مقاييس القوّة العظمى

عناصر من الجيش الصيني (أرشيف - أ.ب)
عناصر من الجيش الصيني (أرشيف - أ.ب)
TT

مقاييس القوّة العظمى

عناصر من الجيش الصيني (أرشيف - أ.ب)
عناصر من الجيش الصيني (أرشيف - أ.ب)

اخترع الغرب ساعة الوقت، فنظّم شؤونه بكلّ الأبعاد، خصوصاً الاقتصاديّة، فانتظم الإنتاج وزادت الثروات. وعليه، بدأ مركز الثقل العالمي الاقتصادي ينتقل من الشرق إلى الغرب.
وعندما قدّم أحدهم ساعة الوقت هديّة لإمبراطور الصين، ضمّها الإمبراطور فوراً إلى مجموعاته المتعدّدة من الهدايا، من دون الاكتراث لها. فهو الوقت، وهو محور الكون، وعليه وحوله وبإرادته تتحرّك الكواكب.
يقول المفكر والمؤرّخ الإنجليزي بول كينيدي، إن الإمبراطوريّات تقوم وتنهار بسبب عاملين أساسيين: القوّة والثروة. القوّة لحماية الثروة؛ والثروة لتصرف على القوّة. ومع الوقت، تتآكل هذه المعادلة لتسقط الإمبراطوريّة.
وتحتاج عمليّة صعود الإمبراطوريّات إلى ثالوث مقدّس يرتكز على: الجيوسياسة، التاريخ والآيديولوجيا. في الجيوسياسة، تتموضع الإمبراطوريّة المعنيّة لاقتناص فرص التغيير، بهدف تحسين وضعها في ترتيب النظام العالميّ. لكن الدوافع والروافد الأساسيّة للجيوسياسة، تغرف اندفاعتها من الذاكرة الجماعيّة التاريخيّة، ومن الرابط الآيديولوجيّ.
لا وفاء في العلاقة بين الإمبراطوريّات، ولا إخلاص. فقط الحسد والتقيّة هما السائدان، وذلك بانتظار ساعة الصفر للانقلاب على المهيمن.
وتبدأ عادة عمليّة صعود الإمبراطوريّات بعد تأمين الداخل. هكذا فعل الإسكندر الكبير قبل البدء ببناء أسرع إمبراطوريّة توسّعاً في العالم (13 سنة).
وبعد تأمين الداخل، تبدأ الإمبراطوريات ببناء مناطق النفوذ في المحيط المباشر لها. وإلا فما معنى عقيدة مونرو عام 1832؟ وما معنى الحرب التي تدور اليوم في أوكرانيا؟ وما معنى سلوك الصين تجاه ضمّ تايوان، ومحاولتها السيطرة على بحر الصين الجنوبيّ؟

تتشابه الإمبراطوريات في رسم وتوصيف قدرها تجاه الكون. فهي دائماً مُكلّفة بمهمّة إنسانيّة، وفي بعض الأوقات قد تكون المهمّة بتكليف ربّانيّ.
يقول المفكّر والفيلسوف الفرنسي برتراند دو جوفونيل، إن القوّة والسلطة (Power)، بحاجة دائماً إلى مزيد من القوة والسلطة، تتغذّى بها ومنها، ومن دونها تسقط. ويتابع الفيلسوف ليقول إن الله رب العالمين أراد وجود القوّة والسلطة، لأنه أعطى للإنسان الطبيعة الاجتماعيّة. ولا سلطة من دون اجتماع، وهي تأخذ معناها من الممارسة المجتمعيّة دون غيرها. من هنا سعت الإمبراطوريّات إلى امتلاك السلطة على الأرض وعلى الإنسان، لأنهما المكوّنان الأساسيان لعلم الاجتماع.
الصين اليوم في هذه المعادلة
تسعى الصين اليوم إلى ترتيب الداخل عبر السيطرة على الحركات الانفصاليّة في كلّ من التبت وإقليم جينجيانغ. وكانت الصين قد استردّت هونغ كونغ بالقوة، وهي تسعى الآن إلى استرداد تايوان. بالإضافة إلى ذلك، يحاول الرئيس تشي إعادة إنتاج الفرد الصيني، وذلك عبر فكرة «الازدهار المشترك» (Common Prosperity) كآيديولوجيّة تجمع ما بين اقتصاد السوق، والشيوعيّة الاشتراكيّة.

هذا في الداخل. أما في الخارج والمحيط المباشر، فلديها مشروع كوني يتمثّل بـ«الحزام والطريق» (برّاً وبحراً). وتسعى الصين أيضاً إلى خلق مناطق نفوذ في البحار المحيطة بها. وتحاول بكلّ ما تملك إبعاد التأثير والنفوذ الأميركي من شرق آسيا ومن محيطها المباشر، تحت شعار «آسيا للآسيويين».
وتسعى الدول الصاعدة إلى مزيد من القوّة والتأثير، كما تريد الاحترام.
فالصين تعتبر اليوم أن الغرب إلى أفول، وآسيا إلى صعود. كما تعتبر أن العائق الأكبر لتبوّء الصين المركز الأوّل في العالم هو الولايات المتحدة الأميركيّة. فهي التي أسقطت كلاً من ألمانيا واليابان والاتحاد السوفياتي.
وتسعى الصين إلى منافسة الولايات المتحدة في ملعبها الأساسيّ، أي المحيطات والبحار. فبنت لذلك أكبر أسطول بحري في العالم.
وتريد الصين أن تكون دولة قاريّة وبحريّة في نفس الوقت، وتريد أن تسيطر تكنولوجيّاً على العالم (Technological Dominance)، كما تريد التحرّر من الاتكال على الأسواق الغربيّة كي يستمرّ النمو.
الصين والـPMEI
تختلف الصين عن روسيا كثيراً. فهي ثاني اقتصاد عالمي، كما أن لديها قاعدة صناعيّة وتكنولوجيّة متقدّمة جدّاً، وقادرة على خدمة قوّتها العسكريّة، وذلك على عكس روسيا. كذلك لديها الديموغرافيا والمساحة. وهي عضو دائم في مجلس الأمن، ما يعطيها تأثيراً مهمّاً في الأمن والسلام العالميين.
بعد الإطاحة بالجنرال الأميركي دوغلاس ماك آرثر من قبل الرئيس هاري ترومان، وذلك بسبب فشله الذريع في الحرب الكوريّة، قال ماك آرثر: «لا يجب أبداً أن نخوض حرباً بريّة في آسيا». فهل سيكون الصراع المستقبلي بين أميركا والصين على من يسيطر ويهيمن على المحيطات والبحار؟ ربما، لكنه سيكون حتماً وجهاً مهماً من أوجه الصراع الكثيرة.


مقالات ذات صلة

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

الولايات المتحدة​ بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

في تحول كبير نحو تعزيز العلاقات الأميركية - الفلبينية، يستضيف الرئيس الأميركي جو بايدن، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور، في البيت الأبيض مساء الاثنين، في بداية أسبوع من اللقاءات رفيعة المستوى، تمثل تحولاً في العلاقة بين البلدين التي ظلت في حالة من الجمود لفترة طويلة. زيارة ماركوس لواشنطن التي تمتد 4 أيام، هي الأولى لرئيس فلبيني منذ أكثر من 10 سنوات.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
الاقتصاد الشركات الأميركية في الصين  تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

الشركات الأميركية في الصين تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

تخشى الشركات الأميركية في الصين بشكل متزايد من مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، وفقاً لدراسة استقصائية أجرتها غرفة التجارة الأميركية في الصين. وأعرب 87 في المائة من المشاركين في الدراسة عن تشاؤمهم بشأن توقعات العلاقة بين أكبر الاقتصادات في العالم، مقارنة بنسبة 73 في المائة في استطلاع ثقة الأعمال الأخير. ويفكر ما يقرب من ربع هؤلاء الأشخاص، أو بدأوا بالفعل، في نقل سلاسل التوريد الخاصة بهم إلى دول أخرى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

من المتوقع أن يبحث قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى في قمتهم المقررة باليابان الشهر المقبل، الاتفاق على تحديد رد على التنمر الاقتصادي من جانب الصين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

انتقدت بكين الجمعة، عزم واشنطن فرض قيود جديدة على استثمارات الشركات الأميركية في نظيرتها الصينية، معتبرة أن خطوة كهذه هي أقرب ما يكون إلى «إكراه اقتصادي فاضح وتنمّر تكنولوجي». وتدرس إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، برنامجاً لتقييد استثمارات خارجية أميركية، بما يشمل بعض التقنيات الحسّاسة التي قد تكون لها آثار على الأمن القومي. وتعاني طموحات الصين التكنولوجية أساساً من قيود تفرضها الولايات المتحدة ودول حليفة لها، ما دفع السلطات الصينية إلى إيلاء أهمية للجهود الرامية للاستغناء عن الاستيراد في قطاعات محورية مثل أشباه الموصلات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ونبين، إن «الولايات المتحد

«الشرق الأوسط» (بكين)

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.


فرنسا تحضّ أميركا وإيران على إعطاء الأولوية للتفاوض

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت 30 سبتمبر 2024 (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت 30 سبتمبر 2024 (رويترز)
TT

فرنسا تحضّ أميركا وإيران على إعطاء الأولوية للتفاوض

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت 30 سبتمبر 2024 (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت 30 سبتمبر 2024 (رويترز)

حضّت باريس، الخميس، واشنطن وطهران على إعطاء الأولوية للتفاوض، مشددة على أن المسار الدبلوماسي هو «السبيل الوحيد لمنع إيران بشكل دائم من الحصول على سلاح نووي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتنشر الولايات المتحدة قوة بحرية وجوية كبيرة في الشرق الأوسط بالتوازي مع تلويحها بتوجيه ضربة عسكرية لإيران.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو: «نتابع ما يحدث ساعة بساعة» حول إيران، موضحاً أن باريس «على اتصال دائم خصوصاً مع السلطات الأميركية».

وأضاف: «نقول للأطراف المعنية إن الأولوية يجب أن تكون للتفاوض؛ لأنه السبيل الوحيد لمنع إيران بشكل دائم من الحصول على سلاح نووي».

كما أكد مجدداً أن فرنسا تعتقد أن تغيير النظام لا يمكن أن يحدث من خلال التدخل الخارجي.

يأتي ذلك فيما دافعت إيران، الخميس، عن حقّها في تخصيب اليورانيوم، غداة تحذير من الولايات المتحدة التي رأت أنّ هناك «أسباباً عدة» لتوجيه ضربة إلى طهران التي تخوض معها مفاوضات غير مباشرة ترمي للتوصل إلى اتفاق.