ملف «جزيرة الوراق» في مصر... محاولات للتهدئة وتأكيد الالتزام بالتعويض

الحكومة تنفي «الإخلاء القسري»

وزير الإسكان المصري الدكتور عاصم الجزار خلال مؤتمر صحافي للحديث عن جزيرة الوراق (رئاسة مجلس الوزراء)
وزير الإسكان المصري الدكتور عاصم الجزار خلال مؤتمر صحافي للحديث عن جزيرة الوراق (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

ملف «جزيرة الوراق» في مصر... محاولات للتهدئة وتأكيد الالتزام بالتعويض

وزير الإسكان المصري الدكتور عاصم الجزار خلال مؤتمر صحافي للحديث عن جزيرة الوراق (رئاسة مجلس الوزراء)
وزير الإسكان المصري الدكتور عاصم الجزار خلال مؤتمر صحافي للحديث عن جزيرة الوراق (رئاسة مجلس الوزراء)

دافعت الحكومة المصرية عن خطتها لتطوير منطقة «جزيرة الوراق»، وسط النيل، نافية أي اتجاه لـ«إخلاء السكان قسرياً»، مؤكدة «التزامها بتعويض الأهالي». يأتي ذلك وسط وجود ما وصفه مسؤولون رسميون بأنه «مقاومة للتغيير»، من جانب سكان بعض المناطق الخاضعة «للتطوير».
وفي يوم واحد أدلى كل من وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصري، ومساعده، بتصريحات تلفزيونية لمحاولة شرح وجهة النظر الحكومية في ملف «الوراق».
واعتبر وزير الإسكان الدكتور عاصم الجزار، أن هناك ما وصفه بـ«ادعاءات من (قوى الشر)، تتكرر بصورة شبه دورية، منذ بداية تنفيذ أعمال التطوير بالجزيرة».
وشرح الجزار في تصريحات تلفزيونية عقب اجتماع مجلس الوزراء (الخميس) أن «مشروع الجزيرة هو جزء من خطة تطوير المناطق ذات الخطورة أو المناطق المتدهورة».
وأكد الوزير أن «كل ما يثار حول (إخلاء السكان قسرياً) غير صحيح»، لافتاً إلى أن «حجم التعويضات التي تم دفعها حتى الآن لسكان الجزيرة بلغ 6 مليارات جنيه (الدولار 19.10 جنيه)، منها 5 مليارات تعويضات عن الأراضي فقط، إضافة إلى ملياري جنيه تكلفة بناء السكن البديل».
وبعد ساعات قليلة من تصريحات للوزير، قال مساعده الدكتور عبد الخالق إبراهيم، في تصريحات تلفزيونية، إنه «دائماً ما تحدث بعض المشكلات في هذا النوع من المشروعات، حيث تكون هناك (مقاومة شديدة للتغيير) وعدم ثقة من الأهالي في عودتهم إلى مكانهم مرة أخرى»، ضارباً المثل بما حدث عند تطوير منطقتي «روضة السيدة» (وسط القاهرة)، و«مثلث ماسبيرو» (ملاصقة لمقر الخارجية المصرية، ومبنى التلفزيون الرسمي).
وأضاف مساعد الوزير: «واجهنا مشاكل في مثلث ماسبيرو، لكن الأمر تغير، والأهالي سيعودون إلى المنطقة خلال شهرين»، لافتاً إلى أن «المسألة قد تكون أكبر بعض الشيء في جزيرة الوراق، لأن أطرافها أكثر، نحن نتحدث عن جزيرة مساحتها 1295 فداناً».
وخلال الأسبوع الماضي تفقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري منطقة «مثلث ماسبيرو». وقال إنها «كانت تمثل إحدى المناطق العشوائية غير الآمنة»، مدافعاً عن المسار الذي انتهجته حكومته تجاه سكان المنطقة وطريقة تعويضهم. وقال: «الدولة أوفت بوعودها بتطوير المنطقة، دون إلحاق أي ضرر بساكنيها، أو مُلاكها، أو المستأجرين... فالجميع استفاد، سواء الذين حصلوا على تعويض نقدي، أو من حصلوا على سكن بديل، وكذلك من ستتم إعادة تسكينهم قريباً».
وبدأت الحكومة المصرية تطبيق «خطة تطوير» في منطقة «جزيرة الوراق»، عام 2017 وقوبلت فور إعلانها بانتقادات، ووجهت النيابة اتهامات لبعض السكان بـ«ممارسة أعمال عنف ضد قوات الأمن».
وقضت محكمة مصرية في عام 2020 بأحكام بالسجن تراوحت بين 5 سنوات و25 سنة على 35 متهماً في قضية «أحداث جزيرة الوراق»، فيما ينظر القضاء راهناً إجراءات إعادة محاكمة 19 متهماً في القضية، وتجددت الانتقادات مؤخراً مع إعادة طرح الموضوع إعلامياً، والبدء في التنفيذ على الأرض.
ورداً على الانتقادات. قال وزير الإسكان إن «جزر النيل تعتبر محميات طبيعية»، مشيراً إلى «الزحف العمراني على الجزيرة الذي زاد من 60 ألف فدان عام 1996 إلى 400 فدان عام 2019، ما يعكس حجم النمو غير المخطط». وأضاف الجزار أن «هناك 25 فداناً يتم انتهاكها والبناء عليها بشكل غير منظم وغير مرخص، إلى جانب مشكلة تدهور البيئة الطبيعية لمجرى النهر، وخصوصاً أن هذه المباني بلا خدمات صرف صحي، ما يجعلها تصرف في نهر النيل».
وتعتمد الحكومة المصرية في مشروع التطوير على ما أسمته «سياسة الشراء الرضائي»، والتي تم بموجبها شراء 888.6 فدان، أي نحو 71 في المائة من مساحة الجزيرة، بسعر «6 ملايين جنيه للفدان الواحد» بحسب وزير الإسكان، الذي أشار إلى أن «الدولة وفرت أراضي زراعية بديلة لمن يريد، من خلال مبادلة الفدان الواحد بـ19 فداناً في مدينة السادات».
ويصل عدد المنازل بالجزيرة إلى نحو 5956 منزلاً، وفقاً للبيانات الرسمية، وهي منشآت «غير مرخصة»، بحسب الحكومة.
وقال وزير الإسكان إن «الحكومة تتبع نفس السياسة السابقة التي اتبعتها في مناطق ماسبيرو، ومجرى العيون، وروضة السيدة، والتي تعتمد على تعويض السكان»، موضحاً أن «حائز الوحدة السكنية، إذا كان مستأجراً، يتم تعويضه، في حين المالك يعوض عن ملكيته، ومالك الأرض يعوض عن الأرض، وفقاً لتقدير جهات التقييم، في اللجنة الرباعية، إضافة إلى تعويض اجتماعي لكل وحدة».
وأكد الوزير المصري أن «سكان الجزيرة أمامهم فرصة الحصول على وحدات سكنية بديلة تم طرحها في المدن الجديدة، انتقل إليها بعض المستحقين بالفعل، أما من لا يرغب في الانتقال، فيمكنه الحصول على وحدة بديلة في المشروعات التي سيتم تنفيذها، أسوة بما حدث في (مثلث ماسبيرو)، لكن هذا سيستغرق وقتاً».
وفي إطار مخطط «التطوير»، تم تخصيص مساحة 61 فداناً على الجزيرة، لإنشاء سكن بديل قوامه 4 آلاف، وفقاً للبيانات الرسمية.
نقطة أخرى أشار إليها وزير الإسكان تتعلق «بوجود قراريْ نزع ملكية خاصين بالجزيرة»، أحدهما يتعلق بخط تهذيب النيل، والذي يبلغ طوله 30 متراً، ويعدُ ملكاً لوزارة الري، موضحاً أنه يجري «تعويض السكان مقابل كل غرفة سكنية، وليس مقابل الأرض، لأنهم لا يمتلكونها»، أما القرار الثاني فيتعلق بـ«تأمين محور (تحيا مصر)»، حيث «صدر قرار بنزع ملكية 91 فداناً، منها 67 فداناً تم التعامل معها رضائياً بالفعل، و550 منزلاً، تم التعامل رضائيا مع 330 منزلاً منها»، وفقاً للوزير.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


«مركز لوجيستي للحبوب والطاقة»... مساعٍ مصرية لمواجهة التحديات المتصاعدة

بوتين تحدث عن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر (الخارجية المصرية)
بوتين تحدث عن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر (الخارجية المصرية)
TT

«مركز لوجيستي للحبوب والطاقة»... مساعٍ مصرية لمواجهة التحديات المتصاعدة

بوتين تحدث عن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر (الخارجية المصرية)
بوتين تحدث عن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر (الخارجية المصرية)

سلّط حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر، الضوء على المساعي المصرية لمواجهة التحديات المتصاعدة في ظل تأثيرات الحرب الإيرانية.

وقال بوتين، خلال استقباله وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، أمس (الخميس)، في موسكو، إن «روسيا ومصر قد تناقشان خطط إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر». وتحدث بوتين -وفق وكالة «رويترز» للأنباء- عن وجود خطة و«أفكار مهمة كثيرة» تستحق النقاش.

وتُعدّ مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، كما أنها أكبر مشترٍ للقمح الروسي. وأظهرت تقديرات شركة «روس أغرو ترانس» أن «مصر اشترت نحو 7.6 مليون طن من الحبوب الروسية حتى ⁠الآن ⁠هذا الموسم، وهو مستوى مماثل تقريباً لما اشترته خلال العام الماضي».

وأشار بوتين إلى أنه «وجّه حكومة بلاده بالتعاون مع مصر بشأن مسائل إمدادات الغذاء، خصوصاً الحبوب». وأضاف أن روسيا بفضل المحصول الوفير العام الماضي لن تواجه أي مشكلة في التوريد.

المستشار الأسبق لـ«منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، الخبير الزراعي، الدكتور محمد فتحي سالم، يرى أن «مصر لديها الإمكانيات لتتحول إلى (مركز لوجيستي للحبوب والطاقة)». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «مثل هذا (المركز) يجب أن يكون قريباً من قناة السويس، كي يمكن الاستفادة من سهولة نقل الحبوب، إذ يمكن تصديرها إلى دول أفريقيا». وحسب سالم فإن «(المركز) سوف يحقق لمصر استقراراً غذائياً في الحبوب ويعزّز مخزونها الاستراتيجي، ويُسهم في تخفيض أسعار المنتجات التي تعتمد على الحبوب في صناعتها بالسوق المصرية، كما سيحقق عائداً اقتصادياً كبيراً لمصر».

ويشير إلى أن «(المركز) سيمكّن الجانب الروسي من ضمان وسهولة وصول منتجاته من الحبوب خصوصاً القمح إلى الأسواق الأفريقية والعربية عبر تخزينها في مصر، خصوصاً مع ما تشتهر به الصوامع الروسية من قدرة تكنولوجية كبيرة على التخزين لفترات طويلة لا تتأثر بأي عوامل جوية أو بيئية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال استقباله بدر عبد العاطي الخميس (الخارجية المصرية)

وتتوسع مصر في زراعة القمح الذي يُعدّ أبرز السلع الاستراتيجية، عبر تسهيلات جديدة لأصحاب الأراضي والمزارعين، لاستهداف وصول الرقعة المخصصة إلى 3.5 مليون فدان خلال الموسم الحالي. وأطلقت الحكومة «خطة شاملة» لضمان نجاح موسم زراعة محصول القمح الحالي، الذي بدأ من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ويستمر حتى مايو (أيار) المقبل، وفق تصريحات لوزير الزراعة المصري، علاء فاروق.

وحسب الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور رشاد عبده، فإن فكرة إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية عدة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «(المركز) يشكّل اتجاهاً مهماً ضمن المساعي المصرية للحد من تأثيرات الحرب الإيرانية، فبجانب عوائده الاقتصادية الكبيرة المتوقعة، فإنه سيحقق أيضاً أمن الغذاء والطاقة، وسيُسهم في استقرار أسعار السلع بالسوق المحلية، ويوفّر لمصر مخزوناً استراتيجياً لتأمين الاستهلاك المحلي في ظل التوترات الإقليمية»، وفق رأيه.

Your Premium trial has ended


تساؤلات ليبية حول توظيف تقرير أممي للضغط على أطراف الصراع

لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)
لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)
TT

تساؤلات ليبية حول توظيف تقرير أممي للضغط على أطراف الصراع

لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)
لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)

فرض تقرير مسرب للجنة الخبراء، التابعة لمجلس الأمن، نفسه على المشهد السياسي الليبي، بسبب ما تضمنه من اتهامات و«شبهات فساد» طالت شخصيات تتصدر المشهد السياسي والعسكري في شرق البلاد وغربها.

وأثار التقرير حالةً من الجدل دفعت عدداً من المهتمين إلى طرح تساؤلات حول دلالة تسريب هذا التقرير قبل اعتماده رسمياً، وأبرزها إن كان سيُمهد الطريق لتفعيل مسار المساءلة عبر تحديث قوائم العقوبات الدولية؟ أم أن المسودة ستوظف بوصفها أداة ضغط لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية من أفرقاء الأزمة خلف الأبواب المغلقة؟

في هذا السياق، لا يرى نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق وأستاذ القانون بجامعة طرابلس، صالح المخزوم، في تسريب التقرير «حادثاً عبثياً»، مبرزاً أن «فريق الخبراء لم يكتفِ برصد الانتهاكات كما جرت العادة، بل توسع في ربطها بأسماء فاعلين بعينهم، وهو ما يُنبئ بأن التقرير قد يكون أداة لمساومة هؤلاء».

وربط المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» توقيت التسريب بما يتداول عن «قرب تدشين سلطة انتقالية جديدة»، متوقعاً «مساومة القوى الفاعلة في الشرق والغرب بين خيارين، لا ثالث لهما: إما القبول بهذا المسار، سواء برعاية البعثة الأممية أو الدول الكبرى، وإما المُضي في تفعيل المساءلة بحقهم بعد اعتماد التقرير».

وتعيش ليبيا انقساماً في السلطة بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة في بنغازي برئاسة أسامة حماد مكلَّفة من البرلمان، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

وتضمن التقرير وقائع عديدة تتعلق بمحاولات الاستيلاء على المال العام، وتوسيع النفوذ من قبل التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا.

ويعتقد المخزوم أن الاتهامات الواردة في التقرير والمتعلقة بالاستيلاء على عوائد النفط «ستضعف مواقف هؤلاء الأفرقاء، وتقلّص قدرتهم على رفع راية الرفض لأي مسار سياسي جديد، سواء أكان برعاية البعثة الأممية أم دول كبرى منخرطة في ملف الأزمة السياسية للبلاد».

وقال إن هؤلاء «لن يستطيعوا الادعاء بأنهم شخصيات وطنية ترفض التدخلات الخارجية، وهذه هي أولى ثمار تسريب التقرير».

مسعد بولس (أ.ف.ب)

في المقابل، يذهب المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ إلى أن التقرير، رغم خطورة ما تضمنه، فإنه «لن يتجاوز توظيفه الضغط على الأطراف الليبية لقبول إصلاحات اقتصادية، وفي مقدمتها الانخراط في آلية موحدة للإنفاق»، مستنداً في ذلك إلى أن انشغال واشنطن بصراعها مع إيران يُبعد تشكيل سلطة موحدة في ليبيا، وملف أزمة الأخيرة برمته عن سلم أولوياتها.

ورأى محفوظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المسار الذي يقوده مستشار ترمب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، «لا يستهدف سلطة توحيد تمهد للانتخابات، بل صفقة تمتد لسنوات تجمع مقربين من حفتر والدبيبة، وتضمن المصالح الأميركية».

ويعارض المخزوم هذا الطرح، مؤكداً أن واشنطن ستجد في السلطة الموحدة شريكاً أجدى، كون ذلك يسهل ويحصر تعاملاتها على الصعيدين السياسي والاقتصادي مع جهة واحدة.

بدوره، توقّع الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، «توظيف التقرير من قِبل دول غربية، خصوصاً المنخرطة في قطاع النفط، للحصول على امتيازات وحصص إضافية وخاصة بالاكتشافات الحديثة».

القماطي توقع توظيف التقرير من قِبل الدول المنخرطة في قطاع النفط للحصول على امتيازات وحصص إضافية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولفت القماطي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى احتمال «امتداد هذا التوظيف، خاصة بعد اعتماده بشكل نهائي بعد شهرين، ليطول دولاً اعتادت استقبال الفاعلين الليبيين، رغم ما يُحيط بهم من شبهات وإتاحة الفرصة لوضع أموالهم في مصارفها، وأيضاً الدول التي أبرمت مع بعضهم صفقات سلاح، بالمخالفة للحظر الدولي المفروض منذ 2011».

ورغم إقراره بأن مجلس الأمن تغافل كثيراً عما ورد في التقارير السابقة، يتوقع القماطي «تعزيز آليات المتابعة والمراقبة الدولية بالنظر لضخامة التجاوزات المرصودة مؤخراً، بل احتمال أن يتم فرض عقوبات بتجميد أصول بعض الشخصيات، التي يثبت إدانتها أو حظر التعامل مع بعض الشركات».

لملوم يرى أن صمت السلطات الليبية هو ترتيب للأوراق استعداداً لابتزاز سياسي خاصة في ملف منع المهاجرين من التدفق إلى أوروبا (اللواء قتال 444)

أما رئيس «مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء»، طارق لملوم، فيرى أن «صمت السلطات الليبية لا يعكس استشعاراً للقوة، بل ترتيب للأوراق استعداداً لابتزاز سياسي خفي من الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً في ملف منع قوافل المهاجرين غير الشرعيين من التدفق من سواحل ليبيا نحو سواحل بلادهم».

وعدّ لملوم أن المسودة «تقترب من كونها رسالة تهديد للأسماء البارزة الواردة به، أكثر من كونها تقريراً لرصد الانتهاكات».


المغرب ينجح في إحباط ⁠73640 محاولة ​للهجرة غير ⁠الشرعية

مهاجر أفريقي يحاول تسلق الجدار الفاصل بين مليلية المحتلة وإسبانيا (رويترز)
مهاجر أفريقي يحاول تسلق الجدار الفاصل بين مليلية المحتلة وإسبانيا (رويترز)
TT

المغرب ينجح في إحباط ⁠73640 محاولة ​للهجرة غير ⁠الشرعية

مهاجر أفريقي يحاول تسلق الجدار الفاصل بين مليلية المحتلة وإسبانيا (رويترز)
مهاجر أفريقي يحاول تسلق الجدار الفاصل بين مليلية المحتلة وإسبانيا (رويترز)

ذكرت وزارة الداخلية المغربية، أمس الخميس، أن السلطات أحبطت في عام 2025 عدداً يقل بنسبة 6.4 في المائة من محاولات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا مقارنة بالعام السابق، مضيفة أن المهاجرين باتوا يستخدمون مسارات مختلفة، وأنه لا توجد بوادر واضحة على انحسار الأزمة.

وقالت الوزارة في ردودها ‌عبر البريد الإلكتروني ‌على أسئلة «رويترز» إنه بالإضافة ​إلى ‌إحباط ⁠73640 محاولة ​للهجرة غير ⁠الشرعية، فككت السلطات العام الماضي أكثر من 300 شبكة لتهريب المهاجرين.

وتعد سنوات من النزاع المسلح في منطقة الساحل الأفريقي، وارتفاع معدلات البطالة، وتأثير تغير المناخ على المجتمعات الزراعية من بين العوامل التي تدفع المهاجرين نحو أوروبا. ولطالما كان المغرب نقطة انطلاق رئيسية ⁠للمهاجرين الأفارقة، الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا ‌عبر البحر المتوسط ‌أو المحيط الأطلسي، أو عن طريق ​تسلق الأسوار المحيطة بجيبي ‌سبتة ومليلية في شمال المغرب.

ولوقف زحف المهاجرين الراغبين في الوصول إلى السواحل الأوروبية، عزز ‌المغرب تعاونه مع إسبانيا المجاورة بشأن الهجرة غير الشرعية، منذ إنهاء خلاف دبلوماسي منفصل في عام 2022.

وعقب تشديد جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية، قال مسؤول في الإدارة ‌المشرفة على الهجرة ومراقبة الحدود في الوزارة، في تعليقات عبر البريد الإلكتروني، إن ⁠المهاجرين باتوا يلجأون ⁠إلى نقاط انطلاق أخرى في غرب أفريقيا، وأجزاء من جنوب البحر المتوسط. وقال إن الانخفاض الملحوظ في عمليات الاعتراض «يشير إلى انخفاض تدريجي في التدفقات غير النظامية، مما يعكس انحساراً مستمراً لمسار الهجرة الذي يمر عبر المغرب».

وقالت الوزارة إن المغرب أنقذ 13595 مهاجراً في البحر عام 2025، بينما شارك 4372 مهاجراً غير نظامي في برامج العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية في عام 2025. مضيفة أن العودة الطوعية تعكس «نهج ​المغرب المرتكز حول إضفاء الطابع الإنساني على إدارة الهجرة»، والذي «يحقق توازناً بين الحزم والمسؤولية».