سجّلت هذه الوقائع أن عهد عون غرق بلعنة الفراغ الحكومي، ومعه غرق البلد في الكوارث والأزمات».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

دمج ثلاثة ألوية عسكرية من «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن «الفرقة 60»

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
TT

دمج ثلاثة ألوية عسكرية من «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن «الفرقة 60»

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)
العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (سانا)

بحث مبعوث رئاسة الجمهورية، العميد زياد العايش، مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد، وعدد من القادة العسكريين والأمنيين، آلية دمج المؤسسات العسكرية والأمنية، وناقش معهم الخطوات التنفيذية المتعلقة بذلك وفق اتفاق 29 يناير (كانون الثاني).

وأوضح العايش في تصريح صحافي لمديرية إعلام الحسكة، أنه سيتم دمج ثلاثة ألوية عسكرية من «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن «الفرقة 60»، بقيادة العميد عواد الجاسم قائد عملية السيطرة على حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب أوائل يناير.

وفيما يخص ملف الأسرى، قال إنه سيبدأ (الاثنين) العمل على الإفراج عن 60 أسيراً ممن لم تثبت بحقهم أي تهم أو ارتباطات بأعمال جنائية. وأشار إلى أنه سيتم تسليم قوائم بأسماء معتقلين سبق أن شاركوا في أنشطة ثورية، للنظر في أوضاعهم تمهيداً للإفراج عنهم.

العميد زياد العايش مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وعدد من القادة العسكريين والأمنيين (مديرية إعلام الحسكة)

كذلك، سيتم فتح الطرق المؤدية إلى مدينة الحسكة من خمسة محاور، باستثناء الطريق الدولي (M4)، إلى حين استكمال تأمينه بشكل كامل.

وأعلن العايش تشكيل لجان مختصة لضمان عودة آمنة للمهجّرين إلى مناطقهم، وتشكيل فريق فني وهندسي لتسلّم حقول رميلان والسويدية النفطية.

مضخات النفط بمدينة رميلان شرق سوريا عندما زارها وفد من الحكومة السورية في 9 فبراير لتفقد حقول النفط وإتمام الاتفاقيات الموقعة بين الحكومة السورية و«قسد» (رويترز)

وكانت رئاسة الجمهورية كلفت العميد العايش مبعوثاً رئاسياً لتنفيذ اتفاق 29 يناير مع «قسد» وتحقيق الاندماج، وتعزيز حضور الدولة، وتذليل العقبات، وتفعيل الخدمات الحكومية للمواطنين.

وأعلنت الحكومة السورية في 29 يناير الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) على وقف إطلاق النار، ضمن اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين، ودخول قوات الأمن إلى مركز مدينتَي الحسكة والقامشلي، وتسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.

وقال المكلّف الرئاسي بتنفيذ بنود الاتفاق مع «قسد» العميد زياد العايش، في تصريح صحافي لمديرية إعلام الحسكة، إنه عُقد الاثنين اجتماع موسّع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد، وعدد من القادة العسكريين والأمنيين في المحافظة. وأعلن تشكيل لجان مختصة لضمان عودة آمنة للمهجّرين إلى مناطقهم. كما تم تشكيل فريق فني وهندسي لتسلّم حقول رميلان والسويدية النفطية.

في السياق، وصل وفد حكومي إلى مديرية حقول الحسكة، برفقة مدير الشؤون السياسية في محافظة الحسكة عباس حسين، والمتحدث باسم الوفد الرئاسي أحمد الهلالي، وفرق فنية وهندسية من «الشركة السورية للبترول» (SPC)، وبدأ الوفد عقد اجتماع لمتابعة الإجراءات الإدارية والفنية اللازمة في الحقول النفطية واستكمال تنفيذ بنود الاتفاق المبرم، بما يضمن تقييم جاهزية الحقول ودمج هيكليتها الإدارية.


نأي دمشق بنفسها عن الحرب الإيرانية لم يجنبها التداعيات

شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
TT

نأي دمشق بنفسها عن الحرب الإيرانية لم يجنبها التداعيات

شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)

لم يجنب النأي النسبي لسوريا عن دائرة الاستهداف في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، تأثرها بالتداعيات الجارية في المنطقة، بدءاً من تساقط بقايا الصواريخ على مناطق متفرقة، وعودة أزمتَي الغاز والكهرباء، واكتظاظ الحدود مع لبنان بالسوريين العائدين إلى البلاد، وتعطل حركة شحن البضائع... في مشهد جدد ذاكرة حرب مريرة قبل أن يبدأ السوريون التعافي منها.

عاد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، والنقص في توفر الغاز المنزلي، وارتفاع الأسعار... لترخي بظلال ثقيلة على الأوضاع المعيشية في سوريا، بعد أشهر قليلة من التحسن النسبي. وقالت وزارة الطاقة السورية الاثنين إن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية سببه تراجع كميات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، نتيجة للتصعيد الإقليمي الراهن وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة.

وبينت الوزارة أن الفرق الفنية تواصل إدارة المنظومة الكهربائية بالاعتماد على الإنتاج المحلي المتاح من الغاز، وفق بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، مشيرة إلى أن تنظيم ساعات التغذية يتم وفق الإمكانات المتوفرة لضمان استقرار الشبكة واستمرار عملها؛ إذ تعمل على تعزيز وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، بما يسهم في دعم المنظومة الكهربائية وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.

وفي أول انعكاس مباشر لتداعيات التصعيد في المنطقة، أوقف الأردن مؤقتاً «ضخ الغاز إلى سوريا» وفق تقرير نشرته منصة «الطاقة» الاثنين. وقالت نقلاً عن مصادر لم تسمها، إن قطع إسرائيل إمدادات الغاز إلى الأردن دفع عمّان إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجات السوق المحلية.

وتعتمد سوريا جزئياً على الغاز القادم من الأردن لدعم منظومة التوليد، في ظل ضعف الإنتاج المحلي وتهالك البنية التحتية خلال السنوات الماضية.

وكانت الحكومة السورية بدأت في 8 يناير (كانون الثاني) الماضي تسلّم الغاز الطبيعي عبر الأردن لتوليد الكهرباء، بمعدل أربعة ملايين متر مكعب يومياً، ضمن تنفيذ اتفاقية شراء الغاز عبر خط الغاز العربي. ووقعت مع الجانب الأردني اتفاقية لتزويد سوريا بنحو 140 مليون قدم مكعبة يومياً بهدف حل أزمة الكهرباء في سوريا.

وأعلنت دمشق الاثنين خروج أحد محوّلات محطة تحويل العتيبة الصناعية في ريف دمشق عن الخدمة جراء سقوط بقايا صاروخ نتيجة القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران.

قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا صاروخ إيراني في القنيطرة (أ.ف.ب)

ويسود الحذر في مناطق ريف دمشق ومحافظات جنوب سوريا بعد تساقط بقايا الصواريخ خلال اليومين الماضيين ووقوع إصابات بين المدنيين، في حين قالت مصادر أهلية في محافظة درعا إن المدارس أُغلقت وسط حذر في الحركة والتجمعات والابتعاد عن الأجسام الغريبة، وذلك في حين استجابت فرق الدفاع المدني السوري الاثنين لحادث سقوط أجسام حربية في قرية الفتيح في منطقة عين الشرقية بريف جبلة على الساحل السوري. وقالت وزارة الطوارئ إن سبب سقوط تلك الأجسام هو الأحداث الإقليمية الجارية، داعية المواطنين إلى الالتزام بإرشادات السلامة.

وفي ظل التوتر الحاصل واصلت إسرائيل انتهاكاتها للأراضي السورية، واعتقلت الاثنين راعي أغنام غربي قرية كودنا في ريف القنيطرة الجنوبي.

وقالت وكالة الأنباء السورية (سانا) إن «قوات الاحتلال قامت باقتياد الشاب إلى داخل الأراضي المحتلة، دون ورود معلومات حول مصيره».

قادمون من لبنان عند معبر جديدة يابوس في جنوب غربي سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع دائرة التصعيد واستهداف «حزب الله» في لبنان، شهدت المعابر الحدودية السورية - اللبنانية حركة مغادرة كثيفة للسوريين من لبنان.

وأفادت شركة «ترحال للسفر» بأن مئات السوريين غادروا الاثنين الأراضي اللبنانية باتجاه دمشق عبر معبر المصنع ـ جديدة يابوس، وبثت عبر حسابها في «تلغرام» صوراً لطوابير المغادرين. كما أكدت مصادر من المسافرين اكتظاظ المنطقة الحدودية بالمغادرين وبالشاحنات المتوقفة عند الحدود، مع الإشارة إلى وجود أزمة في حركة الشاحنات بدأت قبل أسابيع بعد قرار الحكومة السورية منع الشاحنات غير السورية من دخول أراضيها وفرض المناقلة بين الشاحنات. وأدى القرار إلى أزمة في حركة الشحن من وإلى الأردن، وتفاقمت الأزمة مع تصاعد التوتر.

وحذرت غرفة تجارة دمشق من استمرار تعطيل انسياب الشحن في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، وقالت إن هذا «يفاقم الضغط على المعابر، ويهدد سلاسل الإمداد، ويرفع التكاليف على التجار والناقلين، ويعرّض حركة التبادل التجاري لمخاطر غير محسوبة»، داعية الحكومتين السورية والأردنية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مؤقتة تضمن انسيابية الحركة؛ لأن الظرف الراهن يستدعي قرارات سريعة ومسؤولة تحمي الاقتصاد الوطني في البلدين.


أهالي الجنوب في رحلة نزوح جديدة: قلق وخوف ورفض للحرب

عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
TT

أهالي الجنوب في رحلة نزوح جديدة: قلق وخوف ورفض للحرب

عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)

استفاق سكان جنوب لبنان، في منتصف ليل الأحد - الاثنين، على إطلاق «حزب الله» صواريخ باتجاه إسرائيل، لتبدأ رحلة نزوح جديدة لا قدرة لهم على تحملها؛ لا نفسياً ولا معنوياً ولا مادياً.

وهكذا، خلال أقل من ساعة في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان، حزمت العائلات ما تيسر من أغراضها في حقائب وأكياس، فيما كان الحظ حليف البعض ممن جهزوا حقائب النزوح مسبقاً مع بدء الحرب على إيران، والحديث عن إمكانية دخول «حزب الله» في الحرب.

ورغم كل التطمينات التي سادت في الأيام الأخيرة، بأن «حزب الله» لن ينخرط في الحرب، لقناعة الجميع بأن نتائجها ستكون كارثية على بيئته وعلى كل لبنان، وجد الجنوبيون أنفسهم مجدداً، أمام واقع التهجير القاسي، لتتبدّد تلك الوعود تحت وطأة التصعيد، وهو ما انعكس مواقف رافضة لخيار الحزب حتى في أوساط تُعدّ من بيئته المؤيّدة.

زحمة سير خانقة في صيدا نتيجة توافد النازحين من جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرحلة من الجنوب في ساعات الفجر الأولى كانت مرهقة وطويلة، امتدت لما يقارب 16 ساعة... وجوه شاحبة وحزينة سيطرت على ملامحها تعابير الهم والقلق مما هو آتٍ. هرب أصحابها من مختلف المناطق الجنوبية والحدودية، خصوصاً بعد إطلاق إنذارات إسرائيلية بضرورة إخلاء عشرات القرى.

في «شارع البص» في صور، توقفت السيارات بالشوارع الرئيسية وفي الطرق الفرعية. ازدحام خانق مشابه لرحلة النزوح السابقة... الجميع يبحث عن أماكن تؤوي العائلات والأطفال.

هنا توقف المئات في الشارع، كثير منهم يرتدي ثياباً لا ترقى للخروج من المنزل، ولا تصلح إلا في حالة النزوح... الهمّ مشترك والقلق يجمعهم؛ قلق إيجاد سقف يؤويهم في هذه الأيام الباردة.

هم النزوح وإيجاد مأوى

وكما في كل مرة، يتحدث الناس عن غياب الدولة والخطط، تقول إحدى السيدات القادمة من بلدة صريفا: «ليس في يدنا حيلة»، وتسأل: «إلى أين سنذهب؟ إلى المدارس مجدداً؟ كانت تجربة مرّة للغاية في المرة السابقة!».

نازحون يفترشون الكورنيش البحري في بيروت (رويترز)

وتسأل سيدة خمسينية أخرى، كانت قد خرجت من بلدة معركة، برفقة ابنتها وأحفادها: «نحن منسيون والدولة لا تسأل عنا، ماذا سنفعل؟».

من جهتها، تقول سيدة ثمانينية تدعى مريم: «لم يشكّل خروجنا مفاجأة لي، نحن أبناء الجنوب قضينا كامل عمرنا بين تهجير وآخر، وفي كل مرة كنا نغادر منازلنا وقرانا، نترك أرزاقنا من حقول وماشية وأشياء لا يمكن عدّها، وحتى الأمس ما زالت حقائبنا موضبة».

«لا نريد الحرب»

وكما حال معظم اللبنانيين، بات صوت عدد كبير من أهالي الجنوب رافضاً للحرب التي لا يزالون يعيشون تداعياتها.

واليوم، تبدو آراء هؤلاء الذين أخرجوا من بيوتهم قسراً، مختلفة، بحيث انقسموا بين من يقول «سائرون على نهج المقاومة»، وغالبية ممتعضة وقد أصيبت بصدمة، وصلت إلى حد تمنّي «أن يكون خبر إطلاق الصواريخ من قبل (حزب الله)، كذبة إسرائيلية سمجة».

وهذا الموقف، يعبّر عنه أحد النازحين، قائلاً: «نحن لا نريد الحرب، ولم نخترها، كنا قد عدنا إلى قرانا في بنت جبيل، وأعدنا ترتيب أمورنا الحياتية البسيطة، دون أي متطلبات، ماذا فعلوا بنا الآن؟ ولماذا؟».

ويضيف: «كانت إسرائيل بحاجة إلى حجّة كي تثبت للمجتمع الدولي أننا نشكل خطراً عليها، وها هي الفرصة أتت إليها».

وعن فرضية أن الحرب على لبنان آتية حتى لو لم يتدخل الحزب، قال: «كان الأمر ليكون محتوماً علينا، لكن من غير المنطقي أن نذهب بأقدامنا إلى حرب كهذه، لا يمكن أن نعلم متى وكيف تنتهي».

غضب مضاعف

والمتحدث مع النازحين على «طريق النزوح»، يستمع إلى مخاوف هؤلاء وصدمتهم من دخول «حزب الله» مجدداً في الحرب... وغضبهم يعود إلى سببين أساسيين، بحسب ما عبّر معظمهم، وهما: «التطمينات التي سمعوها في الأيام الأخيرة، لجهة عدم انخراط (حزب الله) في الحرب، والاعتبارات المتعلقة بقدراته العسكرية الراهنة، بحيث إنه لا يمكنه أن يخرج من الحرب، إلا خاسراً»... إضافة إلى أن أهالي الجنوب، يعانون منذ سنوات من أزمات لا تنتهي، حرب «إسناد غزة»، ثم الضربة اليوم، وما سينتج عنها من أزمات جديدة لا تقوى غالبية الناس على احتمالها.

مواطن يتفقد موقع «القرض الحسن» في صور بعد استهدافه بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

ثأراً لخامنئي وليس لأبناء الجنوب

ومع كل هذه المعاناة، بات لسان حال معظم أهل الجنوب، بعد عام ونصف عام، على الحرب المتواصلة على قراهم وأرزاقهم، أن «(حزب الله) لم يردّ على كل الاعتداءات التي سببت خسائر مادية وبشرية للجنوبيين كل يوم، بل ردّ ثأراً لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي... ووضعهم في مأزق جديد لا يعرفون كيف ومتى سينتهي».