تعلم كل شيء بسرعة وفق قاعدة 85 %

الاندفاع نحو التعلم بشدة يؤدي إلى انهيار الإنسان نفسياً وجسدياً

تعلم كل شيء بسرعة وفق قاعدة 85 %
TT

تعلم كل شيء بسرعة وفق قاعدة 85 %

تعلم كل شيء بسرعة وفق قاعدة 85 %

أظهرت دراسة حديثة أن الإنسان يجب أن يحث نفسه إلى هذه الدرجة – أي 85 في المائة من الجهد المطلوب - تحديداً، أثناء محاولته إتقان مادة جديدة.
عند تعلم التزلج أو لغة أجنبية أو حتى لغة برمجية جديدة، يجب اتباع طريقة حقيقية واحدة موحدة: إذا ضغطتم على أنفسكم بشدة، فسيصبكم شعور بالإحباط (أو ستصابون جسدياً) وسوف تستسلمون، وإذا لم تدفعوا أنفسكم بالدرجة الكافية، فلن تحرزوا تقدماً بالسرعة التي تريدونها.
باختصار، يجب أن تبحثوا عن مستوى المجهود الذي يوسع قواكم بشكلٍ غير مريح، ولكن دون أن يقضي على تلك القوى بسرعة. ولكن أين تقع هذه النقطة بالتحديد؟

قاعدة 85 في المائة
قد يبدو السؤال شخصياً بعض الشيء. أنا مثلاً معروفٌ بأنني لستُ على قدرٍ وافٍ من البراعة، ما يعني أن تعلمي للركمجة أو التزلج سيتطلب وقتاً أطول بكثير من تعلم رياضي محترف لهاتين الرياضتين. ولكن بينما قد تختلف أهليتنا لتعلم مهارة محددة بدرجة كبيرة، يقر العلم بوجود قاعدة واحدة تتيح لأي شخص تحديد مستوى الشدة التي يجب أن يطبقها على نفسه عند تعلمه لأي شيء.
إنها قاعدة الـ85 في المائة التي تساعد أي شخص على التعلم بسرعة. ولكن قبل أن ندخل في التفاصيل، لا بد من الحديث عن بعض أساسيات علم نفس (سيكولوجيا) التعلم. فقد أظهر أحد الأبحاث أن سعي الإنسان لمضاعفة علمه أو معرفته سيؤسس لنوعٍ من العداوة بينه وبين الراحة. في سياق متصل، وجدت دراسة أخيرة أجرتها جامعة يال الأميركية أن دفع الإنسان لنفسه إلى خارج منطقة راحته يؤدي إلى إشعال مراكز التعليم في الدماغ.
من جهة أخرى، يصر بعض الخبراء من علماء فيزيولوجيا الرياضة ومدربين من أعلى المستويات على أن استغلال هذا المبدأ - أي الاندفاع - حتى أقصاه يمكن أن يكون مضراً أيضاً، أي أن حث الإنسان لنفسه بشدة سيؤدي إلى انهياره سريعاً على الصعيدين النفسي والجسدي.
إذن، أين هي النقطة التي توازن بين هاتين الحقيقتين؟ أجرى باحثون من جامعات أريزونا وبرينستون وبراون دراسة مشتركة استخدموا خلالها محاكاة الكومبيوتر لتحديد درجة الضغط أو الحث التي يجب أن يمارسها الإنسان أثناء التعلم.

نتائج صادمة
تباينت النتائج وفقاً لقاعدة بسيطة وثابتة: إذا كنتم لا تفشلون في 15 في المائة من الحالات، فهذا يعني أنكم لم تبذلوا بعد الجهد الأقصى للتعلم.
بمعنى آخر، يدرك الإنسان أنه وصل إلى نقطة التعلم الصحيحة عندما ينجح في أي شيء يحاوله في 85 في المائة من الحالات.
قد تصدم هذه الخلاصة أصحاب النتائج «الممتازة» الذين يرون في درجة «الجيد جداً» مؤشراً على وجود مشكلة ما (لأنهم يريدون: درجة امتياز). ولكن الباحث الرئيسي في الدراسة روبرت ويلسون يستعرض وجهة نظرٍ أخرى ويقول: «إذا كنتم تحضرون صفوفاً سهلة وتحققون فيها أفضل النتائج طوال الوقت، فهذا يعني أنكم على الأرجح لا تحققون الفائدة المرجوة التي يحققها شخصٌ يواجه صعوبات ويكافح للاستمرار والنجاح».
ويوافق أصحاب الإنجازات والتفوق الرأي مع ويلسون. فقد تكون خلاصات ويلسون جديدة بالنسبة للباحثين عن الكمال ولكنها لن تكون مفاجئة بالنسبة للأشخاص من أصحاب الأداء العالي الذين دافع الكثيرون منهم لسنوات عن مفاهيم علمية تقترب من قاعدة الـ85 في المائة.
يدافع رائد الأعمال والكاتب جايمس كلير منذ سنوات عما يسميه «قاعدة الاعتدال» التي تشير إلى أن البشر يمرون بقمة تحفيزهم عندما يعملون على مهام توازي عتبة قدراتهم الحالية، أي ليست صعبة جداً أو سهلة جداً... بمعنى آخر، إنها قاعدة الـ85 في المائة ولكن دون تحديد نسبة مئوية.
من جهتها، تعيد العداءة الأولمبية أليكسي بابيس الكثير من نجاحاتها لـ«قاعدة الثلث» التي تعلمتها من مدربها: «عندما تلاحقون حلماً كبيراً، من المفترض أن يخالجكم شعورٌ جيدٌ في ثلث الحالات، وشعورٌ لا بأس به في ثلث الحالات، وشعورٌ سيئ في ثلث الحالات. وعندما تشعرون أن هذه النسب الثلاث تملكتكم بقوة، فهذا يعني أنكم تلاحقون الحلم بالشكل الصحيح. أما إذا شعرتم أنكم بخير طوال الوقت، فهذا يعني أنكم لا تحثون أنفسكم بالدرجة الكافية».
من جهتها، تتمسك نانديتا باخشي، الرئيس التنفيذية لمصرف «ويست» بمفهومها الخاص لـ«قاعدة الأثلاث». خلال رحلتها صعوداً على سلم النجاح المهني، كانت تذكر نفسها بأن نوع المركز الذي تسعى له ليس مريحاً، بل «ثلثه منطقة راحة، وثلثه الثاني يتطلب مجهودا، وثلثه الثالث هلع».
قد تختلف النسبة الدقيقة بين الفشل والتعاسة والنجاح في هذه الأمثلة ولكنها تقوم على المبدأ نفسه. الخلاصة: لا يجب أن تسعوا للمثالية والكمال إذا كنتم تريدون تحقيق أفضل النتائج على صعيد تحسين الذات والتعلم، بل يجب أن تفشلوا في نسبة معينة من المحاولات. ولكن ما هي نسبة هذا الفشل؟ تشدد أحدث الدراسات العلمية على أنكم إذا كنتم لا تفشلون في 15 في المائة من محاولاتكم، فإذن يجب أن تفكروا في تحدي أنفسكم أكثر.
*«إنك» ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البقوليات: هل تفيد القلب؟

البقوليات: هل تفيد القلب؟
TT

البقوليات: هل تفيد القلب؟

البقوليات: هل تفيد القلب؟

​تبرز البقوليات بوصفها خياراً لا يُضاهى عندما يتعلق الأمر بالبروتينات النباتية. وتتميز نباتات هذه الفصيلة (التي تتضمن الفاصوليا والعدس والبازلاء) بمحتواها الغني بالكربوهيدرات المعقدة، النوع الصحي الذي يستغرق وقتاً طويلاً للهضم. وبجانب ذلك، تعتبر البقوليات غنية بالألياف، ومنخفضة الدهون، وتحتوي على مجموعة متنوعة من الفيتامينات والمعادن.

بدائل صحية

في هذا الصدد، يقول الدكتور راني بولاك، المدير المؤسس لبرنامج «أساسيات التثقيف الصحي والطهي»، التابع لـ«معهد طب نمط الحياة»، بجامعة هارفارد: «تناول البقوليات بدلاً من مصادر البروتين والكربوهيدرات الأخرى الأقل إفادة للصحة، يمكن أن يساعد في الوقاية من حالات طبية شائعة، تسهم في الإصابة بأمراض القلب».

السؤال هنا: لماذا؟ بداية، غالباً ما يقترن البروتين الموجود في كثير من منتجات اللحوم والألبان بدهون مشبعة ترفع مستويات الكوليسترول. أما الكربوهيدرات البسيطة المستمدة من الحبوب المكررة (مثل الخبز الأبيض والأرز الأبيض) فقد جُرِّدت من الألياف التي تسهم في خفض الكوليسترول.

كيف تعزز البقوليات صحة القلب؟

بوجه عام، تحتوي البقوليات على نوعين من الألياف الصحية: الألياف القابلة للذوبان، والنشا المقاوم. وتعمل الألياف القابلة للذوبان مثل الإسفنجة داخل الجهاز الهضمي؛ حيث تحبس العصارة الصفراوية الغنية بالكوليسترول، وتسمح للجسم بالتخلص منها. أما النشا المقاوم فيذوب داخل الأمعاء الغليظة، ليوفر بذلك الغذاء لبكتيريا الأمعاء التي تنتج أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة. وبالتعاون مع مكونات الألياف الأخرى، قد تساعد هذه المواد في خفض مستويات الكوليسترول وضغط الدم والالتهابات ووزن الجسم، وجميعها عوامل رئيسة مرتبطة بأمراض القلب.

في هذا السياق، يضيف الدكتور بولاك: «تتيح البقوليات شعوراً كبيراً بالشبع، ما قد يساعد الأشخاص على تناول كميات أقل من الطعام وإنقاص الوزن». كما أن تناول البقوليات قد يقلل من خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، ويمكن إيعاز السبب -على الأرجح- إلى انخفاض مؤشر نسبة السكر في الدم (المؤشر الغلايسيمي) للبقوليات، الأمر الذي يسهم في ضبط مستويات السكر في الدم؛ علماً بأن الإصابة بالسكري تضاعف خطر الإصابة بأمراض القلب.

السلبيات المحتملة لتناول البقوليات

ينبغي الانتباه هنا إلى أنه مثلما الحال مع الأطعمة الأخرى الغنية بالألياف، قد تسبب البقوليات انطلاق غازات معوية، ما يخلق شعوراً بالانتفاخ وتراكم الغازات. فإذا كنت نادراً ما تتناول البقوليات، فعليك الحرص على زيادة الكمية التي تتناولها تدريجياً. ومع الاستمرار في تناولها بانتظام ستتأقلم بكتيريا الأمعاء لديك مع الألياف الإضافية، وستنتج كميات أقل من الغازات بمرور الوقت.

ويساعد نقع البقوليات طوال الليل وطهيها في ماء نظيف على التخلص من المواد المسببة للغازات. كما يوصَى بنقعها مرتين باعتبار ذلك وسيلة أكثر فاعلية؛ غير أن هذا يُعد سبباً آخر قد يدفع الناس لتجنب البقوليات، وذلك لاعتقادهم أن تحضيرها يستغرق وقتاً طويلاً. إلا أنه بإمكانك دوماً استخدام الفاصوليا المعلبة. وهنا يؤكد الدكتور بولاك أن معظم الوقت المخصص لنقع الفاصوليا وطهيها لا يتطلب أي جهد ولا أي تدخل مباشر.

سلطة بالحمص والعدس وجبن «الفيتا» مع السمسم

ادمج البقوليات في نظامك الغذائي

عليك الشروع على الفور في الاستعاضة عن جزء من اللحوم في أطباقك المفضلة (مثل لفائف «التاكو» أو المعكرونة بالصلصة)، بالفاصوليا السوداء أو الحمراء المعلبة قليلة الصوديوم. ويتوفر العدس الذي لا يحتاج إلى نقع بألوان متنوعة، تتضمن البُنِّي والأخضر والأسود. وجدير بالذكر هنا أن العدس البرتقالي الصغير (المعروف أيضاً بالعدس الأحمر)، ينضج في غضون 5 إلى 7 دقائق فقط. ويمكنك تجريب وصفة الدكتور بولاك، ويمكنك إضفاء لمسة مميزة عليها بإضافة أي مزيج من الحبوب الكاملة المطبوخة، أو الخضراوات المقطعة، أو المكسرات المفرومة، حسبما يقترح.

وإليك بعض الأفكار الأخرى:

• استبدل بجزء من حصة الأرز العدس المطبوخ.

• أضف الفاصوليا الحمراء أو اللوبياء (البازلاء ذات العين السوداء) إلى السلطة الخضراء.

• تناول «الإيدامامي» (فول الصويا الأخضر) بوصفه وجبة خفيفة، أو جرب إحدى الطرق الكثيرة الأخرى للاستمتاع بفول الصويا.

• حضِّر حساءً باستخدام البازلاء المجففة المقسمة (سواء الخضراء والصفراء).

• أعدَّ الحمص بالطحينة أو أطباقاً أخرى تعتمد على الحمص، مثل «تشانا ماسالا» chana masala (حمص مطبوخ مع صلصة الطماطم والتوابل).

• ابحث عن وصفات تستخدم الفاصوليا، مثل «فريخوليس ريفرتوس» frijoles refritos (فاصوليا البينتو المهروسة والمقلية، والمطهوة ببطء مع البصل والثوم)، أو «باستا إي فاجيولي» pasta e fagioli (فاصوليا الكانيليني، مع قطع صغيرة من المعكرونة في مرق الطماطم).

سلطة العدس البرتقالي مع جبن «الفيتا» والأعشاب الطازجة

يمكن تعديل هذه الوصفة -المقدمة من الدكتور راني بولاك، من «معهد طب نمط الحياة»، بجامعة هارفارد- بإضافة الحبوب الكاملة المطبوخة، أو الخضراوات المقطعة، أو المكسرات المفرومة.

المكونات:

• 7 أونصات (الأونصة 29 غراماً تقريباً) من العدس البرتقالي المقسم (المنقَّى والمغسول).

• رشتان من الملح.

• 3 ملاعق كبيرة من عصير الليمون الطازج.

• 3 ملاعق كبيرة من زيت الزيتون البكر الممتاز.

• فص ثوم واحد مهروس.

• ملعقة كبيرة من النعناع الطازج المفروم.

• ملعقتان كبيرتان من البقدونس الطازج المفروم.

• أونصة واحدة من جبن «الفيتا» قليل الدسم.

• رشة من الفلفل الأسود المطحون.

طريقة التحضير

ضع العدس مع رشة من الملح في قِدر صغير، وأضف الماء حتى يغمره. ارفع القِدر على نار متوسطة حتى يغلي، ثم ارفعه فوراً عن النار وصَفِّه من الماء. اغسل العدس بالماء البارد وصفِّه في مصفاة، ثم انقله إلى وعاء السلطة. أضف عصير الليمون والزيت والثوم والنعناع والبقدونس والجبن. اترك الخليط جانباً لمدة 30 دقيقة على الأقل في درجة حرارة الغرفة، لتتجانس النكهات، ثم أضف الملح والفلفل قبل التقديم.

* رسالة هارفارد للقلب، خدمات «تريبيون ميديا».


في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق

في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق

في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق

حتى سنوات قليلة كان التخرج من الجامعة تجربة مُفعمة بالحماس، فهي لحظة مليئة بالوعود للخريجين، زاخرة بالإمكانات، ومفعمة بشعورٍ وكأنّ أبواباً كثيرة قد انفتحت أمامهم دفعة واحدة. وإن لم تتغير طموحات الخريجين ولا حماسهم اليوم، فإن سوق العمل الذي يدخلونه أصبح مختلفاً تماماً، فالمهام التي كانت تُحدد دور الموظف المبتدئ (تحليل البيانات، وكتابة التقارير، وتدوين ملاحظات الاجتماعات) أصبحت الآن مؤتمتة، ما يُغيِّر شكل وتوفر فرص العمل في بداية المسيرة المهنية، كما كتب بهارات سياني*.

الذكاء الاصطناعي «يقلص» عدد الوظائف

يُشير مركز بيو للبحوث إلى أن 73 في المائة من الأشخاص دون سن الثلاثين يعتقدون الآن أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تقليص عدد الوظائف، مقارنة بـ61 في المائة قبل عامين. ومخاوفهم هذه في محلها، فالوظائف الشاغرة للمبتدئين آخذة في التناقص.

أما بالنسبة لمن ينجحون في دخول سوق العمل، فإن طبيعة العمل تتغير أيضاً. إنَّ «ترقية» الوظائف المبتدئة تعني أنّه في المجالات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بات من المرجَّح أن يحتاج الموظفون الجدد إلى مهارات من ذوي الخبرة المتوسطة 7 مرات أكثر من الموظفين في وظائف أقل ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي.

تطوير المهارات بالذكاء الاصطناعي بدلاً من التفاعل مع مخرجاته

وبدلاً من «التعلُّم بالممارسة»، يلجأ كثيرون إلى «التعلُّم بالمراجعة»؛ حيث يقضون وقتاً في التلاعب بمخرجات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تطوير مهارات قيِّمة كالحكم السليم، والتعرُّف على الأنماط، والتفكير النقدي.

في هذا السياق، تبرز مشكلة. فالعمل بفاعلية مع الذكاء الاصطناعي يتطلَّب قدراً من الخبرة قد يفتقر إليه كثير من الموظفين الجدد، نظراً لحداثة عهدهم بسوق العمل. والخبرة هي ما تساعدنا على التمييز بين مخرجات الذكاء الاصطناعي المفيدة والسيئة. ورغم أنَّ المخاطر لا تقتصر على شاغلي الوظائف المبتدئة -فقد يقع العاملون ذوو الخبرة أيضاً في فخِّ الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي لإنجاز قائمة متزايدة باستمرار من المهام- فمن المنطقي افتراض أنَّ الموظفين الجدد هم الأكثر عرضة للأخطاء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي وللأخطاء الإدارية.

فجوة المهارات الشخصية في بداية المسيرة المهنية

هذا لا يعني أنَّه ينبغي لنا الحدُّ من استخدام الذكاء الاصطناعي أو الخوف منه؛ بل على العكس تماماً؛ إذ تُتيح الأدوات المناسبة إحداث تأثير ملموس من خلال تحويل سير العمل، وإزالة المعوقات الإدارية، وتعزيز الكفاءة. في مستقبل العمل الذي سيُشكِّله الذكاء الاصطناعي ويُحدِّده، يُعدُّ ضمان اكتساب العاملين على جميع المستويات معرفة جيدة بالذكاء الاصطناعي أمراً بالغ الأهمية.

لكن المشكلة الأساسية -والمفارقة- لا تزال قائمة: فتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي بفاعلية غالباً ما يتطلب مهارات نتوقعها الآن من الموظفين الجدد، حتى مع تقييد فرصهم في تطويرها. ويُهدد هذا الوضع بتفاقم فجوة المهارات الشخصية في بداية المسيرة المهنية.

ردم فجوة المهارات

على القادة الجادِّين في سدِّ هذه الفجوة وتأهيل الخريجين للنجاح في المستقبل، التركيز على 3 أمور:

1- خلق فرص مُخصصة للتفكير النقدي: يُعدُّ تكليف الموظفين الجدد بانتظام بمشاريع تتطلب منهم تقييم الخيارات، وتقديم التوصيات، والحصول على التغذية الراجعة، من أنجع الطرق لبناء مهارات التفكير النقدي العملي.

ويتمثل أحد الأساليب في منح الموظفين الجدد مشاريع خاصة بهم، وعرض مسيرة تقدُّمهم مباشرة على زملائهم الذين يُمكنهم التعرُّف على منطقهم، وطرح أسئلة مُحدَّدة، وفهم منهجهم. لا ينبغي التعامل مع هذا كاختبار؛ بل كوسيلة لزملاء العمل الجدد لتطوير مهارات التفكير المنطقي الفعال والدفاع عنها. فهو ينقل العمل من بيئة النماذج إلى العالم الحقيقي، ويتيح لهم فرصاً للتفكير النقدي وتلقي ملاحظات بناءة من زملائهم.

استخدام منخفض المخاطر

2- اجعل استخدام الذكاء الاصطناعي واضحاً ومنخفض المخاطر: إلى جانب وضع إرشادات واضحة للذكاء الاصطناعي، يجب على القادة إبقاء استخدامه واضحاً ومنخفض المخاطر، حتى تظهر الأخطاء مبكراً ويتم احتواؤها. عملياً، قد يعني ذلك تشجيع الموظفين الجدد على أتمتة مجموعة محددة مسبقاً من المهام البسيطة فقط -مثل تلخيص مكالمة داخلية أو ضغط مجموعة بيانات- مع تسجيل كل خطوة في مستند مشترك. أو مطالبة الزملاء بالإبلاغ عن المحتوى الذي يتم إنشاؤه بدعم من الذكاء الاصطناعي، حتى يكون ذلك واضحاً عند انتقاله عبر سلسلة التنفيذ أو المراجعة. ويصبح السجل بمنزلة مسار للمساءلة، ما يمنح المديرين رؤية واضحة للمحتوى الذي يُنشئه الذكاء الاصطناعي، وفرصة لتقديم ملاحظات إذا أغفل الموظفون الجدد جوانب قصور مخرجات الذكاء الاصطناعي.

إتقان التدريب

3- ابدأ التدريب على إتقان الذكاء الاصطناعي مبكراً واستمر فيه: يعني إتقان الذكاء الاصطناعي معرفة متى يجب استخدامه ومتى لا يجب، وأي الأدوات تناسب أي مهمة، وامتلاك المهارات والمصطلحات اللازمة لاستخدام التوجيهات الصحيحة، وتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي بشكل نقدي.

هذه مهارات يجب تعلُّمها. وقد يتجلى ذلك في مشاركة حالات استخدام واقعية في المؤسسات، تُظهر مواطن نجاح وفشل سير عمل الذكاء الاصطناعي.

كما يجب على المؤسسات ضمان عدم اعتماد الموظفين الجدد بشكل مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي في المهام التي تتطلب حُكماً سليماً وأسلوباً إبداعياً. بمجرد أن يعرف الأفراد معايير الأداء الجيد وكيفية الوصول إليه، سيصبحون في وضع أفضل لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتحقيق تلك الغاية بسرعة أكبر.

لا اختصار للتفكير

والأهم من ذلك، يجب على كل فرد في أي مستوى من مستويات المؤسسة أن يدرك أن الذكاء الاصطناعي ليس اختصاراً للتفكير، ولا يُغني عن بذل الجهد. وبصفتها حامية للمواهب المستقبلية، فإن الشركات التي توضح هذا الأمر وتُمكِّن الموظفين الجدد من بناء مهاراتهم التقنية والشخصية في وقت مبكر من حياتهم المهنية، ستشهد ازدهاراً ملحوظاً في هذه المواهب.

أما بالنسبة للخريجين، فالرسالة واضحة: عززوا مهاراتكم في الذكاء الاصطناعي، وكونوا فضوليين (محبين للاطلاع) ونشطين في استكشاف الأدوات الجديدة. ولكن لا تفعلوا ذلك على حساب تحدي أنفسكم لحل المشكلات وتكوين الآراء بشكل مستقل (خاص بكم). في مستقبل العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، سيكون قادة المستقبل هم من يستطيعون تحقيق هذا التوازن بنجاح.

* مجلة «فاست كومباني».


«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي
TT

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«التغيير الذي لا رجعة فيه» يزيد المخاوف من تهديده لمستقبل البشرية

شكوك الأميركيين عميقة تجاه تطوراته

//

أصبح الحديث عن المخاوف والقلق المتعلق بالذكاء الاصطناعي جزءاً معتاداً من يوم عمل كانديس ن. تومسون، المعالجة النفسية العاملة في «وادي السيليكون»، إذ أظهر زبائنها، وهم في الغالب موظفون متفوقون في قطاع التكنولوجيا، مخاوف عملية بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على حياتهم المهنية، إضافة إلى شعورهم بالقلق أيضاً إزاء قضايا أوسع نطاقاً، مثل تأثيراته على مستقبل البشرية، وهي قضية نوقشت على نطاق واسع الشهر الماضي عندما حذر خبير سابق في هذا المجال من أن التكنولوجيا المتطورة بسرعة قد تقضي علينا جميعاً.

الذكاء الاصطناعي... تهديد وجودي

تقول تومسون، التي تمارس العلاج النفسي منذ أكثر من 17 عاماً: «خلال مسيرتي المهنية في العلاج لم أرَ قط تهديداً وجودياً كهذا. لا أعتقد أن أحداً منا بمنأى عن هذا الخطر، حتى زبائني الذين لا يعملون في مجال التكنولوجيا». ويشير معالجون نفسيون آخرون إلى أن المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي باتت شائعة بشكل متزايد بين زبائنهم، نتيجة قيام هذه التقنية بإعادة تشكيل بيئة العمل، واستهلاك الموارد الطبيعية، وإثارة مخاوف بشأن الخصوصية، والأمن.

«شكوك» الأميركيين العميقة

وقد كشفت دراسة أجراها مركز «بيو» للأبحاث -ونُشرت في يونيو (حزيران) الماضي- أن الأميركيين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بقدر كبير من «الشك العميق». فقد توقعت نسبة أكبر من البالغين أن يكون للذكاء الاصطناعي تأثير سلبي عليهم وعلى المجتمع مقارنة بالتأثير الإيجابي. وبالإضافة إلى ذلك، ذكر نحو ثلثي المشاركين في الاستطلاع أنهم يشعرون بأن تقنية الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة مفرطة.

اكتئاب الذكاء الاصطناعي... بعد اكتئاب التغير المناخي

وتقول شيري تيركل -عالمة الاجتماع، والأستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ومؤلفة كتاب «الحميمية الاصطناعية: من نصبح عندما نتحدث إلى الآلات» Artificial Intimacy : «يشعر الناس بغياب القدرة على التأثير، وبحالة عميقة من العجز، وفقدان السيطرة».

وتضيف قائلة: «هناك وجه شبه بين هذا الوضع والاكتئاب الناجم عن التغير المناخي؛ إذ تشعر بأن هناك خللاً عميقاً، لكنك قد ترى أن أي تحرك سيكون بلا جدوى، فيتحول الاكتئاب إلى حالة عامة، ومبهمة».

كيف يظهر القلق من الذكاء الاصطناعي في جلسات العلاج النفسي؟

بالنسبة للأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات مشخصة -مثل اضطراب القلق العام generalized anxiety - قد يبدو الضيق الناجم عن الذكاء الاصطناعي أكثر حدة. وقالت إيما باستو، وهي أم لثلاثة أطفال صغار تبلغ من العمر 32 عاماً، وتقيم في ميلتون بولاية نيو هامبشاير، إنها وجدت نفسها تفكر في الذكاء الاصطناعي بشكل شبه متواصل لعدة أيام، وذلك بعد اطلاعها على أحدث التوقعات التي تنذر بنهاية العالم، ومعرفتها بأن بعض الأشخاص يستخدمون أدوات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى جنسي غير متفق عليه من طرفين.

وذكرت باستو، التي تعاني من اضطراب الوسواس القهري، أنها تميل إلى الانزلاق في دوامات من القلق، لأن عقلها يوهمها بأن الاستغراق المستمر في التفكير سيضمن لها الأمان بطريقة ما. وقالت واصفةً حالتها: «الأمر أشبه بوجود شوكة في حذائك؛ قد تنشغل بأداء مهام أخرى، لكنها تظل موجودة، وتوخزك باستمرار».

وأشارت إلى أن معالجها النفسي ساعدها في كسر هذه الحلقة المفرغة من خلال تذكيرها بأن هناك أموراً لا تملك السيطرة عليها ببساطة، مضيفة: «القلق بشأن هذه الأمور لن يجدي نفعاً».

مخاوف مراجعي العيادات من التكنولوجيا

تسافر راشيل وود، وهي معالجة نفسية تدرس الآثار النفسية للتكنولوجيا، بانتظام في أنحاء البلاد لتوعية زملائها من المعالجين حول كيفية تفاعل الناس مع الذكاء الاصطناعي، ولشرح أحدث الأبحاث المتعلقة بتأثيراته، ومناقشة مظاهر حضوره في الممارسات العلاجية السريرية.

وقد عقدت مؤخراً ورشة عمل مع مجموعة من علماء النفس في ولاية أوريغون، وسألت الحضور عما إذا كان المراجعون يطرحون مخاوف وجودية بشأن الذكاء الاصطناعي؛ فأجاب نحو نصف المعالجين بالإيجاب. وذكرت وود، التي تدير عيادة خاصة صغيرة في كولورادو سبرينغز بولاية كولورادو، أن بعض مراجعيها يطرحون هذا الموضوع أيضاً.

حزن بسبب «التغيير الذي لا رجعة فيه»

وأوضحت أن قلقهم غالباً ما يرتبط بمشاعر الحزن إزاء «التغيير الذي لا رجعة فيه، والذي نعيشه حالياً، والسرعة الهائلة التي يحدث بها هذا التغيير»، مضيفة: «من الصعب حقاً مواكبة هذا الأمر، واستيعاب دلالاته في ظل هذه الوتيرة المتسارعة». ومع تولي الذكاء الاصطناعي مهام كانت تُسند سابقاً للبشر، يتساءل الكثيرون: «ما هي القيمة التي أقدمها أنا؟». وأشارت وود إلى أن هذا التحول في الهوية المهنية يُعد من أبرز الجوانب التي تثير لدى المراجعين شعوراً بالفقدان، وعدم اليقين.

بين التحمّس وانحسار الفكر النقدي

من جانبها قالت يوكسين صن، وهي عالمة نفس في سياتل، إنه ليس كل مراجعيها يعبرون عن مخاوفهم بشأن الذكاء الاصطناعي؛ بل إن بعضهم -على حد تعبيرها- «متحمسون جداً للذكاء الاصطناعي»، وينظرون إليه في المقام الأول نظرة إيجابية. بينما واجه آخرون صعوبة أكبر في استيعاب ما يعنيه الذكاء الاصطناعي بالنسبة لهم، ولعائلاتهم.

وعلى سبيل المثال، عبّر بعض مهندسي البرمجيات -الذين باتوا يطلبون من الذكاء الاصطناعي كتابة الرموز البرمجية بدلاً من القيام بذلك بأنفسهم- ليوكسين عن شعورهم بفقدان الجانب الأكثر تشويقاً وأهمية في عملهم. كما أعرب أولياء أمور عن مخاوفهم من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي لدى أبنائهم.

كيف نوقف هذه الدوامة؟

لا توجد إجابات بسيطة، لكن الخبراء ينصحون بالتركيز على «اللحظة الراهنة، وبذل ما في وسعك لإحداث تغيير ملموس، سواء في حياتك الشخصية، أو في الشأن العام».

تستخدم باستو تطبيق «5 Calls» للتواصل مع المسؤولين المنتخبين للمطالبة بوضع المزيد من الضمانات التنظيمية للذكاء الاصطناعي. أما المعالجة النفسية تومسون فإنها تدعو إلى الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا في مجال الصحة النفسية، إذ قدمت العام الماضي محاضرة ضمن فعاليات «TEDx» بعنوان: «لماذا لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون معالجك النفسي؟»، وسلطت فيها الضوء على طبيعة العلاج النفسي القائمة على العلاقات الإنسانية، والسرّيّة، والمحكومة بأخلاقيات وحدود فريدة تضمن سلامة العلاقة العلاجية.

وتقول تومسون: «نحن نقف عند نقطة تحول مفصلية، حيث لا يزال بإمكاننا ممارسة بعض السيطرة، وإسماع صوتنا بشأن هذه القضية». بينما تشير صن إلى أن مشاعر القلق الوجودي التي يعبر عنها بعض المراجعين في العيادات النفسية تنبع غالباً من شعورهم بفقدان السيطرة، وغياب المعنى. وتضيف قائلةً إن طرح السؤال التالي قد يكون مفيداً: «ما هي الأمور التي لن أوكل مهمة القيام بها إلى الذكاء الاصطناعي؟»، وهي تحث زبائنها على النظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة تقييم ما يهمهم حقاً.

* خدمة «نيويورك تايمز»