لا حداثة شعرية من دون اغتصابات لغوية!

أدونيس
أدونيس
TT

لا حداثة شعرية من دون اغتصابات لغوية!

أدونيس
أدونيس

كم كنت أكره الشعر الحديث في البداية، وبالأخص قصيدة النثر. كم كنت أنفر منها وأحقد عليها. والسبب هو أني منذ نعومة أظفاري كنت متشبعاً بالقصيدة العمودية التي تملأ العين وتشبع الأذن بصوتها الجهوري وإيقاعها الفخم. ما أمتع القوافي والأوزان العربية! ما أمتع التغني بها! إنها تسكرك تماماً. لا أستطيع أن أنام وأصحو إلا بعد الترنم بصوت عالٍ بمقاطع من الشعر العربي قديمه والحديث. وأحياناً أزعج الجيران! ينبغي أن أشبع أذني وروحي كل يوم بهذا المقطع أو ذاك، بهذه القصيدة أو تلك... وهي عادتي منذ نعومة أظفاري وحتى الساعة. وأعتقد أن كل من تربى على قراءة المعلقات ومختارات الشعر العربي الأموي والعباسي والأندلسي، وحتى بدوي الجبل وأحمد شوقي ومحمد مهدي الجواهري... إلخ، يفهم ما أقول. ينبغي أن نعترف: الأذن العربية كانت متعودة على إيقاع الأوزان والقوافي العربية الضخمة أو الفخمة التي تشبعك إشباعاً ولا ترضى عنها بديلاً. من هنا سر امتعاضنا من الشعر الحديث عندما ظهر لأول مرة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. من هنا سبب سخطنا الشديد عليه. فالنقلة أو القطيعة كانت فجة، مفاجئة. كانت صعبة علينا وقاسية جداً جداً. أقول ذلك وأنا أتذكر حجم المعارك الضارية التي دارت حول الشعر الحر في كل الأوساط الثقافية، بل وحتى في كل العائلات والبيوت عندما ظهر لأول مرة. فقد انقسم الناس إلى قسمين: قسم معه وهي الأقلية وقسم ضده وهي الأكثرية. وقد كرّست أطروحتي الجامعية لهذه المسألة وناقشتها في السوربون ونلت عليها شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث عام 1981. وكان مما قلت فيها، أن القصيدة العمودية الموروثة منذ آلاف السنين كانت قد تحولت إلى شكل شبه مقدس، معصوم، لا يناقش ولا يمس... لقد تحولت إلى صنم من الأصنام. ولهذا السبب انتفض الجمهور العربي بقوة ضد الشعر الحديث واعتبره زندقة أو هرطقة أو حتى كفراً!
لكن قصيدة النثر قبل أن تظهر في العالم العربي كانت قد ظهرت في فرنسا أولاً. ينبغي العلم بأن قصيدة النثر كانت قد ظهرت في الغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر في حين أنها لم تظهر في العالم العربي إلا منذ منتصف القرن العشرين. وبالتالي، فبين الحداثة الشعرية الفرنسية والحداثة الشعرية العربية يفصل قرن من الزمان. ثم شاعت في أواخر ذلك القرن وتكرست على يد شعراء كبار ليس أقلهم رامبو ولوتريامون ومالارميه. ثم سادت وهيمنت في القرن العشرين على يد رينيه شار وهنري ميشو وآخرين عديدين. ويبدو أنها ظاهرة مرادفة للحداثة.


نزار قباني

فإيقاع الحداثة لم يعد هو إيقاع المجتمعات الزراعية الريفية التقليدية وإنما المجتمعات الصناعية التكنولوجية. وبالتالي، فأصبحت الحداثة في حاجة إلى شكل شعري جديد لمواكبتها. وعلى هذا النحو ولدت قصيدة النثر، وكذلك قصيدة التفعيلة قبلها. يضاف إلى ذلك أن قيود الأوزان والقوافي ترهق الشاعر مهما كان كبيراً وفحلاً ولا تجعله قادراً على التعبير عن جوّانيته العميقة بكل حرية. ولهذا السبب كسر الشاعر الحديث تلك الأوزان وراح ينفجر قائلاً: أعطني حريتي أطلق يديا! على هذا النحو ينبغي أن نفهم سبب ظهور الشعر الحديث.
كان بودلير أول شاعر كبير يدشن قصيدة النثر فعلاً ويكرّسها ويخلع عليها المشروعية من خلال مجموعته التي تحمل العنوان التالي «كآبة باريس: قصائد نثر صغيرة». ويبدو أنه تردد كثيراً قبل أن يتبنى قصيدة النثر. يحصل ذلك كما لو أنه كان يخجل من هذه التسمية، أو يخشى من رفض الجمهور لها. وذلك لأن الجمهور الفرنسي، كما العربي، كان متعوداً على الإيقاعات الضخمة للشعر الموزون المقفى. فهو وحده كان قادراً على إشباعه شعرياً مثلنا تماماً. ولكننا نعلم أن الأوزان والقوافي تدفعان أحياناً حتى بأكبر الشعراء إلى استخدام الحشو أو الافتعال غصباً عنهم. هذا في حين أن قصيدة النثر لا تتقيد إلا بحركة الروح الداخلية وتموجاتها الإيقاعية. هذا لا يعني أنها خالية من أي وزن أو إيقاع. هذا لا يعني أنها سهلة! فالواقع أن لها إيقاعها الداخلي الخاص ولكن الخافت وأكاد أقول الخفي الذي لا تسمعه إلا الأذن المتعودة على تذوق الشعر حقاً. ولكن ينبغي العلم بأن قصيدة النثر أصعب بكثير مما نظن. فلها قيودها الداخلية التي لا يعرفها إلا الشعراء المحترفون الحقيقيون.


بودلير

هناك تقنيات معينة خاصة بقصيدة النثر، وأهمها انتهاك قانون اللغة المعتاد أو اغتصابه كأن نقول مثلاً «ليل أبيض» أو «نهار أسود»، أو «عطر أخضر»، إلخ. هذه الانتهاكات أو الاغتصابات اللغوية هي التي تحدث الشحنة الشعرية وتعوض عن الأوزان والقوافي. ولكن ليس كل الانتهاكات ناجحة أو موفقة. الأسلوب غلطة كما قال أحد النقاد الكبار، ولكن ليس كل غلطة أسلوباً! وعلى هذا المنوال نقول: الشعر اغتصاب لغوي ولكن ليس كل اغتصاب شعراً! للأسف كثيراً ما يستسهلون قصيدة النثر فيكتبها كل من هب ودب. والأخطر من ذلك هو أنهم يستسهلون الاغتصابات اللغوية فتبدو مجانية غير مقنعة على الإطلاق. إنها مجازات باهتة، عبثية، بلا جدوى. إنها مجازات فاشلة لا تحدث الشحنة الشعرية على الإطلاق. وبالتالي، فهناك اغتصاب واغتصاب! انظروا بعض مجموعات الشعر الحديث التي تتكاثر كالفطر، والتي تتشابه في مجازاتها أو انتهاكاتها اللغوية إلى درجة أنك لا تعود تعرف التفريق بينها ما عدا عند الشعراء الموهوبين حقاً. وهذا هو أحد أسباب نفور الناس من الشعر الحديث. مهما يكن من أمر فإن قصيدة النثر فرضت نفسها على فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ لأن ثلاثة من الكبار كتبوا بها وهم: بودلير، ورامبو، ومالارميه. ولكن هؤلاء يعرفون كيف يغتصبون اللغة الفرنسية ويفجّرون اللغة الشعرية. ولا ينبغي أن ننسى ذلك الوحش الرهيب لوتريامون! فعنده وصل الاغتصاب الشعري إلى حدود مفزعة لا يكاد يصدقها العقل.

أمثلة على الاغتصابات الشعرية الناجحة

يقول رامبو في فصل في الجحيم:
«ولكن لماذا نتأسف على شمس أبدية، إذا كنا منخرطين في البحث عن الضوء الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول»...
كيف يمكن أن يموت البشر على الفصول؟ الفصول ليست خشبة لكي يموت الناس عليها. الفصول ليست شيئاً مادياً. ومع ذلك، فالعبارة أحدثت الشحنة الشعرية كأقوى وأعظم ما يكون. هذا مثال ناجح جداً على الاغتصاب المقنع للغة الفرنسية.
ويقول في الإشراقات: قبلت فجر الصيف... الماء كان ميتاً... مشيت موقظاً الأنفاس القوية الفاترة... والجواهر تنظر والأجنحة تحلق دون ضجيج... الفجر والطفل سقطاً في أسفل الغابة، إلخ... (كلها مجازات متفرقة مقتطعة من قصيدة بعنوان: فجر. وقد تبدو عبثية للوهلة الأولى. ولكنها ليست عبثية على الإطلاق.
إن غموضها يخلق جواً محبباً من أروع ما يكون. إن غموضها أرقى من كل وضوح. على أي حال ينبغي أن تُقرأ القصيدة كلها من أولها إلى آخرها وأعتذر عن اقتطاع أشلاء منها. ما أجمل هذه العبارة التي تستهلها: قبلتُ فجر الصيف! إنها تذكرني بأصياف عشتها... إنها تذكرني ببداية العطلة الصيفية وكل الفرحة المرافقة لها كل عام).
ويقول رينيه شار في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو!
«سنواتك الثماني عشرة المستعصية على الصداقة، على اللؤم، على تفاهة شعراء باريس، وكذلك على طنين النحل العقيم لعائلتك المجنونة، حسناً فعلت إذ بددتهم؛ إذ نثرتهم على أرجاء المحيطات في الريح، حسناً فعلت إذ رميتهم تحت سكين مقصلتهم المبكرة»... إلخ
كلها مجازات خارقة، كلها اغتصابات رائعة لشاعر كبير يمجد شاعرا كبيرا آخر ويتغنى بعظمته، بجنونه التحريري الهائل. أنها قصيدة متفجرة من الأعماق تليق برامبو وبرينيه شار في آن معاً. إنها قصيدة تمجّد الفوضى الخلاقة المدمرة المتمردة التي من دونها لا شعر ولا من يحزنون.
ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن الشعر الحديث كله اغتصابات في اغتصابات، كله انتهاكات في انتهاكات. من دون اغتصاب أو انتهاك للمعاني الشرعية للغة لا شعر ولا من يحزنون.
أخيراً، لتوضيح الفكرة أكثر اسمحوا لنا أن نختتم بأمثلة من الشعر العربي. يقول نزار قباني واصفاً القطار السريع الذي ينهب الأرض نهباً:
يمضي قطاري مسرعاً مسرعاً
يمضغ في طريقه لحم المسافات
يفترس الحقول في طريقه
يلتهم الأشجار في طريقه
يلحس أقدام البحيرات
القطار يمضغ لحم المسافات، القطار يفترس الحقول، القطار يلتهم الأشجار، القطار يلحس أقدام البحيرات. كلها مجازات خارقة تغتصب قانون اللغة المعتاد. كلها تفترس اللغة العربية إذا جاز التعبير لكي تنعش اللغة العربية وتضيف إليها مساحة جديدة من الحرية. هذا هو الإبداع. هذا هو الشعر. لا إبداع من دون اغتصاب للمعاني الامتثالية الشرعية المملة للغة العربية...
ويقول أدونيس:
كانت الليلة كوخاً بدوياً
والمصابيح قبيلة
وأنا شمسٌ نحيلة
تحتها غيّرت الأرض رباها
والتقى التائه بالدرب الطويلة
ما يهمني هنا في هذا المقطع الرائع هو: شمس نحيلة. كيف يمكن أن تكون الشمس نحيلة؟ هذا انتهاك لقانون اللغة. فالمرأة قد تكون نحيلة وليس الشمس. ومع ذلك فالمجاز شاعري وناجح جداً جداً.
ثم يقول في قصيدة أخرى:
ليس وجهاً خاشعاً للقمر
هو ذا يأتي كرمح وثني
غازياً أرض الحروف
نازفاً يرفع للشمس نزيفه
هو ذا يلبس عري الحجر
ويصلي للكهوف
هو ذا يحتضن الأرض الخفيفة
الأرض ثقيلة وليست خفيفة. ومع ذلك فالمجاز ناجح جداً ومقنع تماماً. وعموماً، فالأمثلة على ذلك كثيرة في الديوان الرائد والمؤسس للحداثة الشعرية العربية: عنيت «أغاني مهيار الدمشقي». لقد فجّر اللغة الشعرية العربية شكلاً ومضموناً. والأخطر من كل ذلك هو أنه فجّر التراث اللاهوتي القمعي ذاته، أي قدس الأقداس، واستبق على كل ما يحصل حالياً من انفجارات واشتعالات.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».